إسلام ويب

قوة الروح، وقوة الجسدللشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن قوة الروح والجسد لدى المؤمن تنفعه في الدنيا والآخرة، فأما في الدنيا فيعيش في سعادة وأمان واطمئنان حتى الموت، وأما في الآخرة فإنه يجد ما حباه الله من النعيم الأبدي، والخلود السرمدي ما لم يعطه لأحد غيره من ضعفاء الأرواح والأبدان، ولذلك على المؤمن أن يكون قوياً في عقيدته وروحه وإيمانه، فيسعد بذلك سعادة لا يشقى بعدها أبداً.

    1.   

    أهمية القوة الإيمانية وفضلها على القوة المادية

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.

    وبعد:

    أيها الإخوة في الله! القوة مطلوبة، والمؤمن مطالب بأن يكون قوياً؛ لأن الحياة لا تعترف إلا بالقوي، الضعيف يرفض ويداس بالأقدام؛ خصوصاً حينما تغيب شريعة الرحمن، وتسود شريعة الغاب، والله عز وجل يأمر بإعداد القوة فيقول: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال:60] ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍ خير).

    والقوة المطلوبة قوة شاملة، قوة في الإيمان والأبدان والعلوم والاقتصاد، وكل مناحي الحياة: (المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير).

    وحينما تذكر القوة لا يتبادر إلى أذهان الناس إلا القوة المادية؛ لأن العقول تلوثت وحصلت فيها تصورات غريبة على الإسلام، حينما يعتمد الناس على قوة المادة وينسون قوة الله، فإذا ذكرت لهم (القوى) فلا تنصرف الأذهان إلا إلى قوى المادة، وينسون قوة الإيمان والأرواح، رغم أن أهمية قوة الروح والإيمان أعظم بملايين المرات من قوة الأبدان والسلاح، لماذا؟

    لأن الله عز وجل ينصر بالإيمان ولا ينصر بقوة السلاح، والتاريخ أمامنا، وبالاستقراء نعرف كيف حصل هذا؟ ففي غزوة بدر خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومجموعة من أصحابه ليس فيهم إلا اثنان من الخيالة فقط، وما خرجوا لقتال، إنما خرجوا لاقتطاع القافلة التي كانت تأتي بالتجارة لقريش من الشام إلى مكة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في حرب مع قريش، ومن حقه أن يقطع عليهم الطريق، فلما علم أن القافلة قادمة من الشام خرج لقطعها، ولما علم أبو سفيان -وكان أمير القافلة- نجا بها عن طريق الساحل، وعلمت مكة بخروج النبي لاقتطاع القافلة فخرجت عن بكرة أبيها؛ بقضها وقضيضها، وحدها وحديدها، ورجالها ونسائها يبلغون ألف مقاتل، ولما بلغهم أن القافلة قد نجت اختلفوا، فقال قائل منهم: نحن خرجنا لإنقاذ القافلة وما دام أن القافلة قد نجت فلم نقاتل؟!

    وقال الفريق الثاني: ما خرجنا للقافلة فقط، خرجنا لنستأصل شأفة الإسلام من أساسه، لنقضي على محمد، فإنه إن نجت القافلة اليوم لن تنجو غداً، ويقول أبو جهل : والله ما نرجع حتى نصل بدراً، ونشرب الخمر، ونضرب الطبول، وتعلم العرب أننا قد انتصرنا على محمد، وأيد هذا النداء في قلوبهم الشيطان، قال لهم: إني جار لكم، وقال لهم: لا غالب لكم اليوم من الناس، وقال: إني معكم، ولما حصلت المواجهة بين قوى الإيمان ممثلة بالصحابة وهم ثلاثمائة وبضعة عشر، بدون سلاح إلا سلاح الإيمان، وبين قوى الكفر الممثلة في قريش بجميع أسلحتها وعددها؛ كانت القوى غير متكافئة، فتدخلت قوة الله لتغليب جانب قوى الإيمان، وأرسل الله ملائكة، أمدهم الله بألف جندي من جنود السماء، وهذه أول معركة تشترك فيها الملائكة مواجهة بالإنس، وما كانت تعرف الملائكة كيف تقتل الناس؛ لأنها لا تعرف كيف تقاتلهم؟ فالله علم الملائكة فقال: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [الأنفال:12] من أراد الله قتله ضربته الملائكة في رقبته، ومن أراد الله تعويقه دون قتلٍ ضربته الملائكة في أصابعه فتطيح الأسلحة من يده، تتقطع البنان وهي الأصابع: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [الأنفال:12] وقتل الكفار، وانتصر الإسلام يوم الفرقان.

    وتدور عجلة الزمن إلى أن يحصل الفتح ويدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة منتصراً، ثم يجهز الجيش على قبيلة ثقيف وهوازن، ويخرج اثنا عشر ألف مقاتل ثلاثمائة، ولكنهم اعتمدوا على قوتهم، وقال الله عز وجل: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [التوبة:25] وكانت ثقيف وهوازن قد استحكموا في رءوس الجبال، فأمطروهم بالنبال، وضربت النبال في وجوه الخيول ورءوس الجمال فانتكست ورجعت، ثم من أراد أن يقف لا يستطيع لأن الجيش كله يرجع إلى الخلف، فهرب كل الناس حتى قال قائلهم: والله ما يردهم إلا البحر، ولم يثبت في ذلك اليوم إلا الرسول صلى الله عليه وسلم ومائة صحابي فقط، كان ينادي عليه الصلاة والسلام: (يا أهل بيعة الرضوان! يا أهل سورة البقرة! أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) قال الله عز وجل: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا [التوبة:26] اثنا عشر ألفاً ما نفعوا لكن مائة مع الله نفعوا، فأقوى قوة يجب أن نعدها هي قوة الإيمان؛ لأننا منصورون بدون شك، وإذا قلت الإمكانات نصرنا الله عز وجل بجنود السماوات والأرض: وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الفتح:4] الريح جنود، الملائكة جنود، الأمطار جنود، التثبيت المعنوي جنود، كل هذه جنود إذا تدخلت في المعارك لا يستطيع أحد أن يغلبها؛ لأنها قوة الله، والله تعالى يقول: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ [آل عمران:160] لا يغلبك أحد إذا نصرك الله: وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ [آل عمران:160] وتركيز الناس فقط على قوى المادة مع إهمال قوى الدين والإيمان والروحانيات دليل على خلل في تصوراتهم وأفكارهم، ينبغي تصحيح هذا الخلل.

    1.   

    تركيب الإنسان من روح وجسد، وما يحتاجه الجسد من ضروريات

    حتى نجيب على هذا الأمر لا بد أن نسأل: ما هو الإنسان؟ وما تركيبه؟ وما أصل خلقته؟

    الإنسان مخلوق من عنصرين ومركب من مادتين: قبضة من التراب، ونفخة من روح الله، وأما بقية الحيوانات فإنها مشكلة من عنصر واحد: قبضة من طين الأرض، أما الإنسان ففيه عنصر طيني وعنصر روحاني، يقول الله تعالى فيه: إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [ص:71-72] هل جاء السجود لآدم بعد التسوية من الطين؟

    لا. بل بعد نفخ الروح؛ لأنه أكرم عنصريه.

    فَإِذَا سَوَّيْتُهُ يعني: من الطين: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [ص:72] فجاء الأمر بالسجود بعد نفخ الروح دليلاً على أن أكرم عنصريك هي الروحانية التي فيك؛ لأنك تشارك بها الملائكة، وتشارك بالعنصر الطيني الحيوانات، فإذا تجردت من الروحانيات عشت حياة الحيوانات بل أضل؛ لأن الحيوان يعرف مصلحته، وهذا ما نص الله عليه في القرآن الكريم، يقول عز وجل: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179] سبحان الله!! بغير الدين ما أنت؟ حمار؟ لا. ألعن من الحمار! ليت الواحد حماراً نركب على ظهره، لكن ماذا نعمل فيه إذا لم يكن عنده دين؟

    لأن الحمار يعرف مصلحته، والثور يعرف مصلحته، لكن الذي ليس عنده دين لا يعرف مصلحته، له عقل لا يعقل به، وله عين لا ينظر بها، وله أذن لا يسمع بها، عطلها الله حيث يقول: وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الأحقاف:26] .. وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:78] فالإنسان إذا لم يكن معه إيمان ودين يسقط وينزل درجة أقل من درجة الحيوانية، يقول الله عز وجل: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44] قدم للحيوان شيئاً ضاراً يرفضه، ادفع الحيوان إلى حفرة فيها نار يصرخ، مع أنه يضرب به المثل في البلادة، فقد ضرب الله به مثلاً في القرآن الكريم، وشبه به اليهود الذين عندهم علم ما عملوا به، رفضوه واعتمدوا على نسبهم وقالوا: هم شعب الله المختار، قال الله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً [الجمعة:5] وهم في حقيقتهم يقولون:هم شعب الله المختار، والناس هم الحمير، والله سماهم الحمير حقيقة! الحمار وهو أبلد الحيوانات إذا حفرت أمامه حفرة ثم أخذته بعنانه وسحبته إليها يرفض، وتحاول تجره فيثبت يديه، يقول: أين عقلك أنت؟! لكن أكثر الناس أضل من الحمار، يرى النار بعينه ويقتحمها، أجل هو أضل! فالإنسان مكرم لأكرم عنصريه وهو عنصر الروح، عنصر الإيمان، وكما أن للجسد ضرورات فإن للروح أيضاً ضرورات، لا يستطيع الجسد ولا تستطيع الروح أن تعيش إلا بضروراتها.

    الهواء من ضرورات حياة الجسد

    الجسد لا يستطيع أن يعيش إلا بالهواء، أليس كذلك؟ هل يستطيع أحد أن يعيش بغير الأوكسجين؟ أهم شيء عند الناس في الدنيا كلها وأغلى شيء الهواء؛ لأن الإنسان لا يستغني عنه لحظة، ولذا جعل الله عز وجل الهواء مما لا سلطة لأحد فيه، ويكون معك في كل مكان، ففي المسجد هواء، وفي الخارج هواء، وعندما تركب السيارة يلحقك الهواء، أو تدخل بيتك تجد الهواء، وتدخل دورة المياه فتجد الهواء، وتركب في الطيارة يلحقك الهواء .. وتمشي في أي مكان والهواء معك، وبعد ذلك تشتريه، ما رأيك؟ لو أن الهواء بنقود لكان كل واحد فوق ظهره قربة وجالون وعيار، متى يغلق؟ لكنه مجاناً يا إخواني!

    أهم شيء وأغلى شيء موجود هو الهواء، وبالرغم من هذا يجعله الله بالمجان وفي كل مكان.

    الماء من ضرورات حياة الجسد

    شيء آخر أقل أهمية من الهواء، لكن إذا لم يكن موجوداً مات الناس!

    الماء تحتاج إليه في أوقات وتستغني عنه في أوقات، فما جعل الله الماء ملازماً لك بحيث تمشي والماء يمطر عليك ليل نهار؛ ولو كان ذلك لغرقت وانتهيت، لكن جعل الله الماء في إمكانك الحصول عليه بأبسط التكاليف، تحفر الأرض فتخرج لك عين أو بئر، يجري الله الأنهار، وينزل الأمطار، فتحمل الأرض هذه المياه وتختزنها إلى مستوى قريب ثم تحفرها وتلقاها، لو أن الله عز وجل أخذ ماء المطر وتركها فوق الأرض لأسنت الأرض وتعفنت وانتشرت فيها الملاريا والحمى وكل الأمراض، ولو أن الله عز وجل فتح الأرض ونزل الماء إلى أسفل السافلين لم نجد قطرة، لكن لماذا الله عز وجل نزله إلى عدة أمتار وأبقاه؟ يقول الله عز وجل: فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ [المؤمنون:18] وقال: وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ [الحجر:22] تأتي على البئر مملوءة بالماء لا تذهب، بينما الماء إذا وجد أي فرصة للنفاذ ينفذ، والأرض عبارة عن طين وحجر وفيها شقوق لكنها أقوى من الحديد، فلا تسمح بنفاذ قطرة واحدة، ولو فتح في الأرض في أسفل البئر شق صغير لذهب الماء كله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ [الملك:30] الله رب العالمين.

    فلما كان الماء ذا أهمية -ولكن أهميته تقل عن أهمية الهواء- وجد الماء لكن بنوعٍ من الكلفة؛ تحفر لك بئراً أو تمشي إلى النهر وتأخذ لك ماءً، المهم أنه موجود، لكن لا تستطيع أن تصبر عن الماء طويلاً، وفي البلاد الحارة يقول الأطباء والعلماء: يمكن أن يعيش الشخص مدة ثلاثة أيام أو أربعة أيام أو أسبوع إلى أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع بدون ماء، لكن بعدها تجف عروقه ويموت، وفي البلاد الباردة يمكن أن يعيش إلى شهرين بدون ماء؛ لأن الجو يرطب جسده ويعطيه قدرة على العيش بدون الماء.

    الغذاء من ضرورات حياة الجسد

    شيء ثالث من الضروريات للجسد: الغذاء.

    الطعام ضروري جداً للإنسان، ولا يعيش الإنسان إلا بالهواء والماء والغذاء، ولكنه ليس مهماً كالماء، فيستطيع الإنسان أن يصبر عن الطعام مدة طويلة، تعرفون بعض الناس يضربون عن الطعام أشهراً ولا يموتون، ولذا كان خروج الطعام للإنسان من الأرض بكلفة أشد، وبتعبٍ أكثر، لماذا؟

    لأنه يستطيع أن يصبر عليه، هذه ضرورات الحياة: هواء وماءٌ وغذاء، هذه ضروريات لا يستطيع الإنسان أن يعيش بغيرها، وإذا فقد الجسد هذه الضروريات الثلاث مات.

    وكما أن للجسد ضرورات لا يستطيع أن يعيش إلا بها كذلك للروح ضرورات لا يستطيع الإنسان أن يعيش إلا بها، وإذا قصر في هذه الضرورات ماتت روحه، والناس في غفلة من هذا الأمر، وهذه مهمة -أيها الإخوة- ويجب أن نركز على هذا الموضوع جداً، فإذا كنا نعرف أننا مخلوقون من هذين العنصرين وأن لكل عنصرٍ غذاءه المناسب له، فلما كانت الروح من السماء كان غذاؤها من السماء، ولما كانت الجسد مخلوقة من الأرض والطين كان غذاؤها من الأرض والطين، ويوم أن نقصر في أي مادة من مواد الروح أو مادة من مواد الجسد تموت.

    أجل! نحن لا بد أن نعيش حياتين متكاملتين في تنفيذٍ لمتطلبات الجسد والروح، والذي يحصل الآن في البشر أنهم يغلبون جانب الجسد ويهملون جانب الروح فتموت أرواحهم، ويعيشون بغير دين، ويوم أن يعيشوا بغير دين يحصل هناك هزة عنيفة لكيان الإنسان، ويحكم الإنسان على نفسه بأنه ليس إنساناً بل حيوان؛ لأن فيه الجانب الحيواني ممثل بجسده، والجانب الروحاني ملغى من قلبه، فهو من أجل هذا الجانب يركز عليه ومن أجل ذاك الجانب يهمله، وبالتالي يعيش حياةً مشطورة.

    1.   

    أهمية الإيمان وسر تكريم الإنسان

    كلامي السابق ينتج عنه سؤال: هل الإيمان والدين، والعفة والطهر والعفاف والنقاء، والأخلاق والقيم والمبادئ .. هل هي ضرورة للإنسان كضرورة الغذاء والشراب والهواء أم لا؟ هل يمكن أن يعيش الإنسان بغير هذه الأشياء؛ يأكل ويشرب ويتمتع ويعيش حياة سعيدة؟

    الجواب هنا له شقان:

    فالذين نظروا إلى هذا الإنسان على أنه إنسان مكرم، وسر التكريم له أربعة جوانب:

    1- خلقه الله بيده.

    2- نفخ الله فيه من روحه.

    3- أسجد له ملائكته.

    4- علمه الأسماء كلها.

    هذا سر التكريم؛ وليس لأحد غير آدم، كل المخلوقات يقول لها: كوني؛ فتكون، إلا آدم فإنه مخلوق بيد الرحمن، ومنفوخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه الأسماء كلها: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا [البقرة:31] هذا تكريم لهذا الإنسان، وهذا معنى قول الله عز وجل: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً [الإسراء:70] وهذا معنى قول الله عز وجل في سورة الحج: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [الحج:18] من أهانه الله حينما ترك دينه فمن يكرمه؟ أجل الكرامة هنا في الدين، سر التكريم فيك أيها الإنسان في الإيمان، أجل ولا يمكن أن تعيش حياة كريمة سعيدة إلا بالإيمان، وإذا عشت بغير إيمان فإنها تعيش حياة هينة هابطة لا قيمة لها.

    والذين نظروا على أن الإنسان حيوان قالوا: لا قيمة للدين ولا داعي له، لماذا؟

    قالوا: نظرنا إلى الحيوانات وهي تعيش بلا دين، فلماذا نحن نحمل ديناً ونحن مثلها؟ حسناً .. من قال لكم: إن الإنسان حيوان؟ هذه هي فلسفة العصر الآن وعمدته قائمة على حيوانية الإنسان، من أين جاءت هذه؟ الذي لا يقرأ التاريخ ولا يعرف كيف تسلسلت الأحداث في العالم، ولا يراقب عجلة الزمن لا يدري، يظن الأمور جاءت صدفاً، والأمور وراءها مخططون، وراءها عقول تلعب بالبشر كالدمى.

    1.   

    النظريات الإلحادية التي أضلت البشرية في العصر الحديث

    في إبان الثورة الفرنسية سنة ألف وسبعمائة وتسعة وثمانين للميلاد كانت أوروبا تعيش في سبات وضلال وجهل لا يعلمه إلا الله، وكانت الكنيسة والإقطاع والإمبراطورية الموجودة تمارس ضغطاً وتعذيباً وقتلاً للعلماء وتحريقاً لهم، ومصادرة للفكر والحريات بدرجة لم تعهد البشرية لها مثيلاً، وكانت الشعوب تضيق بهذا القهر والتسلط عليها، فحصلت الثورات الفرنسية، وبعدها الثورة الصناعية في بريطانيا ، وتمرد الناس على سلطان الكنيسة، ورفضوا الدين المحرف الذي لعبت به أصابع البشر، والذي ليس من عند الله، الدين الموجود في أوروبا وهو الكنيسة والديانة النصرانية ديانة محرفة وليس دين الله؛ لأن الدين عند الله هو الإسلام، وألغى الله جميع الأديان والشرائع والملل، ورضي الإسلام للبشر ديناً، فالدين المحرف لا تقبله العقول، فلما رفضته أوروبا حصل التمرد على الدين، واستغل المخططون من اليهود هذا الحدث فوجهوه وفق أغراضهم، وفصلوه على غاياتهم وأهوائهم، كيف؟

    داروين ونظريته في مراحل تطور الإنسان

    هناك طبيب اسمه دارون صاحب نظرية ليست حقيقة علمية قال فيها: إن الإنسان تطور ومر بمراحل من الرقي والتطور إلى أن أصبح إنساناً، كيف؟

    قال: كان أصله في قديم الزمان خلية، ثم تطور من خلية إلى نبات، ثم تطور من نبات إلى نبات يشبه الحيوان، ثم تطور من نبات يشبه الحيوان إلى حيوان يحس، ثم تطور إلى حيوانات فقارية يعني: ليس لها أرجل ولا أيدٍ، بل تمشي على الأرض مثل السلاحف والحيتان في البحر، ثم تطور إلى القرد، ثم تطور من القرد إلى الإنسان، هذه نظرية دارون!

    من أين علمت يا دارون أن أصلك قرد من بعيد؟ هو قرد مع أن الله خلق القرود، قال: هذه نظرية التطور، قلنا: حسناً! والتطور هذا الذي حدث، فلماذا الإنسان بقي إنساناً؛ ولم لا يتطور؟

    لم لم تستمر المسألة في تطور؟!

    قال: سوف يتطور، قلنا: وماذا يصير؟ قال: يصير فأراً -قاتله الله- حسناً، متى يا دارون ؟ قال: بعد خمسة آلاف مليون سنة.

    كبَّر الكذبة! من الآن إلى ذاك الوقت يقول: قد نساها الناس، خمسة آلاف مليون سنة، أين ألف سنة؟ وأين مائة ألف؟ وأين مليون؟ وأين ألف مليون؟ خمسة آلاف مليون كذبة ليس لها طرف! لما قال بهذه النظرية كان يريد شيئاً في نفسه مع أنه يعرف أنه كذاب؛ لأنه ما شهد خلقه، يقول الله تعالى: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف:51] ليس موجوداً يوم خلق الله آدم حتى يقول: إن الإنسان كان خلية، هو جاء في سلسلة البشر القريب، والبشر كائن وموجود منذ زمن طويل فما علم أصلاً، لكنه يضرب على وتر، يريد أن يلغي قضية: إن الله خلق آدم بيده، وأن آدم كرمه الله وعلمه الأسماء، وأنه منفوخ فيه من روح الله، يريد أن يجعل آدم مثل القرد، وما دام القرد أبانا (فمن يشابه أبه فما ظلم) فما دام أن أباك قرد فأنت قرد يا ابن القرد، هو يقوله! فهو يريد غرضاً من هذا الباب.

    وفرح اليهود بهذه النظرية؛ لأنها تحقق مبدأً قامت عليه ديانتهم وهو العرقية، اليهود ديانة لا تكتسب ولكنها تورث؛ أي شخص يريد أن يدخل في اليهودية يقولون: ما أصلك؟ إن كان جده يهودياً يدخل، أما إذا لم يكن له نسب في اليهودية فلا يدخل؛ لأنهم يقولون: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة:18] ويقولون: إنهم شعب الله المختار، ويقولون: إن بقية الأمم هذه ليست إلا حميراً خلقها الله لخدمة اليهود، وقال الله عنهم: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ [آل عمران:75] الأميون: يعني: جميع الأمم غير اليهود، فهم ينظرون إلى الأمم على أنها درجة أقل من درجة اليهود، ولذا لا بد أن نستحمرهم، كيف نستحمرهم وبأي وسيلة؟

    سمعتم قبل أيام بالمذبحة التي حصلت في المسجد الأقصى، والتي هزت كيان ضمير العالم كله مسلمه وكافره؛ لأنها لم تمارس بشكلٍ مثل هذا أبداً، يعني: أي واحد يعترض -مثلاً- في الدول .. يحتج ويعترض ويتظاهر تعالج هذه الاحتجاجات والمظاهرات بوسائل لفضِّها فقط؛ إما بأن يرشوا عليهم ماءً، أو عيارات نارية تطلق فوق رءوسهم، أو دخان مسيل للدموع، أو اعتقالات وقبض، أما أن يسلطوا الرصاص على العزل الذين ليس عندهم حتى عصي، ويقتلوهم كما يقتلون الغنم فهذا ليس موجوداً، حتى في الغنم الآن، فلو أن عندك غنماً في بيتك وهربت عليك واحدة فأنت لا تأخذ البندق وترشها بالرصاص؛ كيف ترشها بالرصاص فتقتلها، تقول: اقتلوها من أجل أن تمسكها؟! لكن هم ينظرون إلى الناس على أنهم أحقر من الغنم، فجاءوا ليمارسوا شيئاً في داخل الحرم، فاعترض المسلمون قالوا: لا تعملوا هذا الشيء، فماذا كان الجواب؟ إطلاق الرصاص، قتلوا واحداً وعشرين شخصاً، وجرحوا ثلاثمائة شخص في ساعة واحدة، لماذا؟ لأنهم ينظرون إلى البشر على أنهم أحقر من الحمير.

    ولهذا فرح اليهود بنظرية دارون وأخذوها وبدءوا يغيرونها من كل جانب من أجل أن توافق أهواءهم ورغباتهم.

    فرويد ونظريته في الجنس

    وظهر لنا خبيث اسمه: فرويد ، هذا -فرويد - عالم يهودي وطبيب نفساني يهودي، هذا أنجس طبيب على وجه الأرض، نظريته قائمة على تفسير هو: ما دام أن الإنسان حيوان فإن لحركة الحيوان هذه مقاصد وأهدافاً، ما هي؟

    قال: إن كل تحركٍ يتحرك به الإنسان فهو بدافع الغريزة الجنسية، حتى الطفل الصغير يرضع أمه وهو يتلذذ جنسياً، وإذا بكى وهو على ظهرها ورفع رجليه فهي حركة جنسية، وإذا مص إصبعه فهي حركة جنسية، وإذا بلغ سنة من عمره فإنه يرى أباه ويكرهه ويريد أن يمارس الحركة الجنسية مع أمه، فإذا كبر وصار عمره سنتين سرى حقد عنده على أبيه؛ لأنه يراه يأتي أمه، فيحقد على أبيه؛ لكنه يفاجأ بأن أباه كبير ويستطيع أن يضربه؛ فتحصل عنده عقدة الكبت الجنسي، يقول: ثم إذا كبر وأراد أن يمارس الجنس مع أمه فينظر أباه يصرف عليه، ويعطيه، ويذهب به إلى المدرسة؛ فيحصل عنده الضمير يقول: يؤنبه ضميره؛ كيف يصرف عليك أبوك وأنت تريد أن تعمل الجنس مع أمك؟

    هذه نظرية الخبيث فرويد.

    من قال لك هذا يا فرويد؟! من أين أتيت بهذه النظرية؟!! ألا لعن الله هذا الملحد! قال: أجريت تجربة على قطيعٍ من الثيران في مزرعة من المزارع فوجدت عجلاً من العجول خرج من بقرة من الأبقار وكبر، ويوم أن صار ثوراً جاء وطعن أباه وركب على أمه، يقول: فالإنسان مثله.

    ومن قال لك: أيها البعيد! أننا ثيران أو بقر؟! شاهدوا كيف حيوانية الناس تأتي لهذا الجانب! ولذا ماذا قال؟ قال: لا يوجد دين يحكم الغرائز، ولا قيم، ولا مبادئ، والذي يحكم الغرائز الجنس فقط، وهذه أقذر نظرية! وتلقتها أوروبا بالقبول ونفذت، ولما نفذت تحللت الروابط، وزالت القيم، وأبيحت المحرمات، وحصلت الإباحية الجنسية، ففي دول أوروبا الآن الإباحية الجنسية على أتمها، لا يوجد شيء ممنوع، ولذا أحل الله بهم الدمار في الدنيا قبل الآخرة، وسلط الله عليهم جندياً مجهولاً صغيراً لا يرى بالعين المجردة وهو جندي الإيدز، سمعتم بالإيدز؟

    هذا (فيروس) وليس حتى جرثومة، (فيروس) لا يرى إلا بالمكبرات، هذا جندي صغير سلطه الله عليهم، أين كان هذا الإيدز؟ والإنسان موجود من قبل، لماذا لم يظهر إلا في هذا الزمان؟!

    جندي أرسله الله ليدمر البشر الآن، حتى قال وزير الصحة السويدي ورئيس منظمة الصليب الأحمر في السويد: إن علينا أن نعيد النظر في ممارساتنا الجنسية بحيث يبقى لكل رجل سويدي امرأة واحدة سويدية. وهذا يعني: الإسلام، يقول: لا يصلح أن يمارس الجنس مع كل امرأة؛ هذا سبب لنا هذا المرض وهذه المشكلة، عاشت أوروبا في بعدٍ عن الله عز وجل وفي حيوانية وبهيمية ساقطة بسبب نظرية فرويد التي بناها على نظرية دارون.

    دور كهايم ونظريته: حتمية القطيع الجمعي

    جاء شخص آخر اسمه: دوركهايم وقال: إن الحتمية القطيعية هي التي تحكم الناس، لا دين ولا مبادئ ولا أخلاق ولا قيم ولا تقاليد.

    فما الذي يحكم الناس؟

    قال: الذي يتعارف عليه الناس.

    لماذا؟

    قال: إني أنظر إلى قطيع الغنم وهي تأتي من المرعى؛ يكون دائماً في أول الغنم ماعز أو خروف، يقول: إذا مشى شمالاً فكلها تمشي وراءه دون أن تسأله: لماذا مشيت شمالاً؟ كل رءوسها ماشية وراءه فقط، وإذا مشى يميناً كلها تمشي وراءه.

    يقول: ونظرت إلى سرب الطير في السماء، وفي أول السرب طائر طار شمالاً وكلها تطير وراءه، يطير يميناً وكلها تطير وراءه دون أن تسأل.

    لماذا؟

    قال: هذا نظام القطيع، إن القطيع يتبع قائده، يقول: والبشر هم قطعان حيوانية بشرية، فأي شخص يدعوهم إلى شيء مشوا وراءه جميل أو قبيح، المهم أنهم وراءه فقط.

    هذه نظرية دوركهايم، يسميها حتمية القطيع الجمعي، يعني: ما اجتمع عليه الناس وساروا فيه هو الذي يقع، بدون أي دين، ولا يكون رسالة من الله ولا يكون تقليداً.

    ماركس ونظريته المادية

    وجاء الثالث اليهودي الخبيث وهو ماركس الذي نادى بنظريته البلشفية الشيوعية ، والتي أفلست والحمد لله، وبدأت أوروبا الشرقية التي كانت فيها، وروسيا ترفضها وتتمرد عليها وتنقضها؛ لأنها أثبتت الفشل لها من خلال التطبيق والواقع.

    نادى ماركس بحتمية المادة، يقول: إن الذي يحكم الناس: المصلحة المادية، يعني: الريال فقط، ولهذا يقول: لا إله والحياة مادة؛ الحياة ريال، لكن من الذي خلق الإنسان ماركس أو فرويد أو دوركهايم أو دارون؟!

    الذي خلق الإنسان هو خالق الإنسان، وهو الذي أنزل عليه هذا الدين وهذا الإيمان كلباس مفصل عليه؛ يوم أن يلبسه يعيش في سعادة، ويوم أن يرفضه يعيش في شقاء.

    غير أن البشرية أجيبت وفق هذه النظريات الخبيثة على أن الإنسان حيوان، وما دام أنه حيوان فلماذا يكون له دين؟ ولماذا يتميز عن الحيوانات بدين؟

    نظروا إلى البقر وإذا ليس لها دين، وإلى الكلاب وإذا بها ليس لها دين، وإلى الخنازير وإذا بها ليس لها دين، وإلى جميع الحيوانات في حدائق الحيوانات ما لها دين، قالوا: وأنت واحد منها فلماذا تخترع لك ديناً؟ لماذا تشذ أنت عن الحيوانات وأنت واحد من الحيوانات؟ فعاش البشر بلا دينٍ كحياة الحيوانات التي قال الله تعالى عنها في القرآن الكريم: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ [محمد:12] هذا كلام الله عز وجل.

    ولما قدمت هذه النظريات للبشر فهموها على أنها دين وأنها هي المبدأ السائد في الحياة، فعاشوا حياة الحيوان والعياذ بالله!

    ويوم أن يكون الإنسان حيواناً فلا مكان للعقيدة، ولا للقيم، ولا للمبادئ؛ لأن هذه الأشياء لا مكان لها في عالم الحيوانات، وما الإنسان إلا واحد من قطيع الحيوانات، ويوم أن يكون الإنسان حيواناً فلا معنى للخطأ والصواب في حياة الناس، وخطأ كل شيء صواب عند الناس، ففي أوروبا الآن كل شيء صحيح، حتى إن مجلس العموم البريطاني أباح أن ينكح الرجل الرجل، تعلمون هذا أو لا؟ نعم. اقترح على هذا في مجلس العموم، وبالأغلبية وافق مجلس العموم على أنه يجوز للرجل أن يتزوج الرجل من عند القاضي، وأصبح الشخص الآن يأتي له بشخص ويقول: اعقد لي عليه، ويخرج ومعه صك ويأخذه في يده، لماذا؟ لأنه لا يوجد خطأ ولا صواب، لا توجد شريعة تحكم، فما الذي يحكم؟ لأن الناس رضوا هذا الشيء؛ نظام قطيع مجلس العموم قال: هذا أمر طيب، فقالوا: حسناً!

    ما الذي يحكم الخطأ والصواب في عالم البشر وفي سلوك الناس؟

    المشرع، وهو الله الذي يعلم مصلحة البشر ويعرف مضرة البشر، فيحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، وينهاهم عن الشرور ويأمرهم بالخيرات، لماذا؟ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14] يعلم مصلحتك، ينهاك الله عن النظر الحرام: أنت عينك تريد أن تنظر إلى الحرام لكن الله ينهاك عن النظر للحرام لعلم الله بالضرر المتحقق من نظرك إلى الحرام، ولهذا يقول الله عز وجل: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ [النور:30] نعم. أزكى؛ لأنك تشاهد، والذي يعيش بغير نظر والله إنه يعيش في أحسن راحة قلبية، لا ينظر شيئاً، وإذا شاهد شيئاً غض بصره ومشى، لكن يذهب إلى بيته ينظر زوجته أمامه، لكن ذاك الذي لا يغض بصره فإن قلبه يتقطع على كل ما يرى؛ لأنه يرى شيئاً لا يستطيع عليه ولا يصبر عنه، يقول:

    وأنت إذا أطلقت طرفك رائداً     لقلبك يوماً أتعبتك المناظر

    رأيت الذي لا كله أنت قادر     عليه ولا عن بعضه أنت صابر

    فشيء لا تستطيع أن تصبر عنه لماذا تنظر إليه؟ لكن رب العالمين يقول لك: لا تنظر! فتذهب إلى بيتك مرتاحاً، لكن يوم أن تنظر وترى تذهب وقلبك يتقطع.

    وكثير من الناس الآن يعيش في عذاب بسبب النظر، ولو أنه أطاع الله وغض بصره فإنه بهذا يحقق لنفسه راحة نفسية وإيماناً يجد حلاوته، يقول عليه الصلاة والسلام: (من غض بصره احتساباً لوجه الله أبدله الله إيماناً يجد حلاوته إلى يوم يلقاه) لأنك لا يمكن أن تغض بصرك إلا خوفاً من الله تعالى، لا يوجد أحد يستطيع أن يتحكم في نظرك ويعرف أين تنظر إلا ربك، وبإمكانك أن تنظر إلى امرأة وإذا قال لك شخص: لماذا تنظر؟ تقول: عيني في العمارة التي خلفها يا شيخ! لكن ربي يعرف أين تنظر عيناك، يقول الله تعالى: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19].

    فالذين أجابوا على أن هذا الإنسان حيوان قالوا: لا دين ولا مكان للأخلاق، ولا مكان للخطأ والصواب، وهكذا كانت هذه النظرية اللعينة نظرية دارون : قنبلة في عقائد البشر! نسفت ما معهم من الدين والقيم والمبادئ، وحولت الإنسان من إنسانيته المكرمة إلى الحيوانية الهابطة، فعاش الناس حياة الحيوان التي لا يحسدون عليها في هذا الزمان، صحيح أنهم طوروا المادة، وفجروا الذرة، وسبحوا في الفضاء، وغاصوا في الماء لكن في الجانب المادي، أما جانب القيم والأخلاق والمبادئ فإنهم في الحضيض، لدرجة أن أحد العلماء يقول: زرت بعض البلدان الغربية فوجدت فيها كل شيء إلا الإنسان ما رأيته. ما رأيت الإنسان بإنسانيته، بمفاهيمه! بمبادئه! بقيمه! بأخلاقياته! رأيت مسخاً يمشي على قدمين في يده كلب، ما أدري الكلب أوفى أو هو أوفى من كلبه؛ لأنهم يعيشون حياةً بهيمية لا قيمة فيها للحياة الإيمانية، ونحن لا نحسدهم عليها.

    1.   

    السعادة الحقيقية الكريمة هي في الإيمان بالله

    إذا عرفنا هذا -أيها الإخوة- استطعنا أن نجيب على السؤال الأول: هل الإيمان ضروري للإنسان حتى يعيش حياة سعيدة، أم أنه يمكن أن يعيش بغير إيمان؟

    والجواب: إنه لا يمكن للإنسان أن يعيش حياة الإنسانية المكرمة، حياة السعادة والرقي والأمن إلا في ظل الإيمان بالله، ويوم أن يتجرد من الإيمان يعيش حياة البهيمية والعذاب والشقاء، يقول الله عز وجل في هذا: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طـه:124] ولو كنت مهما كنت، والله لو امتطيت أحدث الموديلات، وملكت ملايين الريالات، وتزوجت بأجمل الزوجات، وسكنت بأرفع العمارات، وكنت في أعلى المناصب والرتب لكن لا يوجد دين! فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طه:124] هذا في الدنيا، وإذا مات قال: وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً [طـه:124-125] يحشره الله يوم القيامة أعمى البصر وأعمى البصيرة، في الدنيا كان أعمى البصيرة دون البصر، فلم ينظر ببصيرته في دين الله، فحشره الله أعمى البصر والبصيرة، وأمره أن يسير على الصراط: وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طـه:125-126] الجزاء من جنس العمل، من نسي الله نسيه الله هناك، ومن تعامى عن الدين هنا أعمى الله بصيرته هناك: وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [طـه:127].

    ويقول الله عز وجل في أهل الإيمان الذين قذف الله في قلوبهم الإيمان: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] لم يقل: ألا بالمال تطمئن القلوب! صحيح في المال تنتفخ جيوبك.

    ولم يقل: بذكر الله تطمئن البطون، بالطعام تطمئن البطون وتنتفخ، لكن لا تطمئن القلوب إلا بذكر الله فقط، بالزواج تطمئن الفروج، بالمناصب تطمئن الدنيا ويرتفع القدر في الدنيا، لكن بماذا القلب يطمئن قلبك؟ تدخله برتقالة خاصة؟ أو تنومه في غرفة نوم وحده؟ أو تركبه في سيارة؟ لا يوجد طعام له إلا ذكر الله ودين الله والإيمان بالله: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] وإذا ما اطمأن قلبك فكيف تكون حياتك؟

    هب أنك تمتعت بكل متاع الدنيا لكن قلبك ليس مطمئناً، هل هذا متاع؟

    هب أنه فاتك كل شيء في الدنيا وقلبك ساكن ومطمئن، فهذا هو المتاع، العالم الآن في ظل المادة وفي البعد عن الدين، حصل ضغط قوي من الحياة المادية على النفس البشرية حتى فجرتها من الداخل، وتمزقت وتوزعت وتخلص الناس من الحياة بالانتحار، الآن آلاف البشر في أوروبا يموتون انتحاراً، والذي ما انتحر ينتحر بالمخدرات، لماذا الناس يتعاطون المخدرات هناك؟

    هروباً من الواقع المرير الذي يعيشون فيه، إذا كنت في مكان طيب فلماذا تهرب منه؟

    لا يهرب الشخص من مكان إلا وهو سيئ، وهم يهربون من حياتهم البعيدة عن الإيمان إلى حياة يغيبون فيها عقولهم بالخمور والمخدرات والألعاب والسيرك والسحر والتمثيليات والمسلسلات والأفلام، لماذا؟

    يريد أن يغيب وقته بسرعة، يريد أن تمر عليه الأزمنة والأوقات حتى يخلص ما فيه من العذاب الداخلي، لأنه ما وجد الإيمان، لكن المؤمن اطمأن قلبه بذكر الله: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97] ويوم أن يسكن قلبك إلى ذكر الله، وتطمئن نفسك إلى دين الله يحصل لك الأمن والأمان والراحة والاطمئنان، ويحصل لك أيضاً الفرح بما أمامك من المستقبل الذي ينتظرك، فإن نتائج الإيمان والدين تحصل للإنسان في الدنيا وفي الآخرة، من الناس من يتصور أن آثار الدين فقط في الآخرة، أنا ألتزم من أجل الجنة، وينسى أن آثار الدين تأتي في الدنيا قبل الآخرة، في الدنيا الأمن والطمأنينة والراحة وهدوء البال، وفي الآخرة الجنة.

    حقيقة الدنيا عند أهل السعادة

    عقوبة المعاصي والكفر تأتي في الدنيا قبل الآخرة، يقول أحد السلف: [والله لو يعلم أهل الجاه والسلطان ما نحن فيه من السعادة لجالدونا عليها بالسيوف].

    والآخر يقول: مساكين أهل هذه الدنيا جاءوا إليها وخرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: التلذذ بطاعة الله عز وجل، فهذه في الدنيا، وليست الدنيا بالنسبة للآخرة إلا كقطرة من بحر.

    ورد في الحديث الصحيح قوله عليه الصلاة والسلام: (ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم إصبعه في اليم ثم ينزعها فلينظر بم ترجع) البحر بجوارك هنا، إذا أتيت على طرف الخليج وأدخلت إصبعك في البحر ثم نزعتها كم تخرج إصبعك من ماء؟ قطرة .. قطرتين .. ثلاثاً .. هذه الدنيا، والآخرة أين هي؟ الذي وراءها من الماء، كم وراءها، الخليج فقط؟ انظر! الخليج خط فقط، انظر في البحر العربي الذي تحت، وانظر في البحر الأحمر والأبيض والمحيط الهادي والأطلسي، والمحيط الهندي، والمحيط المتجمد الشمالي، والمحيط المتجمد الجنوبي ثلاثة أخماس الأرض كلها ماء، هذه نسبة الدنيا قطرات إلى تلك؛ فتلك الآخرة، أفتضيع سعادة الآخرة من أجل شهوة عاجلة مثل هذه القطرات الضعيفة؟

    ولذا يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة، يقول الله تعالى: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ [مريم:39] لأن القلوب تتقطع ألماً وحسرات على ما فاتها من رضا الله: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [مريم:39-40] يوم يموت الإنسان يصبح سمعه دقيقاً، وبصره حديداً، يقول الله عز وجل: أسمعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ [مريم:38] صيغة تعجب هنا، فلان أسمع به، يعني: ما أسمعه! أبصر به، يعني: ما أبصره! فيوم القيامة يقول الله تعالى: أسمعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ [مريم:38] ما أسمعهم لنداءات يوم القيامة! ما أبصرهم لأحداث يوم القيامة! يقولون: رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ [السجدة:12] لكن لا ينفع، يقول الله تعالى: فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22] يرى المسألة عياناً فيطلب الرجعة ولكن لا يجاب عليها.

    آثار قوة الروح في حصول السعادة

    يا أخي! يا عبد الله! آثار الإيمان وآثار قوة الروح واليقين بالله تكسبك السعادة والعزة في الدنيا، وتكسبك عند الموت في أول مرحلة من مراحل الآخرة أن الله عز وجل يثبتك ويطمئنك وأنت جالس في بيت أهلك، ورد في الحديث: (إن المؤمن ليرى منزله من الجنة ومن النار وهو في بيت أهله) وفي الحديث الآخر يقول عليه الصلاة والسلام: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، قالت عائشة : يا رسول الله! كلنا نكره الموت، قال: لا. إن المؤمن إذا كان في بيته رأى منزله من الجنة -في بيت أهله- فيحب لقاء الله فيحب الله لقاءه، وإن الفاجر إذا كان عند الموت يرى منزله من النار -وهو بعد في البيت على فراشه، قد يرى كرسيه محجوزاً في جهنم- فيكره لقاء الله فيكره الله لقاءه) لكنه ذاهب إليه عند ساعات الحرج، ساعات الانتقال من الدنيا إلى الآخرة فتنكشف الحجب وتزول الحواجز ويرى الإنسان بعينه وبصره وبصيرته الآخرة، ويقول: رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:99-100] فتقول الملائكة: كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:100].

    وفي تلك اللحظات تكون قوة الجسد قد انتهت، لا تنفعك ولا تسقيك ماء، لكن قوة الإيمان في تلك اللحظات تتعرف عليك، ويأتيك إيمانك فيثبتك الله كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30] قالوا: ربنا الله بالإيمان، ثم استقاموا بالعمل تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا [فصلت:30] أي: لا تخافوا مما أمامكم، ولا تحزنوا على ما ورائكم نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ [فصلت:31] هذا عند الموت.

    ويأتي نداء الرب إلى النفس الطيبة التي طابت بذكر الله وبدين الله فتقول لها الملائكة: (يا أيتها الروح الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي إلى روح وريحان، ورب غير غضبان) اللهم إنا نسألك من فضلك يا مولانا، ما أعظم هذا النداء -يا أخي- يوم يقال لك هذا الكلام، وطبعاً الطيب هذا اكتسبه من هنا؛ لأن الطيب طيب في كل تصرفاتك، إذا طاب قلب المؤمن طابت كل حياته، تطيب عينه فلا تنظر في حراماً، وتطيب أذنه فلا تسمع حرام، وتطيب يده فلا يمدها إلى حرام، ويطيب لسانه فلا يتكلم في حرام، ويطيب فرجه فلا يقع به في حرام، وتطيب رجله فلا تحمله إلى حرام، ويطيب قلبه فلا يفكر فيه بحرام، ويطيب كل شيء في حياته، يطيب سلوكه، يطيب وجهه، تطيب ثيابه، تطيب سيارته، تطيب زوجته، يطيب أولاده، يطيب بيته، يطيب عمله، يطيب شارعه، كله طيب لأنه صبغ نفسه بالإيمان، ومن يوم أن تشاهده ترى الدين معه، هذا هو الطيب، فيقول الله تعالى: (يا أيتها النفس الطيبة! كانت في الجسد الطيب اخرجي إلى روحٍ وريحان، وإلى ربٍ غير غضبان، ويقول الله للملائكة قولي: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي [الفجر:27-28]) المطمئنة التي اطمأنت وسكنت وثبتت على دين الله، ارجعي كأنها كانت في رحلة عمل، والآن ترجع من أجل أن تستلم المصاريف السفرية، والانتدابات من رب البرية: ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً [الفجر:28] راضية مرضي عنها من قبل خالقها وبارئها: فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:29-30] هذا عند الموت فقط، هذه المقدمات.

    وبعد ذلك في القبر حينما يوضع الناس في قبورهم -ونحن منهم ولا نعلم متى يكون، يمكن الليلة أو غد أو بعد سنة أو بعد سنتين لا نعلم- هناك يحصل نقاش وسؤال وامتحان أول، فهذا هو الدور الأول من امتحانات الآخرة، وأسئلته ثلاثة: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ لكن هي سهلة الآن وصعبة هناك؛ لأن الأجوبة ليست بالتغشيش ولا باللسان: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ لا يتكلم اللسان لكن الجوارح والقلوب والأعمال: وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:65] هناك يقال للمؤمن: من ربك؟ فيقول: ربي الله، وما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، ومن نبيك؟ فيقول: نبيي محمد صلى الله عليه وسلم، ثبته الله؛ لأنه ثابت من هنا، قال الله تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [إبراهيم:27] اثبت هنا تثبت هناك، زغ هنا تزغ هناك، أمسك الحبل من أوله، أمسك الطريق من أولها، احجز من هنا، لكن تبقى ضالاً وشارداً عن الله ثم تموت وتقول: رب ارجعون، فلا يرجعك ربي، هذا لعب لا يصلح، فيثبت الله الذين آمنوا في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

    أما العمي الحيوانيون الذين عاشوا حياة البهائم فإنهم هناك لا يعرفون الله؛ يقال له: من ربك؟ يقول: هاه هاه .. لا أدري، ما دينك؟ هاه هاه .. لا أدري -مثل الذي يستيقظ من النوم- ومن نبيك؟ قال: هاه لا أدري، فيقال له: لا دريت ولا تليت، ثم يجازى ويأتيه عمله إن كان مؤمناً على أحسن هيئة وشكل، فيقول له: أبشر بالذي يسرك، فيقول له: من أنت فوجهك الذي يأتي بالخير؟ قال: أنا عملك الصالح حفظتني فحفظك الله، والعمل الصالح إذا حفظته يحفظك، إنك ترى كيف يكون سلوك الطيبين، كل عمله له وزن؛ صلاة وصيام وحج وبر، وأمر ونهي وطاعة وإحسان وصدقات، وذكر وقرآن وعلم ودعوة، كل هذا عمل صالح، لكن الفاسد ما معه من عمل؟ عمله كله دنيا وفساد، كله -والعياذ بالله- خبث في خبث، فكيف يجد عند الله عز وجل عملاً صالحاً وهو لم يعمله هنا.

    حفظتني حفظك الله، فينام كما ينام العريس إلى أن يأذن الله لقيام الناس من قبورهم، فيحشروا إلى الجنة، وتمر به مراحل وأطوار يوم القيامة كأسهل ما تكون، يمر على الصراط كالبرق الخاطف، ويشرب من حوض النبي صلى الله عليه وسلم شربة لا يظمأ بعدها أبداً، والحوض قد أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم قال: (هو أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وكيزانه -يعني:آنيته- عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة واحدة لم يظمأ بعدها أبداً).

    وبعد ذلك تأخذ كتابك بيمينك؛ لأنك من أهل اليمين، وتمشي في اليمين، وتمسك خط أهل اليمين، ولا تعرف الغلط، ولا تعكس الطريق، ولا تعرف الشمال، إنما تمشي مع أولياء الرحمن، وبعد ذلك توزن مع أعمالك وإذا بك لك ميزان، ويثقل ميزانك، لك وزن عند الله، أما أولئك فلا وزن لهم، قال الله تعالى: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً [الكهف:105] وبعدما تتجاوز هذه الامتحانات يقال لك في النهاية: ادخل الجنة، تفضل: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:70-72] نسأل الله من فضله.

    الضعف الروحي وعواقبه الوخيمة في الآخرة

    أما أولئك الذين غفلوا عن الله وعاشوا حياتهم -والعياذ بالله- في البعد عن الله؛ فهؤلاء عند الموت تنكشف لهم الحجب، وتزول عنهم الأغطية، ويرون الحقائق كما هي على حقيقتها، فيندمون وتتقطع قلوبهم حسرات وندامات، ويقولون: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [فاطر:37] قال الله تعالى لهم: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر:37] وبعد ذلك تقول الملائكة: (يا أيتها الروح الخبيثة! كانت في الجسد الخبيث، اخرجي إلى سخط من الله وغضب) وأنتم ترون هذا في الإنسان البعيد عن الله وأن الخبث يلازمه في كل شيء، حتى لسانه خبيث، عينه تقع في الخبيث، أذنه تسمع الخبيث، يقع في الخبيث، يمشي في الخبث، وإذا فرض أنه جاء مرة في مجتمع نظيف فإنه يضيق ويزهق؛ لأنه جرثومة، والجراثيم لا تعيش في الأماكن الطاهرة والمعقمة، لا تعيش إلا في الأماكن الموبوءة والقذرة، المجتمع الطاهر النظيف يعيش فيه المؤمن كأسعد ما يكون، أما إذا جاء فيه منافق فإنه يضيق منه، يقول: ما هذا! لماذا لا يوجد زنا، ولا خمور، ولا فجور، ولا تمرد، ما هذا! كيف تعيشون على هذا الأمر؟

    هذا (أبو جعران) لا يريد أن يعيش في الطهارة يريد من قذارته وجيفته -والعياذ بالله- ومستنقعه! يريد قذاراته ليتلطخ بها، فهذا خبيث، وهذا يوم يموت تقول له الملائكة: (يا أيتها الروح الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي إلى سخط الله وغضبه، فتخرج روحه) وبعد ذلك يحصل لها سؤال في القبر: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فلا يجيب، ويأتيه عمله على أسوأ شكل -والعياذ بالله- فما عمله؟

    يتجمع الخبث كله، الربا والزنا، والغناء والفجور، والمال والزور .. كلها تأتي معاً، ويأتيه على أسوأ شكل ويقول له: (أبشر بالذي يسوءك، قال: من أنت فوجهك الذي يأتي بالشر؟ قال: أنا عملك السيئ، ضيعتني فضيعك الله) ثم يعذب في القبر فترة البرزخ إلى أن يقوم يوم القيامة، ويقوم من قبره مذهولاً خائفاً وجلاً تغشاه الذلة والمهانة، يرد على مراحل القيامة فيسقط عند كل مرحلة، يمر على الصراط فيسقط، ويرد الحوض فيطرد، ويوزن فيخف، ويأخذ كتابه بشماله، ثم بعد ذلك يسحب في النار على وجهه، يقول الله عز وجل: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:48-49].

    1.   

    غذاء الروح بالطاعات، ومرضه بالسيئات

    هذه -أيها الإخوة- آثار قوة الروح وتلك آثار قوة الجسد، ونحن مأمورون بالأخذ بالقوتين مع التغليب والتركيز على جانب قوة الروح، فإن قوة الجسد تنفعنا في الدنيا، أما قوة الروح فتنفعنا في الدنيا، وتنفعنا في الموت، وتنفعنا في القبر، وتنفعنا في الحشر، وتنفعنا إلى أن ندخل الجنة، فلنركز -أيها الإخوة- على هذا الجانب.

    قد يقول قائل: قوة الجسد معروفة، أني آكل طعاماً نظيفاً، أريح الجسد في رياضة وحركة، نقول: حسناً، لكن قوة الروح كما تأكل لجسدك طعاماً نظيفاً يجب أن تقدم لروحك طعاماً نظيفاً مثلما تحمي جسدك، إذ لو وجدت برتقالاً فيه فساد ما أكلت، أو تفاحة فيها عفن فلن تأكلها، أو لحمة فيها سوس أو دود لا تأكلها، أو لبن انتهى وقت استعماله لا تشربه، وكذلك الروح إذا أكلتها الربا هدمتها، وإذا قدمت لها المعاصي دمرتها، روحك هذه تحتاج إلى حماية من الخبائث، وتحتاج إلى تقوية، مثلما تقوي جسمك بالحركة والسير والرياضة تقوي روحك أيضاً بالطاعة: بقراءة القرآن وهو أهم ما نوصي به عباد الله، أهم ما نوصي به الناس تلاوة كتاب الله، فإن كل ضلال وفساد سببه البعد والغفلة عن الله تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ [الأنبياء:1-3].

    فتقرأ القرآن وتجعل لك ورداً يومياً منه، وتقرأ السنة وتحافظ على الصلوات الخمس في بيوت الله، تقيم الصلاة، تؤتي الزكاة، تصوم رمضان، تحج البيت، تعتمر، تحب في الله وتبغض في الله، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، تطيع والديك وتبرهم، تصل رحمك، تحسن إلى جيرانك، هذا مع حفظك للجوانب الأخرى وهي المعاصي، يعني: حماية وبناء، فإذا حميت دينك وبنيته كنت بذلك قوي الجسد والروح، وبعد ذلك تعيش حياة الكرامة والعزة، ويوم تموت تلقى الله عز وجل وأنت قوياً صحيحاً سليماً: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89].

    انظروا كيف ذكر الله عز وجل أنه الذي ينفع في الآخرة ليس الجسد، الذي ينفع هو القلب يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89] الذي يموت وقلبه سليم يدخل الجنة؛ لأنها دار السالمين، والذي يموت وقلبه مريض لا بد من تصفيته وتطهيره بالنار، في المستشفى الذي علاجه النار: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:88-104].

    أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرزقنا إيماناً يقينياً وعملاً صالحاً، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يحمينا من المعاصي والذنوب والشرور والآثام، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    1.   

    الأسئلة

    قوة الإيمان تكون بكثرة العمل الصالح

    السؤال يقول:كيف يصبح الإنسان قوي الإيمان؟

    الجواب: الإيمان في معتقد أهل السنة والجماعة هو: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. فإذا أردت أن يزيد إيمانك فزد في الطاعات: زد في قيام الليل، زد في صيامك، وفي قراءة القرآن، وفي أذكار الصباح والمساء وأذكار الأحوال والمناسبات، وفي جهدك وجهادك لخدمة دينك ودعوتك، وفي العمل الصالح، فإن العلماء يقولون: إن الإيمان مشبه بالشجرة، كلما ازدادت العناية بها كلما زادت الثمرة، وأن المعاصي تحرق شجرة الإيمان كما تحرق النار شجر الدنيا، إذا كان عندك شجرة تعطيها السماد والماء فإنها تخضر وتثمر، وإذا أعطيتها الجاز والبنزين احترقت، وكذلك أنت إذا أردت أن يزيد إيمانك فتزود من العمل الصالح وتب إلى الله من الذنوب والمعاصي.

    نصيحة في أهمية الخشوع في الصلاة

    السؤال: كيف أصبح خاشعاً في صلاتي؟

    الجواب: الخشوع في الصلاة مهم جداً وعليه المعول في القبول، فإنه لا يكتب للعبد من صلاته إلا ما حضر فيها قلبه، صليت أربع ركعات حضر قلبك في اثنتين سجلت اثنتان واثنتان ما لك منها شيء، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: (يكتب للعبد في صلاته عشرها، تسعها، ثمنها، سبعها) بعضهم لا يكتب له شيء من صلاته، فأنت حاول واجتهد أن تخشع في صلاتك، واعرف أنك وقفت في معركة مع الشيطان، وأن المعركة هذه مدتها عشر دقائق، والشيطان يجاهدك عشر دقائق ثم يتركك بعدها إلى الفجر، لكن قل: يا شيطان! لن تلعب علي، هي عشر دقائق أضبط نفسي ثم وسوس من بعد العشاء إلى الفجر، لكن الوسواس لا يأتي إلا في الصلاة، إذا أردت أن تتعشى الآن ووضعت السفرة أمامك هل يأتيك وسواس؟

    لا تفكر في غير اللحم والأرز والعشاء أبداً، لكن قم صلِّ يأتيك الوسواس، لماذا؟ لأن الشيطان عدو يريد أن يسرقك ويسرق قلبك، وأن يتركك تقوم وتقعد وترفع وتسجد ومالك منها شيء، فلهذا ورد في بعض الآثار أن الشيطان يحرص على أن لا تصلي، فإن أبيت إلا أن تصلي وقف على رأسك عند الباب وقال لك عندما تدخل المسجد: والله لأخرجنك منها مثلما دخلت، يقول: أنت مشاغب، ليس مثل الذين قعدوا في المقاهي، وجلسوا عند نسائهم على الأفلام، ويتابعون الأحداث والمباريات، أنت عنيد لكن سأريك عملك، فإذا دخلت من هناك حلف أنه سيضيعك من صلاتك، فيدخل معك في صلاتك يذكرك العشاء والزوجة، ويذكرك المشاكل والعمارات، ويذكرك التجارات وكل شيء، أي شيء تبغاه يذكرك به في الصلاة، ثم إذا غيرت نفسك وإذا بك ما صليت ولا ذكرت شيئاً.

    فعليك يا أخي أن تجند نفسك لمحاربة هذا العدو، وعلى المجاهدة له، ولذا شرعت التكبيرات، أول شيء لما تبدأ في الصلاة تقول: الله أكبر، هذه مدفع ضد الشيطان، وبعد ذلك سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم تدعو بعد ذلك وتقول: أعوذ بالله السميع العليم، وبوجهه الكريم، من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه، بسم الله الرحمن الرحيم، هذه استعاذة، ثم تقرأ الفاتحة ثم تقرأ سورة ثم تقول: الله أكبر، هذه مدفع ثانٍ، سمع الله لمن حمده، الله أكبر هذه مقرعة فوق رأسه، لكن بعض الناس يضرب بالمدفع لكن لا يصيب، شخص يصلي بجواري مرة من المرات وهو قائم يقول: التحيات لله والصلوات الطيبات، لم يعلم أهو قائم أم قاعد؛ نظراً لعدم خشوع قلبه في الصلاة أيها الإخوة!

    فلا بد من أن تعرف أنك في حربٍ مع الشيطان فلا توسوس في الصلاة.

    حسناً، كيف؟ لا أستطيع أن أجيب على هذا، لكن هناك شريط لا أعلم هل وصلكم في الشرقية أم لا، اسمه: رسالة إلى المصلي، هذا موجود في التسجيلات، وهو عبارة عن مجموعة كلام لأخت لنا في الله، وللشيخ ابن القيم رحمه الله، وللإمام الآجري في كتابه: الخشوع في الصلاة ، ومجموعة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، جمعت هذا كله وألقيته في أبها في درس بعنوان: رسالة إلى المصلي، وذكرت فيه أن الذي يريد أن يخشع في صلاته لا بد له من أمور؛ أمور قبل الصلاة، وأمور أثناء الصلاة وأمور بعد الصلاة، قبل الصلاة أشياء لا بد أن تأتي بها، إذا لم تأت بها ما خشعت، وأثناء الصلاة أشياء، وبعد الصلاة أشياء، إذا راعيتها فإن الله عز وجل سيعينك بإذن الله على أن تخشع، وبعد ذلك سينال منك الشيطان، رغم كل الجهاد فسيأخذ منك، لكن فرق بين من يأخذ منه الشيطان شيء، وبين من يأخذ منه الشيطان كل شيء، فمن البشر الآن الذين صلوا معنا المغرب لو عملنا امتحاناً الآن: ماذا قرأ الإمام في الركعة الأولى والركعة الثانية؟ لا أحد يجيب! اجعلوها بينكم وبين الله؛ لأنه يمكن أنا لا أعرف، وبعد ذلك أفشل، فاجعلوها بيننا وبين الله، الذي يعرف ما قرأ الإمام هذا صلى، والذي لم يعرف ما رأيكم لو سألنا العمود هذا الذي فيه الساعة، وقلنا: يا عمود! يا مسلح! ماذا قرأ الإمام؟ هل سيجيب؟ لا يعلم، وإذا أتينا بشخص من المصلين مثل العمود لكن عمود متحرك يمشي على رجلين وقلنا له: ماذا قرأ الإمام؟ قال: لا أعلم؟ فما الفرق بين العمودين؟

    هذا العمود أحسن؛ لأنه أربعة وعشرين ساعة يصلي وذاك عشر دقائق وما حفظها، فنقول لإخواننا: الله الله في صلاتكم، اخشع في صلاتك وأحضر قلبك فإذا انتهت الصلاة فالحمد لله، تنتهي من الصلاة الساعة السابعة، ونبدأ الفجر الساعة الرابعة، من سبع إلى أربع تسع ساعات، أبعد ما في رأسك من وساوس كلها، ثم تعال إلى صلاة الفجر عشر دقائق، ثم اجلس من الفجر إلى الظهر، بين كل صلاة وصلاة خمس .. ست ساعات .. تسع ساعات .. ثلاث ساعات وبالرغم من هذا يسرق الشيطان صلاتنا، إذا سرق الشيطان صلاتك فقد سرق عليك أثمن ما تملك؛ لأن الصلاة كما يقول العلماء ثلاثة أقسام:

    1- هيكل عام.

    2- روح.

    3- وأثر.

    الهيكل العام المنصوص عليه في كتب الفقه: أركان الصلاة، واجبات الصلاة، شروط الصلاة، سنن الصلاة، مستحبات الصلاة، هذه اسمها الهيكل العام.

    والروح ما هو؟ الخشوع؛ إذا أتينا بهيكل لإنسان لكن ليس فيه روح هل له قيمة؟ لا.

    والأثر هو أثر الصلاة في سلوكك، أثر الصلاة في حياتك هل تنهاك صلاتك عن الفحشاء؟ هل هناك إنابة وتلازم بين عبادتك ومعاملاتك، أم أنك كالذي يصلي وإذا كان في الدكان نظر إلى الحرام في الشارع إذا خرج، إذا وقف عند الباب وشاهد امرأة فتح عينيه، وكان قبل قليل يقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] وإذا ركب سيارته شغل الاسطوانة والشريط على الأغاني، أين إياك نعبد وإياك نستعين؟! ولعله يرابي، فلابد أن يكون لهذه الصلاة أثر في تحديد سلوكك واتجاهك؛ لأن الله تعالى يقول: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45].

    نصيحة للشباب في خضم الأحداث والفتن

    السؤال: ما هي نصيحتكم للشباب المتمسك بدينه القابض عليه في خضم هذه الأحداث والفتن التي تجري؟

    الجواب: وصيتي لنفسي أولاً وإلى الشباب وإلى كل مسلم الاعتصام بكتاب الله عز وجل؛ لأنه: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [آل عمران:101] والله تعالى يقول في الحديث القدسي: (وعزتي وجلالي ما اعتصم عبدٌ من عبادي بي فكادته السماوات والأرض إلا جعلت له منها مخرجاً، وعزتي وجلالي ما اعتصم عبدٌ من عبادي بمخلوق دوني إلا قطعت عنه أسباب السماء، وأسخطت الأرض من تحت قدميه، ثم لا أبالي في أي وادٍ هلك) فالعصمة بالله، وبكتابه، وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمؤمن مؤمن والله لو عاش في وسط أي بيئة وفي أي مكان فإن إيمانه يحميه، والفاجر فاجر حتى في عهد النبوة فقد كان يوجد منافقون وكفار.

    فنقول لإخواننا: تمسكوا بطاعة الله وأقبلوا عليها، وتمسكوا بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنكم بهذا تنجون؛ لأنها سفينة النجاة، من ركبها فقد نجا، ومن تخلى عنها فقد هلك.

    أسباب الثبات على دين الله

    السؤال: هذا سائل يريد بعض النصائح للثبات على الدين والتمسك بأوامر الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: من أهم الأشياء التي تثبت على دين الله تبارك وتعالى:

    1- تلاوة القرآن الكريم؛ لأن الله تعالى يقول: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ [الفرقان:32] وما عرفنا أن أحداً اعتصم بالقرآن وتلا القرآن وتدبره فضل، من يضل؟ الذي يهجر القرآن تلاوة، أو يهجره عملاً، أو تدبراً، أو احتكاماً، أو استشفاء؛ يضله الله؛ لأنه جاء في حديث الترمذي حديث الأعور عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنها ستكون فتنة، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟! قال: كتاب الله، فيه خبر ما بينكم، وخبر ما قبلكم وما بعدكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم) الزم القرآن الكريم، قال تعالى: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ [الزخرف:43-44] فاقرأ القرآن باستمرار، واجعل المصحف في جيبك، وفي السيارة، وفي المكتب، وعند سرير نومك، وكلما وجدت فرصة من الفرص فاقرأ القرآن وتدبر، قراءة تدبر يقول الله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:82] ويقول جل ذكره: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29].

    2- فعل الأمر وترك النهي:

    وفي هذا يقول الله عز وجل: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً [النساء:66] أشد هنا: أفعل للتفضيل، أفضل ما تثبت به نفسك أن تفعل ما وعظك الله به: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ [النساء:66] نوعظ بفعل أوامر الله وترك نواهيه، وأنت تعرف أمر الله ونهيه، لا أحد يغرك إلى اليوم، تعرف أن النظر إلى النساء حرام، فلماذا تنظر وتقول: الإيمان في القلب، تحيلنا على صدرك وعينك مريضة؛ وتعرف أن الدخان حرام وأنه خبيث فلماذا تشربه وتقول: الدخان ليس فيه شيء والإيمان في القلب؟

    وتعرف أن الربا حرام فلماذا تستمر فيه؟ وتعرف أن سماع الغناء حرام، فلماذا تستمر فيه؟ وتعرف أن الصلاة في البيت وتركها في المسجد من النفاق فلماذا تنام عن الصلاة؟! كل هذه أمور نعرفها، فإذا قمت بأوامر الله ولم تترك نواهيه فقد كذبت نفسك.

    3- قراءة قصص الأنبياء:

    فالأنبياء ذكر الله قصصهم في القرآن للعبرة والعظة، قال تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف:3] وقال عز وجل: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ [يوسف:111] وقال جل ذكره: وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [هود:120] فكلما قرأت قصة نبي ثبتتك على الإيمان، إذا كنت شاباً وجميلاً ووسيماً وما عندك زوجة والمنكرات من حولك، وسبل الفساد تفتح لك ثم دعيت إلى جريمة، فاذكر يوسف لما دعته المرأة ذات المنصب والجمال فقال: مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ [يوسف:23] فتقول: لا والله لا أعمل، إذا رأيت الدنيا تكالبت عليك من كل جانب وضاقت الأرض من كل مكان فتقول كما قال موسى: كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62] وإذا ضاقت بك الدنيا فتقول كما قال عليه الصلاة والسلام: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40] هكذا تثبتك هذه القصص، فليست مجرد كلام، القرآن ما نزل من أجل أن نتسلى به، بل هو قصص ودروس عملية تربوية، ننتفع بها في حياتنا، وكل قصة ذكرت في القرآن فلها أهداف عظيمة، فاقرأ قصص القرآن، وبعد ذلك اعتبر منه وارجع منه بفوائد ونتائج ودروس في حياتك تمتثلها، وهذا سبب تثبيتك، قال الله تعالى: وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ [هود:120].

    3- الدعاء:

    فتدعو الله في كل وقتٍ وفي كل حين تقول: يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك، وقد ذكر الله عز وجل أن هذا من صفات عباد الرحمن، فهم يقولون: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8] اللهم اهدنا فيمن هديت وثبتنا يا رب العالمين.

    الطريق الأمثل إلى التوبة النصوح

    السؤال: هذا الشاب يسأل فيقول: أريد أن أتوب إلى الله توبة نصوحاً، ولكني أجد صعوبة في الالتزام دائماً، فأرشدني إلى طريق الخير والصلاح، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: طبيعي أن تجد صعوبة يا أخي، طريق الجنة فيها وعورة: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات) وكل مكرمة لا تنالها إلا بتعب.

    الدنيا الآن المكارم فيها والرقي والرتب والمناصب تأتي بتعب، فالضابط لا يحصل على النجمة هذه حتى يذبحونه، وينتفون ريشه في الكلية، لكن يصبر ويمشي إلى أن يصير ملازماً، فأنت -يا أخي- اصبر على الطاعة، واصبر عن المعاصي، يقول: أريد أن أتوب إلى الله لكني أجد صعوبة، يريد أن يغني وهو تائب، يريد أن يظل نائماً وهو تائب، طبعاً (صعوبة ونصف) أتريد الجنة مجاناً والله تعالى يقول: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214]؟ لماذا أمر الله بالصبر في القرآن الكريم وقال: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:35] وقال عز ثناؤه: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3] الصبر عن النوم وعن الأرز واللحم مع الرقص واللعب، الصبر على المر، الصبر على أن تزهق روحك في سبيل الله، أن تتعب جسدك في طاعة الله، أن تقمع جماح شهواتك من أجل الله، تغض بصرك وعينك تتقطع وقلبك يتألم، تريد أن ترى لكن تقول: والله ما أنظر من أجل الله، تبتعد عن الأغنية وأذنك تريد أن تظل على الأغنية لكن تقول: والله ما أسمعها من أجل الله، هكذا الصبر، فيعوضك الله يوم القيامة بأن تنظر بعينك إليه، وأن تسمع بأذنك خطابه، وأن يزوجك بدل الزوجة الثانية باثنتين وسبعين حورية، الواحدة منهن خيرٌ من الدنيا وما عليها، تجدها مرآتك وكبدك مرآتها، إذا أردت أن تشاهد وجهك ولا توجد مرآة في الجنة فانظر في كبدها تشاهد وجهك في كبدها، عليها سبعين حلة ترى مخ ساقها من وراء الحلل، نصيفها على رأسها خير من الدنيا وما عليها، لو أنها في المشرق شممت رائحتها في المغرب أنت، إذا أشرفت على الأرض آمن من على وجه الأرض بالله الواحد القيوم، إذا طلعت على أهل الجنة برق برق في الجنة، فيقول الناس: ما هذا البرق؟ قالوا: لا. هذه حورية تبسمت في وجه زوجها! تريد أن تأتي وأنت نائم؟! لا تأتي يا أخي! ويقول الناظم:

    تهون علينا في المعالي نفوسنا     ومن يخطب الحسناء لم يغلها المهر

    ويقول الثاني:

    الجود يفقر والإقدام قتال

    الذي يريد أن يكون شجاعاً لابد أن يموت، والذي يريد أن يصير كريماً لابد أن يخسر، والذي يريدها سلامات وعلى طرف لا هذه ولا تلك ، فأنت أقدم.

    وكن في كل فاحشة جباناً     وكن في الخير مقداماً نجيباً

    وتب توبة الصادقين، أما توبة الضعفاء والمنهزمين والمهزوزين فلا: أريد أن أتوب ولكن ما زلت أفكر، بعضهم يقول: أفكر في أن أتوب، ماذا يتوب؟ الخيارات دائماً في الأشياء المتقاربة، أما أن تخير نفسك في الجنة أو في النار!! لو دخلت في عمارة وقيل لك: هذه الشقة فيها أرز ولحم وبسطة وغرفة نوم وزوجة، وهذه الشقة فيها سكاكين وفيها نار وجمر، ما رأيك هذه أو هذا، ماذا تقول؟ تقول: والله أفكر؟! هذه جنة يا أخي! وتلك نار، كيف تقول:والله أريد أن أتوب لكني أريد أن أفكر، أقول: تب واصمد واثبت والله معك، ودائماً الذي يلتجئ إلى الله يقول الله عز وجل: (يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم).

    اللهم اهدنا فيمن هديت.

    نصيحة لمن يدرس النظريات الفاسدة

    السؤال: ذكرت بعض النظريات أثناء الكلام وهناك بعض المراكز العلمية تدرس هذه النظريات، فما نصيحتكم في ذلك؟

    الجواب: وهذه مصيبتنا -أيها الإخوة- حينما تحدث في تصورات أبنائنا وبناتنا مثل التي الأفكار تزعزع عقائدهم من الداخل وتنسفها، والمصيبة أن هذه النظريات الآن تدرس في معظم الجامعات في العالم كله، ولذا نوصي أن لا تدرس عندنا أصلاً، وإذا درست فمن منظور الإسلام ندرسها لإبطالها؛ لأننا مسلمون، نحن أبناء آدم وآدم مكرم، لسنا أبناء القردة والخنازير.

    كلمة توجيهية للنساء

    السؤال: نأمل منك أن توجه كلمة للنساء لعل الله تبارك وتعالى أن ينفع بها؟

    الجواب: الحمد لله، كما أن هناك صحوة في صفوف الشباب فإن هناك صحوة في صفوف النساء والحمد لله، والمرأة لها مركز في الدين، المرأة شقيقة الرجل، يقول عليه الصلاة والسلام: (النساء شقائق الرجال) والله تعالى يقول: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228] ما الدرجة هذه؟ ليست أفضلية، بعضهم يستعمل هذه في غير مكانها، بل درجة مسئولية، أما الأفضلية فقد تكون المرأة أفضل منك عند الله، آسية بنت مزاحم مؤمنة وزوجها فرعون اللعين كافر، فمن الأفضل؟

    آسية، أثنى الله عليها في القرآن، قال الله عز وجل: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ [التحريم:11] يقول العلماء: إنها طلبت الجار قبل الدار: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ [التحريم:11] ما قالت: ابن لي بيتاً في الجنة، بل قالت: عندك يا رب! أريد الجار قبل الدار: وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم:11].

    وزوجها الذي يقول: إنه الرب الأعلى وهي امرأة كانت من أهل الجنة، وهو كافر فهو من أهل النار. فالقضية ليست قضية أفضلية، فرب امرأة أفضل عند الله من ملء الأرض من الرجال، ولكنها درجة مسئولية، يعني: أن الله أعطاه المسئولية عن الأسرة، مثل المدرسة عندما تأتي مدرسة البنات -مثلاً- فيهن مديرة ومدرسة وفيهن عشر مدرسات؛ هل معنى هذا أن المديرة أفضل من المدرسات كلهن؟ لا. يمكن بعض المدرسات أفضل من المديرة: أفضل مؤهلاً، وذكاءً، وأفضل خبرة وتصرفاً، لكن خرج حظها قالوا: مديرة، نقول لها: تعالي انزلي، أنت مسئولة، هي التي توقع الدوام وتختم الدوام، والتي توقع الخطابات ومسئولة عن المدرسة، وإذا تدخل أحد تقول له: أنا مسئولة عن الأمر، وكذلك المسئول عن شركة الأسرة وعن البيت هو الرجل، فهو المدير العام للأسرة، والمرأة هي النائب، لكن يوم أن تضيع الأدوار في الأسرة وتحاول المرأة أن تأخذ دور الرجل تخرب الحياة، وتنعكس.

    فوصيتنا المرأة ونحن نأمل خيراً والحمد لله أن تدرك مسئوليتها، وأن تعرف أنها درة مصونة، وأن الله أكرمها بنتاً، وأكرمها زوجة، وأكرمها أماً، وأكرمها أختاً، وأن الجاهليين أهانوها، حتى مرت في بعض الفترات في أوروبا في القرن السابع وكان الناس يتساءلون: هل المرأة إنسانة أو شيطانة؟ وهل فيها روح إنساني أو روح شيطاني؟ وإذا كان فيها روح إنساني هل هو على مرتبة الإنسان أو مرتبة أقل؟ هذه التساؤلات كانت تعيش فيها أوروبا ، واليوم لما قالوا: نحررها، حرروها فدمروها، ما حرروها حقيقة بل دمروها، أخرجوها من العش الذي كانت تعيش فيه إلى أن تصبح لعبة ومنشفة يمسحون بها قذاراتهم وأوساخهم.

    أما الإسلام، فانظر قول الله تعال: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىوَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب:33-34] ويقول في النساء: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الأحزاب:59] ويقول: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ [النور:31] إلى آخر الآيات؛ لأنها غالية عند الله، المرأة رخيصة عند الجاهليين.

    فنطلب من أخواتنا أن يكن على هذا المستوى من الفهم، وأن تحصل عندهن العزة بالله: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [المنافقون:8] يقول الله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ [فاطر:10].