إسلام ويب

الإيمان حقيقته وشعبهللشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد بعث الله بالإيمان الرسل، وأنزل به الكتب، إلا أن من حكمة الله أن هذا الإيمان لا يمثل حقيقته كل أحد، إذ أن حقيقته لا تتحصل إلا بتحقيق لوازمه اللفظية، والقلبية، والعملية. وكما أن لهذا الإيمان حقيقة، فله أيضاً شعب بعضها قوليّ، وبعضها قلبي، أو عملي، وعلى قدر الإتيان بهذه الشعب يزيد الإيمان وينقص.

    1.   

    الإيمان زاد الرحيل إلى الآخرة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    أيها الأحبة في الله: أعظم ما يملكه الإنسان ويحرص على تحصيله في هذه الحياة هو الإيمان.. الإيمان الذي تتحقق به للإنسان سعادة الدارين، والفوز والفلاح في الحياتين، فلا سعادة في الدنيا إلا بالإيمان، ولا فلاح من العذاب في الآخرة إلا بالإيمان؛ بالإيمان تعرف حقيقة الخلق وحكمة الوجود، وتشعر بلذة وطعم الحياة، وتتصل بخالق الأرض والسماء، ويستقيم سيرك على درب الحياة، وتعرف كيف تتعامل مع الكون والحياة من حولك.

    وحينما تغادر الحياة في الرحلة الإلزامية، والسفر الإجباري الذي كتبه الله تعالى على كل مخلوق -لا بد من الرحيل إلى دار القبور، لا أحد يستطيع أن يمنع نفسه من الموت- حينما تلزم بالارتحال، وتخرج من الدنيا رغم أنفك.

    لهوت وغرتك الأماني وحينما     أتمت لك الأفراح فوجئت بالقبر

    والآخر يقول:

    ما للمقابر لا تجيب     إذا رآهن الكئيب

    حفر مسقفة عليهن     الجنادل والكثيب

    فيهن أطفال وولدان     وشبان وشيب

    كم من حبيب لم تكن     عيني لفرقته تطيب

    غادرته في بعضهـن     مجندلاً وهو الحبيب

    في تلك الرحلة لا تنتفع بشيء: لا مال، ولا ولد، ولا جاه، ولا منصب، ولا رتبة، ولا مرتبة، ولا ينفعك في تلك اللحظات الحرجة وفي تلك الأيام الصعبة إلا الإيمان، في بيت الوحشة والظلمة والدود، لا ينفع هناك أحد.

    يا مـن بدنياه اشتغل     وغرَّه طول الأمل

    وقـد مضى في غفلـة     حتى دنا منه الأجل

    المـوت يأتي بغتةً     والقبر صندوق العمل

    لا ينفعك في القبر وعرصات القيامة إلا الإيمان: يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:2] لا ينجو من تلك الأهوال إلا أهل الإيمان.

    يوم تزفر جهنم، وتتزين الجنة: وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ [ق:31-34].

    هنا الفخر والمجد والشرف والعزة، هنا الفوز والفلاح أيها الإخوة! لكن لمن؟

    لمن آمن وعمل صالحاً، ولكن: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35].

    1.   

    حقائق الإيمان الثلاث

    هذه الكلمة: (الإيمان) لها حقيقة وصورة، ولكن الصورة لا تغني عن الحقيقة شيئاً، فالصورة تعطي فكرة عن الحقيقة لكن لا تؤدي دور الحقيقة، إذا رأيت صورة سيارة، تعرف من الصورة أن هذه سيارة، لكن هل تستطيع أن تقطع بها مسافة؟ أو أن تركب عليها وهي في الورق؟ الجواب: لا.

    إذا أريتك صورة عمارة، تعرف من الصورة أنها عمارة، لكن هل تسكن في شقة في الورق؟ الجواب: لا.

    إذا أخذت فئة خمسمائة ريال -ورقة مالية- وصورتها وكانت الصورة طبق الأصل: الرقم، والتوقيع، والفئة، وكل شيء، هل تستطيع أن تشتري بالصورة حزمة كراث بريال؟ الجواب: لا. لماذا؟

    لأنها صورة.

    وإذا أعطيتها صاحب المخبز، وتريد رغيفاً، يقول: اذهب، هذه صورة لا تنفع، لكن أظهر الخمسمائة الريال الحقيقية، تشتري بها حمولة سيارة، لماذا؟

    لأن هذه حقيقية وتلك صورة.

    والإيمان له حقيقة، وله صورة، صورته النطق باللسان، والادعاء والبيان دون أن تقيم على هذا الادعاء والبيان دليلاً من العمل الصالح لا ينفع، أما حقيقة الإيمان فهي: حقيقةٌ غالية ذات قيمة باهظة، وتكاليف ثقيلة، الإيمان له ثلاث حقائق عند أهل السنة والجماعة:

    حقيقة لفظية، وحقيقة قلبية، وحقيقة عملية، ولا بد من توفر الثلاث، وإذا نقصت واحدة فسد الإيمان وتحول إلى إيمان صوري.

    حقيقة الإيمان اللفظية

    والحقيقة الأولى: حقيقة لفظية لسانية، وهي الإعلان والشهادة بأنه لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه هي الركن الأعظم من أركان الإسلام، وهي أساس الدين، وهي أول مطلب يطلب من أي إنسان يريد الدخول في الإسلام، فإذا أراد الإنسان -وهو كافر- أن يدخل في دين الله، فإنه لا يقبل منه أي شيء حتى يعلن هذه الكلمة، فلو صلى قبل أن يشهد أن لا إله إلا الله، فما حكم صلاته؟

    الجواب: مردودة، لو صام قبل أن يشهد أن لا إله إلا الله، فما حكم صيامه؟

    الجواب: باطل ومردود، لو قاتل حتى مات، ما حكم قتاله وموته؟

    الجواب: مات على الكفر؛ لأنه ما شهد أن لا إله إلا الله، وما أعلن هذه الكلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ولا بد منها، وهي أول واجب، وهي أيضاً آخر كلمة يقولها الإنسان حينما يموت، والذي يلهم هذه الكلمة عند الموت هذا دليل على أنه صادق قد أدى مقتضياتها حينما كان حياً، ولهذا جاء في الحديث قال صلى الله عليه وسلم: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة).

    فمن علامات حسن الخاتمة أن يلهم المسلم كلمة: (لا إله إلا الله) عند الموت، ولكن من هو الذي يوفق لها؟ هو الذي قالها وصدق وحققها، أما من قالها بلسانه، ولم يحققها بفعلها بجوارحه؛ فهذا يصرف عنها، ولا يوفق إليها عند الموت، بل إذا قيل له: قل: (لا إله إلا الله) يرفض، ولا يستطيع أن ينطق بها؛ لأنه خانها وما أدى أمانتها، هذه كلمة (لا إله إلا الله) وهي تمثل أساس الدين.

    وطبعاً من متضمنات (لا إله إلا الله): (محمد رسول الله)، هي كلمة الإخلاص، ولهذا؛ أركان الإسلام خمسة: الركن الأول: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فليست ركنين بل ركن واحد.

    ومعنى (لا إله إلا الله): تجريد الإخلاص في العبادة لله وحده، ومعنى (محمد رسول الله): تجريد المتابعة في العبادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، فلا معبود بحق إلا الله، ولا مُتَّبَع بحق إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا معنى (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وهي الحقيقة الأولى.

    حقيقة الإيمان القلبية

    الحقيقة الثانية: حقيقة قلبية:

    وهي أن تصدر هذه الكلمة من قلبٍ يعتقدها ويقر بها ويصدقها، لا تكون كلمة من اللسان؛ لأن الكلمة من اللسان بغير تواطؤ القلب عليها نفاق، والله سبحانه وتعالى قد رد هذا الإيمان في أول سورة البقرة، قال عز وجل: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة:8] هم قالوا: آمنا، ولكن الله يقول: وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة:8] أي: كاذبين، وقال: مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ [المائدة:41] فلا بد من تواطؤ القلب واللسان، فاللسان يعبر، والقلب يعتقد، ثم تأتي الحقيقة الثالثة من حقائق الإيمان.

    حقيقة الإيمان العملية

    الحقيقة الثالثة: العمل:

    وهي العمل، والتطبيق، والاستسلام، والخضوع لله عز وجل في فعل الأوامر، وترك النواهي بالجوارح، ويقول أهل العلم: إن الحقيقة الثالثة هي التي تصدق كلمة اللسان، واعتقاد القلب، فإذا اعتقد بقلبه، وقال بلسانه؛ برز هذا الاعتقاد في سلوكه وواقع حياته، أما إذا قال بلسانه وزعم أنه يعتقد بقلبه، ثم نظرنا إلى أعماله فلم نجد أثراً لهذا الاعتقاد الذي زعمه أو لهذا القول الذي لفظه، ولم نجد له أثراً ولا فعاليةً في سلوكه، ولا في ممارساته، ولا عبادته، عرفنا أنه كاذب.

    ولذا ما جاء لفظ الإيمان في القرآن مجرداً، وإنما جاء مقروناً بالعمل الصالح:

    قال تعالى: إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [الشعراء:227]، وقال تعالى: إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً [سبأ:37].

    إذ لا يكفي أن تقول: آمنت، بلسانك، ولا يكفي أن تدعي أنك آمنت بلسانك وصدقت بقلبك، حتى تقيم على هذا الادعاء دليلاً من فعلك، وهو التكاليف الشرعية، أمراً ونهياً، والتكليف الشرعي له شقان أوامر أمر الله بها: عقيدة صافية، صلاة، صيام، زكاة، حج، بر، صلة، فعل خير، أمر بمعروف، نهي عن منكر، ذكر الله، دعوة إلى الله، تلاوة لكتاب الله.. هذه اسمها أوامر.

    ونواهٍ ومحرمات، تمنع شرعاً حتى الاقتراب منها: عينك غضها عما حرم الله، لسانك كفه عن الحرام، أذنك احفظها من الحرام، يدك كفها عن الحرام، رجلك لا تمش بها إلى الحرام، بطنك لا تدخل فيها حراماً، فرجك لا تطأ به في حرام، هذه نواهٍ.

    فإذا رأينا رجلاً يمتثل الأوامر، ويجتنب النواهي؛ عرفنا أنه صادق، أما رجل يقول: آمنت بالله، وأنا مصدق بالله، ولكن لا يفعل أمراً، ولا ينتهي عن نهي؛ فهذا كاذب.

    زيادة الإيمان بالطاعات ونقصه بالمعاصي

    هذه هي حقائق الإيمان الثلاث، وهي معتقد أهل السنة والجماعة ، عندما يعرفون الإيمان يقولون: الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالقلب والجنان، وتطبيق بالجوارح والأركان. ثم يضيفون: يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان؛ لأنه ما دام له علاقة بالعمل، والعمل ليس بمستوى واحد عند الناس، ويتفاوت، فلذلك الإيمان يزيد وينقص، يزيد بماذا؟

    بالطاعات، فكلما زدت في الطاعات زاد إيمانك، وينقص، ويتضاءل، ويضمحل بالمعاصي، وكلما وقعت في معصية نحتت في إيمانك، وقطعت فيه، وجرحته.. إلى أن يزول -والعياذ بالله-.

    أثر الإخلال بإحدى حقائق الإيمان

    هذه -أيها الإخوة- هي حقيقة الإيمان، فلا يكفي أن تأتي بواحدة، من قال: آمنت بلسانه، ولم يصدق بقلبه، ويعمل بجوارحه؛ فهو منافق.

    ومن زعم أنه مؤمن بقلبه، ولم يعلنها، وعمل، ولكن لم يقل: (لا إله إلا الله)؛ فهو كافر ولو عمل، فـأبو طالب قام بأعمال عظيمة لا يقوم بها أحد، من حماية الإسلام، والدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه لم يقل: (لا إله إلا الله) حتى قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله) أي: أتخذها حجة؛ لأنك عملت بعمل عظيم، الرجل آمن بأن النبي رسول حق من عند الله، ولهذا قال في أبيات شعرية له:

    ولقد علمت بأن دين محمدٍ     من خير أديان البرية دينا

    لولا الملامة أو حذار مسبة     لوجدتني سمحاً بذاك مبينا

    فهو عرف أن الدين حق، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق، ولكن ماذا منعه؟ خشي أن يلومه أحد من الناس؛ لأنه أسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم في آخر لحظة من حياته: (قل: (لا إله إلا الله) يا عم!) قال: هو على ملة عبد المطلب ، فما نطق بـ(لا إله إلا الله) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (والله لأستغفرن لك! ما لم أُنْهَ عنك) فلماذا يستغفر له النبي صلى الله عليه وسلم؟

    ليس بدافع القرابة، وإنما بدافع المواقف المشرفة التي كان يفعلها أبو طالب معه، ثم إن الله سبحانه وتعالى نهى النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن يستغفروا للمشركين، وقال: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [التوبة:113].

    فالإنسان إذا لم ينطق بـ(لا إله إلا الله) وآمن بقلبه، وعمل بجوارحه؛ فهو كافر. ومن عمل بجوارحه الأعمال الصالحة، ولكنه ما نطق بلسانه، ولا اعتقد بقلبه؛ فهو أيضاً كافر، الآن في الشرق والغرب في العالم، أناس يعملون الصالحات، إذا رأيتهم تقول: هذه أعمال أهل الإسلام.

    فإذا قالوا صدقوا، فلا يكذبون، بعض الكفار لا يكذب أبداً بأي حال من الأحوال، وإذا وعدوا لا يخلفون، ولهذا إذا قال لك أحد: موعد، تقول له: نعم. قال: موعد إنجليزي؟ تقول: إنجليزي، يعني: موعد مضبوط (100%) أما وعد المسلم فكذب، يقول: آتيك الساعة السادسة، ويأتيك الساعة الثامنة، فلا إله إلا الله!

    وإذا اشتغلوا في صناعات لا يغشون، فتفتح العلبة وتجدها مليئة إلى آخرها، ولا ينقص منها شيء، بينما المسلمون يغشون، إذا باع الطماطم يضع الفاسدة بالأسفل والجيدة بالأعلى، ويدقدق العلبة من الجوانب من أجل أن توفر له شيئاً من الطماطم، ذلك عمل صالح: كونه صادقاً في صناعته، ومتقناً في شغله -أيضاً- وفي دوامه: إذا كان يعمل في شركة، والدوام يبدأ الساعة السابعة تجده الساعة السابعة وهو حاضر، ولا ينصرف إلا نهاية الدوام بالضبط، ولا يمكن أن يخرج من العمل في الدولة، أي عمل؛ أو في الشركة أو في العمل دقيقة واحدة، بينما تجد بعض المسلمين يتلاعب، يأتي الساعة التاسعة ويوقع: السابعة والنصف، وهو يعرف أنه كاذب، وينصرف الساعة الواحدة ويكتب الانصراف: الثانية والنصف، ويمرر وقت الدوام في الكلام، وقراءة جرائد، وتلفونات، وضحك، وغير ذلك، وأعمال المواطنين عنده أكوام، وكلما جاء مراجع، قال له: غداً، فالمعاملات كثيرة، ويدعي شهادة: أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهذا مخطئ، وذاك مخطئ، والحق أن تقولها بلسانك، وأن تعتقد بقلبك، وأن تطبق بجوارحك.

    فهؤلاء الكفار رغم أنهم يصدقون في أقوالهم، ويوفون بوعودهم، ويخلصون في أعمالهم لكن هل ينفعهم هذا عند الله يوم القيامة؟ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:16] لأنهم ما قالوا: آمنا بالله، ولا قالوا: (لا إله إلا الله محمداً رسول الله)، هذه أيها الإخوة حقيقة الإيمان.

    التكاليف الشرعية امتحان لإثبات الإيمان

    حتى تربح الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، لا بد أن تحقق هذه الثلاثة الأمور: أن تقول بلسانك، وتعتقد بقلبك، وتطبق بجوارحك، وهذا الأمر ليس أمراً سهلاً بل هو صعب، ولهذا رد الله عز وجل على من يظن أن هذا الأمر سهل، وقال في أول سورة العنكبوت: ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:1-2] أي: كيف لا يفتنون ويختبرون، وقد قالوا: آمنا؟ إذ لا بد من الاختبار والابتلاء.

    وقد فتن الله واختبر العباد بالتكاليف الشرعية، أما تدري أن هذه التكاليف التي فرضها الله علينا نوع من الامتحان؟ صلاة الفجر امتحان؛ لأن الله جعلها في وقت النوم والراحة، صيام رمضان امتحان، خاصة عندما يأتي في فصل الصيف، الحج جزء من الامتحان، المداومة على الصلاة في المسجد وبرمجة الحياة على أساس الصلاة، هذا من الامتحان.

    كذلك تحريم المحرمات والشهوات نوع من الامتحان، كونك ترى شيئاً وقلبك يتطلع إليه، وعندك ميل إليه، لكنه محرم فتمتنع عنه؛ ابتلاء، يقول الله تعالى: ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:1-2] ويقول عز وجل: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214].

    فلا تتصور أن السلعة بسيطة، لا، السلعة غالية ولهذا فثمنها غالٍ، يقول الشاعر:

    تهون علينا في المعـالي نفوسنا     ومن خطب الحسناء لم يغلها المهر

    فأنت تخطب الجنة، ولهذا لا تتصور أن السلعة رخيصة، يقول ابن القيم في النونية :

    يا سلعة الرحمن لست رخيصةً     بل أنتِ غالية على الكسلان

    يا سلعة الرحمن ليس ينالها     في الألف إلا واحد لا اثنان

    من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون في جهنم وواحد إلى الجنة، فليست حظيرة بقر، كل من جاء دخل، لا. لا يدخلها إلا واحد من الألف:

    يا سلعة الرحمن كيف تصبَّر الـ     خُطَّاب عنكِ وهم ذوو إيمان

    يا سلعة الرحمن سوقكِ كاسد     بين الأراذل سفلة الحيوان

    هذا أيها الإخوة هو الشق الأول من عنوان المحاضرة، الإيمان .. حقيقته.

    1.   

    شعب الإيمان

    أما الشق الثاني فهو: (شعبه) أي: طرقه ومجالاته، وجاءت هذه الشعب محددهً في صحيح البخاري وصحيح مسلم ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضعٌ وستون شعبة، أعلاها: شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان). (بضع وستون) هذه رواية البخاري ، أما رواية مسلم : (بضع وسبعون) والبضع هو: من الواحد إلى التسعة، يقال للواحد، أو الاثنين، أو الثلاثة .. إلى التسعة: بضع، قال الله تعالى: فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [يوسف:42] أي مجموعة من السنين: من واحد إلى تسعة.

    شعبة: أي مجالاً، أو طريقاً، أو فجاً، أو معنىً، أو مفهوماً، ثم ذكر صلى الله عليه وسلم ثلاث شعب، فذكر أعلى شعبة وأدنى شعبة، وذكر شعبة تضم كل الشعب، وهي: (الحياء).

    يقول أهل العلم: لماذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أعلى شعبة وأدنى شعبة، ثم ذكر الحياء من بين سائر الشُعب؟

    قالوا: أما ذكره لأعلى شعبة وهي: (لا إله إلا الله) فهذا واضح، من كون العقيدة أهم ما في الدين؛ لأنها الأساس الذي يبنى عليه الدين، فلا يقبل الله عملاً إلا إذا كان التوحيد صحيحاً، فلو قمت في المسجد قيام هذا العمود، ولو حججت طوال الأزمنة، ولو أنفقت ما في الدنيا والعقيدة فاسدة؛ فإن الله لا يقبل هذا العمل مطلقاً.

    يقول الله سبحانه: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65] ويقول عز وجل: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88] ويقول عز وجل: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23] فأهم شيء في دين الله هو العقيدة والتوحيد، وهي الأساس، إذا وجدت العقيدة؛ وجد إعمار، وقامت بناية الدين، وإذا لم توجد عقيدة، أي: ليس عند الإنسان دين، حتى ولو كان عنده وَهْمٌ أنه صلى صلاة ولكنها باطلة، أو زكاة لكنها مردودة، أو حج لكنه باطل، لماذا؟

    لأنه منسوف من أساسه، لا يوجد له أساس، ولا قاعدة، إذ القاعدة هي: الدين، فذكر صلى الله عليه وسلم أعلى شيء في شُعب الإيمان، وهي كلمة التوحيد (لا إله إلا الله): أي لا معبود بحق إلا الله، تنفي جميع الآلهة، وتثبت الألوهية الحقة، والعبودية؛ لله سبحانه وتعالى.

    أما ذكر أدنى شعبة من شعب الإيمان، وهي: إبعاد الأذى عن الطريق، فلبيان أن هذا الدين منهج حياة، وأنه ينتظم كل شئون الحياة في الدنيا والآخرة، حتى عملية بسيطة من أعمال الناس، وهي تنظيف الشوارع، بالرغم من أن هذا العمل من أعمال البلديات، لكن الإسلام يجعله من شُعب الإيمان، ومن مسئوليات المؤمنين، إذا مررت في الشارع ورأيت منديلاً، أو قرطاساً، أو مسماراً، أو زجاجة، أو أي أذىً يؤذي المسلمين؛ من الإيمان أن ترفعه وتبعده، أما إذا رميت به في الشارع فأنت بهذا تخالف شعبة من شعب الإيمان.

    والشعبة الثالثة: الحياء: قالوا: لأن الحياء يمثل ستاراً يستطيع الإنسان أن يغطي به جميع شعب الإيمان، إذا فقد الحياء فقد الإيمان، قال صلى الله عليه وسلم: (الإيمان والحياء مقرونان، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر) (وكان صلى الله عليه وسلم أشد وأعظم حياءً من العذراء في خدرها) والحياء يحجزك عن المعاصي، وتستحي أنك تعصي الله، وأن تتأخر عن الفريضة، وأن تهجر القرآن، وألا تقوم إلى طاعة الله، وأن تنظر وتسمع ما حرم الله، لكن من هو الذي يأتي هذه المحارم ويترك الطاعات؟ هو قليل الحياء السيء، الذي لا يستحي من الله -والعياذ بالله- ولهذا فإن الحياء شعبة من شُعب الإيمان.

    الآن عرفنا ثلاث، وبقي ست وستون شعبة لم يحددها النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن أهل العلم -رحمة الله عليهم- غاصوا في نصوص الشرع في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثلما يستخرج الغواص اللؤلؤ من أعماق البحار؛ استخرج العلماء الشُعب من بطون الكتب والمراجع، وحددوها بتسع وستين شعبة، وقد ذكرها الإمام ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري ، نقلها عن الإمام ابن حبان ثم قسمها ثلاثة أقسام: قسم يتعلق باللسان، وقسم يتعلق بالقلب، وقسم يتعلق بالجوارح.

    تسع وستون شعبة: منها سبع شُعب يقولها اللسان، ومنها أربع وعشرون شعبة يعتقدها القلب، ومنها ثمان وثلاثون شعبة تتعلق بالجوارح، المجموع كله تسع وستون شعبة، ثم ذكرها بالتفصيل، وسوف نتكلم عنها على سبيل الإجمال، لن نفصل في سردها؛ لأن كل واحدة من هذه الشعب تحتاج إلى محاضرة، ولكن على سبيل الإجمال والإيضاح المقتضب.

    ونبدأ بالسبع التي تتعلق باللسان:

    شعب الإيمان المتعلقة باللسان

    الشعبة الأولى: التلفظ بكلمة الإخلاص: (لا إله إلا الله)، وهذه من أعظم شعب الإيمان، يقول موسى عليه السلام لربه سبحانه وتعالى: (يا رب! قل لي قولاً أذكرك به؟ قال: يا موسى! قل: (لا إله إلا الله)، قال: يا ربِّ كل عبادك يقولون هذا -يقول: أريد شيئاً خاصاً أعظم من هذه الكلمة- قال: يا موسى! لو أن السماوات السبع والأراضين السبع وعامرهن غيري في كفة و(لا إله إلا الله) في كفة لرجحت بهن (لا إله إلا الله)) فهذه الكلمة أعظم كلمة في الوجود، أن تقول: (لا إله إلا الله) وهي أساس الإيمان، بل أعلى كلمة وأعلى شعبة من شعب الإيمان.

    الشعبة الثانية من الشعب التي تتعلق باللسان: قراءة القرآن، وهي من الإيمان، ولهذا إذا قرأت القرآن، ماذا يحصل؟

    يحصل لديك زيادة في الإيمان، يقول الله عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً [الأنفال:2-4] فهذه شهادة من الله تعالى، أن المتصفين بهذه الصفات مؤمنون حقيقيون، وليسوا مؤمنين صوريين: لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:4]، فقراءة القرآن أيها الإخوة من أعظم شعب الإيمان، والذي يداوم ويكثر الصلة بالقرآن تلاوةً، وتدبراً، وتجويداً، وعملاً، وتطبيقاً، يزيد إيمانه حتى يصير مثل الجبال، والذي يهجر القرآن، ويقطع الصلة بالقرآن، يتضاءل إيمانه، وينحسر دينه إلى أن يضعف، بل يذبل، وربما يموت وينتهي إيمانه.

    ولهذا ترون في الناس من جفاف في الأرواح، وقسوة في القلوب، وتحجر في العيون، وجرأة في المعاصي، وكسل في الطاعات؛ السبب الأول والأخير في ذلك بُعد الناس عن القرآن، وإذا أردت أن تعرف مقدار درجة الإيمان عند أي شخص فانظر إلى علاقته بالقرآن.

    وإذا أردت أن تعرف منزلتك عند الله؛ فاسأل نفسك عن منزلة القرآن في قلبك، إن كان للقرآن في قلبك مكان ومحل ومنزلة ولك به علاقة، فاعلم أن لك منزلة عند الله، وإن كان القرآن مهجوراً في حياتك وليس له مكانة، فليعلم العبد البعيد ألا مكانة له عند الله.

    فالله الله أيها الإخوة! عودة إلى كتاب الله، إن قراءتك للقرآن ذكرٌ لك في الأرض، وذخرٌ لك في السماء، ولا يوجد أعظم أجراً من تلاوة القرآن، فالذين يقرءون القرآن عندهم ملايين من الحسنات، بل أكثر، يقول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر:29-30].

    فلابد أن تعيد ترتيب حياتك بحيث ترتبها على ضوء القرآن الكريم، وتجعل في برنامجك وقتاً للتلاوة، بعد الفجر، بعد المغرب، عقب كل صلاة، قبل كل صلاة، المصحف في الجيب، وفي السيارة، وفي المكتب، وعند سرير نومك، وكلما وجدت فرصة تمد يدك إلى القرآن، وتقرأ القرآن ولك بكل حرف عشر حسنات، قال صلى الله عليه وسلم والحديث في السنن والمسند : (من قرأ حرفاً من القرآن فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) فأي تجارة أعظم من هذا أيها الإخوة.

    الشعبة الثالثة من شعب الإيمان المتعلقة باللسان: ذكر الله، وهذه يقول أهل العلم: إنها إذا ما وجدت فهي دليل على حياة القلب بالإيمان، وعدم وجودها دليلٌ على موت القلب، وعدم وجود الإيمان فيه، لحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: (مثل الذي يذكر الله، والذي لا يذكر الله؛ كمثل الحي والميت).

    والذكر هذا عمل عظيم، في سنن أبي داود وغيره -يعظمه شيخ الإسلام ابن تيمية - حيث قال صلى الله عليه وسلم: (ألا أدلكم على أفضل الأعمال عند مليككم، وأزكاها عند ربكم، وخيرٌ لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخيرٌ لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا رقابهم ويضربوا رقابكم؟! قلنا: بلى يا رسول الله! قال: ذكر الله) فذكر الله عظيم، إذا ذكرت الله ذكرك الله، إذا ذكرت الله في نفسك ذكرك الله في نفسه، وإذا ذكرت الله في مجموعة من الناس ذكرك الله في ملأ خير منهم في السماء: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة:152] وقد طلب الله من العباد أن يكثروا من ذكره: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [الأحزاب:41] .. وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ [الأحزاب:35].

    وطلب من العبد أن يشغل لسانه بالذكر دائماً: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ [آل عمران:191] فلا يوجد حالة رابعة، إما قائم، أو قاعد، أو راقد، فتذكر الله قائماً، وقاعداً، وعلى جنب.

    ولكن -أيها الإخوة- ما أصعب الذكر على الغافلين.

    لقد غفل كثير من الناس عن ذكر الله، وملئت حياتهم بما يصد عن ذكر الله، ملئت حياتهم بشيء يقعدون أمامه الساعات الطوال لا يذكرون الله، يجعل أحدهم دشاً فوق البيت ثم يأخذ معه الجهاز، ويقفز من شر إلى شر، ومن قناة إلى قناة، حتى يقوم وقد جف قلبه، وتحجرت عينه، ويأتي لينام فترفض عينه أن تغمض؛ لأنها قد جفت من الدمع، من النظر إلى الحرام -والعياذ بالله- وقلبه أقسى من الحجر، وجسمه أكسل ما يكون في طاعة الله، لماذا؟

    لأنه غفل عن ذكر الله.

    وما كانت في الماضي هذه الأمور فالله.. الله! ذكراً لله، لا بد أن تكون ذاكراً لله بأنواع الذكر الخمسة:

    الأول: ذكر الله عند ورود أمره.

    الثاني: ذكر الله عند ورود نهيه.

    الثالث: ذكر الله في الأحوال والمناسبات.

    الرابع: ذكر الله بالأذكار العددية.

    الخامس: ذكر الله المطلق. (لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله) كما قال صلى الله عليه وسلم.

    الشعبة الرابعة من الشعب المتعلقة باللسان: تعلم العلم وتعليمه: فإن هذا من أعظم الشعب، ومجيئكم إلى هذا المجلس جزءٌ من شعب الإيمان، ولهذا سوف تجدون بعد نهاية الجلسة أن قلوبكم أرق وأرقى في الإيمان منها قبل أن تدخلوا، لن يكون قلبك بعد نهاية الجلسة مثلما كان قبل أن تأتي، لماذا؟

    لأن إيمانك زاد، وكيف؟

    بسماع العلم، سمعت آية من كتاب الله، وحديثاً من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلمة ترقق قلبك، وتقربه إلى الله، ولذا لا بد أن تتعاهد قلبك حتى يزيد إيمانه عن طريق مجالس العلم.

    اجعل في جيبك ورقة وفيها الندوات والمحاضرات التي بين المغرب والعشاء في أي مكان في الرياض -مثلاً- واجعل هذا الوقت لله، وقل: ليس لي عمل عند أحد، ولست مدعواً عند أحد، ولا أنا مشغول بأحد، لماذا؟

    عندي محاضرة في مسجد كذا، وغداً في مسجد كذا، وتابع حلق الذكر بهذا بعد فترة تجد إيمانك مثل الجبال، زاد إيمانك عن طريق تعلم العلم.

    الشعبة الخامسة: الدعاء: دعاء الله، وتفويض الحاجات إلى الله، وطلبها من الله، هذا يدل على قوة الإيمان؛ لأن الذي يدعو عنده ثقة، ويقين على أن المدعو قادر، ولذا تجد دائماً كل من كان إيمانه بالله أقوى كانت صلته بالله أقوى، ودعاؤه لله أقوى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان أكثر الناس دعاءً لربه، ما كان يعمل شيئاً إلا ويدعو الله، في كل أمر يدعو ربه، وكلما دعوت ربك استجاب لك، لكن لا تعجل، وتقول: قد دعوت، وقد دعوت..! لا. مشيئة الله ليست على ما تريد، ادع وعندك يقين أن الله لن يضيع دعاءك، يقول الله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، وخصوصاً إذا خلا الدعاء من الموانع التي تمنعه من الوصول إلى الله سبحانه وتعالى، ومن أعظمها أكل الحرام، الذي يتغذى بالحرام لا يستجيب الله دعوته، والحديث في صحيح مسلم : (.. الرجل أشعث أغبر يطيل السفر، يمد يده إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟!!) يعني: يستبعد أن يستجاب له؛ لأنه قد أكل الحرام والعياذ بالله.

    الشعبة السادسة: الاستغفار: وهو إعلان الانكسار والتضرع بين يدي الله، وهو مشروع عقب الطاعات فضلاً عن المعاصي، يقول الله عز وجل: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ [البقرة:199] بعد يوم عرفة، وأنتم واقفون طوال اليوم في عرفة وقد غفر الله الذنوب، أفيضوا واستغفروا الله: كَانُوا قَلِيلاً مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:17-18].

    إذا صلينا الآن العشاء، من وقت أن يسلم الإمام وكل واحد منا يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، تستغفر من ماذا؟ هل كنت تغني، أو تلعب أم تصلي؟ والصلاة أعظم عمل، لكن تستغفر الله، لماذا؟

    لأنك قد تكون قصرت في صلاتك.. سهوت أو غفلت، أو أنقصت أو زدت، تستغفر الله، فإذا كان الاستغفار مشروعاً ومطلوباً عقب الطاعة، فكيف لا يكون مشروعاً عقب المعصية؟! ولهذا قال الله عز وجل: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:133-136] الله أكبر!

    انظروا بركة الاستغفار، كيف تجعلك من أهل الجنة! وهي أمان من العذاب، يقول الله: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33]، وكان سيد العابدين صلى الله عليه وسلم يستغفر في المجلس الواحد أكثر من سبعين مرة، وفي صحيح مسلم من حديث الأغر المزني يقول: (يا أيها الناس! توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أستغفر الله في اليوم الواحد مائة مرة) وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ليس عنده ذنب صلوات الله وسلامه عليه، قال الله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً [الفتح:2] فالله الله أيها الإخوة في الاستغفار!

    وفي الحديث: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيقٍ فرجاً، ومن كل همٍ مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب) فإذا ضاقت عليك الأمور فقل: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، يجعل الله لك فرجاً ومخرجاً.

    أذكر مرة من المرات أتاني أحد الإخوة من طلبة العلم من المقيمين، وليس من السعودية بل هو من إحدى البلاد العربية، وقال: والله يا شيخ! إني في أزمة، قلت: ما بك؟ قال: أقف في سوق العمال من الصباح إلى الظهر، وأنا أقف على رجلي، ولا يوجد عمل، ولا أستطيع أطالب، إذا وقفت سيارة ركب فيها عشرة، وصاحب العمل لا يريد إلا واحداً، -هؤلاء عشرة! نوع من الإهانة- فأنا لا أستطيع أن أدافع فأجلس، ولهذا ما عملت، قلت: تريد أن أدلك على عمل؟ قال: نعم. قلت: استغفر الله، إذا ذهبت إلى سوق العمال فابقَ مكانك على الرصيف، فقط قل: أستغفر الله العظيم، وأتوب إليه، أستغفر الله العظيم وأتوب إليه، استغفر الله فقط، قال: حسناً، ثم ذهب، وبعد مغرب اليوم الثاني أتاني، وصلى معي، وسلم عليَّ وقال: جزاك الله خيراً، قلت: ماذا حصل؟ قال: أمس في الصباح ذهبت إلى سوق العمال، وجلست على طرف الرصيف، وجلست أستغفر الله، وجاء الناس يأخذون العمال، وأنا جالس، والناس يتسابقون وأنا جالس أستغفر الله، قال: ثم جاء صاحب سيارة ووقف كأنه مرسل إليَّ، والعمال يتسابقون ويتدافعون، فجاء إليَّ، وقال: قم أريد أن تشتغل؟ قلت: نعم، قال: امش، يقول: والناس يشتغلون بمبلغ من ستين إلى سبعين ريالاً، قال: اشتغلت معه، نقلت له عفشاً من غرفة إلى غرفة في ظرف حوالي ثلاث ساعات، وأعطاني مائة ريال.

    قلت: هذه نتيجة من لزم الاستغفار، لكن بعضهم يمكن يستغفر ولا يأتيه عمل في ذلك اليوم، فيقول: استغفرت وما أتاني شيء؛ لأنه استغفر للعمل ولم يستغفر لله، الذي يذهب يستغفر من أجل أن يشتغل، هذا لا يرزقه الله، أما الذي يستغفر من أجل الله، ييسر الله له الرزق؛ لأن النية مطية، فإذا كانت النية معطلة؛ لا يجعل الله في عملك -أيها الإنسان- ولا أقوالك بركة.

    أيضاً الشعبة الأخيرة من الشعب المتعلقة باللسان: الابتعاد عن اللغو: واللغو كلمة جامعة تشمل جميع المعاصي والمحرمات التي يقترفها الإنسان، مثل: الكذب، والغيبة، والنميمة، وشهادة الزور، واليمين الغموس، والخوض فيما لا يعني، والتكلم بالباطل، والتحدث بالفحش والبذاءة، هذا كله من اللغو، والمؤمن ينزه نفسه عنه: وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [المؤمنون:3].

    هكذا أيها الأخ في الله! إذا تركت هذا ونزهت نفسك عنه حققت شعبة عظيمة من شُعب الإيمان، فهذه هي السبع الشعب المتعلقة باللسان.

    شعب الإيمان المتعلقة بالقلب

    أما المتعلقة بالقلب فهي أربعٌ وعشرون شعبة:

    فمن الأولى إلى السادسة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالقدر خيره وشره، وباليوم الآخر، والإيمان باليوم الآخر يشمل: الإيمان بعذاب القبر، وبالحساب يوم القيامة، وبالميزان الذي توزن فيه أعمال الخلق، وبالصراط، وهو جسر يضرب على متن جهنم لا عبور إلى الجنة إلا عن طريقه، والإيمان بالجنة وبالنار، فهذه كلها من شُعب الإيمان.

    السابعة: محبة الله من شعب الإيمان.

    الثامنة: الحب في الله والبغض في الله، وهذه من أقوى شُعب الإيمان.

    التاسعة: محبة النبي صلى الله عليه وسلم.

    العاشرة: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهي من الإيمان، فلا ينبغي أن يُذكر الرسول وما تقول: اللهم صلِّ وسلم عليه، لماذا؟

    لأن الله تعالى أمرك بهذا، وامتثال أمر الله من الإيمان، يقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب:56]، فإذا ما صليت عليه فقد صلى عليه الله وملائكته: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56]، وقال صلى الله عليه وسلم: (من صلى عليَّ صلاة واحدة، صلى الله عليه بها عشراً) والصلاة من الله رحمة، والصلاة من العبد دعاء، فإذا صليت على النبي صلى الله عليه وسلم صلاة واحدة رحمك الله عشر مرات.

    وفي صحيح مسلم : (أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فقال: آمين، آمين، آمين، ثلاث مرات، قلنا: يا رسول الله! ما آمين؟ قال: جاءني جبريل وقال لي: رغم أنف من ذكرت عنده ولم يصلِ عليك، قل: آمين، فقلت: آمين، ثم قال: رغم أنف من أدرك رمضان ولم يغفر له، قل: آمين، فقلت: آمين، ثم قال: رغم أنف من أدرك أبويه أو أحدهما ولم يدخلاه الجنة قل: آمين، فقلت: آمين). (رغم أنفه) أي: تمرغ أنفه بالرغام، والرغام هو التراب الدقيق وهذه خسارة -والعياذ بالله- والثانية: (من أدرك رمضان) أي: أن رمضان دخل وخرج وهو على عادته ومعاصيه وفسقه وفجوره -والعياذ بالله- والثالثة: (من أدرك أبويه)؛ لأن وجود الأب والأم من أعظم الفرص لدخول الجنة، وهو باب عظيم اغتنمه قبل أن يموتا أو قبل أن تموت.

    ومن الشعب المتعلقة بالقلب:

    الحادية عشرة: الإخلاص.

    الثانية عشرة: التوبة.

    الثالثة عشرة: الرجاء.

    الرابعة عشرة: الشكر.

    الخامسة عشرة: الوفاء.

    السادسة عشرة: الرضا بمر القضاء.

    السابعة عشرة: التوكل.

    الثامنة عشرة: الرحمة.

    التاسعة عشرة: التواضع.

    العشرون: توقير كبير المسلمين ورحمة صغيرهم.

    الحادية والعشرون: ترك الكبر.

    الثانية والعشرون: ترك الحسد .

    الثالثة والعشرون: ترك الحقد.

    الرابعة والعشرون: ترك الغضب.

    فهذه شُعب إيمانية متعلقة بالقلب.

    شعب الإيمان المتعلقة بالجوارح

    أما الشعب المتعلقة بالجوارح فهي كما أسلفت ثمان وثلاثون شعبة:

    الأولى: الطهارة؛ لأنها مفتاح العبادة.

    الثانية: ستر العورة.

    الثالثة: الصلاة.

    الرابعة: الزكاة.

    الخامسة: فك الرقاب.

    السادسة: الكرم.

    السابعة: الصيام.

    الثامنة: الحج.

    التاسعة: العمرة.

    العاشرة: الاعتكاف.

    الحادية عشرة: التماس ليلة القدر.

    الثانية عشرة: الفرار بالدِّين.

    الثالثة عشرة: الوفاء بالنذر.

    الرابعة عشرة: التحري في الأيمان.

    الخامسة عشرة: أداء الكفارات.

    السادسة عشرة: التعفف بالنكاح.

    السابعة عشرة: القيام بحقوق العيال وتربيتهم.

    الثامنة عشرة: بر الوالدين.

    التاسعة عشرة: صلة الرحم.

    العشرون: العدل.

    الحادية والعشرون: لزوم الجماعة.

    الثانية والعشرون: طاعة أولي الأمر.

    الثالثة والعشرون: الإصلاح بين الناس.

    الرابعة والعشرون: المعاونة على البر.

    الخامسة والعشرون: الأمر بالمعروف.

    السادسة والعشرون: النهي عن المنكر.

    السابعة والعشرون: إقامة الحدود.

    الثامنة والعشرون: الجهاد.

    التاسعة والعشرون: أداء الأمانة.

    الثلاثون: الوفاء بالدين.

    الحادية والثلاثون: إكرام الجار.

    الثانية والثلاثون: حسن المعاملة.

    الثالثة والثلاثون: عدم التبذير.

    الرابعة والثلاثون: رد السلام.

    الخامسة والثلاثون: تشميت العاطس.

    السادسة والثلاثون: كف الأذى.

    السابعة والثلاثون: اجتناب اللهو.

    الثامنة والثلاثون: إماطة الأذى عن الطريق، وهي آخرها.

    علاقة شعب الإيمان بزيادته أو نقصانه

    هذه أيها الإخوة! هي مجموع شُعب الإيمان التسع والستين، من حققها كلها فقد حقق الإيمان كاملاً، ومن نقص منها نقص من إيمانه بقدر ما أنقص من هذه الشعب، إلا أن يكون النقص في الأركان؛ لأن الأركان التي ذكرت في صحيح البخاري وصحيح مسلم من حديث جبريل: (أخبرني عن الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالبعث بعد الموت، وبالقدر خيره وشره من الله) فهذه الستة إذا نقص منها واحد بطل الإيمان كله، لا بد من الأركان، وبقية الشُعب إذا نقص منها شيء إن كان من أركان الإسلام مثل الصلاة فقد بطل الإيمان كله، وإن كان غير ذلك خدش وجرح في الإيمان، فهو يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان.

    أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا جميعاً حقيقة الإيمان، وأن يوفقنا إلى القيام بتكاليف الإيمان وبشُعب الإيمان، كما أسأله سبحانه وتعالى أن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته، وأن يبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل الطاعة، ويذل فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، إنه سميع الدعاء.

    اللهم احفظ لنا ديننا وأمننا واستقرارنا ونعمك علينا، اللهم من أرادنا في ديارنا أو غيرنا من ديار المسلمين، بسوءٍ، أو شرٍ، أو كيدٍ، أو مكرٍ، فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، وأنزل عليه بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم احفظ ووفق ولاة أمورنا وعلماءنا ومشائخنا ودعاتنا، وشبابنا، وشاباتنا، وجميع المسلمين، وفقهم للعمل بهذا الدين، والدعوة إليه، ومناصرته، إنك ولي ذلك والقادر عليه. والله أعلم.

    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    1.   

    الأسئلة

    الفرق بين حلاوة الإيمان ولذة العبادة

    السؤال: ما هو الفرق بين حلاوة الإيمان ولذة العبادة، وما هو الطريق للوصول إليهما، وما هي العوائق لهذه الأشياء؟

    الجواب: ليس هناك فرق بين حلاوة الإيمان ولذة العبادة، فإن العبادة عمل بالجوارح، واللذة والحلاوة عمل قلبي، قد تجد اثنين يصليان مجتمعين، ولكن بين صلاتيهما مثلما بين السماء والأرض، أحدهما يمارسها وقلبه جاف، وعينه جامدة، وجوارحه مشغولة، وآخر يمارسها بقلبه وقالبه، ويشعر بلذة لها، فاللذة والحلاوة هي شيء واحد.

    وأما كيف يحققها الإنسان؟ فيمكنه ذلك بكثرة العبادة والمجاهدة، والتلاوة للقرآن والذكر، والذي ينغصها ويقلل هذه اللذة المعاصي، فإنك كلما وقعت في معصية من المعاصي نقص من إيمانك بقدر المعاصي حتى يذهب، ولهذا ترى بعض الشباب الآن يشكون ويقولون: والله! ذهبت منا لذة الإيمان وحلاوته التي كنا نمارسها منذ أن التزمنا، فتقول له: التزمت وأول ما التزمتَ جاهدتَ، ودخلت الالتزام بمجاهدة وبرغبة فحصلت لك اللذة، الآن بدأت تقل في التزامك وتقل في مجاهدتك، وبدأت تتراجع في سيرك إلى الله، كنت كلما سمعت طرباً أو أغنية تغلقها، الآن تراجعت قليلاً أصبحت تبحث عنها، كنت إذا رأيت امرأة أمامك تنصرف عنها، والآن أصبحت تنظر إليها من قريب أو بعيد، هذا الذي جعل إيمانك يضعف، وجعل قلبك لا يحس بحلاوة الإيمان.

    الحلاوة بيدك فإذا زدت في الإيمان؛ تزداد حلاوة الإيمان، وإذا أنقصت في الإيمان؛ تنقص الحلاوة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الصحيحين : (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار).

    أثر المعصية على الإيمان

    السؤال: متى يعرف الإنسان أنه بلغ مرتبة الإيمان الكامل، وهل من عصى الله تبارك وتعالى أنه خالٍ من الإيمان بتاتاً؟

    الجواب: لا. ليس من عصى الله خالياً من الإيمان بتاتاً، لكنه ناقص الإيمان، ولهذا عقيدة أهل السنة والجماعة في أهل الكبائر: أن صاحب الكبيرة مؤمنٌ بإيمانه، فاسق بمعصيته، عنده إيمان بالإيمان الذي عنده، وعنده فسق بالمعصية التي عنده، ويكون تحت مشيئة الله في الدار الآخرة إن شاء الله تعالى عذبه، وإن شاء غفر له.

    أما كيف تعرف أنك كامل الإيمان أو ناقصة؟ فهو بعرض نفسك على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، هذا هو الميزان، زن أعمالك بالكتاب السنة، فإن كنت تقوم بأوامر الله الموجودة في الكتاب والسنة، وتنتهي عما نهى الله عنه في الكتاب والسنة؛ فأنت كامل الإيمان، ولا يعني هذا أنك ستبقى كامل الإيمان دائماً، لا بد من حصول نقص، لكن إذا حصل نقص تصلحه بالاستغفار؛ لأن الله تعالى يقول: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33] وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون).

    مزية القلب على الجوارح

    السؤال: من المعلوم أن القلب هو محل الإيمان، ومكان النية، ومنزل المحبة وغير ذلك، لكن ما سبب تميز القلب بذلك عن سائر الجوارح؟

    الجواب: إن الله سبحانه وتعالى جعل القلب ملك الجوارح، فحينما خلق الأعضاء وخلق الجسم جعل لها مديراً ومسئولاً، ولذا من يقول أنا التزمت بالدين، ما الذي حصل؟ تغير فيه قلبه، أما عينه ما تغير فيها شيء، لكن قلبه حصلت عنده مفاهيم جديدة، وحصل عنده إيمان، وتفكير ونظر أنه ليس له مخرج في الحياة إلا بالإيمان والدين؛ لأن الدين يكسبه السعادة في الدنيا، والسعادة عند الموت، وبعد الموت، فلما قرر القلب أن يلتزم التزمت الجوارح، العين التي كانت تنظر في الحرام، قال: كفى يا عين! قالت: حسناً، الأذن التي كانت تسمع الحرام قال: لا تسمعي! قالت: سمعاً وطاعة، اللسان الذي كان يتكلم بالحرام صار لا يتكلم، لماذا؟

    لأنه صلح القلب، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) فتميز القلب بهذا؛ لأنه صاحب السيطرة والهيمنة والقرار، وجعل الله هذه الجوارح تحت إمرة القلب، يأمر وينهى، ولذلك كانت القلوب هي ميادين الإصلاح للأنبياء، ما جاء الأنبياء يصلحون الأجساد أبداً، بل جاءوا يصلحون القلوب؛ لأنه إذا صلح القلب صلح كل شيء.

    حكم الاستهزاء بالدين

    السؤال: ما رأيك يا شيخ في الذين يستهزئون بالدين، وخاصة أن هناك من إذا رأوا الملتزمين الذين لا يسبلون ثيابهم غمزوهم وسخروا منهم، وتراهم في المجالس لا يذكرونهم بخير أبداً، بل يغتابونهم آناء الليل وأطراف النهار، فأصبح أمرهم كذلك؟

    الجواب: هذا العمل سماه الله تعالى إجراماً، وسمى الله الذين يقومون به مجرمين، فقال: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ [المطففين:29]، وعده الله سبحانه وتعالى كفراً، وأثبت كفر مرتكبه في القرآن إلى يوم القيامة، الذي قال في غزوة تبوك قال: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء -أي الرسول وأصحابه- أرغب بطوناً وأجبن عند اللقاء، فقائل هذا الأمر يمزح وليس بصادق، فهو يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أعف الناس بطناً وأشجع الناس صلى الله عليه وسلم، ولكن قالها مزحاً فنزل القرآن من السماء: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ [التوبة:65] يعني نمزح ما كنا جادين، كما يقولون، قال الله: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66] فالله سبحانه وتعالى أثبت لهم إيماناً ثم نفاه عنهم، وأثبت لهم الكفر بكلمة تكلموا بها.

    فلا تقل: أنا أمزح، لا. كل شيء تمزح فيه إلا الدين؛ لأن الدين له حصانة، والذين يمثلون الدين هم العلماء، والدعاة، والملتزمون؛ ولهم حصانة، وإذا استهزأت بهم استهزأت بالله؛ لأن هذا الرجل ما استهزأ بالله، بل استهزأ بالرسول وأصحابه، ولكن الله سبحانه جعل هنا الاستهزاء به وقال: قُلْ أَبِاللَّهِ [التوبة:65] رغم أن الرجل ما قال شيئاً في الله، بل قال في الرسول وأصحابه فقط، فجعلها الله سبحانه استهزاءً به.

    فلما تهزأ باللحية، فأنت لا تهزأ بالشخص الذي أطلقها، بل تستهزئ بالنبي الذي أمر بها؛ لأن هذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وعندما تهزأ من رجل قصر ثوبه واتبع السنة، فأنت لا تستهزئ بالرجل، ولكن تستهزئ بالذي أمره بهذه السنة، ولذلك انتبه يا أخي! عليك أن تقف عند حدك فيما يتعلق بشيء من ذلك، فلا تستهزئ بالأئمة، ولا بالمؤذنين، ولا بالدعاة، ولا بالقضاة، ولا بالعلماء..، ولا بأي شيء فيه دين الله، حتى أن بعض الناس عندهم نكت، يأتون بها على بعض الآيات، أو الأحاديث، أو الأئمة، لا. النكت ابحث لها عن مكان آخر؛ لأن دين الله حق، ولا يقبل الاستهزاء ولا السخرية.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.