إسلام ويب

وفرحوا بالحياة الدنيا [1،2]للشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الفهم الخاطئ أو التصور الخاطئ للشيء يجر إلى الحكم الخاطئ والعمل الخاطئ، فتصور الإنسان لهذه الدنيا على غير حقيقتها يجر إلى عمل لا يفيد ولا ينفع، بل قد يضر، وبذلك يخسر المرء دنياه وأخراه، وبما أن صانع الشيء أعرف بصنعته وما يصنعه، فكذلك الدنيا، ولله في ذلك المثل الأعلى، فالله عز وجل هو من نلجأ إليه في معرفة حقيقة الدنيا لكي نسير سيراً صحيحاً فنفوز في الدنيا والآخرة.

    1.   

    فهم الناس للدنيا فهماً خاطئاً

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.

    أيها الإخوة في الله! هذه الحياة التي نعيشها ونقضيها على ظهر الأرض ذات هدف، والذي يبدو من تصرفاتنا على ظهرها أننا ما عرفنا الغرض منها، ودائماً الحكم على الشيء فرع عن تصوره، تصورك للشيء وفهمك له يبعثك على الحكم عليه، فإذا كان التصور صحيحاً والفهم صحيحاً كان الحكم صحيحاً، فهذه قاعدة عند العقلاء كلهم، وإذا كان التصور خاطئاً والفهم خاطئاً ترتب على ذلك أن يكون الحكم خاطئاً، هذه الحياة فُهمت من قبل الكثير من الناس على غير مراد الله منها.

    تصورات خاطئة للحياة الدنيا عند الناس

    هناك قوم ظنوها فرصة للعد من الشهوات، وللاستكثار من الملذات، فهم يتنافسون على الرغيف، ويتطاحنون في سبيل الريال، ويعضون ويستغرقون في مطالب البطن والفرج، لا يشبعون بشيء ولا يقنعون من شيء؛ لأن تصوراتهم أنها فرصة، ما دامت فرصة للشهوات: لماذا لا يلبس؟ ولماذا لا يأكل؟ ولماذا لا ينكح؟ ولماذا لا يتمتع؟ ولماذا ولماذا؟ يريد ألا يخرج من هذه الدنيا إلا وقد استغرق بكل شهواتها، فجمعوا في سبيل تحقيق هذه الشهوات الأموال، وظنوا أنهم بهذه الأموال يستطيعون أن يحققوا السعادة التي توفرها لهم هذه الإمكانيات والقدرات، وعند التطبيق العملي لهذه الفكرة الخاطئة فوجئوا بالحقيقة المرة التي تضعهم في المواجهة الصعبة في أن السعادة ما حققت بالمال، بل كان المال سبباً رئيسياً في شقائهم، يقول الله عز وجل: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:55] سبحان الله! المال عذاب يُعَذِّبَهُمْ بِهَا [التوبة:85] نعم عذاب، عذاب في جمعه وتنميته وتثميره، وعذاب عند مفارقته والابتعاد عنه، فهو عذاب في البداية وفي الوسط وفي النهاية، عذاب في عذاب في عذاب..

    والإنسان في الأصل ما جمع المال إلا ليرتاح ولكن بالمال شقي:

    ولست أرى السعادة جمع مال     ولكن التقي هو السعيد

    وقوم ظنوا هذه الدنيا أو هذه الحياة مركزاً ورتبة ومنصباً وجاهاً ووظيفة، فقضوا الأعمار والسنوات الطوال في سبيل التحصيل حتى تسلموا أعلى المناصب وارتقوا إلى أعلى الرتب، وإذا بهم بالمناصب والرتب يشقون لا يسعدون.

    وقوم ظنوها بكثرة الأولاد وكثرة العيال وكثرة الزوجات وإذا بالأولاد والزوجات يتحولون إلى عذاب فوق عذاب.

    إن الثمار والنتائج كانت شيئاً طبيعياً لتصورات الناس، وإذا رأيتم الآن أصحاب الأموال الذين يستغرقون حياتهم في تثميرها ويتطاحنون عليها لا ترون عندهم نعيماً أبداً، هل يأكل التاجر (صاحب الأموال) ورقاً؟ يطبخ ورقاً أبو خمسمائة من أجل أن يأكل أحسن من الفقير؟ هل يفصل ثوباً قيمته خمسمائة؟ أو يلبس بشتاً مفصلاً من ورق؟ هل يسكن عمارة مبنية بالذهب؟ لا. بل يأكل كما يأكل الفقير، ويشرب كما يشرب الفقير، وينام كما ينام الفقير، ويركب كما يركب الفقير لكن هو فقير في ذاته، الأموال خلف ظهره وليس في عينيه إلا الفقر كما جاء في الحديث، يقول عليه الصلاة والسلام: (من أصبح والدنيا همه -مفتوح قلبه فقط على جمع المال من أين يأتي بالمال- جعل الله فقره بين عينيه) فلا يرى إلا الفقر، البنوك ممتلئة، والأرصدة مرتفعة، والمخازن كثيرة، والمحطات كثيرة، والأراضي كثيرة، والعمارات كثيرة، لكن كلها وراء ظهره وليس بين عينيه إلا الفقر فأينما ذهب فالفقر بين عينيه، وإذا سألته: كيف الأحوال؟ كيف الأمور؟ قال: والله يا أخي! الأمور متأزمة، والسيولة النقدية غير متوفرة، والعالم متخبط اقتصادياً، ونخشى أن يحصل زعزعة في المال. وهو مسكين فقير.. لماذا؟ لأن الفقر بين عينيه. (من أصبح والدنيا همه فرق الله عليه شمله) أول شيء، فرق الله عليه شمله: أي شتت عليه أمره، فتراه يسعى ولا يدرك، من الصباح إلى المغرب وإذا جئت تسأله: ماذا صنعت؟ ماذا عملت؟ قال: والله ما قضيت لي غرضاً، ذهبت البلدية وعقّدوها، ذهبت مكتب العمل وما أفلحت، وذهبت الجوازات وعلى الله أن يمشوا معاملتي، وذهبت الإمارة والله لم أجد أحداً يمشي المعاملة، لماذا؟ لأن أمره مشتت ومفرق؛ لأنه اهتم بالدنيا ولم يهتم بالآخرة. (وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له) والله لا الدنيا تأتي بالطلب والحرص، ولا الفقر يأتي بالكسل، وإنما الأرزاق مقسومة والأسباب مشروعة، والله يقول: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف:32].

    1.   

    ثمار الفهم الصحيح للدنيا

    قال: (ومن أصبح والآخرة همه) أصبح وفي قلبه مثل النار تشتعل من خوفه من الله، ومن خوفه من لقاء الله، ينام على الفراش الوثير الطويل العريض ولكن هذا الفراش في غرفة النوم الواسعة لا تنسيه ضيق القبر، ويعيش على الأنوار الساطعة وفي العمارات الشاهقة ولكن هذه الأنوار وهذه السقوف المنقشة والمطلية لا تنسيه ظلمة القبر، يعيش مع زوجته وأولاده وأسرته وأقاربه ولكنه لا ينسى ظلمة القبر ووحشته، فهو يعيش هنا بجسده وقلبه في الآخرة، مسافر إلى الله بقلبه، جسده في الأرض وروحه عند الله عز وجل.

    يفكر! من حين أن يصبح وقلبه معلق بالآخرة: كيف يعمل الصالحات؟ كيف ينجو من السيئات؟ كيف يتقرب إلى الله؟ كيف يسلك الطرق الموصلة إلى الله؟ ينفذ إلى الله من كل باب، ويصل إلى الله من كل طريق، بالخطوة يمشي إلى الله، بالأذن والكلمة يسمع فيمشي إلى الله، باللسان يتكلم به في الخير ويعمل به الخير فيصل إلى الله، باليد يمشي إلى الله، المهم رجل ينتهز الفرص، متاجر مع الله، لا يحقر من المعروف شيئاً ولو أن يتبسم في وجه أخيه المسلم، إذا لقي أخاه يبدأه بالسلام ويقول: السلام عليكم، الله يصبحك بالخير، كيف حالك يا أخي؟! يريد أن ينال أجراً بهذا السبب رغم أنه لن يخسر شيئاً، يقول عليه الصلاة والسلام: (تبسمك في وجه أخيك صدقة) ويقول: (لا يحقرن أحدكم من المعروف شيئاً ولو أن يلقى أخاه بوجه طلِق) وفي رواية أخرى: (طلي) وفي رواية أخرى: (طلْ).

    المهم أن هذا هو المتاجر، وهذا هو الموفق الذي يريد أن يعيش لله يحول حياته كلها ويصبغها بصبغة الدين، موظف ولكنه موظف مؤمن فيدخل على الله ويصل من باب الوظيفة، يأتي مبكراً ويلقى المراجعين بأسلوب طيب ووجه بشوش، يقدم لهم الخدمات ويسهل لهم الأمور، ويفتح لهم الثغرات، ويجد لهم الطرق التي تمشي أمورهم وتقضي حوائجهم وفق الأنظمة، ولا يرى طريقاً يسيرة إلا سار بها بين الناس، وبعد ذلك إذا لم يجد فرصة اعتذر إليهم بوجه طيب وقال لهم: يا إخواني! أنا والله أتمنى أن أخدمكم ولكن النظام كما تعرفون يحتم علينا أن نعمل هكذا وهكذا وقد بحثت لكم عن إمكانية لقضاء اللازم لكن لم أستطع فلا تؤاخذوني، فما ظنكم بهذا الرجل؟ ماذا يقول الناس عنه؟ يقولون: جزاك الله خيراً وبارك الله فيك، والله كأنك قد عملت لنا المعاملة كلها.

    لكن بغير الأسلوب هذا يمكن أن يفتح الإنسان على نفسه طريقاً إلى العذاب والنار -والعياذ بالله- بأسلوبه السيئ، لا يأتي إلا متأخراً، وإذا دخل غرفته أغلق الباب عليه، وإذا جاء المراجع نهره وقال: ما الذي أتى بك؟ اخرج، امسك طابور، اذهب هناك، أنا مشغول الآن .. والمراجع ساكت لا يتكلم مع أن كل مراجع معه لسان، وكل مراجع معه يد يستطيع أن يضارب ويستطيع أن يصفعه، لكن يخاف أن يتكلم فتتوقف المعاملة، يخاف أن يمد يده فيصل في مكان ليس جيداً؛ ولذا يسكت ويتحمل ويقول: طيب، جزاك الله خيراً، أبشر، ندخل في الطابور كأنه شحات على بابه، فإذا جاء الله قال: عندك رقم؟ قال: لا. ليس عندي رقم، أنا مسكين لا أعرف الأرقام. قال: اذهب، ماذا تريد مني؟ أقلب لك في الدفاتر هذه كلها؟ أنا موظف لك لوحدك، اذهب واحضر برقم أو لا تأت عندي ولا تراجعني! لا إله إلا الله!

    فإذا خرج هذا المراجع من عند الموظف المخذول، فما رأيكم ماذا يقول؟ يدعو عليه، يقول: الله أكبر عليك ما هذا العفريت! من أين جاءنا هذا الجني؟ الله لا يوفقه، الله يجعلها في وجهه، وفعلاً يستجيب الله؛ لأن الناس شهداء الله في أرضه، إذا أجمع الناس على حب رجل؛ لأنه يقدم لهم الخير ويعمل لهم الخير أحبه الله، وإذا أجمع الناس على كراهية إنسان؛ لأنه شرير -والعياذ بالله- كرهه الله عز وجل.

    الهم الأخروي يورث قناعة في القلب

    قال: (من أصبح والآخرة همه جمع الله له شمله) أي: يسر له أموره، لا يسير في طريق إلا وربنا ييسرها له، كل أمر ييسره الله له لماذا؟ لأنه جعل همه الله، وجعل همه الآخرة فقضى الله عنه دنياه وشئون دنياه. (جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه) يقول في الحديث: (ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس) فقد تجد إنساناً فقير نفس وهو مليونير، وتجد غني نفس وهو فقير ليس عنده ريال واحد لكن اسأله عن حاله يقول: في نعمة والحمد لله، ولو سألته: هل معك في جيبك شيء؟ قال: ليس عندي شيء، ولكن عندي فضل الله، وأنا معافى، وآمن، ومتزوج، ومعي أطفال، ومعي البيت الذي يكفيني أنا وأولادي، معنا رزقنا الذي ييسره الله، الحمد لله على كل حال، وهذا هو الغني حقيقةً (ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس).

    شكا رجل إلى أحد الصالحين قال له: إني أشكو إليك قلة المال، وضياع العيال، وليس عندي شيء.

    قال له: أتبيعني عينك؟

    قال: لا.

    قال: أتبيعني إياها بمائة ألف دينار؟

    قال: لا. والله لو أعطيتني مليوناً، والله لو أعطيتني الدنيا من أولها إلى آخرها ما أبيعها.

    قال: حسناً .. معك عينان بعني واحدة فقط.

    قال: لا. لا أقبل في واحدة منها شيئاً.

    قال: أتبيعني أذنك؟

    قال: لا.

    قال: أعطيك فيها مائة ألف دينار.

    قال: والله لا أعطيك.

    قال: واحدة لك وواحدة بعها.

    قال: لا أبيعك شيئاً.

    قال: أتبيعني لسانك؟

    قال: لا.

    قال: أتبيعني شفة من شفتيك؟

    قال: لا.

    قال: أتبيعني يدك.

    قال: لا... المهم عدد له النعم فكانت بقيمة مليون.

    قال: كيف تشكو الفقر وعندك سلع قيمتها مليون ريال؟ بالله الذي عنده هذه السلع فقير؟! والله ليس فقيراً أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ [البلد:8-9].

    الآن من فضل الله ورحمته حينما خلق الله للإنسان هذه الأجهزة زوده من كل جهاز مهم وضروري للإنسان ونافع اثنان لي يكون هناك احتياط، فإذا تعطلت عين عملت الأخرى، وإذا تعطلت أذن كأن تنحرف الطبلة بقيت الأخرى تعمل وكذلك الشفتان والأسنان واليدان والرجلان، لكن الأشياء الضارة والتي منها خراب كثير والتي تدخل صاحبها النار واحدة فقط.

    خلق الله للإنسان فماً ولساناً، فما رأيك لو أن شخصاً معه لسانين؟ كان والله لا يدخل الجنة -استغفر الله- لأن أكثر ما يدخل الناس النار الفم والفرج، والآن الشخص معه فرج واحد ولا يستطيع أن يضبط نفسه فكيف لو معه اثنان؟! لأحرق الدنيا بشهوته، فالنافع جعله اثنين اثنين، والضار جعله واحداً، وبعد ذلك أمر الله أن تضبط هذا الواحد، يقول عليه الصلاة والسلام: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخذيه أضمن له الجنة) ويقول في الحديث -والحديث في جامع السيوطي وهو صحيح- يقول عليه الصلاة والسلام: (إذا تزوج العبد أو المرء فقد استكمل نصف دينه فليتق الله في النصف الآخر) كثير من الشراح يعرف معنى هذا الحديث إلا أن بعضهم وهو ابن القيم رحمه الله إنسان متخصص في معرفة مقاصد الشرع ومعرفة أسرار الحديث النبوي فيقول: إن الحديث يقول: (إذا تزوج العبد بقي نصف دينه) بقي النصف الثاني ما هو؟ الدين حفظه على شيئين: نصف حفظ الفرج، ونصف حفظ اللسان، فإذا تزوجت استكملت نصف الدين، يعني: حفظت فرجك، فاتق الله في النصف الثاني -في لسانك- لأن أكثر ما يدخل الناس النار الفم والفرج.

    قال: (وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة) أجل.

    1.   

    معرفة ماهية المخلوق لا يكون إلا بالرجوع إلى الخالق

    الذي يلزمنا كعقلاء أن نتعرف في الدرجة الأولى وفي أول أمرنا على هذه الحياة: ما هذه الحياة؟ هذا السؤال المهم، ولماذا جئنا إليها؟ وإلى أين ننتقل منها؟ هذه الأسئلة المحيرة حارت في فهمها العقول في القديم والحديث، والذي يعرف الإجابة الصحيحة عليها هو خالقها أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14] أعرف الناس بالصنعة من؟ صانعها، وإذا تعطلت الآلة تأخذها إلى من؟ إلى من صنعها حتى يصلحها؛ لأنه أعرف الناس بأسرارها، فإذا تعطلت وذهبنا إلى غير صانعها زادها عطلاً، إذا توقفت الساعة فأين تذهب بها؟ إلى الوكالة، لكن لو ذهبت بها إلى صاحب (البنشر) وقلت له: يا (بنشري!) أصلح لي الساعة، قال: هاتها. وعبأها زيتاً وشحمها، ما رأيك تصلح أو تتعطل أكثر؟ إذا تعطل المسجل أو الراديو أين تذهب به؟ إلى مصلح الراديو، عند الوكالة، قطع الغيار عندهم والأسرار و(الكتلوج) لكن إذا ذهبت به عند النجار وقلت له: الراديو معطل لا يعمل. قال: هاته. وضرب له مسماراً، ودقه (بالقدوم) ونشره وقال: تفضل، فما رأيك يصلح أو يخرب؟ يخرب لماذا؟ لأنك ترد الصنعة إلى غير صانعها، الله خالقك أيها الإنسان! والله خالق هذه الحياة، والله منـزل القرآن، إذا أردت أن تسير سيراً صحيحاً اعمل بتعليمات الخالق، واعمل بتعليمات الذي أرسله الله لتشغيل هذا الإنسان وهو القرآن: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29].

    اللجوء إلى غير الله نتيجته الفشل

    لماذا فشلت البشرية اليوم؟ لماذا تريد أن تداوي عللها فتفسد نفسها؟ لأنها كلما أرادت أن تصلح رجعت إلى غير الله ففسدت، ويوم أن تعود إلى الله وتتعالج من أدوائها بأدوية القرآن والسنة وتسير على المنهج الصحيح تصلح كما صلحت في زمن من الأزمان وفي فترة من الفترات، يوم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه الأرض وكانت القلوب غلفاً والآذان صماً والأعين عمياً، لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً، كانت العرب تزني بحليلة الجار، وتشرب الخمر، وتزني، وتلعب الميسر، وتقتل النفس، وتئد البنت، وكانت أخلاق شيطانية إلى أبعد الدرجات، فلو أنك أتيت بشخص من هؤلاء العرب الذين كانوا قبل الإسلام لا تجد فيه خصلة صالحة أبداً، لقد كان عمر بن الخطاب يعبد صنماً من تمر فإذا جاع أكله، أكل ربه! وكان يدفن ابنته، يكسر ظهرها ويضعها في الأرض ويدسها، فتصوروا قسوة قلبه كيف وصل إلى هذه الدرجة؟!

    ولما ردت الآلة إلى صانعها، لما عاد العرب بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله، وعملوا بتعليمات الكتاب والسنة، كيف صلح الناس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟! كيف انفتقت المواهب؟! كيف خرجت الطاقات وتحولت النفوس تحولاً رأسياً رأساً على عقب!

    التحول العجيب في حياة عمر عندما رجع إلى الله

    عمر بن الخطاب الذي كان هذا قلبه وهذه قسوته يقول عبد الرحمن بن عوف : [مررت أنا وأمير المؤمنين وهو يعس] يعس: أي يقوم بتفقد أحوال المسلمين في الليل، مسئول عن المسلمين، لا ينام الليل، كان يشعر بعظم المسئولية ويقول: [والله لو عثرت بغلة في العراق لكنت مسئولاً عنها يوم القيامة: لم لم أمهد لها الطريق]؟

    ويقول للمرأة التي مر عليها في الليل وهي تغلي الماء وتضع فيه حجارة والصبية حولها يتضاغون جوعاً قال: [يا أمة الله! ماذا تعملين؟ قالت: أولادي جياع وليس عندي طعام، فأنا أشعل النار على القدر وفيه ماء وحجارة، وأحرك في الحجارة والماء وأقول للأولاد: اصبروا اصبروا .. حتى يغلبهم النوم، قال لها: أنا آتيك بطعام، فرجع وهو يبكي، ودخل بيت المال وأتى لها بدقيق وسمن وأعطاها، فأبعدت الحجارة ووضعت الدقيق والسمن وأيقظت الأولاد وأشبعتهم، فلما أكملت قالت: والله إنك أفضل من عمر ، ولم تعلم أنه عمر ، قال لها: يا أمة الله! وما يعلم عمر عنك؟ هلا ذهبت إليه حتى يعطيك. قالت: لا يعلم عني وهو أمير المؤمنين؟! كيف يلي ويكون مسئولاً عن إمارة المسلمين ولا يعلم عني حتى آتيه؟! قال: والله إن الناس كلهم أفقه من عمر حتى هذه المرأة].

    يقول عبد الرحمن: [كنت معه وهو يعس في الليل] لا ينام الليل كما روت السنن والسير أنه لم يكن له فراش، وكان النوم يسبقه ويسرقه إما تحت ظل شجرة، أو تحت حائط، أو في المسجد، المهم كلما غلبه النوم نام قليلاً وقام، فقيل له: [يا أمير المؤمنين! ألا نتخذ لك فراشاً؟ قال: لا. ما لي وللنوم، إن نمت في الليل أضعت نفسي، وإن نمت في النهار أضعت رعيتي] يقول: أنا لا أنام، الليل لربي أصلي، والنهار للرعية أرعى أمورهم.

    يقول: [فكنت معه، فمررنا على بيت فيه صبي يبكي، ثم عدنا والصبي لا يزال يبكي، فدق الباب -لم يتحمل عمر أن يسمع صراخ الصبي ولا يعرفه، لكن قلبه رقيق، القلب القاسي بالكفر أصبح رقيقاً، رقة متناهية في الإسلام- فدق الباب قال: يا أمة الله! أسكتي غلامك فإنك أم سوء -يقول: ألا ترحمين هذا الولد الذي يبكي طوال الليل؟ أسكتيه- قالت: كيف أسكته وعمر يفرض للفطيم خراجاً فأنا فطمته قبل الموعد من أجل أن يكتب له خراجاً من بيت مال المسلمين، قال: أرضعيه وسنكتب له خراجاً] يقول عبد الرحمن : [فوالله ما عرفنا قراءته في صلاة الفجر من كثرة نحيبه وبكائه! ثم نادى في اليوم الثاني مناد أن عمر يكتب خراجاً لكل مولود في الإسلام، فلا تفطم المرأة ولدها قبل الموعد وإنما له خراج منذ أن يخرج من بطن أمه] هذا عمر ، وهذه رقته.

    أما عقليته المتحجرة التي كانت تأكل الصنم بعد أن تعبده فكيف كانت عقلية عمر بعد ذلك في الإسلام؟

    كان يقترح على النبي صلى الله عليه وسلم فلا يوافقه الرسول فحسب وإنما يوافقه القرآن، وقد عد العلماء أن عمر وافقه القرآن في واحد وعشرين موضعاً، إذا قال كلاماً نزل الوحي يصدق عمر.

    قال: [لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى للرسول صلى الله عليه وسلم] فأنزل الله قوله: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً [البقرة:125].

    وقال: [يا رسول الله! لو خاطبنا نساءك من وراء حجاب] فأنزل الله قوله: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب:53].

    وقال في غزوة بدر عندما انتهت المعركة وقبض على الأسرى استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في الأسرى يقتلهم أو يفدون، أو ماذا يصنع بهم؟ فأشار أبو بكر رضي الله عنه فقال: (يا رسول الله! أبناؤك وإخوانك وأبناء إخوانك لماذا تقتلهم؟ ولكن يفدون أنفسهم فنحن بحاجة إلى المال. قال: وأنت يا عمر. قال: لا يا رسول الله! أعداؤك وأعداء دينك قاتلوك وأخرجوك، اقطع رقابهم) قوي في دين الله! فالنبي صلى الله عليه وسلم مال إلى رأي أبي بكر ؛ لأنه رحمة على العالمين، (ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما) صلوات الله وسلامه عليه لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128] والله يقول: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] رحمة -صلوات الله وسلامه عليه- على العالمين، رحمة على الإنس، والجن، والطير، والحيوانات، وعلى كل شيء، حتى أنه مر ليلة من الليالي صلوات الله وسلامه عليه على قوم في البادية وعندهم خيمة، وإذا بوسط الخيمة ظبية مربوطة، وإذا بها تبكي وتهز رأسها، فقال لهم صلوات الله وسلامه عليه: (أتدرون ما تقول هذه؟ قالوا: لا. قال: إنها تقول: إنها تركت طفلين لها، وطلبت مني أن أشفع لها عندكم فهل تسمحون لها تذهب ترضعهم وترجع؟ قالوا: إن كانت ترجع يا رسول الله! فلا مانع؟ قال: ترجعين؟ -يخاطبها وهم لا يفهمون الكلام- فأشارت برأسها، قال: أطلقوها. فلما أطلقوها ذهبت وأرضعتهم وإذا بها تأتي تسلم نفسها! فقالوا: يا رسول الله! هي لله عز وجل، فأطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم) أرسل رحمة للعالمين صلوات الله وسلامه عليه.

    ولما جاءت القمرة تبكي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (من فزعها بفرخيها. قال شخص: أنا يا رسول الله! قال: ردها) فهو رحمة على كل شيء صلوات الله وسلامه عليه.

    ولكن كان أمر عمر عند الله أفضل، اختيار عمر بقتلهم عند الله أفضل، قال الله: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [الأنفال:67] ثم قال: لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [الأنفال:68] يقول صلى الله عليه وسلم بعدها: (والله لو نزلت نار من السماء لاحترق هذا الوادي بمن فيه ولما نجا منها إلا عمر ).

    1.   

    حقيقة الدنيا والسبب الذي خلقنا الله من أجله

    هذه الحياة -أيها الإخوة- خالقها وفاطرها ومنشئها هو الله الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:2] إذا أردنا أن نعرف حقيقتها فلنسأل عنها خالقها، يا رب! ما هذه الحياة؟ هي دار لعب: وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ [الرعد:26] ويقول مؤمن آل فرعون في سورة غافر: يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ [غافر:39].. وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:64].

    الدنيا لهو ولعب

    كأن سائلاً يسأل فيقول: يا رب! أخبرنا عن هذه الحياة، أخبرنا عن حقيقتها، وما المراد منها، وما الذي بعدها حتى نعمل لما بعد هذه الحياة؟ فيجيب الله في سورة الحديد بصيغة الأمر الموجه إلى الناس يقول: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ [الحديد:20] اعلموا أنتم يا مكلفين! اعلموا حقيقة هذه الحياة اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ [الحديد:20] هذه الدنيا التي نعيشها الآن لعب، أحب شيء عند الناس اللعب، لو علم أن هناك سمرة في الوادي ذهب لها من الخميس ، ولكن لو قيل: إن هناك ندوة في المسجد قال: شغلتونا، كل يوم وأنتم تحدثون. والشيطان ما شغلك كل يوم وهو يلعب بك؟ وشغلة الشيطان سهلة ومحببة.

    الوظيفة التي من أجلها خلقك الله: سماع كلام الله، سماع حديث رسول الله في مجلس من مجالس الإيمان، في روضة من رياض الجنة، تحفك فيه الملائكة، وتغشاك فيه السكينة، وتنزل عليك فيه الرحمة، ويباهي بك الله في الملأ الأعلى، وينادي مناديه في آخر الجلسة: (أن قوموا مغفوراً لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات) هذه عند كثير من الناس شغلة، يقول: اشغلونا، حتى أن بعضهم يتورط في جلسة من الجلسات فإذا قام المحدث هرب كأنه شاهد ثعباناً أو أسداً، ولكن إذا كان هناك لعب أو (دقة عرقوب) أو ختان أو سمرة قال: دعونا نذهب نطرب، فتلك ليست شغلتك؟ لأنها في سبيل الشيطان، تظله فيه الشياطين، يغشاه القلق والاضطراب، تنزل عليه العذاب -والعياذ بالله- يباهي به الشيطان؛ لأنه مجلس لا يذكر الله فيه (وما جلس قوم في مجلس لم يذكروا الله تعالى فيه إلا كان عليهم هذا المجلس حسرة وندامة يوم القيامة) وفي الحديث: (ما من مجلس يجلس فيه الإنسان ثم يقوم ولم يذكر الله فيه إلا تفرقوا على مثل جيفة حمار).

    لكن تلك ترضي الشيطان، وبعد ذلك أين يجلس؟ على الطين، وبعد ذلك ليته يجلس مثل جلسة الإيمان التي -الحمد لله- كلاً منا جالس لا تعب ولا شيء، لا. يدق الأرض دقاً ويقفز ويضرب ويهز جسمه ولكن لا يشعر بتعب؛ لأن الشيطان ينفخه، كلما نقص هواه قال له: انتبه.

    وإذا أرادوا أن يبطلوا السمرة قال: يا جماعة! بدري الساعة الثانية عشرة، دعونا نسمر، هذه فرصة لا تفوت، فإذا انتهت السمرة وذهب، فك الشيطان سجنه، وذهب البيت وإذا به مرهق، كأنه مضروب من سنة! لماذا؟ يقول تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً [مريم:83] ترجه رجاً -والعياذ بالله- إلى المعاصي وإلى الذنوب، حتى إنكم لترون هذا الذي يشغل الاستريوهات في سيارته، يركب سماعة هنا وسماعة هنا، وسماعة هنا وسماعة هنا وبعد ذلك يقول: أريد مسجل استريو! لماذا الاستريو؟ قال: لا أريد موسيقى بسيطة، أريد موسيقى مرجوجة، لأن عقله مرجوج -والعياذ بالله- وإذا نام في البيت في غرفة النوم ركب سماعة كبيرة، والله إني دخلت عند شخص في غرفته ولديه سماعة مثل الدولاب! -لا حول ولا قوة إلا بالله- ما هذه؟ قال: هذه للموسيقى الغربية، يقول: إذا نمت أريد أن أسمع الموسيقى الغربية كي ترجني، لا يأتيه النوم إلا وقد ركبته الأباليس -والعياذ بالله- لا حول ولا قوة إلا بالله!

    ينام المسلم على ذكر الله وهذا ينام على ذكر الشيطان لترجه الموسيقى، قلت: لماذا هذه؟ قال: للموسيقى الغربية، هذه موسيقى حالمة، موسيقى تجلب الهدوء، موسيقى تريح النفس وتزيل الإرهاق وتريح الأعصاب. قلت: الحمد الله أنها تعطلت، والله ما منها راحة لا في الدنيا ولا في الآخرة لا حول ولا قوة إلا بالله! وإنا لله وإنا إليه راجعون!

    هذه الدنيا لعب ولهو يحبها الناس، فاللهو جزء من اللعب لكنه أخص منه، اللعب أعم واللهو أخص؛ لأنه يلهو به الإنسان، ويضيع الوقت به.

    ويقول بعضهم: تعال نلعب ورقة، وما هي الورقة؟ ورقة! يلعب بها العقلاء وكبار القوم والناس، يقتلون في سبيلها الأوقات الطوال، بعضهم يجلس بعد العشاء ولا يقوم إلا الساعة الثانية عشرة أو الواحدة أو الثانية وهو متقابل هو ورفيقه، يضرب الأرض بيده، ويزعل ويشتم ولماذا أنت ما أعطيتني؟ كيف أنا ما شفت إشارتي لك؟ ما قلت لك كذا بفمي ولا بعيني ولا بإصبعي؟ لا حول ولا قوة إلا بالله! بل بعضهم يسب بعضاً، يقول لي شخص وقد تاب الله عليه، يقول: والله ما وجدت في نفسي أنني في موقف ذلة في مثل مرة من المرات وأنا كنت ألعب هذا الورق -يقول- وفي مرة من المرات الذي أمامي اشترى -يعني: اللعب- واللعب عليَّ فلازم أعطيه شيئاً يمسك اللعب به؛ لأن الدنيا كلها عنده، وهو عينه في وأنا ما انتبهت -يقول- فوضعت قطعة من الورق أخذها أحد الأخصام -يقول- فقال لي ذاك: أصلك بقرة -يقلل من شأنه وهو مدير إدارة كبير- قال: يا أخي! وصل الأمر إلى هذا الحد؟ قلة الأدب إلى هذا الحد! أنا مدير إدارة ومسئول -يقول- فوضعت الورقة له وقلت: في أمان الله هذا عنده نفس أبية؛ لأن الله يقول: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة:91] يقول: ومن تلك الليلة تبت إلى الله وتاب الله عليَّ.

    هذا هو اللهو، تعال نلهو، نسمر، نتمشى، نفحط، نتكلم، هذا لهو، كله باطل، لا يجوز لك، ما خلقك الله لتلهو، قلت لأحدهم: لا تمض أوقاتك في هذه الخزعبلات.

    قال: يا شيخ! فأين تريدني أن نذهب؟

    قلت: تحفظ القرآن؟

    قال: لا والله.

    قلت: حسناً.. هل تحفظ نصف القرآن؟

    قال: لا.

    قلت: تحفظ ربعه؟

    قال: لا.

    قلت: تحفظ جزءاً منه؟

    قال: لا.

    قلت: تحفظ سورة الملك التي يقول فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (وددت لو أنها في قلب -أو في صدر- كل مسلم من أمتي) لأنها تدافع عنه في القبر؟

    قال: لا.

    قلت: تحفظ سورة الواقعة التي يقول فيها ابن مسعود : [أن من قرأها في ليلته كفاه الله شر الفاقة في الدنيا

    قال: لا.

    قلت: تقرأ سورة الدخان، تقرأ سورة يس التي هي قلب القرآن؟

    قال: لا.

    قلت: حسناً.. يا أخي! عندك وقت تلعب؟ عندك وقت تلعب بلوت؟ هل تحفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل تعرف تفسير: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ [الفلق:1-3] ما معنى غاسق إذا وقب؟

    قال: لا أعلم.

    قلت: وتلعب بلوت -ما شاء الله- فارغ، ليس عندك وقت تملأه، لماذا لا تقرأ تفسير ابن كثير؟ لماذا لا تقرأ صحيح البخاري؟ لماذا لا تقرأ رياض الصالحين؟ لماذا لا تقرأ كتاباً في الفقه؟ لماذا لا تتعلم دينك لتعبد الله وتعيش مسلماً قوياً في إيمانك؟

    هذه الدنيا زينة

    هذه الدنيا زينة، ترون البيت قبل أن يليس سمنت مع بطحاء مرصوص في قالب، لا يستطيع أحد أن يسكن فيه، لكن من أجل أن نخدع أنفسنا نليس، وبعد ذلك ندفن ونرش ونفرش ونأتي بالكنب والستائر، لماذا هذا؟ زينة فقط، ونغير كل سنة الموكيت والسيارات التي تشاهدونها الآن تمشي في الأسواق، حتى أن الكفار أدركوا أننا سطحيون، وأن عقولنا في عيوننا؛ ولهذا يخرجون موديلات كل سنة، وما هو الموديل هذا؟ يخرج موديل ما بينه وبين الموديل الأول إلا الخط الذي من الجنب، الباغة التي يلصقها، باغة صفراء أو باغة حمراء، قال: هذا موديل ثمانية وثمانين، ويضع لك اصطب من هنا أو مرآة كبيرة، وإذا أتيت بسيارتك سبعة وثمانين ورأيت المرآة قال: يا شيخ! أما موديل ثمانية وثمانين رهيب .. الله أكبر يا هذا الرهيب! ما فيه رهيب؟ قال: رهيب يا شيخ! المرآة كذا، والاصطبات شكل ثاني، (والطيس) -بعضهم يقول: حتى (الطيس)- في الموديلات تتغير، (الطيس) التي يدوس بها الإنسان في النجاسات، (الطيس) لا بد موديل ثمانية وثمانين.

    وبعضهم يبيع سيارته بخمسة عشر ألف وهو اشتراها بأربعين ألفاً، وذهب وأخذ سيارة بخمسين لماذا؟ موديل جديد، من أجل ماذا؟ زينة.

    الدنيا تفاخر وتكاثر

    وتفاخر بينكم: مفاخرة ومكابرة ومسابقة: فلان بنى، والله لأبني، فلان عمل، والله لأعمل، فلان عمل البئر وصبها، كيف تكون بئرنا غير مصبوبة وبئر فلان مصبوبة؟ فلان وفلان، المهم مفاخرة، وليست مفاخرة في الآخرة، مفاخرة في الدنيا، ولهذا يقول أحد السلف : إذا نافسك جارك في البنيان فنافسه في قيام الليل، وفي الصيام، وفي الحديث (ولا تنظر إلى من هو فوقك انظر إلى من هو دونك فإنه أحرى ألا تزدري نعمة الله) لكن في الدين انظر إلى من هو فوقك.

    وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ [الحديد:20] تكاثر، تسابق، تطاحن، تناحر، لا بد أني أكثر، لا بقليل يشبع ولا بكثير يقنع مثل شارب البحر كلما شرب كلما زاد عطشه، مثل النار: كلما قيل لها: هل امتلأت؟ قالت: هل من مزيد، هل بقي أحد.

    ضرب الأمثال على حقيقة الدنيا

    هذه الدنيا بخمسها: لعب، ولهو، وزينة، وتفاخر بينكم، وتكاثر في الأموال والأولاد، حسناً.. ما مثلها يا رب؟! لأن الأمثال تقرب المعاني، والله قد ضرب في القرآن بالأمثال العديدة وقال: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر:21] وقال: وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43] ودائماً المثل هو وسيلة إيضاح تقرب المعنى وتفهمه وتدخله في الأدمغة، فهذه الدنيا كما قال قال: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ [الحديد:20] ما مثلها؟ قال: كَمَثَلِ غَيْثٍ [الحديد:20] الغيث: النبات الذي يأتي في أول الزرع الأخضر الجميل، الذي منظره جميل وملبسه جميل وشكله جميل إذا هبت عليه الريح تراه يميل مع الريح ثم ترده الريح، وإذا أسقيته يميل، يعني منظر جميل، فهذه الدنيا كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ [الحديد:20] الكفار هنا: يعني الزراع، ليس هم كفار بالمعنى الشرعي بل بالمعنى اللغوي؛ لأن الكفر بالشيء تغطية الشيء، وسمي الكافر كافراً؛ لأنه يغطي نعم الله ويغطي حقائق الإيمان ويخادع نفسه، والزارع يسمى كافراً في اللغة وليس كافراً في الشرع، لا. هو مؤمن، لكنه يضع الحب في الأرض ويغطيه فقال الله: أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ [الحديد:20] هذه الدنيا أولها ثُمَّ يَهِيجُ [الزمر:21] يكبر فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً [الزمر:21] هذه هي المرحلة الثانية من الدنيا ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً [الحديد:20] يجبس ويتحطم ويسقط.

    يقول ابن خلدون في مقدمته : يذكر أن مراحل الحياة ثلاث مراحل: مرحلة الشباب، ومرحلة الأشد، ومرحلة الشيخوخة والكهولة، فمرحلة الشباب تبدأ من أول العمر إلى العشرين، والإنسان ينمو في هذه الفترة نمواً متعادلاً جسدياً وعقلياً، ينمو عقله وينمو جسده سواء، في توافق زمني بحيث لا يسبق عقله جسده ولا يسبق جسده عقله، يسمونه العمر الزمني أو العمر العقلي في التربية، إلى العشرين، وفي العشرين يقف نموه الجسدي، طول ثوبك وأنت ابن عشرين هو طول ثوبك إلى أن تموت، هل هناك أحد يزيد طوله بعد العشرين؟ يمكن يتوسع لكن بحسب العوامل الأكلية، إنما يطول، لا. ثوبه وهو ابن عشرين هو ثوبه إلى أن يموت، بعد العشرين يتوقف النمو الجسدي ويستمر النمو العقلي إلى الأربعين يكتمل النمو العقلي، والذي عقله وهو ابن أربعين ليس مثل عقل ابن عشرين، عقل ابن عشرين فيه طيش، فيه حماس، فيه تسرع، فيه غضب، لكن ابن الأربعين، لا. فيه انضباط، فيه تعقل، وتوازن، واعتدال يزن الأمور بموازينها، يقيس النتائج على مقدماتها، بعد ذلك يقيس المقدمات على نتائجها، ينظر من منظار أوسع، ولذا ما بعث الله نبياً إلا في الأربعين، قال الله عز وجل: حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الأحقاف:15] فعند الأربعين يكتمل أشد الإنسان ويكتمل عقله، فلا يزيد عقل الإنسان بعد الأربعين، ولهذا الذي لم يعقل قبل الأربعين لن يعقل بعدها، وورد في بعض الآثار: [إذا بلغ الإنسان الأربعين من عمره ولم يغلب خيره على شره قبله الشيطان بين عينيه، وقال: فديت وجهاً لا يفلح أبداً] وقال في الأثر الآخر: (إذا بلغ الإنسان الأربعين من عمره ولم يغلب خيره على شره فقد تجهز إلى النار) أي: حجز وقطع تذكرة إلى النار .. إلى جهنم؛ لأنه مدة أربعين سنة وهو مع إبليس متى سيعود إلى الله؟ لا إله إلا الله!

    يقول العلماء: بعد الأربعين تنعكس المسألة، يستقر النمو العقلي ويبدأ النمو الجسدي بالنزول، من الأربعين إلى الستين تنزل قدرتك الإنسانية، عينك التي كانت حديدية ترى البعيد أصبحت ضعيفة، أذنك المرهفة التي كانت تسمع أدق الأصوات أصبحت لا تسمع، ماذا تقول؟ ارفع صوتك، ما أسمع، أسنانك التي كانت تكسر أصبحت لا تكسر شيئاً، تبدأ تسوس وتخلعها وتركب تركيبة وترقع من هنا لكن لا ينفع شيء، يدك القوية المفتولة انتهت، عضلاتك انتهت، رجلك التي كنت تدق بها في الأرض مثل الحديد، ركبك التي كانت -ما شاء الله- تصعد الدرج وأنت صاعد تقول: (والله! إن ركبي ضيمة معي روماتيزم) فمتى يكون هذا؟ من الأربعين إلى الستين.

    يقول العلماء: في الستين ينزل الجسد والعقل معاً، حتى العقل يبدأ يضعف، ولذا ترون الشيبة في السبعين والثمانين نفسيته مثل نفسية الطفل يزعل من أتفه الأسباب ويحرق لأتفه الأسباب؛ لأن الله يرده، قال الله عز وجل: وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ [النحل:70] وقال: الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً [الروم:54].

    يقول لي أحد الإخوة: والله إني أعرف شيبة لا يأكل إلا بالرضاعة! وقد بلغ أكثر من مائة سنة -وهو في البيت- ما لديه سن، ولا يستطيع أن يأكل أي طعام فيعطونه الرضاعة وهي ممتلئة بالحليب ليرضع، مثلما كان يرضع وهو صغير.

    ولذا أمر الله عز وجل المسلم بالإحسان إلى والديه قال: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23] "أف" هذه ليست كلاماً أصلاً، لا يوجد أحد يقول: أف. ما معنى أف؟ هل لها مفهوم في اللغة؟ لا. الأف هي: عملية التعبير عن التضجر وعدم الرضا؛ هذه حرام أنك تقولها لأبيك، فكيف بمن يسب أباه؟ كيف بمن يشتم أباه؟ كيف بمن يتكلم على أبيه ويرفع صوته على أبيه ويقول: اسكت، شغلتنا يا ذا الشايب! الله أكبر! فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23].

    حملتك أمك تسعة أشهر كرهاً، قال تعالى: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً [الأحقاف:15] تصور: إذا أنت شبعت بالليل ثم ملأت بطنك ثم أتيت لتنام لا يأتيك النوم حتى ينهضم طعامك، والطعام كله يمكن مثل يديك هذه، لكن كيف وأنت تتغذى في بطنها تسعة أشهر؟ تأكل من غذائها، وتمتص من دمها، وتنمو من جسدها، وبعد ذلك بطنها لك غرفة كاملة مهيأة، تقوم وتشتغل وتنام وأنت قاعد في قرار مكين، وبعد ذلك وضعتك كرهاً، يقول العلماء: إنه في لحظة من لحظات خروج الجنين من بطن أمه حياً تمر المرأة بلحظة فيها من العذاب ما لولا أن الله تبارك وتعالى رحمها وأبقاها لما تتحملها الجبال! نعم. تصور رأساً وجسماً يخرج من ذاك المكان الضيق، من الذي أخرجه؟! قال الله: ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ [عبس:20].

    وبعد ذلك بعد أن تخرج بعد الآلام والمعاناة والتعب تأخذك أمك وتلصقك إلى ثديها، ويترجم حنانها وعطفها إلى لبن حلو عذب، من أحسن الأطعمة في الدنيا، تعطيك طعامها، وبعد ذلك في الليل إذا مرضت لا يأتيها النوم -تعرفون الذين عندهم أولاد إذا مرض ولدك تنام سبعين نومة، وهي جالسة- طوال الليل وأنت في حضنها، وإذا جاءك الأذى عندها وجئت إلى أبيك ورآك أبوك قال: يا ولد! اذهب إلى أمك، اذهب، يا امرأة! غسلي الولد! ماذا بك؟ ألست أبوه؟ لا يستطيع أبداً، لكن الأم لا تتقزز منك أبداً.

    يقول لي أحد الإخوة: هناك امرأة معروفة بأنها نظيفة إلى درجة بعيدة جداً، أي: امرأة لا تقبل أي شيء، لدرجة أنها إذا دخلت بيتها تأخذ المفتاح وتنفخه قبل أن تدخل المفتاح تقول: لكي لا يتوسخ ويكون هناك تراب يخرب علينا القفل من الداخل، وبعد ذلك تزوجت وأتى لها أولاد ووضعت النظافة تلك كلها بالنسبة لأولادها، يقول: والله إنها أحياناً تغسل أولادها ويأتي الطعام فلا تتحرج أنها تذهب تغسل يديها، تقول: كلها واحد، ترى أن أذى ولدها بالنسبة لها أنه طعام من حبها، من عطفها، من شفقتها عليك، ولو خيرت بين حياتك وموتها لاختارت حياتك بأعلى صوتها، بعض الأمهات تقول: والله إنني أريد أن أموت ولا يموت الابن.

    فإذا ما كبرت وأصبحت رجلاً (عضلات ووظيفة) قلبت الموجة على أمك، خاصة إذا تزوجت بواحدة وأحببتها فإنك تكره أمك، وتبقى مع زوجتك، البسمة للزوجة، والسمرة للزوجة، والذهب الأصلي للزوجة، والملابس الغالية للزوجة، والطيب الغالي للزوجة، والهدايا للزوجة، والكهلة هناك، إذا مر عليها في الأسبوع مرة صبحك الله بالخير، الله يحسن خاتمتك، وسلم على يدها أو على أنفها، وكذلك إذا اشترى لها ذهباً أخذ لها من (الفالصو) وقال: إنها قديمة، إنها عجوز. وإذا اشترى لها ملابس أخذ لها من أبو خمسة أو أبو ستة متر، لماذا؟ عجوز، والله لو كانت العصا قد خرقت يدها لكنها تعرف الجميل والقبيح، وتريد ذهباً أحسن مما تريد امرأتك.

    القضية قضية اعتبارية، لما ترى فلذة كبدها الذي شقها وعقها وأتعبها طوال حياتها خيره كله لبنت الناس، وأنا أين جميلي؟ أين تضيعني أنا؟ أين هذا؟ ولهذا جاء في الأثر: من فضل زوجته على أمه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، كيف يا أخي؟! هذه أمك.

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابي لما سأله: (من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك - ثم قال- ثم أدناك فأدناك) لم يقل امرأتك في الحديث كله، يعني: الأقرب فالأقرب، ولكن المرتبة الأولى والثانية والثالثة للأم، وبعد ذلك الرابعة للأب، والمراتب الأخرى هذه قسم الناس على كيفك يا أخي، لكن الآن: المرتبة الأولى للزوجة، والمرتبة الثانية للزوجة والمرتبة الثالثة للزوجة، والأم أين هي؟ ما لها ميزة ولا لها كرت عند أكثر الناس، المرتبة الرابعة يمكن للزميل، وللنديم، وللخوي، وللرفيق، كما جاء في الحديث -والحديث في سنن الترمذي - وسنده حسن وفي بعضه غرابة في بعض الروايات يقول عليه الصلاة والسلام: (إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء وأصابتها ريح حمراء وزلزلة وخسف ومسخ -قال- إذا كان المغنم دولاً، والزكاة مغرماً، والأمانة مغنماً، وأطاع الرجل زوجته وعق أمه -هذه من علامات الساعة- وأدنى صديقه وأقصى أباه) إذا دعاه أبوه وهو ذاهن عمل كأنه نائم لكي لا يقوم، فإذا أبعد (البطانية) وضربها بأرجله قال: هاه هاه، لكي لا يرسلونه يأتي بشيء من السوق، ماذا تريدون؟ فإذا قالوا له: هات لنا لبناً أو هات لنا غازاً أو هات لنا شيئاً، قال: ليس الآن، أنا الآن تعبان، دعونا نستريح، أنا تعبان. طيب استرح يا تعبان! وبعد ذلك بعد قليل إذا دق عليه زميله، فلان زميلك يريدك. تنبه وقفز، لماذا؟ على موعد، نذهب الحفلة أو نذهب المباراة أو نذهب نفحط أو نذهب نشوي (أقصى أباه وأدنى صديقه، وتعلم العلم لغير الدين) مثل ما هو في زماننا هذا، علم من أجل الشهادات ومن أجل المراتب والوظائف، لكن لله ولرسوله نادر، أندر من الذهب الأحمر. (وارتفعت الأصوات في المساجد) يعني: بالخصومات، مشاكل الدنيا (وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وظهرت القينات) يعني: المغنيات، المغنية اسمها في الشرع "قينة" لأن الحرة في عرف الإسلام لا تغني ولا يغني إلا الجواري، وإذا غنت جاريتك فبعها ولو بحبل؛ لأنها فاسدة، لم يعد يجوز لك أن تدعها في بيتك وهي تغني، واليوم لا. المغنية نجمة، جعلوها كوكباً، أصبحت شمساً، وبطلة، يأتون بالفيلم ويقولون: "بطولة" الله أكبر يا هذه البطولة! ترفع رجلها إلى السماء ويقولون: بطلة! هذه بطولاتنا: بطولة عادل إمام ، أي بطولة حققها للأمة؟ وأي بطولة تحققها الراقصة أو العابثة أو الممثلة؟ لكن هذا من انقلاب الموازين، إنا لله وإنا إليه راجعون! (وظهرت القينات والمعازف) المعازف هذه آلات اللهو الموجودة: العود، الكبنجة، الطنبور، والكرديون، ولا أعلم ما هي أسماءها بالضبط، المهم هذه الآلات كلها من آلات اللهو التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم أنها ستظهر في آخر الزمان.

    المهم -أيها الإخوة- هذه الحياة الدنيا مثلها كمثل هذه الحياة، غيث، شباب، نظرة، حماس، جمال، بعد ذلك وبعد عشرين ثلاثين أربعين أشد والصراط بعد ذلك حطام، هل عرفتم في حياتكم زرعاً بقي حطاماً ولم ينته؟ أبداً، لا يوجد زرع في الدنيا صار حطاماً إلا وانتهى، والناس زرع كما يقول ابن القيم: الناس زرع وعزرائيل حصاده.

    انظروا (الشريم) كل يوم يحصد، كل يوم نسمع واحد، كم خبراً سمعت عن الأموات؟ كثيراً، أليس كذلك؟ متى تكون أنت الخبر؟! دائماً تكون أنت تتلقى الأخبار؟! مات فلان ومات فلان ومات فلان، تسمع اليوم وغداً يسمع عنك، غداً تكون أنت الخبر: مات فلان -الله المستعان- لكن إذا قيل: مات فلان وهو على عمل صالح وشهد لك الناس بالإيمان والعمل الصالح قالوا: رحمة الله عليه، غفر الله له، نعرفه بالخير، وإذا كانت الأخرى، وكان قليل دين، قاطع صلاة، هاجر مساجد، عاق لوالديه، قاطع لرحمه -والعياذ بالله- مرابي، زاني، خمار، سكير -والعياذ بالله- قليل دين، قالوا: مات فلان، قالوا: الله المستعان، والله واجه ما قدم، والله المسجد بجانبه لم يدخله، سكن بجانب المسجد سنوات ولم يعرف المسجد -الله المستعان- لا حول ولا قوة إلا بالله! الناس زرع، وعزرائيل حصاده، والقبر دراسه.

    القبر: الجرين، والجرين الذي يوضع فيه الحبوب من أجل فصلها عن التبن، في القبر تبعثر القبور ويعرف ماذا فيها، ولهذا ظاهر القبور الآن تراب وباطنها إما نعيم وإما عذاب، الرجلان بجانب بعضهما هذا في الجنة وهذا في النار، هذا مد بصره وهذا مضيق عليه إلى أن تختلف أضلاعه، نعم. ولهذا يقول علي رضي الله عنه لما مر على المقبرة قال: [السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، أما الديار خلفكم فقد سكنت، وأما الأموال فقد قسمت، وأما النساء فقد نكحت، فهذه أخبارنا فما أخباركم؟ -يقول: لماذا أنتم ساكتون؟ ما عندكم أخبار؟ ثم قال- أما والله لو تركوا لقالوا: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197]] لا ينفع الإنسان في قبره إلا التقى والعمل الصالح.

    يا من بدنياه اشتغل     وغره طول الأمل

    وقد مضى في غفلة     حتى دنا منه الأجل

    الموت يأتي بغتة     والقبر صندوق العمل

    أنت الآن تحول على الآخرة والله يسجل لك، فإذا دخلت قبرك جاءك عملك إن خيراً فخير وإن شراً فشر، والله يقول: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:30] يقول الحسن البصري : [اعمل عملاً يسرك أن تراه غداً] يقول: إذا عملت شيئاً فاعمل شيئاً تفرح به غداً [ولا تعمل عملاً يسوؤك ألا تراه] يوم القيامة يأتي بعض الناس وقد سقطت فروة وجهه بين قدميه خجلاً من الله، لماذا؟ قال: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47] ما كانوا يتصورون أن هذه كلها مجمعة، زنوا، وسكروا، ولاطوا، وأكلوا، ورابوا، وعصوا، وتجبروا، ونسوا، لكن الله يقول: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة:6] أحصاه الله وهم نسوه.

    لو سألنا شخصاً وقلنا له: قبل شهر واحد ماذا عملت في يوم كذا؟ هل صليت الفجر في المسجد؟ هل أحد منا يذكر؟ لا. هل تغديت في الخارج أو في البيت؟ لا ندري، حسناً.. ماذا أكلت ذلك اليوم في البيت؟ ما لون الطعام الذي أكلته؟ من زارك؟ من زرت؟ من تكلمت معه؟ ما ملأ أنفك؟ ماذا قلت؟ والله لا أعلم، لكن الله يقول: وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف:49].. هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثـية:29].

    فالقبر دراسه، والجنة والنار مخازنه، يخزن الله أهل الإيمان في الجنة ويخزن أهل النار في النار، ودائماً لما يذهب الواحد الثمرة يذهب عشرة أكياس بر لكن يذهب مائتين كيس تبن، التبن أكثر أو البر أكثر؟ التبن أكثر؛ ولهذا يقول الله: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103].. وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116].. إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ [النجم:23].. وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى [النجم:23].

    1.   

    حقيقة ما بعد الحياة الدنيا

    هذه الحياة وهذه الدنيا، عرفناها يا رب! نريد الآخرة فما فيها؟ سنموت في هذه الحياة، سننتقل منها رغم أنوفنا، والله يقول: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [الأنبياء:34-35] والذي ليس عنده تصديق أنه سيموت ينتظر حتى يموت إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:30].

    وهناك عالم أو طبيب قرأت عنه في مجلة، كان يجري أبحاثاً على إمكانية إبقاء الروح في الإنسان، فماتت أمه فطمع في أن تنجح أبحاثه حتى يعيد الروح إلى أمه، وخشي أن يدخلها في القبر فتأكلها القبور فصفدها ووضعها في الثلاجة حتى ينهي الأبحاث ويردها لتعيش، ومضى عليها ثمان عشرة سنة وما انتهت أبحاثه، ثم مات أبوه فوضعه فوق أمه في الثلاجة، وبعد سنة مات صاحب الأبحاث وهو لا يزال يبحث، فأخرجوه هو وأمه وأباه ووضعوهم في المقبرة، فالموت حق.

    الموت باب وكل الناس داخله     يا ليت شعري بعد الباب ما الدار

    وقال الآخر:

    الدار جنة عدن إن عملت بما     يرضي الإله وإن خالفت فالنار

    هما محلان ما للمرء غيرهما     فاختر لنفسك أي الدار تختار

    قبل أن تحدد من الآن، إن كنت تريد الجنة فاسلك سبيلها، وإن كنت تريد النار فاسلك سبيلها، يقول عليه الصلاة والسلام والحديث صحيح: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى -فاستغرب الصحابة وقالوا: من الذي لا يريد الجنة، أهناك أحد لا يريد؟- قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) فالذي لا يريد طاعة الله هذا لا يريد الجنة، والذي يريد طاعة الله يريد الجنة (من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) ستموت، وستخرج من هذه الدنيا، ستخرج من القصر إلى القبر منكوساً رأسك الأول.

    بعد هذه الحياة حينما تنتهي أيامك على دهرها، ويأتيك داعي الله بالمغادرة إلى الدار الآخرة، تخرج منها كما دخلت فيها وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام:94] ما رأينا في حياتنا رجلاً جاء إلى الدنيا وخرج منها ومعه دفتر شيكات لكي يكتب شيكات لمنكر ونكير ولملائكة العذاب لكي يسهلون عليه الأمور ويعرفون أنه صاحب مال وأنه صاحب مكانة، لا. لا يعلمون عنك، المال في الدنيا لكن في القبر ليس معك شيكات، ولو معك فلوس لا تمشي عملة الدنيا في الآخرة، عملة الدنيا ورق وعملة الآخرة حسنات، وأنت أتيت وتركت الورق وراء ظهرك والحسنات ليس منها معك شيء، مفلس، وتريد أن تأخذ الجنة بالفلس، صحيح أنك في الدنيا ما قصرت، ما عليك خلاف، عمارات وسيارات وأولاد وكل شيء، لكن الآخرة ما معك فيها؟ ماذا صنعت بالآخرة؟ هذا المهم، هذا المعول عليه.

    تخرج من هذه الدنيا كما يقول الناظم:

    ولدتك أمك يا ابن آدم باكياً     والناس حولك يضحكون سروراً

    فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا     في يوم موتك ضاحكاً مسروراً

    الإنسان يخرج إلى الدنيا، وهذه عادة وطبيعة يشترك فيها كل أطفال الأرض سواءً كانوا مسلمين أو وكفاراً .. عرباً أو عجماً .. يهوداً أو نصارى .. سوداً أو بيضاً، كلهم، أي طفل من حين أن يخرج يبكي، لماذا؟ ورد أن الشيطان يضرب الإنسان في ضلعه، فيخرج وهو يصيح، رغم أنه خرج من الضيق إلى السعة لكن يصيح لا يريد هذه الساحة، كان هناك محفوظاً فلما خرج ضربه الشيطان، فأنت تبكي ولكن الناس حولك يضحكون سروراً، بشروه بولد، الحمد لله جاءه ولد، جاء له رجل، يفرحون، يقول: فاعمل لنفسك -عملاً صالحاً- أن تكون إذا بكوا -لأنه سيأتي يوم تموت أنت ويبكون عليك- ضاحكاً مسروراً، لتخرج من الدنيا وأنت تضحك وهم يبكون مثلما جئت إلى الدنيا وأنت تبكي وهم يضحكون، لكن لا تأتي تبكي وتخرج منها تبكي إلى النار، تأتي باكياً وتخرج منها باكياً إلى جهنم، هذه هي المصيبة، سوف تخرج من هذه الدنيا.

    لهوت وغرتك الأماني وعندما     أتمت لك الأفراح فوجئت بالقبر

    يتعب الإنسان ويكد ويجتهد ويأخذ الرتب ويأخذ المناصب فإذا زانت له من كل جانب جاء الموت ليخربها من كل جانب.

    أحد الناس كان عنده عقارات وجاءته شوارع وبعد ذلك جاءته ملايين فجئت أزوره وهو مريض فقلت له: كيف حالك؟ كيف أنت؟ إن شاء الله بخير، قال: بخير، لكن لم تأتني الأموال إلا وقد أصبحت شايباً، وعلى فراش الموت، يا حسرتي! يقول: أموال ماذا أصنع بها وأنا شايب. قلت: أنفقها تنفعك. قال: أين؟ قلت: في الآخرة. قال: أنت مطوع، قلت: جزاك الله خيراً، لكنه أبى أن يموت ويتركها، مخذول -والعياذ بالله- والله لو كان فيه خير لنفسه لعمل صالحاً من هذا المال، لكنه محروم حقيقة والعياذ بالله.

    كما يقص علينا أحد الإخوة قصة يقول: كان هناك رجل بخيل وعنده مال، ودائماً لا يأكل إلا خبزة ناشفة قبل أيام الفقر، وهناك في هذه القرية عامل يمني يشتغل لكن لا يشتغل أي عمل إلا ويتقنه ولكن يشترط شرطاً، يشترط أن الفطور قرص بر، والعشاء -لم يكن هناك غداء في تلك الأيام (ما مثلنا دحس) ولم يكن إلا وجبتين فقط- بر ومعه كأس من السمن، تريد أن يشتغل عندك تعمل هذا الشيء، ولا يشتغل عندك أبداً إلا بهذا الشرط، فجاء هذا الرجل المحروم إليه وقال: تعال. هذا تاجر عنده من السمن الكثير الكثير، قال: يا فلان! نريدك في شغل. قال: طيب، لكن بشرطي. قال: أبشر. اشتغل له يوم وجاء في الضحى وإذا به يذهب له وأتى له بقرص ذرة على غير الشرط. قال: ما هذا؟ قال: قرص ذرة. وإذا به يرجم بالمسحاة والحكل وقال: والله لن أشتغل معك مرة ثانية، أنت كذاب، كيف تكذب علي؟! قال: لا. أبداً، أكمل عملك ما يكلمه إلا أنت. قال: لماذا؟ أنا شرطي أنك تعطيني قرص بر وكأساً من السمن. قال: أبشر أبشر، لكن أنه عملك. قال: اذهب، والله لن أشتغل حتى تأتي بها. فذهب إلى البيت وأتى له بقرص بر وأتى له بكأس سمن، وأتى أيضاً بقرص الذرة، ما أتى لنفسه بقرص من البر مثل العامل، فقام هذا ووضع القرص في السمن وأكله، وذاك يأكل القرص الذرة ناشف. قال: غمس يا عمي غمس. قال: لا. لن أغمس، قطر أنت، قطر. يقول: كل وقطر لا تغمسها كاملة، يقول: كل اللقمة هكذا وقطرها حتى لا ينتهي السمن. قال: طيب، فيأخذها ذاك ويغطسها ويغطسها لا يقطر ولا شيء، وما إن انتهى من قرصه قام الآخر والتفت هكذا فأخذ السمن وشربه، ما بقي له ولا قطرة. ويوم أعطاه قال: أشهد بالله يا عمي أنك محروم.

    فبعض الناس محروم -والعياذ بالله- من الخير، أنت ستخرج من الدنيا وليس معك من الدنيا شيء، قدم أمامك عملاً صالحاً حتى تلقاه بين يدي الله تبارك وتعالى، ابن مسجداً، ساهم في عمل الخير، أرسل للمجاهدين الأفغان، ساهم في جمعيات القرآن الكريم، أنفق على الفقراء والمساكين، لا تتاح لك فرصة من فرص الخير والإنفاق في سبيل الله إلا وتضرب فيها بسهم ولو قليلاً، لو مائة ريال، لو ألف ريال، لو ألفين ريال، المهم لا تخرج من عمل فيه خير وأنت صفر مفلس، أبداً، كلما شرع لك مشروع فيه خير لا تقل: لا والله، لا أضع، اجبر نفسك، اجبرها على الإنفاق؛ لأنك بهذا تربح مع الله تبارك وتعالى.

    أصحاب العذاب والمغفرة يوم القيامة

    يقول تعالى: وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا [الحديد:20] التي نعيشها إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد:20] متاع الخداع، مثل الفقاعة، الفقاعة التي ترونها تطلع في الصابون ما شاء الله كبيرة لكن انفخها، هل بقي شيء منها؟ هذه الحياة فقاعة، بيتي، قصري، أولادي، عماراتي، وإذا ذهن الواحد وضربوا برأسه في القبر أين المرأة؟ والله ليس معي شيء، فأين العمارة! والسيارة! والأولاد؟! فلا يرى إلا ما قدم، لا يرى عن يمينه إلا ما قدم، وعن شماله إلا ما قدم، كذلك أمامه لا يرى إلا ما قدم، ألا (فاتقوا النار ولو بشق تمرة) لا يرى إلا جهنم أمامه، ولا يتقي النار إلا بشق تمرة بالمال والإنفاق في سبيل الله عز وجل.

    وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد:20] لمن العذاب الشديد؟ ولمن المغفرة والرضوان؟ من هم أصحاب العذاب الشديد؟ ومن هم أصحاب المغفرة من الله والرضوان؟ هؤلاء ذكرهم الله في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع من القرآن:

    قال الله عز وجل حكاية عن موسى وهارون حينما قالا لفرعون: إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [طـه:48].. إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ [طـه:48] الذي ذكر الله فيه وقال: وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ [الحديد:20].. أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [طـه:48] هذه أعمدة الكفر: تكذيب بالحقائق الإيمانية، وتولي عن التكاليف الشرعية، فلا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، ولا بالملائكة، ولا بالرسل، ولا بالأنبياء، ولا بالبعث، ولا بالجنة، ولا بالنار، ولا بالصراط، ولا بالميزان، ولا بالكتب، فهذا التكذيب.

    والتولي: لا يصوم، ولا يصلي، ولا يحج، ولا يتصدق، ولا يعمل الخير، ويقع في الشرور، وهذا عليه العذاب.

    وقال عز وجل: فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى [الليل:14] أي: تشتعل وتضطرم لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى [الليل:15] من هو يا رب؟! قال: الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [الليل:16].

    وقال في سورة القيامة: كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ [القيامة:26] التراقي هي عظم الترقوة، والروح إذا أذن الله بخروجها تأتي إلى الترقوة ثم تبقى هناك، لا تنزل فيحيا ولا تخرج فيموت، يقول تعالى: فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ [الواقعة:83] وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ [الواقعة:84] جلوس عند رأس الميت وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ [الواقعة:75-86] هل عندكم قوة تَرْجِعُونَهَا [الواقعة:87] هل تقدرون أن تردوا الروح؟ من يستطيع أن يرد الروح إلى الداخل؟ هل يستطيع أحد في الدنيا؟

    رئيس جمهورية الاتحاد السوفيتي "تشير نمكو" و"بودقرني " هؤلاء الكبار لما جاءهم الموت هل نفعتهم صواريخهم؟ قنابلهم؟ دباباتهم؟ جيوشهم؟ ترجع لهم الأرواح؟ لا. تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الواقعة:87].

    قال: كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ [المدثر:26-27] راق هنا: أي: راقٍ يرقى، أو طبيب أو معالج وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ [القيامة:28] أي: تأكد له أنه خارج من هذه الدنيا وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ [القيامة:29] يمكن حضر منكم أحد جنازة إنسان وكان ينظر في أرجله كيف كانت؟ أصبحت ملفوفة هكذا، ملفوفة على بعضها وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ [القيامة:29] لأن علامات الموت كثيرة منها: ميلان الأنف؛ لأن الأنف هذا غضروف والحياة تدب فيه، فإذا خرجت الروح منه مال الأنف، وانخفاس الصدغين، والصدغ هذا فيه حياة إذا خرجت الروح تصير هذه قعرة وهذه قعرة، وانفكاك المفاصل، وبرودة الأطراف والتفاف السيقان.

    وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ [القيامة:29-30] والله -يا إخوة- إن هذه الآية إنها تهز نياط القلوب لو كان في القلب إيمان وخوف من الله وقوة يقين إِلَى رَبِّكَ [القيامة:30] ربك يقول لك: إنك سوف تكون في هذا الوضع في يوم من الأيام طال أو قصر، سوف تكون في هذا الموقف الذي تلتف فيه ساقك بساقك، وتكون ضعيفاً لا حول لك ولا قوة! ثم إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ [القيامة:30].

    كيف تلقى الله ووجهك أسود؟ كيف تلقى الله وعملك سيء؟ كيف تلقى الله وكتابك مملوء بالمعاصي والذنوب؟ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ * فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى [القيامة:30-31] عكس هناك فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ [القيامة:31-32] ماذا؟ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [القيامة:32] هذا السبب ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى [القيامة:33] يتعجرف أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى [القيامة:34] أولى لك أن تطيع، الكفر ليس خياراً فاضل ولا بديل حسن لك، الأولى لك الهداية، أولى لك الإيمان، أولى لك الالتزام، أولى لك سنة النبي صلى الله عليه وسلم أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً [القيامة:34-36] يتركك الله سدى هملاً؟ ما تركك الله وأنت نطفة -خرجت من ذكر أبيك مثل قطعة المخاط- ما تركك الله وأنت نطفة بل حملك نطفة إلى أن جاء مع البويضة وصار أخلاطاً، وصار من هذه الأخلاط علقة، وبعد العلقة مضغة، ومن المضغة عظاماً، ومن العظام إنساناً، ومن الإنسان شق الله سمعه وبصره، ثم أخرجه ثم رباه ثم كبره، إذا صرت رجلاً هل يضيعك الله؟ يحفظك وأنت نطفة ويضيعك وأنت رجل؟! أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى [القيامة:36-40] بلى وهو على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].

    قال الكفار لما سمعوا بخبر البعث: كيف يبعثنا الله ونحن موجودون وقد مات أناس وبقي أناس يموتون؟ قال الله عز وجل: مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [لقمان:28] صعب عليكم لكن عند الله ليس بصعب، وقال: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا [التغابن:7] قال الله: قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:7] وقال: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [غافر:57] كيف تستبعد من الله أن يعيدك وأنت لا تتفكر فيما خلق الله وخلقك من لا شيء؟ الإعادة أسهل من البداية في عرف الناس أما في ميزان الله لا أصعب ولا أسهل، كل شيء عنده قادر عليه وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [الأنعام:134] وله القدرة الغالبة ولا غالب له وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ [يوسف:21].

    هذه الثلاث الآيات بينت لنا أن العذاب على من كذب وتولى.

    المغفرة والرحمة لمن أحسن الظن وأحسن العمل

    أما المغفرة والرحمة والرضوان التي يتشدق بها العصاة في أكثر الأوقات والأحيان حينما يدعون إلى الله وهم مقيمون على الذنوب ومنغمسون في الخطايا فيقولون: الله غفور رحيم، هؤلاء كما يقول ابن القيم : يسيئون الظن بالله؛ لأنهم يتصورون أن الله يعطيهم على المعاصي حسنات، ويعطيهم على المخالفات جنات.

    فهؤلاء ما عرفوا الله، ولهذا يقول: مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الحج:74] إنهم يصفون الله بصفة تتعارض مع صفات كماله وجلاله، كأن الله لا يعرف يجازي عباده، والله له سنن في الكون أنه يجازي فقال: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم:31] وقال: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل:89-90] تعمل السيئات وتذهب عند ربي وتقول: الله غفور رحيم؟ يقول الحسن البصري : [إن قوماً غرهم حسن الظن بالله حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم يقولون: نحسن الظن بربنا. قال: كذبوا والله لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل] أنت إذا كنت مدرساً عند المدير تحضر أكمل تحضير، ليس تحضيراً صورياً، لا. تحضر، معنى التحضير: تطلع على المادة قبل أن تدخلها، وتراجع مراجع المادة، تعرف معاني الكلمات، تعرف أسرار الحديث، كل مادة سواءً رياضيات أو حديث أو اجتماعيات أو أدب أو أي شيء، تحضر المادة في الليل، تقرأها وتطلع عليها، تجيب على كل تساؤلات الطلاب، وبعد ذلك تأتي مبكراً مع أول الدوام، تقف في الطابور، تفتش على الطلاب، وبعد ذلك تدخل الحصة مع أول دقيقة، لا تخرج إلا بعد آخر دقيقة، لا تستأذن، طوال العام ما لك ولا إذن واحد، تقضي كل أغراضك بعد الدوام، وبعد ذلك إذا طلب المدير منك أي أمر، تقول: حاضر، حصة فارغة أنا آخذها يا أستاذ! لا يهمك، عندنا نشاط، تحسن العمل في كل شيء، وبعد ذلك ماذا تتوقع بعد كل هذا الإحسان؟ تتوقع الترقية كذا أو لا؟ تتوقع العلاوة، تتوقع البقاء في المدرسة، تتوقع التقدير، لماذا؟ لأنك محسن، فتحسن وتحسن الظن، تحسن العمل مع المدير، وتحسن الظن في المدير.

    لكن لو أنك فاشل في الدراسة، التحضير هذا لا تحضر، وكلما قال لك: أين التحضير، قلت: يا شيخ! التحضير هذا كلام صوري، أزعجتمونا بالتحضير، ليس فيه غير نكتب طوال الليالي، والله ما أقرأه ولا أفتحه وإني أرجم به على الماسة وإني لا أراجع فيه، يا أخي! التعليمات هكذا لازم تحضر مادتك، هذه التربية تقول: لازم، طرق التربية والتعليم -مثلاً- تحضر المادة، قال: يا شيخ! كلام فاضي، أنا أحضر من رأسي، رأسي ممتلئ بالعلم، وهو دجال وليس في رأسه حبة.

    وبعد ذلك لا يأتي إلا وقد بدأت الحصة، وإذا أتته الحصة وصفرت قعد يتكلم مع هذا ويتكلم مع المدير: يا مدير! ما رأيك؟ يقول له: يا أخي! الحصة بدأت، قال: حاضر، وبعد ذلك خرج ووصل إلى الغرفة حق الفصل بعد ذلك تذكر رجع إلى الفصل: آسف يا أستاذ! نسيت الطباشير، حسناً لماذا لم تدخل وتركت واحداً من الطلاب يأتي لك بالطباشير؟ قال: لا. لا أريد أن أكلف على الطلاب، وهو ما قصده إلا تضييع خمس دقائق من الحصة، وبعد ذلك رجع: هل الدفتر هنا، أريد وسيلة الإيضاح هذه، أريد الكرة الأرضية، أريد الخريطة هذه، أريد صورة الحمار أو الحصان أو الجمل، المهم يضيع الوقت.

    وإذا دخل على الطلاب جلس وقال: اقرءوا يا طلاب! جاء المدير فقام، وبعض المدرسين يغلق الباب من الداخل ويقول: اقرأ يا ولد! وينام على الماسة؛ لأنه سهران في الليل، وبعد ذلك ما رأيكم إذا عرف المدير، إذا أتت حصة أي مدرس قم عنه، قال: يا شيخ! كل ساعة وهذا غائب كل يوم، وأنت لا ترى إلا أنا، عندي شغل، المرأة مريضة، أريد أن أذهب إلى الصحة، أريد أن أذهب إلى السوق، كل يوم له عذر، بالله ما ظنكم بهذا المدير؟ هل يرقي هذا المدرس؟ طيب وإذا رقاه ماذا يكون هذا المدير؟ مغفل؛ لأنه لا يعرف كيف يجازي المدرس الطيب والمدرس البطال.

    أما يستحي الشخص أن يقول: إن الله غفور رحيم، وهو لا يتوب من الذنوب؟ يصر على الذنوب ويقول: إن الله غفور رحيم، والله يقول: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر:49-50] هو غفور رحيم لمن تعرض للرحمة وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:55-56] أما أن تقيم على المعاصي والذنوب وتداوم عليها وترجو من الله الرحمة والغفران فهذا كذب ودجل، وربنا تبارك وتعالى قد ذكر في القرآن لمن الرحمة ولمن الغفران فقال: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى [طـه:82] تريد أن تكون من أهل المغفرة وفر هذه الشروط الأربعة: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ [طـه:82] أي: أقلع وندم وارتحل عن الذنوب والمعاصي (وآمن) صحح قضايا إيمانه (وعمل صالحاً) سار في الخط المستقيم، وبعد ذلك (ثم اهتدى) استمر؛ لأن الهداية السطحية، الهداية الزمنية الوقتية، الهداية الموسمية يهتدي أسبوع وبعد ذلك ينتكس، ويهتدي في رمضان وبعد ذلك يترك في شوال، لا ما يصلح، هذا كذاب متلاعب، الهداية أن تهتدي وأن تستمر وأن تثبت على الإيمان حتى تلقى الله عز وجل، هذه هي الهداية الصحيحة، ثم اهتدى وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى [طـه:82].

    هذه أسباب الرحمة وهذه أسباب العذاب، أسباب العذاب: التكذيب والتولية، التكذيب بالحقائق الإيمانية والإعراض عن التكاليف الشرعية، أما أسباب الرحمة والغفران فهي: التوبة، والإيمان، والعمل الصالح، ثم الاستمرارية حتى تلقى الله تبارك وتعالى.

    أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلني وإياكم من أهل الرحمة والغفران، وأن يجيرنا وإياكم من العذاب والنيران، وأن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يستعملنا فيما يحبه، وأن يجنبنا ما يسخطه إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير، والله أعلم.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    1.   

    الأسئلة

    حكم مس عورة الغير وأثرها على الوضوء

    السؤال: فضيلة الشيخ هل مس عورة الغير ينقض الوضوء مثل أم الطفل إذا مست عورة طفلها، وهذا أمر منتشر بين الأمهات، أرجو تبيين ذلك وفقكم الله؟

    الجواب: إذا مست المرأة عورة طفلها وهي تغسله فقد انتقض وضوؤها، سواءً كان هذا الطفل ذكراً أو أنثى؛ لأن مس الفرج قبلاً كان أو دبراً للإنسان أو لغيره كبيراً كان أو صغيراً ينقض الوضوء.

    حكم ماء التحلية للوضوء

    السؤال: نسمع من كثير من طلبة العلم أن ماء التحلية لا يجزئ في الوضوء نظراً لتغيير طعمه بمواد، أرجو الإجابة وفقكم الله؟

    الجواب: ليس بصحيح، ماء التحلية ماء حلال؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل في الحديث الصحيح قال أحد الصحابة: (إنا نركب البحر وليس معنا من الماء ما يكفينا، أنتوضأ بماء البحر؟) فأجاب صلوات الله وسلامه عليه بالإجابة الشافية الكافية وزيادة وقال: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) فإنه صلى الله عليه وسلم لما سمع أنهم قد خفي عليهم حكم طهورية مائه علم بمقتضى الحال أن خفاء حكم ميتته أعظم فبين بالجواب الشافي، وهذا من شأن العالم أنه إذا سئل عن جواب أجاب وزاد فقال: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) والذي يأتي من التحلية هو من البحر في الأصل، فهو طاهر، والمواد التي تضاف عليه طاهرة؛ لأن الأصل في الأشياء الطهارة والإباحة إن شاء الله.

    حكم طواف الوداع للمعتمر

    السؤال: ذهبت أنا وأخي لأداء العمرة، وعند دخولنا مكة مكثنا مدة لا تقل عن ساعتين نبحث عن سكن، ثم بعد ذلك أخذنا العمرة، وبعد ذلك جلسنا ثمانٍ وأربعين ساعة نصلي في الحرم ولم نوادع، فما الحكم في المسألتين؟

    الجواب: المسألة الأولى: في البحث عن سكن أو الراحة قبل مباشرة العمرة، جائز ولا شيء فيه، دخلت مكة وأنت تعبان ولا تستطيع أن تطوف وأردت أن تبحث لك عن بيت، وجدت لك بيتاً ثم دخلت فيه وتوضأت أو كان وقت غداء أو عشاء أو راحة وارتحت ثم ذهبت تباشر العمرة لا شيء في ذلك إن شاء الله.

    أما الوداع للعمرة فقد اختلف أهل العلم فيه، واتفقوا على أنه بالنسبة للحج واجب لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (اجعلوه آخر عهدكم بالبيت) واختلفوا في حكم الوداع بالنسبة للعمرة:

    فقال قوم بالوجوب قياساً على الحج، وقال قوم بعدم الوجوب، ولكن حملوه على الاستحباب؛ لأن القياس في العبادات غير وارد؛ لأنها توقيفية.

    والصحيح الذي يفتي به أهل العلم أنه غير واجب، فمن استطاع أن يطوف فمستحب، ومن لم يستطع فلا شيء عليه ولا يلحقه شيء بإذن الله عز وجل.

    حكم ترك الحج مع القدرة والاستطاعة

    السؤال: لي والدة لم تحج حجة الإسلام وهي في صحة طيبة، ولكن لا تقبل الركوب في السيارة وتقول: إذا مت حج لي، فما حكم ذلك علماً أنها في صحة جيدة، وتستطيع الحج ولكن نفسها غير قابلة الحج؟ أفتوني جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: يجب عليها أن تحج بنفسها ما دامت في صحة طيبة، حتى ولو لم تكن تقبل السيارة؛ لأنها إذا ما قبلت السيارة لماذا تقبلها في التمشيات وفي العزائم، يعني: لا تركب السيارة أبداً؟ ليس معقولاً، لا يوجد أحد في الدنيا لا يركب السيارة حتى الحمير والجمال والثيران والبقر، فهذه نعمة من نعم الله، فهذه المرأة عليها أن تذهب إلى الحج وتركب السيارة إلا إذا كانت مريضة فقد ورد في الحديث: أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إن أبي شيخاً كبيراً أدركته حجة الإسلام ولم يحج ولا يستطيع أن يستوي على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: حج عنه) فإذا كانت المرأة صحيحة ومتعافية فتخوف بالله، وتدعى إلى أداء فريضة الله؛ لأنه من استطاع الحج ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً، وعمر يقول: [لقد هممت أن أرسل إلى الأمصار فأبحث عن قوم لم يحجوا وهم يستطيعون فأضرب عليهم الجزية، ما هم عندي بمسلمين، ما هم عندي بمسلمين، ما هم عندي بمسلمين] فتخوف بالله ويقال لها: اتق الله، وعليك أن تحجي حجة الإسلام، وفي زماننا الحمد لله الأمور مهيأة، والسيارات مرتاحة، والطرق معبدة، والأمور كلها هناك طيبة: أمن وعافية ورخاء فعليها أن تحج.

    أما إذا قرر الأطباء أنها مريضة، ولا تستطيع أن تركب السيارة، ولا تستطيع أن تتحمل مشاق الحج من زحام أو من طواف أو شيء، وكانت هرمة أو مقعدة جاز الحج عنها، والله أعلم.

    حكم تعاطي الشمة

    السؤال: لي والدة تتعاطى (البردقان) وقد قمت بنصحها لكن تعتذر أن عندها ألم في الأسنان؛ لأنه يداويها، وقد حاولت أن أذهب بها إلى المستشفى لعلاجها ولكن تمنع، سؤالي: ما حكم الفلوس التي أدفعها لها، ونحن ندفعها في شراء هذه المادة، علماً أنه ليس لها مصدر عيش إلا من عندي بعد الله عز وجل، وما حكم عدم ذهابي بها إلى المستشفى لعلاجها نظراً لكونها تمنع من المستشفى؟

    الجواب: أولاً: (البردقان) أو (الشمة) باللسان الدارج والدخان والجراك كل هذه خبائث -والعياذ بالله- لا ينبغي للمسلم مزاولتها أو إتيان شيء منها؛ لأن في الطيبات ما يغني عنها يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:172] كلوا من الشحم واللحم والعسل والموز والبرتقال والتفاح، كم أحل الله من الطيبات؟! ولكن أكثر الناس ترك هذا كله أقبل على الخبائث، مثل أبي جعران ، أبو جعران هذا لا ينبسط ولا ينظر الدنيا كلها إلا إذا غرس أنفه في قطعة من النجاسة ودقدقها برأسه حتى يعمل كرة، ولو وضعت عند أنفه قطعة من القطن وفيها ورد يموت، لا يستطيع يعيش إلا على القذارة، وإذا شم الورد قتل كما يقول ابن الوردي ، فالطيبات فيها غنية وفيها كفاية يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً [المؤمنون:51] أما الخبائث، جنس الخبائث فهي محرمة كما في سورة الأعراف: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:156-157] فكل طيب حلال وكل خبيث حرام، نأتي نسأل: (الشمة) والدخان و(الجراك) والشيشة طيبات أم خبائث؟! خبائث، ليس هناك شخص في الدنيا يقول: إنها طيبة، حتى الحمار -أكرمكم الله ومجلسكم- في اليمن يقول لي أحد الإخوة: إن مزارع التبغ -الدخان- خضراء مثل البرسيم، والحمير تموت جوعاً وتظهر أضلاعها ونأتي إلى عند الحمار بقطعة من الدخان نعطيه فيرفض، يقول: هذا لا يصلح، يقول: استحوا على وجوهكم، ولكن البشر لا يشربونه إلا وقد يبس، بعدما ييبسونه ويقرطسونه ويتبخرون عليه، لا حول ولا قوة إلا بالله!

    ومرة كنت ألقي محاضرة في جيزان في مدرسة من مدارس الثانوية فتكلمت عن هذا الموضوع، فأحد المدرسين قال لي: يا شيخ! أنتم تقولون: إن الله يحل الطيبات ويحرم الخبائث؟ قلت: نعم. هذا قرآن، قال: أنا أعتبر الدخان من الطيبات، قلت: لماذا؟ قال: هكذا، أنا أقول: طيبات. قلت: طيب، عندك أولاد يا أخي؟ قال: نعم. قلت: إذا رأيت في يد شخص منهم حلوى أو بسكويت أو تمر تزعل أو تغضب؟ قال: لا. لا أغضب. قلت: وإذا رأيت في يد ولدك دخاناً؟ قال: لا أرضى، قلت: لماذا؟ قال: لأنه بطال، وبلسانه والله، قلت: والبطال يعني خبيث. فضحك الرجل وضحك الناس عليه، وبعد ذلك في آخر الجلسة قال: أستغفر الله وأتوب إلى الله من الدخان.

    فهذه أمك لا تشتري لها هذه الشمة ولو لم يبق معها شيء، أما الفلوس التي تعطيها يجب عليك أن تعطيها فلوساً، كلما طلبتك فلوساً تعطيها، لكن لا تشتري لها، إذا أعطيتها الفلوس فأنت تعطيها بقصد إعفافها وإغنائها، فإذا أرسلتك تقول: أعطي لي بهذين الريالين شمة. قل: لا. أعطِ لها بدل هذه الشمة علبة سكر أو علبة طحينية أو حلاوة أو زبيب أو لوز أو شيء من الطيبات، أما هذه الخبيثة هذه التي رائحتها -والعياذ بالله- تعف، تجد الواحد جالس في مجلسه فمه كذا أو كذا ويبزق مثل الدجاجة، عيب عليك، هذه ليست جيدة حتى في خلق الإنسان فضلاً عن دينه.

    حكم نقل الكلام الذي يحصل بين الزوجين

    السؤال: إني أخبركم أني أحبكم في الله تعالى، ثم أخبركم أنه قد حصل بين صهري وأمي نزاعاً حيث حصل بينه وبين زوجته نزاع، والله أعلم أن السبب من أمها، وقامت الأم بنقل الكلام إلى أبي البنت، ثم قام أبو البنت بسب صهري فقمت بهجر أمي في نقلها هذا الكلام تأديباً لها حتى ترجع إلى الحق، فما الحكم جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: أمك أخطأت خطأً بسيطاً، وأنت أخطأت خطأً مركباً، أردت أن تكحلها فأعميتها، وأردت أن تعربه فأعجمته، لا شك أن تدخل الأم بين الزوجة وزوجها حرام ولا يجوز؛ لأنه إفساد، وينبغي ألا تتدخل الأم إلا بالخير، وينبغي للزوجة ألا تشكي على أمها كل شيء، يعني: يجب أن توطن زوجتك وأهلك على أن أي خلاف بينك وبين زوجتك ينبغي أن يبقى في دائرة الأسرة ولا ينفذ إلى الأم؛ لأنه إذا نقل إلى الأم أو إلى الأب زعلوا، وأنتما تتراضيان من ثاني ليلة، وتقعد الأم زعلانة لماذا؟ لأن الزوج وزوجته الخلاف بينهم شيء طبيعي، لا بد من الزعل، مثل أواني المطبخ: الفنجان يدق في الملعقة والملعقة تدق في الشوكة، يعني: شيء طبيعي، فإذا زعلت عليك أو زعلت عليها وذهبت تخبر أمها أو هي أخبرت أمها من يرضي أمها؟ لكنك ترضي المرأة في اليوم الثاني وتصطلحون وتلك زعلانة، فوطن زوجتك على ألا تخبر أمها.

    والأم أيضاً ينبغي إذا نقلت لها ابنتها شيئاً فلا تكبر الموضوع، تقول: لا. تصطلحون، وهذا زوجك وأبو أولادك، ولا ينبغي أن تخبريني بشيء مما يحصل بينكم، أما تدخلها فهذا إثم وعليها ضرر.

    وأما أنت فدورك مع أمك دور الإصلاح لا دور الإفساد، دور النصح والتوجيه والإرشاد بأن تقول لها: يا أمي! بارك الله فيك ووفقك لما يحبه ويرضاه، أنت من أهل الخير، وأنت فيك خير، وتعرفين هذه زوجة الرجل وتريده وتحبه، ولكن الخلاف بينهما شيء طبيعي، فلا تحاولين أن تنقلي كلاماً بينهما، وإذا نقلتي فاستغفري الله والله يتوب عليك، وأنت من أهل الخير.

    أما أنك تهجرها، الله أكبر! ما هذا العلاج! تهجر أمك! هذا عقوق، والعقوق هذا من أعظم الكبائر، يقول صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله! قال: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، ثم كان متكئاً فجلس وقال: ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت) فاستغفر الله، وعد لمراجعة ومراضاة أمك، وإذا أردت أن تعالج أي أمر عند أبيك أو عند أمك ديني أو دنيوي فلا تراجعه ولا تعالجه إلا بأعظم أسلوب وبأسهل أسلوب فإذا أطاعوك وإلا فلست بمقصود.

    كيفية دعوة الأهل

    السؤال: أشهد الله على محبتك في الله، وبعد.. مع الأسف أنا أحاول أدعو أهلي ولكني ضعيف الشخصية، فماذا أفعل؟

    الجواب: أولاً: أحبك الله الذي أحببتني فيه، وأسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يظلنا وإياكم في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله؛ لأن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين أقوام ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء على مقامهم من الله عز وجل -يعني: على منزلتهم- على منابر من نور. فجفا رجل من آخر الجلسة -أعرابي- قال: جلهم يا رسول الله لنا. قال: أقوام من بلاد شتى يجتمعون على الذكر، ينتقون من الذكر أطايبه كما ينتقي آكل التمر من التمر أطايبه) فنسأل الله أن يظلنا في ظل عرشه بالمحبة له تبارك وتعالى (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه) هذه من أوثق عرى الإيمان.

    أما دعوتك وأسلوبك في دعوة أبيك وأمك وأسرتك فأولاً: يجب أن تأخذ نفسك أنت بالكمال، يعني: أنت في نفسك وفي حقيقتك وفي سلوكك تأخذها بالكمال، ولا تحمل أهلك حملاً على أنك تغصبهم غصباً على الدين؛ لأنك كنت قبل أن تهتدي ضال، ولو أن واحداً من أهلك اهتدى قبلك وجاء بالأسلوب القوي لرفضته وما أطعته كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [النساء:94] فأنت في نفسك خذ نفسك بكل ما أمرك الله به، أما إخوانك وأمك وأبوك فعليك أن تتدرج معهم، أولاً: قدم الخدمة المتناهية لأمك وأبيك، لازم أباك ملازمتك لظلك، إذا دق شخص عندكم في البيت تفتح الباب، وإذا جاء الضيف فإذا بك في البيت تصب القهوة، وإذا غاب أبوك وإذا بك موجود تحمي الأسرة، وإذا احتاج أبوك إلى غاز أو إلى ماء أو إلى مقاض وإذا بك تقضي اللازم.

    لكن بعض الشباب المتدين الطيب لا يجلس في البيت دقيقة، من يوم تشرق إلى نصف الليل وهو مع الإخوة في الله وفي الندوات وإذا دخل قام يصيح: هذا حرام هذا حلال، فيقول الأب: الله أكبر عليك وعلى حرامك وحلالك، لا نراك إلا من السواد إلى السواد وتدخل أوامر ونواهي! من يقبل كلامك هذا؟! لا يصلح، أول شيء قدم الخدمة، وبعد ذلك قدم الخدمة لأمك، إذا كانت أمك تقوم بخدمة البيت ورأيتها يجب أن تشاركها، رأيتها تأخذ الطعام بعدما تنتهون من الطعام قل: والله لا تأخذين الصحون، قد طبختي أنا سأرفع الصحون، وجمِّع الصحون واذهب إلى المطبخ وافتح الحنفية وغسلها، وهذا ليس عيب عليك، رأيتها تكنس وتدف المكنسة قل: يا أمي! دعيني أتريض، أحسن من اللعب في الشوارع، والله لا يكنس الدار إلا أنا، وبعد ذلك إذا قمت من سرير النوم في الصباح لا تقم وتدع غرفتك كأنه نام فيها جني أو عفريت، البطانية في أرض، والمخدة في أرض، والثياب في أرض، والسروال في أرض، وكتاب العلوم في أرض، والراديو في أرض، أعوذ بالله من بعض الشباب يخرج كأنه عفريت، لا. نظف غرفتك، وزع كتبك، رد فراشك، نظم المخدة، افتح النافذة، ثم بعد ذلك خذ المكنسة واكنس الغرفة واكنس الذي أمامها، تأتي أمك بعد ذلك عندما تراك تخدمها بهذا تبحث عن رضاك، فتقول لها: يا أمي! ما رأيك -الله يجزيك الخير- أنك تتحجبي، فإن الحجاب فيه طاعة الله، تقول: إي والله، الله يجزيك الخير ويوفقك الله يا ولدي! والله إن فيك خيراً، والله من يوم هداك أن فيك بركة.

    لكن بعض الأولاد حمل على الأمة، حتى منديل المخاط يجعل أمه تغسله، وبعد ذلك إذا دخل قال: يالله تحجبي، الله أكبر! أوامر، ضابط يأمر وينهي! فتقول أمه: الله أكبر عليك، لا تدخل إلا تضارب ولا تخرج إلا تضارب فقط، فلا يطيعونك، فأنت أولاً: خذ نفسك بالكمال، وتعلم العلم، وقدم الخدمة لأمك وأبيك، وأحسن إلى إخوانك، ثم بعد ذلك قدم الدين، اجعل هذا طعماً مثل الذي يريد أن يصطاد سمكاً ماذا يصنع؟ يضع لها طعماً في الأمام، لماذا؟ هل هو يريد أن يكرم السمكة؟ لا. يريد أن يغريها حتى يأتي بالسمكة فيلتقطها، وكذلك أنت عندما تريد أن تصطاد واحداً إلى الدين قدم له طعماً: من الخلق، من البذل، من الحب، من الوفاء، لكي يأتيك، لكن ما رأيك لو أن شخصاً جاء عند سمكة ويوم أتت أخذ حجراً ورجمها؟ تهرب السمكة، مثلما يصنع أكثر الدعاة الآن، بالقوة، يضرب أخاه، وينهر أمه، ويتكلم على أبيه: أبي هذا فاسق، أبي هذا ليس فيه خير، لا يصلي في المسجد، حتى قيل لي: إن أحد الشباب ساكن في بيتهم في صندقة فوق السطح، حتى أكله يقول: لا آكل معكم، لماذا؟ قال: عندكم منكر، أنت أكبر منكر، لو أنك طائع لكان أول بركة هدايتك أنك استطعت أن تنجح في هداية أمك وأبيك (لأن خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) والأهل يشمل الأم والأب والزوجة والإخوان والأولاد، أما أن تبقى في برج عال تنظر إلى الناس من علو، الناس ضالون، الناس فاسدون وأنت الصالح، ولا تقوم بأي دور، فهذه سلبية ليست من هدي الإسلام.

    أسأل الله أن يوفقني وإياكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.