إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سعيد بن مسفر
  4. اتق المحارم تكن أعبد الناس

اتق المحارم تكن أعبد الناسللشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تكلم الشيخ حفظه الله عن الحياة وحقيقتها وعن القائلين بأنها خلقت عبثاً، ورد عليهم بالدليل الشرعي ثم أردفه بالدليل العقلي المقنع مثبتاً أن الحياة بعدها حساب وعقاب. ثم تكلم عن أن المرء عندما يتقي المحارم فإنه يكون أعبد الناس، ثم بين الأمور التي تنافي حقيقة التقوى، وبعد أن ذكرها أجاب عن سؤال مضمونه: التفجيرات وما وراءها من مفاسد.

    1.   

    الحياة حكمة لا عبث

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    أيها الأحبة في الله! هذه الظواهر الكونية المبثوثة في الآفاق والأنفس من ليل ونهار، وشمس وقمر، وسماء وأرض، وجبال وبحار، وإنسان وحيوان، وجماد ونبات.. على ماذا تدل؟ وماذا تعني؟

    ما تفسيرها؟ وما حقيقتها؟ وما سر وجودها؟

    لماذا جاءت أو خلقت؟ وأين النهاية بعد أن يؤدي الإنسان دوره على مسرحها؟

    أيها الإخوة في الله! لا تفسير لظاهرة الحياة إلا أحد تفسيرين، ولا احتمال لمعناها إلا أحد احتمالين:

    الاحتمال الأول: أن تكون هذه الحياة إنما خلقت عبثاً؛ ليس لها غاية، وليس من ورائها حكمة، وإنما هكذا وجدت، وهكذا وجد الإنسان نفسه يعيش كما تعيش البهائم، وينتهي كما تنتهي البهائم، ثم بعد الحياة ليس هناك حياة أخرى. هذا هو الاحتمال الأول.

    الاحتمال الثاني: أن تكون لهذه الحياة أسرار، ويكون لها أهداف وحكمة، أي: لم تخلق عبثاً، وإنما لحكمة أرادها خالقها.

    فأي الاحتمالين هو الصحيح؟

    نحن لا نريد إجابة منبعثة من العاطفة، وإنما نريد إجابة مدعمة بالدليل النقلي الشرعي، وبالدليل العقلي الفكري؛ لأن من يناقش أو ربما يسأل لا يؤمن إلا بمنطقه وعقله، فلنأخذ كل احتمال ونناقشه لنرى مدى صحته أو بطلانه.

    الاحتمال الأول: أن هذه الدنيا وهذه الحياة إنما خلقت عبثاً: وللأسف الشديد أن هذا الاحتمال يسير عليه ويتبناه معظم سكان الأرض في هذه الأزمنة، من العقلاء والكبار والمفكرين، يفسرون الحياة على أنها ليس لها هدف، وبعضهم يغالط نفسه فلا يفسر هذا التفسير بلسانه، ولكن واقعه وتطبيق حياته وأسلوب معيشته يدل على أنه لا يؤمن إلا بهذه الحياة، وأنه ليس له هدف بعد هذه الحياة.

    وهذا الاحتمال باطل بالدليل الشرعي والنظر العقلي.

    الأدلة الشرعية على أن الحياة لحكمة

    أما الدليل الشرعي: فيقول عز وجل: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:115] أفحسبتم؟ استفهام في صيغة الاستنكار، أي: أتظنون أن الله خلقكم عبثاً؟! ومعنى هذا: أن الله ما خلقكم عبثاً أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:115-116] تعالى الله وتنزه وتقدس عن العبث! أيخلق هذه السماوات وما فيها من إحكام وتنظيم، ويخلق الكون بما فيه من تنظيم وتقدير وتدبير عبثاً من غير غاية ولا هدف؟! تعالى الله عن العبث.

    ويقول عز وجل في آية أخرى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً [ص:27] أي: عبثاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص:27] فهذا الزعم أن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً؛ لأنه زعم الكفار، فويل للذين كفروا من النار.

    ومن الذي يقول هذه الكلمة؟ إنه الله! ويل لهم من هذه المقولة، فإنهم يصفون الله بالباطل، ويقول عز وجل: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ [الأنبياء:16] أي: عبثاً لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الأنبياء:17-18] تهديد آخر بالويل لهؤلاء الذين يصفون الله بأنه خلق السماوات والأرض عبثاً.

    نعم. ثبت بالدليل الشرعي أن الله ما خلق السماوات والأرض والكون عبثاً، وإنما خلقها لحكمة.

    الأدلة العقلية على أن الحياة لحكمة

    ثم نأتي بالنظر العقلي فنجد ونشاهد ونلمس أن الإحكام والدقة والتنظيم والتقدير والتدبير يشمل الكون من أصغر جزء في المادة وهي الذرة إلى أعظم جزء في المادة وهي المجرة! كل شيء بتنظيم! وكل شيء محكم: ليل ونهار، أفلاك وشموس، أقمار وأنجم، أزهار وأشجار، أنهار وبحار، كل ما في الكون يشهد من أصغر جزء فيه إلى أكبر جزء بأن له خالقاً:

    وفي كل شيء له آية     تدل على أنه الواحد

    أولاً: هل يعقل أن يكون هذا التنظيم كله عبثاً وصدفة؟ وكما يقولون: قانون الصدفة: قانون يعمل ولكن في حدود.

    يقول أحد العقلاء: لو أن رجلاً على سطح بيت وضع تحت السطح لوحاً خشبياً، وقذف من يده بمائة إبرة خياطة، فصدفة وقعت إبرة من هذه الإبر على رأسها، ألا يمكن أن يحصل هذا؟ نعم يحصل بالصدفة، ثم بعد ذلك أتى بألف إبرة ثانية ورماها مرة ثانية على هذا اللوح الخشبي، فصدفة وقعت إبرة من هذه الإبر الألف في خرق الإبرة الواقفة تلك، هذا ممكن وصدفة، ولكن متى؟ قالوا: إذا قذف عشرة ملايين إبرة يمكن أن تأتي واحدة في خرق تلك الإبرة التي وقفت سابقاً، قالوا: ثم جاء ورمى بعد ذلك بألفين، وجاءت واحدة ووقعت في خرق الإبرة الثانية الواقفة تلك، قالوا: هذا مستحيل، مستحيل أن تصل المسألة إلى هذا الكلام، الصدفة لها حدود، وغير مطردة!

    ومثال آخر: حروف المطبعة التي تصف في المطابع، طبعاً يأتي الذي يصف الحروف فيأتي ويضع (بسم الله الرحمن الرحيم) الباء والسين والميم ولفظ الجلالة من أجل أن يطبعها بعد ذلك، ويدخلها في القالب وتنطبع، فلو جاء آخر وقال: أنا سأعمل كتاباً، وأتى بالحروف من غير صف بل خبطها وأدخلها المطبعة، وأصبحت لوحة مكتوبة، يقول: يمكن أن يأتي مع الصدفة كلمة مكونة من أربعة حروف! يمكن أن تأتي كملة: سعيد، صدفة يأتي السين مع العين والياء والدال، لكن هل ممكن أن يأتي سعيد بن مسفر بالصدفة في هذه الحروف؟ قالوا: مستحيل، حسناً.. يأتي سعيد بن مسفر بن مفرح القحطاني ؟ قالوا: هذا لا يمكن.

    حسناً.. هل يمكن أن تطبع لك المطبعة بهذا الصف الفوضوي العشوائي صفحةً مطبوعةً بموضوع معين، وبرقم معين، وبأفكار متسلسلة، وبتنظيم معين، هل يمكن هذا؟ طبعاً مستحيل!!

    ثانياً: هذا الكون البديع وهذا التنظيم المتقن، ولا نذهب بعيداً بل الإنسان نفسه، يقول الله عز وجل فيه: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21] الذي خلقك وقدرك وأعطاك هذه الهيئة وهذا القدر من الإحكام والتنظيم في كل جزئية من جزئياتك، أيكون هذا الخلق عبثاً وصدفة؟ لا. هذا الرأس لوحده الذي جعله الله عز وجل قمة الجسد وركب فيه جميع الحواس: العينان في المقدمة، والأذنان في الجانبين، والأنف والفم في وسط الوجه، فالعينان تفرزان مادة ملحية، والأذنان مادة صمغية مُرَّة، والأنف تفرز مادة مخاطية، والفم يفرز مادة لعابية، من ملّح هذه، وأمرّ هذه وحلى هذه؟ والمصدر واحد؟!! ولماذا هذا ملح وهذا مر وهذا حلو؟

    الملح؛ لأن العين شحمة ولو لم يوجد الملح لتعفنت ولظهر فيها الدود! وهذه الأذن جعل الله فيها مرارة؛ لأنها مفتوحة، ولو لم تكن هذه المادة الصمغية المرة موجودة لدخلت فيها الحشرات وأنت نائم، فقد تأتي الصراصير والجرذان والقمل وتملأ مسامعك، لكن الله جعل هذه المادة حتى تهرب أي حشرة تقترب من أذنك، وهذا الفم جعل الله فيه غدداً لعابية تفرز هذا اللعاب الذي هو أحلى من العسل! من حلَّاه؟ ثم لماذا يفرز هذه المادة؟ من أجل المساعدة على عملية تحضير الطعام وتجهيزه للجسم، ثم خلق الله في هذا الفم ورشة مصغرة لتجهيز الطعام، ومكونة من عدة آلات: آلات تقطع وأخرى تخرق وتطحن؛ الثنايا تقطع، والأنياب تخرق، والأضراس تطحن، وجعل الله فوق الضرس ضرساً وفوق الثنية ثنية، وفوق الناب ناباً، وبعد ذلك قدم الفك من أجل أن يقطع مثل المقص؛ لا بد أن يركب في الآخر؛ لأنه لو كان فوق بعض ما قطع، وجعل بين الأسنان جهازاً مثل (الكريك) يقلب الطعام وهو اللسان، وبعد ذلك يجهز الطعام ثم يمضغ ثم ينزل.

    فيستقبل هذا الطعام قناة اسمها المريء: والمريء يوصل إلى المعدة، وبجانب هذه القناة قناة أخرى اسمها البلعوم.

    المريء قناة عضلية، والبلعوم قناة غضروفية مفتوحة باستمرار؛ لأنها تقوم بإيصال الهواء إلى الرئتين، أما تلك فتوصل الطعام إلى المعدة فهي عضلية تسمح بنزول الطعام ولا تسمح بخروجه؛ من حين أن تنزل اللقمة تقوم تلك العضلة بعصرها إلى أن تنزلها إلى المعدة، ولولا وجود هذه العضلة لاحتجت مع كل لقمة إلى سيخ من حديد حتى تصل إلى بطنك، وإلا فمن سيقوم بإنزالها؟!

    وبين الماسورتين: ماسورة المريء وماسورة البلعوم، لحمة صغيرة يسمونها في الطب: لسان المزمار، ويسميها الناس باللسان العامي: اللهى أو الطراع. وظيفتها أنها تتلقى إشارات من المخ إذا دخل الطعام بأن تقفل قصبة الهواء، وإذا تكلم تقفل قصبة الطعام؛ لأنه لو تكلم الإنسان وهو يأكل أو يشرب ودخلت حبة من الأرز أو قطرة من الماء في قصبة الهواء لمات الإنسان، وهو الذي نسميه الآن شرقه، بعض الناس يتكلم وهو يأكل، فيصدر أمر من المخ إلى هذا أن انفتح وإلى هذا أن انفتح فيبقى الجندي مسكين لا يدري من يفتح، هذا أم هذا؟ فتسقط حبة في قصبة الهواء، فماذا يحصل؟ هل يموت الإنسان من أجل غلطة بسيطة؟ لا. تصدر الأوامر إلى القوات التي في القصبة أن هناك جسماً غريباً فاطردوه، فيقوم الإنسان يتنحنح، حتى يخرج هذه الحبة، وتبدأ عينه تغرورق بالدمع ماذا هناك؟! يقول: كدت أموت من أجل حبة أو قطرة.

    هذا هو الإنسان! أليس هذا إحكام أيها الإخوة؟!

    ولن نذهب بعيداً في الكون ولكن فقط في الإنسان، ولهذا أكثر الناس إيماناً هم العلماء والأطباء؛ لأنهم يرون أجهزة سمعية وبصرية وتنفسية وتناسلية ودموية.. وأجهزة لا يعلمها إلا الله.

    فيك أيها الإنسان جهازان مركبان في الظهر وهما الكليتان، ومهمتها تصفية الدم، فهي مثل الصفاية التي تصفي البنزين في السيارة، في كل كلية ثلاثة ملايين وحدة تنقية، وقد خلق الله تعالى اثنتين، رغم أن الواحد يعيش بواحدة، لكن الله تعالى خلق اثنتين حتى إذا تعطلت واحدة تبقى معك واحدة ثانية، أو يكون لك حبيب ويصير عنده فشل كلوي فتعطيه واحدة.

    وما كان الناس يميزون هذا في الماضي، وبعد ذلك خلق الله تعالى رئتين وعينين وأذنين.

    وجعل الله من كل عضو نافع اثنين ومن كل عضو ضار واحداً، كاللسان كم لساناً مع الإنسان؟ لسان واحد، وليت الإنسان يسلم من لسانه، فكيف لو كان معك لسانان، والفرج واحد! فكيف لو كان معك فرجان؟!

    الأذنان اثنتان فإذا تعطلت إذن فالأخرى تعمل، بعض الناس عنده أذن لا تسمع، ولا يسمع إلا بواحدة، وتملك عينين فإذا عميت واحدة ترى بالثانية، ويدين إذا قطعت واحدة تستعمل الثانية، وعندك رجلان ورئتان وكليتان .. وهكذا، إلا عضو واحد نافع وجعله الله واحداً وليس اثنين وهو القلب، قال الله: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب:4] لماذا؟ لأن القلب ملك الجوارح، ولا يمكن أن يكون في البلد الواحد ملكان، وإذا كان معك قلبان أحدهما يريد يذهب ليداوم، والآخر يريد أن ينام، من تطيع؟ لا يوجد إلا قلب واحد يعمل، رغم أنه نافع، لكنه قلب يعمل لا يمرض! وقد ترون كل الأعضاء تمرض وتتضرر لكن أقل الأعضاء مرضاً أو تعرضاً للأمراض هو القلب، وإلا فهو يعمل عملاً مضنياً، فهو مضخة تضخ الدم إلى جميع أجزاء الجسد، وتعطي هذا الضخ حركة في كل دقيقة ثمانين مرة، فتصور جهاز يشتغل مدى حياتك ولا يتعطل ..! أربعة وعشرين ساعة يعمل وأنت نائم وقائم وجالس وتمشي.. ثم جعل الله عضلة القلب عضلة لا إرادية، -أي: تشتغل بدون اختيارك- ولو أن الله جعل عضلة القلب إرادية بحيث إنه من أراد أن يعيش فليشغل قلبه، ومن أراد ألا يعيش فليوقفه، أكان الناس يشتغلون بغير قلوبهم؟!! لن يبقى أحد إلا وهو مشغول بعملية ضخ قلبه، حتى لو جاء لينام، يقول لامرأته: تعالي وحركي قلبي، أنا أريد أن أنام قليلاً، وانتبهي لا تغفلي فأنا سأموت إذا غفلت، فتنشغل بضخ الدم في قلبه قليلاً، ثم تقول له: تعال. أنا أريد أن أنام تعال حرك قلبي! لكنك نائم وهي نائمة والقلب ينبض، ثمانين ضخة في كل دقيقة وهو ينبض، يضخ الدماء ليذهب بها إلى الجسد، هذه جزئية ولمحة بسيطة من قدرة الله في خلقك أيها الإنسان.

    نعم أيكون هذا الخلق عبثاً؟!! لا.

    فبطل -أيها الإخوة- بالنظر العقلي كما بطل بالدليل الشرعي أن الإنسان والكون والحياة خلقت عبثاً، ولم يبق لنا إلا الاحتمال الثاني، وهو: أن الله خلق الكون والحياة والإنسان لحكمة، ولم يدع الله الناس في تيه، بل وضح لهم الحكمة، فإنه أعلم بما خلق، يقول الله تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14] هو الذي خلق الإنسان، فأعرف الناس بالصنعة صانعها.

    فخالقك وصانعك هو الله، وهو الذي صنعك ويدري لماذا صنعك، فبين لنا في كتابه في سورة الذاريات وقال: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] فهذا هو الغرض، وهذه هي الحكمة، لا يوجد حكمة من وراء خلق الناس إلا هذه الحكمة؛ لأنها محصورة بين (ما) و(إلا) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] ما: نافيه أم مثبتة؟ تقول: نافية: ما في المسجد إلا زيد، يعني: لا تجد معه عمرو، والله يقول: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] يعني: لا يوجد عمل لهم غير العبادة، لكن ما هو مفهوم العبادة في الإسلام أيها الإخوة؟

    1.   

    مفهوم العبادة في الإسلام

    مفهوم العبادة في الإسلام مفهوم واسع يشمل كل الحياة، فليس مفهوماً مقصوراً على الشعائر فقط، فالشعائر التعبدية هي أساس العبادة، لكن كل ما في الكون عبادة كما يعرفه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه في كتابه العبودية يقول:

    العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.

    فكل عمل يحبه الله ويرضاه فهو عبادة، حتى جعل النبي صلى الله عليه وسلم تبسمك في وجه أخيك صدقة، وهذه عملية ليس لها علاقة بالدين، لكن جعلها الإسلام عبادة، فإذا لم يكن عندك عبادة كثيرة فاخرج إلى الشارع، وعندما تلقى مسلماً قل له: السلام عليكم، كيف حالك يا أخي؟ صبحك الله بالخير.. تسجل حسنات، لماذا؟ قالوا: لأنك بالابتسامة والسلام تزرع في قلب المسلم الأمن والطمأنينة فتنشر الحب والود في المسلمين، ولا يظهر الدين إلا في أرض الحب، يقول صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده! لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا، ثم قال: أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم).

    وإفشاء السلام من أعظم القربات عند الله عندما تخرج بهذه النية: (إن في الجنة لغرفاً يرى ظاهرها من باطنها، ويرى باطنها من ظاهرها، قالوا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن أدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام، وأطعم الطعام، وأفشى السلام).

    بل جعل الإسلام شيئاً من الشهوات واللذائذ النفسية طاعة وعبادة، قال عليه الصلاة والسلام: (وفي بضع أحدكم صدقة -يعني: إذا جئت أهلك فإنها صدقة- فاستغرب الصحابة وقالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟! قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم. قال: فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر).

    بل إماطة الأذى عن الطريق صدقة، وهذه هي عملية البلدية في تنظيف الشوارع، ولكن الإسلام يدعوك -أيها المسلم- أن تساهم في نظافة الشارع؛ لأن الشارع ملك الجميع، فلا يجوز لك أن تلوثه، بل يجب عليك إذا رأيت شيئاً من الأذى أن ترفعه، ولهذا ورد حديث في الصحيحين : (الإيمان بضع وستون -وفي رواية: بضع وسبعون- شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان) هذه العبادة بمفهومها الشامل.

    اتقاء المحارم أعلى درجات العبادة

    هناك من يعبد الله في أعلى الدرجات، أي: يوجد رجل عابد ويوجد رجل أعبد، وأعبد هنا صيغة تفضيل، تقول: فلان كريم وفلان أكرم، فلان شجاع وذاك أشجع، فكذلك العبادة، فلان عابد وفلان أعبد.

    كيف تكون أعبد الناس؟

    دلك النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح كلمه وجوامع كلمه صلى الله عليه وسلم؛ في السنن قال صلى الله عليه وسلم -والعنوان طرف من حديث-: (اتق المحارم تكن أعبد الناس).

    فيا من تريد أن تكون عابداً اتق المحارم؛ لتكن أعبد الناس!

    وطبيعي عندما تكون أعبد الناس فإنك تكون أفضل الناس، وتنجو في الدنيا والآخرة، لماذا؟ لأنك أعبد الناس. وصيغة (أفضل) جاءت للنبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين؛ عندما أراد بعض الصحابة أن يتعلم عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فذهبوا إلى أهله وسألوا عن عبادته، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، وليست بقليلة فقد كان صلى الله عليه وسلم أعبد الناس، ولكن الصحابة من شدة الإقبال على الله كأنهم رأوا أنها قليلة، وقالوا: أين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فنحن لم يغفر لنا! إذن نزيد؟ فقال أحدهم: أما أنا فلا أنام الليل أبداً. يقول: الليل هذا لا ننام فيه؛ الليل للنوم ولكن نجعله للعبادة وللوقوف بين يدي الله جل وعلا، وقال الآخر: وأنا لا أفطر الدهر أبداً، وهذا الحديث يبين أن قدرات الناس تختلف؛ لأن بعض الناس لا يستطيع أن يقوم في الليل حتى ركعة واحدة ولكنه يستطيع أن يصوم، وبعضهم لا يستطيع أن يصوم يوماً واحداً ولكنه يستطيع أن يصلي، وبعضهم لا يستطيع أن يصوم أو يصلي ويستطيع أن يتصدق، وبعضهم لا يستطيع أن يتصدق ولكنه يستطيع أن يقرأ القرآن، ولهذا الله سبحانه وتعالى عدد مسارات العمل الصالح ليجد كل مسلم طريقاً إلى الله، قال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء أبداً، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخبر جمع الناس، وقال: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله، وأعلمكم بالله، وأطوعكم لله، ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).

    فأعبد الناس على الإطلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت -أيها المسلم- إذا أردت أن تكون من أعبد الناس فعليك بشيء واحد وهو: اتقاء المحارم.

    فليس أعبد الناس من يكثر الصلاة، أو الصدقة، أو الصيام، أو الحج والعمرة، أو يعلِّم الناس الخير ويدعو إلى الله، أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحب في الله ويبغض في الله، ويعمل أعمال الخير، هذا لا شك أنه عابد، لكن أعبد الناس من يتقي محارم الله، أي: لا يقع في شيء من الحرام، ولماذا كان هذا أعبد الناس؟

    قال العلماء: لسببين رئيسيين:

    السبب الأول: أن الله عز وجل إنما شرع تلك العبادات من أجل إمداد الإنسان بطاقة إيمانية تعينه على ترك المحرمات، ولهذا قال الله عز وجل عن الصلاة: إِنَّ الصَّلاةَ [العنكبوت:45] ماذا تعمل؟ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] ولهذا أنت تصلي من أجل أن تنتهي عن الفحشاء، فإذا صليت ولم تنته عن الفحشاء فأنت تمثل فقط، وفرق بين من يمثل وبين من يؤدي الدور الحقيقي، فأنت تخدع نفسك وتضحك على نفسك: إِنَّ الصَّلاةَ [العنكبوت:45] و(إن) مؤكدة.

    والصلاة الحقيقية، هي الصلاة المؤثرة، والفاعلة، والمقبولة، والتي عملت عملها فيك فتنهاك عن الفحشاء والمنكر، وأما الشخص الذي ما نهته صلاته عن الفحشاء والمنكر فكأنه ما صلى، وهذا رفعت عنه صلاته عقوبة في الدنيا ولا نستطيع أن نقول: إنه كافر؛ لأنه صلى، لكن بإتيانه للفحشاء والمنكر مع صلاته لم ترفع عنه صلاته، فتعرضه هذه الصلاة لعقوبة الآخرة؛ لأنه لو كان مصلياً حقيقياً لنهته صلاته عن الفحشاء والمنكر.

    وكذلك الحج: فهو ركن مثل الصلاة؛ لأن الله سبحانه شرعه وقال فيه: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197].

    الصوم: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه) وجميع الشعائر التعبدية فرضها الله سبحانه وتعالى من أجل أن تمدك وتربيك -أيها الإنسان- وتؤهلك وتجعلك قادراً على مواجهة المحرمات.. فلا تقع فيها.. هذا سبب.

    والسبب الثاني وهو المهم: أن هذه المحرمات التي حرمها الله تعالى على الناس في النفس البشرية مَيْل إليها ورغبة فيها؛ لأن الله خلق في الإنسان غرائز تميل إليها، فمثلاً: الزنا محرم وفاحشة، والله يقول فيه: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً [الإسراء:32] وشرع للزاني أشنع قتلة وأشنع عقوبة؛ إن كان محصناً يرجم حتى يموت، وإن كان غير متزوج يجلد بالعصا جلداً مبرحاً مؤلماً وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ [النور:2] مائة سوط، لماذا نضرب الزاني؟ قالوا: لأنه تخلق بأخلاق الحمار، ونسي أنه إنسان ومسلم، وأنه يجب أن يكون عفيفاً، فهبط ونزل إلى درجة الحيوانية، فنجلده مائة سوط ولا نرحمه، كي نخرج الحيوانية من رأسه ويعرف أنه رجل وليس حماراً: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ [النور:2].

    فهذا الزنا؛ الفاحشة الكبرى، يقول فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (ما عصي الله بذنب بعد الشرك أعظم من نطفة يضعها الرجل في فرج لا يحل له).. (ومن زنى بامرأة في الدنيا كان عليه وعليها في القبر نصف عذاب هذه الأمة).. (والذي نفس محمد بيده! إن ريح فروج الزناة ليؤذي أهل النار).. (والذي نفس محمد بيده! إن فروج الزناة لتشتعل ناراً يوم القيامة) وفي صحيح البخاري من حديث سمرة قال: (ثم أتينا على تنور أعلاه ضيق وأسفله واسع، وفيه رجال ونساء عراة يأتيهم لهب من تحتهم، فيرتفعون وينخفضون، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الزناة والزواني من أمتك).

    هذا هو الزنا الذي تميل له النفس، لماذا؟ لأن الله عندما خلق الإنسان وخلق الرجل والمرأة جعل في الرجل ميلاً إلى المرأة وجعل في المرأة ميلاً إلى الرجل، لبقاء الجنس البشري، إذ لو كان الرجل لا يريد النساء، والنساء لا يردن الرجال لبقي الرجل في جانب والمرأة في جانب، وكلما قيل للمرأة تزوجي، قالت: لا أعرفهم، وأنت تزوج قال: لا أعرف النساء، وبعد ذلك تموت المرأة ويموت الرجل، وتنقرض البشرية ولا يبقى أحد في الحياة.

    فالله جعل عند الإنسان ميلاً، فلا يوجد رجل إلا ويحب النساء، ولا امرأة من النساء إلا وتحب الرجال، لكن هذا الميل بحيث يلتقي الرجل بالمرأة عند نقطة شرعية اسمها الزواج، وحرم كل لقاء قبله أو بعده في الحرام، فقط الزواج، فيأتي الشيطان فيستغل هذا عند الإنسان، فيزين له الحرام ويوقعه في الباطل، فإذا قام الإنسان ومنع نفسه من الحرام كان هذا هو العابد الحقيقي، أي: الذي عنده رغبة في الزنا ثم يمتنع منه خوفاً من الله فهذا هو العابد الصحيح.

    فإذا صليت الآن فلا يوجد مانع من أن تصلي، بل المؤيد في نفسك أن تصلي؛ لأن الصلاة حركة، فقد يقول لك شخص: الصلاة جيدة، فيها ركوع وسجود ومشي وذهاب إلى المسجد وعودة منها، وخطوات ورياضة وتغيير جو؛ بمعنى أنها فائدة، والصيام أيضاً عملية صحية، والحج أيضاً رحلة ونزهة وتمشية، لكن الزنا.. من يتركه؟ ما يتركه إلا من يخاف الله! ولهذا جاء في الحديث: (سبعة يظلهم الله في ظله -يوم القيامة- يوم لا ظل إلا ظله.. منهم: رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال -أي: إلى الزنا- فقال: إني أخاف الله رب العالمين). هنا يوجد الإيمان، ولذا فالناس الآن يقيسون بهذا المقياس، فإذا رأوا رجلاً متديناً تظهر عليه علامات التدين والصلاة والصيام والعمل الصالح، ثم يرقبونه في مواطن الاحتكاك بالنساء، فإذا رأوه ينظر إلى النساء وهو المتدين، ماذا يقول الناس؟ يقولون: انظروا إلى هذا المطوع الكذاب، كيف ينظر إلى النساء، فعلموا أن تدينه غير صحيح؛ لأنهم قاسوه بالحرام، فلما وقع في الحرام قالوا: كذاب.

    فهذه الميول النفسية إلى الحرام التي ترفضها وتحجزها وتستعلي عليها وتنتصر بنفسك عليها دليل على أنك أتقى الناس، وأعبد الناس.

    العفة عن المال الحرام من العبادة

    المال حبب إلى كل الناس، والله تعالى يقول: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ [آل عمران:14] فهذا محبوب، ولا يوجد أحد لا يحب المال، فكل واحد يحب المال، والإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يحب المال، وجميع المخلوقات لا تحب المال، فهل رأيتم حماراً يحب المال، أو بقرة تحب المال، أو جملاً؟ أبداً. لا يوجد إلا الإنسان، لماذا؟

    قالوا: إن الله خلق في الإنسان حب المال من أجل تطوير الحياة، إذ لو كان الناس لا يحبون المال لما كان هناك تطور، ولكان الإنسان الآن يجلس في عشة أو كوخ، وبورق الشجر يلطخ جنبه ويستر عورته إلى أن يموت ولا يطور نفسه، لكن لما جمع المال وأحبه وجد أن المال يمكِّنه من تطوير نفسه، ولهذا فالصراع الآن في الحياة كلها بسبب المال؛ المال عصب الحياة.. المال سماه الله قياماً، قال تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً [النساء:5] أي: قوام الحياة هو المال، وبالمال تجد الدول المتطورة غنية، والدول المتخلفة فقيرة، ليس عندها مال.. ماذا تصنع؟ لا تستطيع التطوير، لكن التي عندها مال تقوم بالتطوير.

    الحيوانات لما كانت لا تحب المال ما تطورت؛ فالحمار حمار من يوم أن خلقه الله إلى قيام الساعة، لم يفكر أن يشتري له حذاء، والبقرة بقرة! لم تفكر في يوم من الأيام أن تشتري لها سروالاً وتستتر من الناس، لماذا؟ لأنه ليس عندها تطوير، لكن يهمها أن تأكل وتشرب وتُحلب وتنام، وكذلك جميع الحيوانات، أما الإنسان فقد حبب الله إليه المال وجمع المال، ولكن جاء الشرع ونظم هذا الحب، وجعل المال الحرام غير محبوب، والمال الحلال محبوباً كسبه، فإذا رفضت المال الحرام كنت أعبد الناس.

    الناس الآن إذا رأوا شخصاً متديناً، وبعد ذلك جاءت له فرصة من فرص الكسب الحرام فأخذها مع الناس، فإنهم يزدرونه، أضرب لكم مثالاً: في دائرة من الدوائر الحكومية رئيس القسم وجد أن عنده معاملات كثيرة، وطلب من مدير الإدارة أن يمنح العاملين عنده عملاً إضافياً لمدة أسبوعين لإنهاء الأعمال المتراكمة، وبعد ذلك هو يريد أن ينفعهم، وجمع الموظفين وقال: نحن طلبنا لكم عملاً إضافياً، وأنا أعرف أن العمل الإضافي لا تستحقونه، لكن أريد أن أحسن وضعكم ولكن أكملوا المعاملات وتعالوا بعد العصر لمدة نصف ساعة أو ساعة ووقعوا الانصراف والدوام، قالوا: جزاك الله خيراً، وشخص متدين وعليه علامات الخير قال: جزاك الله خيراً، بارك الله فيك، ماذا ستقول له الجماعة؟ سيقولون: المطوع أخذ معنا من الحرام، لكن لو وقف هذا المتدين وقال: لا يا جماعة الخير. أنا لا أسجل معكم، تريدوني أن آخذ فوق هذا زيادة هي حرام؟ لا. أنا لا آخذ، هذا الفعل من هذا الإنسان هو أعظم تأثيراً في الدعوة في قلوب الناس من ألف موعظة يلقيها هذا الإنسان، وإذا قالها قالوا: والله إن فلاناً صادق؛ جاءه راتب نصف شهر زيادة وتركه، هذا هو الصادق، نعم. فأنت أتقى وأعبد الناس يوم أن تترك المحارم.

    وهذا هو دعاء الملائكة -أيها الإخوة- من فوق سبع سماوات لأهل الأرض، يقول الله عز وجل: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ [غافر:7-9] فهذه الملائكة تدعو لك وأنت في الأرض، تقول: يا ربنا قهم السيئات، أي: اصرف عنهم المحارم والمحرمات، ثم قال عز وجل عن الملائكة إنها تقول: وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [غافر:9] إذا وقاك السيئات فقد رحمك الله.

    فمتى تستحق رحمة الله؟ إذا وقيت نفسك من السيئات: وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [غافر:9].

    1.   

    أبواب المحرمات السبعة

    ما هي المحارم التي يجب أن نتقيها؟

    إذاً: عرفنا أن الذي يتقي المحارم هو أعبد الناس، فما هي المحارم؟

    المحارم كما يقول ابن القيم رحمه الله: تدخل المحارم على القلب فتفسده من سبعة أبواب مثل نار جهنم لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم، كذلك المحارم تدخل على القلب من سبعة أبواب، ومن الناس من يدخل جهنم من كل باب، فهي مفتوحة له على مصاريعها، وهو الأول، ومنهم من يدخل من خمسة أبواب، ومن ستة، ومن ثلاثة، ومن أربعة، ومن واحد، لكن المؤمن لا يدخل من أي باب منها، لأنه أقفلها كلها واتجه إلى فتح أبواب الجنة الثمانية: من صلاة وصيام وجهاد وعمل صالح وقرآن وذكر وتلاوة وحج وعمرة، يعمل للجنة وتلك -أي: جهنم- مغلقة الأبواب السبعة؟ ذكرها ابن القيم رحمه الله في كتابه: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي:

    باب اللسان

    الباب الأول: وهو أوسع وأخطر باب وأهم باب على دين العبد (اللسان):

    فهذا اللسان أخطر شيء عليك، يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (من يضمن لي ما بين لحييه وفخذيه أضمن له الجنة) فقد ضمن لك الرسول صلى الله عليه وسلم أن تحفظ لسانك ويدخلك الجنة، وفي الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب، ورب كلمة قالت لصاحبها: دعني) بعض الناس يقول: الكلام بسيط! لا. فالكلمة ليست بسيطة، الكلمة لها أهميتها! الكلمة تدخل النار وتدخل الجنة، الكلمة تشعل حروباً، وتثير الفتنة، وتقيم مشاكل! لا. ولهذا قال الله تعالى للناس: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الإسراء:53] لا تتكلم بأي كلام إلا أحسن شيء، وأحسن هنا للتفضيل يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الإسراء:53] ابحث عن أحسن عبارة وقلها، حتى مع زوجتك وزملاؤك وأولادك، فلا تبحث عن الخبيثة، وبدلاً من أن تقول لولدك: (انهض. الله يأخذك) قل له: (انهض. الله يهديك)؛ لأنه لو أخذه الله هل ترضى؟!! وبعض الناس يقول: (قم .. عمى) لماذا تدعو عليه بالعمى؟ والله لو عمي ولدك لذهبت به إلى كل المستشفيات، فلماذا تقول له: (عمى) وبعضهم يقول: (قم. الله يجعلها في وجهك) وزوجته تدعوه فتقول: فلان، قال: طاعون، لماذا طاعون؟ أعوذ بالله، لماذا لا تقل: لبيكِ، قال: أقول لها لبيك، لماذا؟ لا. إنها زوجتك: (خيركم خيركم لأهله) أفضل من تقول له لبيك: أمك وأبوك وزوجتك، من يخدمك ويربي ولدك إلا زوجتك، ومن يقضي غرضك إلا زوجتك؛ لها فضل عليك كبير، إذا ذهبت إلى بيت أهلها كيف يصبح بيتك؟ يتحول بيتك إلى مقبرة، ترجع من الدوام وكل شيء في غير مكانه، والطعام غير جاهز، والفرش غير منظمة، والغرفة مبعثرة؛ مخدة في زاوية وبطانية في زاوية، تقول: ليت أم الأولاد موجودة لتنظم وتنظف وتطبخ.

    فهذه زوجتك تقوم بكل هذه الخدمات معك، لماذا لا تحسن القول معها؟ والذي ليس فيه خير لزوجته ليس فيه خير للناس، فبعض الناس يتظاهر بالخير أمام الناس لكن يقول العلماء: إن المحك الحقيقي لأخلاق الإنسان، وإذا أردت أن تقيم إنساناً فاسأل عنه أهل بيته، فإن أثنوا عليه ففيه خير، وإن ذموه فليس فيه خير، لماذا؟ لأنك تسفر عن طبيعة خلقك في بيتك، أما مع الناس فيمكن أن تتصنع وتتظاهر بالمجاملات، ولهذا ترى أكثر الناس في بيته يكلم امرأته بوجه -كالأسد- عبوس، ولا يتكلم بكلمة طيبة، فإذا دق التلفون ورفع السماعة ودق عليه أحد الناس قال: أهلاً! مرحباً! كيف الحال، (عساك طيب) حتى تقول: هذا من الملائكة لحسن أخلاقه، فإذا وضع السماعة قال: يا امرأة: افعلي الشاي. انهضي. أعوذ بالله! كيف التحول من حال إلى حال؟ لماذا لا تقول: يا أم فلان: عندك شيء؟ أريد بعض الشاي، يبارك الله فيك، الله يحفظك! الكلمة الطيبة صدقة، ولكن بعض الناس لا يزن عباراته، ولهذا -أيها الإخوة- أخطر شيء عليك اللسان:

    احفظ لسانك أيـها الإنسان     لا يلدغنك إنه ثعبان

    كم في المقابر من قتيل لسانـه     كانت تهاب لقاءه الأقران

    احفظ لسانك من الكذب، فإنه يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، والرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً.

    واحفظ لسانك من الأيمان الفاجرة، فإن هناك يميناً تسمى: اليمين الغموس، وهي: التي يحلف بها صاحبها وهو يعلم أنه كذاب، وبسببها يغمس في النار.

    احفظ لسانك من المواعيد المخلفة.. احفظ لسانك من الغيبة.. وخصوصاً غيبة العلماء وأهل الفضل، فإن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في الذين ينالون منهم معلومة، ومن ابتدرهم بالثلب ابتلاه الله قبل الموت بموت القلب والعياذ بالله.

    احفظ لسانك من النميمة، وهي: نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد.

    احفظ لسانك من القيل والقال، والتدخل فيما لا يعنيك، والخوض فيما لا يهمك.

    قال صلى الله عليه وسلم والحديث صحيح: (من يضمن لي ما بين لحييه وفخذيه أضمن له الجنة) وفي الحديث الآخر في الصحيحين يقول صلى الله عليه وسلم: (أكثر ما يدخل الناس النار: الفم والفرج) وهذا أول باب، فاحفظه. وأنت أعرف بنفسك، وأنت بعدم حفظه تبدد الحسنات وتجمع السيئات، كم من حسنة يفعلها شخص ولكن ما معه منها شيء، كلما عمل حسنة أخذها الناس؛ لأنه يتكلم في الناس ويسب الناس، يقول صلى الله عليه وسلم: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس عندنا من لا دينار له ولا درهم، قال صلى الله عليه وسلم: لا. المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات كالجبال، ولكن يأتي وقد سب هذا، وشتم هذا، وهتك عرض هذا، وأكل مال هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار).

    أجل. لا تضع حسناتك -يا أخي- ولا تتكلم بكلمة واحدة إلا وقد عرفت مغزاها، وهل هي ترضي الله أم لا؟ قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) إذا أردت أن تتكلم فاعرض الكلام على قلبك، فإن كان حقاً قلته، وإن كان باطلاً رددته، وإن كان: لا حق ولا باطل فاسكت عنه، فإن غايته أن تضيع حياتك في الكلام الفارغ الذي ليس حقاً ولا باطلاً، والذي لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا هو الهراء.

    باب الفرج

    الباب الثاني في الخطورة وهو باب: الفرج:

    ومعصيته الزنا واللواط -والعياذ بالله- وقد سمعتم الوعيد في الزنا؛ أما اللواط فهو الفاحشة الكبرى والمنكر الأعظم الذي تستنكره حتى الحيوانات، يقول عبد الملك بن مروان أحد خلفاء بني أمية: والله لولا أن الله قصَّ علينا في القرآن خبر قوم لوط ما صدقت أن رجلاً يركب رجلاً.

    لأن هذا تعافه حتى الحيوانات، لا يوجد حمار يركب حماراً، ولا كلب يركب كلباً، ولا قرد يركب قرداً، ولكن الإنسان إذا ضل وانحرف عن منهج الله فعل هذه الفاحشة، ولذلك سماها العلماء الفاحشة الكبرى، وقرر الله لها عقوبة من أعظم العقوبات مقتبسة من فعل الله بقوم لوط الذين أرسل الله عليهم الملائكة، فحملهم جبريل على طرف جناحه حتى بلغ بهم أعلى السماء ثم قلبها عليهم، قال الله تعالى: جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:82-83].

    باب الأذن

    الباب الثالث: باب الأذن:

    ومعصيته سماع ما حرم الله من الغيبة؛ لأن الغيبة لا تتم إلا من طرفين: مغتاب وسامع، هل يوجد مغتاب يجلس في غرفة ويغتاب؟ من يغتاب معه؟ هل يوجد من يسمع؟ فإذا سمعت الغيبة فأنت أحد المغتابين، فما موقفك إذا اغتاب رجل عندك آخر تقفل الباب عليه وتقول: دعنا منه، اتركنا من الغيبة، إن كان عندك كلام طيب وإلا فاسكت، أما أن تجامله وتسكت فأنت المغتاب الثاني، ولك صورة طبق الأصل من معصيته؛ لأن الغيبة لا تتم إلا من طرفين، مثل الزنا لا يتم إلا بطرفين، والربا لا يتم إلا بطرفين، كذلك الغيبة لا تتم إلا من طرفين، فلا تستمع الغيبة ولا تسمع النميمة.

    إذا أتاك رجل وقال لك: فلان قال فيك وقال فيك، فلا تصدقه؛ لأنه فاسق وإن كان صادقاً؛ لأن الله تعالى يقول: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6] فسماه الله فاسقاً وإن كان صادقاً، وإذا جاءك بغيبة فرد عليه، وقل له: إن الذي نقلت عنه النميمة لم يبادرني بها عياناً، ولكن الذي سبني أنت، أنت الذي حملها إلي فلا جزاك الله خيراً، من أجل أن تقطعه وترده عن فعل هذا المنكر العظيم.

    فلا تسمع شيئاً من القيل والقال والغيبة والنميمة.. ولا الغناء؛ لأن الغناء رقية الزنا؛ الغناء محرض على الجريمة، ويبعث في النفس الشهوة، ويدعوها إلى الوقوع في المحرمات، فحرمه الله تعالى كما قال سبحانه في القرآن الكريم: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ [لقمان:6] قال ابن مسعود : [والله الذي لا إله إلا هو إن لهو الحديث في هذه الآية هو الغناء] -والعياذ بالله- فهي باب من أبواب المحارم؛ فاتق الله وسد أذنك ولا تسمع بها إلا قال الله وقال رسول الله، وما ينفعك في آخرتك.

    باب النظر

    الباب الرابع: باب النظر:

    وهذا مهم جداً وخطير، ومن يفتح عينه في الحرام يعمي الله بصيرته عن الحق؛ لأن الجزاء من جنس العمل، ومَن غض بصره فتح الله بصيرته، ومن أطلق بصره أغلق الله بصيرته، وطمس على قلبه والعياذ بالله، والله تعالى يقول: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور:30] والذي يفتح عينه على الحرام -والعياذ بالله- فهو يبرهن على أنه لا يخاف الله، إذ أن النظر هو أول الطرق وأول الخطوات في الفواحش، والذي يغض بصره ابتداءً لا يقع في الفاحشة، ولكن من أطلق بصره قاده الشيطان إلى الخطوة الثانية، فإذا كان ينظر اليوم فانتظره بعد أيام، تجده يبدأ يتكلم ويتصل، وبعد الاتصالات تتطور؛ لأنها خطوات والله يقول: لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ [النور:21] ما قال خطوة الشيطان، بل خطوات الشيطان، فالشيطان لا يجرك إلى الزنا في خطوة واحدة؛ لأنه لا يستطيع عليك بإيمانك، ولكن يقول: انظر، وبعد ذلك ينقلك إلى الكلام، ثم إلى المواعيد واللقاءات، ثم إلى الفاحشة والزنا ثم إلى النار والعياذ بالله.

    فغض البصر من أعظم أسباب وقاية القلب؛ لأن النظر سهم مسموم من سهام إبليس، وتصوروا سهماً مسموماً يفتك ويفري، أرسله عدوك الشيطان إبليس، كيف يكون فعله في القلب؟!! قال قائل:

    كم نظرة فتكت في قلب صاحبها     فتك السهام بلا قوس ولا وتر

    والمرء ما دام ذا عين يقلبها     في أعين الغير موقوف على الخطر

    يسر ناظره ما ضر خاطره     لا مرحباً بسرور جاء بالضرر

    كل الحوادث مبدؤها من النظر     ومعظم النار من مستصغر الشرر

    أجل. واجبك -يا أخي- أن تغض بصرك، وأن تعلم أن النظر لا يفيدك، بل يحرق قلبك، ويغضب ربك، ويرضي شيطانك، وتهتك به عرض أخيك المسلم، وكما أنك لا تحب أن يُنظر إلى أهلك، كذلك الناس لا يحبون ذلك، والله عز وجل لا يرضى هذا؛ لأن محارم الناس هي محارم الله، والله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.

    باب البطن

    الباب الخامس: البطن:

    وهي باب عظيم من أبواب دخول المحارم، وأكل الحرام من الربا، والربا من أعظم المنكرات وأكبر الكبائر، وهو موبقة، وما أذن الله بحرب صاحب كبيرة كما أذن بحرب صاحب الربا، قال صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم : (لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه) وفي مسند الإمام أحمد يقول صلى الله عليه وسلم: (درهم ربا يصيبه الرجل أعظم من ست وثلاثين زنية في الإسلام) وفي سنن ابن ماجة قال صلى الله عليه وسلم: (الربا بضع وسبعون حوباً -أي: ذنباً- أدناه كأن ينكح الرجل أمه) -والعياذ بالله- فلا تأكل الربا، ولا تقبل الرشوة، فالرشوة حرام، قال صلى الله عليه وسلم: (لعن الله الراشي والمرتشي والرائش) والرشوة معناها ضياع الحق وظهور الباطل، وفساد النظام، فإذا كانت المعاملة لا تمشي إلا بشيء من الحرام، أي: أن صاحب الحق لا يأخذ حقه إلا أن يدفع حراماً، وصاحب الباطل يأخذ الباطل بالحرام، فإنه ينعدم العدل، وتضيع الحقوق، وتنتهك الحرمات حتى إذا فشت فاحشة الرشوة.. فلا تقبلها.. واتق الله ولو كنت فقيراً، فوالله لأن تعيش فقيراً حتى تموت خير لك من أن تكون غنياً ومصيرك إلى النار.

    ما قيمة الثراء: أتبني عمارة وتشتري سيارة وأثاثاً وتملأ الثلاجات وتسمن نفسك.. لجهنم؟

    لا -يا أخي- إن لك أن تعيش فقيراً وتموت على إيمان وتقوى وخوف فيعوضك الله في الجنة التي فيها (ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) أفضل لك من أن تأكل في لذة قصيرة عاجلة دنيئة، ثم تخرج منها وتتركها وتدخل النار فتعذب عذاباً لا يعذبه أحد من العالمين.

    الرشوة فيها لعنة الله ورسوله -والعياذ بالله- وكذلك جميع أنواع الكسب المحرم، ومن ذلك: الخمور والمخدرات والدخان، والدخان نضيفه إلى الخبائث، ونبين حرمته وحكمه في الشرع؛ لأن بعض الناس يقول بأن الدخان ليس بحرام، اتصل بي شخص وقال: الدخان ليس حراماً، قلت: لماذا؟ قال: لا يوجد في القرآن أن الله حرم الدخان، قلت: سبحان الله العظيم! ثم ذكرت له الأدلة، فأجابني في النهاية بأن الدخان حرام.

    قلت له: الدخان طيب أم خبيث؟ فسكت، قلت له: أخبرني. فسكت، قلت: حسناً.. عصير البرتقال طيب أم خبيث؟ قال: طيب. قلت: والدخان طيب أم خبيث؟ قال: لا. ليس طيباً، قلت: إذن ما هو؟ قال: خبيث، قلت: أمتأكد من أنه خبيث؟ قال: نعم. قلت: اقرأ قول الله في سورة الأعراف: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157] فما دمت معترفاً أنه خبيث فهو حرام. وحتى لو لم تعترف بأنه خبيث فقد اعترفت الشركة الصانعة بأنه خبيث، أي (علبة) من علب الدخان فإنه مكتوب عليها: تحذير رسمي: التدخين مضر بصحتك فننصحك بالامتناع عنه. فما معنى هذا: هل معناه أنه طيب أم خبيث؟ إذا كانت الشركة الصانعة تقول بأنه يضرك، والذي يضر طيب أم خبيث؟ خبيث. فكل صناعة تصنع يكتب عليها تاريخ صلاحية بداية ونهاية المصنوع، إلا الدخان ليس عليه صلاحية؛ لأنه فاسد من يوم أن صنعوه؛ مكتوب عليه يضرك من أول يوم.

    وكل شركة تصنع صناعة ترسل معها دعاية لها إلا الدخان تصنعه الشركة وترسل دعاية ضده، وبعد ذلك أعلمك أن الدخان خبيث أم طيب، هل تستطيع أن تشرب الدخان في المسجد مع الفضلاء والعلماء؟ لا. لكن إذا كانت إدارة رسمية ممنوع التدخين فيها، أين يدخن المدخن إذا لم يستطع أن يدخن في المكتب؟ أين يدخن؟ في الحمام. طيب.. هل يستطيع أن يشرب أو يأكل في الحمام؟ فلو جاع وفي جيبه قطعة سندوتش، هل يستطيع أن يأكلها وهو على الكرسي؟ لا يستطيع أبداً؛ لأنه لو أكل في الحمام فسوف يطرش! كيف يأكل وهو في الحمام؟!! لكن لماذا يستسيغ الدخان وهو في الحمام؟ لأنه خبيث وفي مكان خبيث؛ ولأنه يدخن من فوق ومن تحت، فيجتمع الدخان على أحسن هيئة والعياذ بالله.

    فشرب الدخان حرام؛ لأنه خبيث مفتر مضر، وإسراف وتبذير للأموال في غير حقها، ولأنه لا يبدأ عليه باسم الله، ولا يختم بحمد الله، والدخان حرام؛ لأنه يعلم صاحبه خصلة لا تليق بالإنسان، فإن الإنسان إذا أكل طعاماً وبقي منه شيء رفعه، أما الحيوان إذا أكل طعاماً وبقي منه شيء داسه بأرجله، وكذلك شارب الدخان إذا شرب الحبة وانتهى منها أين يذهب بها، يضعها في الأرض ويدوسها برجله، نعم. يتعلم خصلة من خصال الحيوان -والعياذ بالله- فاحفظ بطنك -يا أخي- من هذه الخبائث.

    باب اليد والقدم

    الباب السادس: اليد:

    كفها عما حرم الله، فلا تبطش بها في حرام، ولا تسرق بها مالاً معصوماً، ولا تسفك بها دم مسلم، ولا تمدها على امرأة لا تحل لك، كف يدك؛ لأنك لو مددتها في الحرام دخلتَ النار عن طريق يدك والعياذ بالله من النار.

    الباب الأخير: القدم:

    الخطوات؛ فلا تحملك قدمك إلى معصية الله؛ لأن كل خطوة مسجلة عليك: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ [يس:12] أي: خطواتهم، فلا تحملك قدمك إلا إلى بيوت الله، وحلق العلم، ومجالس الذكر، وصلة الرحم، وبر الوالدين، وقضاء مصالحك الدينية والدنيوية، لكن لا تذهب برجلك إلى منكر، ولا تحملك قدمك إلى معصية، لا تذهب بها إلى مجلس زور ومكان فجور وممارسة منكر؛ لأنك عندما تخطوها فإنها تسجل عليك يوم القيامة.

    فإذا استطعت أن تقيم بإيمانك حراسة على هذه الأبواب السبعة فأنت من أعبد الناس، ويتحقق فيك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (اتق المحارم تكن أعبد الناس).

    ولكن -أيها الإخوة- لا تظنوا أن اتقاء المحارم يتم بشيء من اليسر والسهولة! إنه صعب يحتاج إلى جهاد، وإلى عناد وتربية للنفس، ومجاهدة ومحاربة للشهوة؛ لأن الشهوة تطغى، والمتع تسوق إلى الحرام، واللذائذ تقنع بالشر، ولكن عليك بمجاهدة نفسك؛ لأن الله تعالى يقول: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40-41] ويقول عز وجل: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].

    وهذه المجاهدة لا تتم في بدايات الطريق، ولكن إذا علم الله منك صدق اليقين، فتح الله بصيرتك، ونور قلبك، وحبب إليك الإيمان وزينه في قلبك، وكره إليك الكفر والفسوق والعصيان، وجعلك من الراشدين، هنالك تصبح الأمور سهلة، ويصبح أحب شيء عندك كلام الله، وأبغض شيء عندك الغناء، أحب شيء عندك يوم تنظر إلى المساجد وإلى القرآن، وأكره شيء عندك يوم تنظر إلى النساء، لماذا؟ لأنك عبد رباني، كما قال الله تعالى في الحديث القدسي في صحيح البخاري يقول صلى الله عليه وسلم نقلاً عن ربه عز وجل: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) فما معنى هذا أيها الإخوة؟ أن يكون الله سمعك الذي تسمع به، أي: لا تسمع ولا تبصر إلا ما يحبه الله، ولا تبطش بيدك إلا فيما يحبه الله، ولا تمشي بقدمك إلا إلى ما يحبه الله؛ لأنك عبد رباني.

    أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجنبني وإياكم الفواحش والمحارم ما ظهر منها وما بطن، وأن يوفقنا للطاعات، ويحفظنا من كل سوء ومعصية. والله أعلم.

    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    1.   

    الأسئلة

    تفجيرات الرياض وما وراءها من مفاسد

    السؤال: ما هو التوجيه حيال التفجير الذي حدث في الرياض؟ وجزاكم الله خيراً.

    الجواب: حادث التفجير الذي وقع قبل عدة أشهر لو كان حادثاً جنائياً يقع من أناس عاديين ما كان لنا حياله شأن؛ لأنه جريمة والجرائم يمكن أن تقع، لكن الحادث هذا بالذات مهم؛ لأنه انطلق من منطلق فكري وعقدي، إذ جرى فيه تضليل وخداع الذين قاموا به وإقناعهم أنه عمل جهادي ومشروع، وهنا الخطورة والمصيبة، حين تضلل مفاهيم الشباب المسلم، ويقنعون بأفكار تتنافى مع أصول أهل السنة والجماعة ، الذي نعرف أن كل أحد من أهل هذا البلد بالذات لا يحب إلا أن يكون من أهل السنة والجماعة، أليس كذلك؟ هل يوجد أحد يريد أن يكون من أهل البدعة والضلال؟ لا. ولكن المصيبة أن بعض الناس يريد أن يكون من أهل السنة والجماعة وهو لا يفهم مناهج ولا أصول ولا معتقدات أهل السنة والجماعة، ويأتي بمفاهيم ليست من مفاهيم أهل السنة والجماعة، نعم هناك الخوارج والرافضة والمعتزلة .. وكثير لهم مفاهيم وأصول ومناهج، أما أهل السنة والجماعة فلهم أصول ولهم مناهج ولهم معتقدات خاصة.

    فالعمل الذي حصل ليس من مفاهيم ولا أصول أهل السنة والجماعة ، بل يختلف معه اختلافاً كاملاً ويتنافى معه، والتوجيه حياله من عدة أمور:

    أولاً: قبل البدء فيه: نحن في هذا البلد بالذات ننعم بنعم عظيمة لا ينعم بها مثلنا على وجه الأرض، ويدلل على هذا: حرص الملايين من البشر في جميع دول الأرض على أن يشاركونا في هذه النعمة، لا يوجد بلد فيه أجانب في الدنيا مثل ما في بلدنا، لماذا؟ لا يوجد خير في بلادهم؟ لا. فبعضهم يوجد في بلده فرص عمل مثلنا أو أحسن، لكن لماذا يفضل أن يعيش هنا بالذات؟ ليحصل له الأمن والطمأنينة التي يفتقدها في أي بلد آخر، فالإنسان ليس بحاجة إلى أن يأكل ويشرب ويسكن، لا. هو يحتاج إلى أمن، وسكينة، وطمأنينة، فهذه غير موجودة، يقول لي أحد الزملاء المهندسون في شركة الكهرباء وقد ذهب إلى بلده لقضاء إجازته يقول: جلست شهراً في بلدي بالسيارة ورجعت بالسيارة يقول: والله ما نمت ليلة إلا وأنا في قلق، إلى أن دخلت حدود المملكة العربية السعودية ، وما إن تجاوزتها حتى شعرت براحة ونزلت عند أول مقهى ونمت نومة شعرت فيها بلذة النوم وبالأمن.

    وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ [النحل:112] هذه تنطبق على هذا البلد فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ [النحل:112] نعوذ بالله من هذه الثانية فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112] نحن في هذه البلد ننعم بنعم عظيمة، وأي محاولة لزعزعة الأمن وخلخلة هذه النعم مرفوضة وهي محاولة آثمة؛ لأنها تتصادم مع أهداف الشريعة، أهداف الشريعة التي جاءت في الكتاب والسنة، تحفظ للناس خمس كليات:

    الدماء: فقد حرم الله القتل وشرع القصاص.

    الأعراض: حرم الله الزنا وشرع حد الزنا.

    الأموال: حرم الله السرقة وشرع قطع يد السارق.

    العقول: حرم الله الخمر وشرع حداً لشاربه.

    الدين: حرم الله الردة (من بدل دينه فاقتلوه).

    هذه الكليات الخمس ننعم بها في هذا البلد وبأعلى قدر ومستوى، فدماؤنا محقونة، وأعراضنا مصونة، وأموالنا محفوظة، وعقولنا محفوظة، وديننا محفوظ، أنريد أن نغير -أيها الإخوة- فيغير الله ما بنا؟!! لا والله.

    الأمر الثاني: إذا أراد الإنسان تصحيح أخطاء موجودة، فإن التصحيح يجب أن يكون على منهج أهل السنة والجماعة ، وعمليات التخريب والتفجير هذه ليست من أساليب أهل السنة والجماعة ؛ لأنها عمل إفساد وليست عمل تصحيح، فالذي يريد أن يعمل عملاً إصلاحياً لا يرتكب فساداً حتى يصحح شيئاً، الإصلاح إصلاح، ولا يترتب على الإصلاح إفساد، فإذا ترتب على الإصلاح إفساد كان الإفساد الذي جاء به أعظم من الإفساد الذي جاء من أجل تصحيحه، فما موقفك -أيها المسلم- في المجتمع الذي نعيش فيه؛ مجتمع المملكة العربية السعودية؟

    أولاً: موقف المسلم في الدرجة الأولى هو تصحيح وضعه مع الله، وهداية نفسه أولاً وتصحيحها بإقامة الإسلام فيها عن طريق العقيدة السليمة، والعبادة الخالصة، والسلوك المستقيم، والتعامل الحسن، والبعد عن الحرام -وترك المحرمات التي ذكرناها في المحاضرة- هذا أول شيء عليك أنت.. وهذه مسئوليتك، وإذا قدرت عليها فأنت داعية، ومن دعا نفسه فقد دعا، وقد حصل له خير كبير.

    ثانياً: تنتقل من دائرة النفس إلى دائرة الأسرة، أمك وأبوك وإخوتك وأهلك وبنوك، وهذه مسئولية لا يقوم بها غيرك، فمن تتوقع أن يدخل من الشارع إلى أمك وأبيك فيدعوهم؟ وإذا فشلت أنت في دعوة أبيك وأمك، فمن يؤدي دورك عنك؟ بعض الشباب يقول: أبي ليس فيه خير، لا. أبوك فيه خير ولكن أنت نفسك ما عرفت كيف تخرج هذا الخير، وبعضهم يقول: أمي ليس فيها خير أبداً، والرسول يقول: (خيركم خيركم لأهله) وأمك وأبوك من أهلك، ويجب أن يكون فيك خير لأهلك، وإذا كنت صادقاً مع الله وتحمل النور الحقيقي فلا بد أن يستفيد منك أمك وأبوك، وقد لا يستفيد منك في سنة أو سنتين أو ثلاث أو أربع، ولكن هذه مسئوليتك، انصرف إليها، ولو أن كل شاب حمل هذا المنهج وأصلح نفسه وأمه وأباه وأخواته وإخوانه وأسرته القريبة منه لما احتجنا إلى دعاة.

    لكن بعض الناس ينهزم أمام أمه وأبيه وزوجته وأولاده فينعكس انهزامه في أن يصل إلى المجتمع فيكفر الناس ويقول: الناس كلهم ما فيهم خير، وهو الذي فيه خير فقط، يتصور أن الخير عنده والناس ما عندهم خير، وهذا من أسوأ ما يمكن أن يقع فيه الإنسان.

    ثالثاً: إذا استطعت أن تنتقل من دائرة أهلك وبيتك، انتقل إلى الدائرة الأوسع؛ دائرة عملك: إذا كنت طالباً مع أصدقائك، أو كنت موظفاً مع الموظفين، أو كنت مدرساً مع المدرسين، انظر إلى المدرسين وخذ واحداً منهم، واعمل معه علاقة .. زره .. أقنعه بالدين .. يهديه الله خلال سنة .. سنتين .. تبعث يوم القيامة مبعث الأنبياء، هذا هو واقعك.

    فما هو موقفك في المنكرات الموجودة في المجتمع؟ الشرع ما ترك الأمر -أيها الإخوة- ولا يوجد جزئية من جزئيات الدين إلا وهي موضحة، بين لنا الشرع كيف نغير المنكرات، وأخبرنا أن المنكرات تغير بأحد ثلاثة أساليب:

    الأسلوب الأول: اليد.

    وهذا لولي الأمر ومن منح صلاحية، ليس الأمر فوضى، فلو ترك تغيير المنكر لكل واحد يرى منكراً فيقوم ويغيره مباشرة، لتحولت الحياة إلى فوضى، لكن الشرع نظم، أي: أن تغيير المنكر بالنسبة للمنكرات العامة إنما يقع على جهة ولي الأمر، وهو المطلوب من أن يغير المنكر، فإذا لم يغير أثم، لكن أنت لزمك أن تبلغ، فإذا لم يقبل تبليغك فقد برئت ذمتك، أما أن تذهب وتقول: أنا بلغت وما غيروا، إذن أنا أغير، لا. إذاً تقع في المنكر ولا يجوز لك.

    إذا كنت في بيتك غير بيدك؛ لأن بيتك مملكتك، إذا كان في بيتك منكراً من يمنعك أن تغير بيدك؟ لكن الشارع ليس ملكك، والمحلات العامة ليست ملكك، والإدارات ليست ملكك، بلغ ولي الأمر، والجهة التي أنيط بها هذا الأمر، فإن لم تستطع بيدك وهذا الذي يحصل فبلسانك، وهذا الذي نستطيعه.

    الأسلوب الثاني: باللسان.

    ولكن بالحكمة والموعظة الحسنة والكلمة الطيبة، لا أن تمر على مرتكب المنكر وأنت محدق في عيونه كأنك تريد أن تأكله، حتى ذلك يظن أنك لا تريد أن تهديه، ولكن يظنك عدواً له، ولكن ابتسم له حتى ولو لم تكن صادقاً ولكن من أجل أن تدخل قلبه، فالابتسامة هذه مثل البنج للمريض، فالذي يريد أن يضرب إبرة للمريض ماذا يصنع؟ يضع له بنجاً حتى لا يشعر بدخول الإبرة.

    فكذلك أنت تريد أن تدخل الإيمان إلى قلب هذا العاصي، فتجيء وتقول له: أنت عاصٍ، وصاحب منكر، وما فيك خير، يقول لك: وأنت ما فيك خير، ويقوم ليضاربك، لكن إذا أتيته وقلت له: السلام عليكم، كيف حالك يا أخي؟ بارك الله فيك، الله يوفقك، الله يرشدك، أنت من أهل الخير، ووجهك مملوء بالإيمان، حتى ولو كنت لست بصادق، أقل شيء يقول لك إذا دعيته: جزاك الله خيراً. وهنا قلت الكلمة وانتهى منها، ويجيء الثاني ويقولها، ويجيء الثالث ويقولها، ويجيء الرابع، فيقول صاحب المنكر: الناس كلهم يقولون بأني على منكر، أما أستحي؟ فيستحي ويترك المنكر.

    الأسلوب الثالث: بالقلب.

    إذا لم تستطع عند العجز فبقلبك، إذا أنكرت بقلبك عند العجز برئت ذمتك، مهما كانت المنكرات والله يعلم أنك تكرهها ولا تحبها، ولو كان بيدك إنكارها لأنكرتها، فإن الله عز وجل يعفيك عن مسئوليتها ولا يلحقك من جهتها إثم.

    حسناً.. ما موقفك تجاه ولي الأمر؟

    هنا -أيها الإخوة- مكمن الخطورة، في أن بعض الشباب لا يعرف منهج أهل السنة والجماعة في قضية التعامل مع أولي الأمر.

    قضية التعامل مع ولي الأمر قضية مهمة، وأصل من أصول أهل السنة والجماعة؛ قرروه وأكدوه، وما من كتاب من كتب السنة التي ألفها العلماء والمحققون من أهل السنة إلا وفيها باب: طاعة ولاة الأمور.

    لماذا يقيدون طاعة ولي الأمر: هل لأن الأئمة يريدون من ولي الأمر مالاً، أو منصباً أو شهادة أو أي شيء؟ لا. لكنهم يتعاملون معه من منطلق الشرع، وأصول أهل السنة والجماعة؛ لأن قضية التعامل مع الولي لا تحكمها المصلحة والمنفعة، ولا قضية الحب ولا الكراهية، فبعض الناس يقول: أنا أكره ولي الأمر أو أنا أحبه، أو أنا ما لقيت منه شيئاً، فمسألة تحبه أو تكرهه أمر يخصك، سواء أعطاك أو منعك هذا لك، لكن نحن نطالبك بما طالبت به الشريعة، فقد طالبت الشريعة بثلاثة أشياء تجاه ولي الأمر:

    الأول: مطلوب منك إن كنت صاحب هدى وسنة أن تدعو له، يقول الإمام أبو الحسن محمد بن علي البربهاري وهو عالم من أئمة أهل السنة والجماعة ، بل كان إمام أهل السنة والجماعة في عصره وتوفي سنة (329هـ) يقول: إذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى -والكتاب اسمه شرح السنة - وإذا علمت الرجل يدعو للسلطان فاعلم أنه صاحب سنة. لماذا؟ لأن صلاح السلطان من صلاح الأمة، أليس في همك أن يكون صالحاً؟ ألست تدعو إلى الإصلاح؟ أيسرك أن يكون صالحاً، أيسوءك أن يكون صالحاً؟ فلماذا لا تدعو؟ بعضهم يقول: لا أدعو، لماذا أدعو؟ لأني إذا دعوت له فأنا متملق، لا. ادع.

    فـالفضيل بن عياض وهو من أزهد الناس وتروى الكلمة عن أحمد بن حنبل يقول: [والله لو أعلم أن لي دعوة مستجابة لصرفتها لولي الأمر].

    الفضيل بن عياض زاهد معروف لا يريد أي شيء، فقد رفض الدنيا وتركها ويسمى عابد الحرمين، ومع هذا يقول: [والله لو أعلم أن لي دعوة مستجابة لصرفتها لولي الأمر] قيل له: يا أبا علي: فسر ما تقول، قال: [إن دعوت لي فدعوتي لا تتجاوزني، وإن دعوت لولي الأمر أصلحه الله، وفي صلاحه صلاح للإسلام والمسلمين] فنحن ندعو الله لهم أن يصلحهم، ونسأل الله أن يستجيب دعاءنا في صلاحهم، وبعض الناس يترك هذه السنة من أجل الشباب، يقول: لا. إذا دعوت لهم قال الشباب: والله فلان صار ملفوفاً، انتهى، صنفوه، فسبحان الله! نترك الهدى وأصول أهل السنة والجماعة من أجل الناس، هذا نوع من الشرك، ففي التوحيد باب من الشرك فعل العمل من أجل الناس.

    فيا أيها الإخوان! لا نريد أن نخدع الشباب ولا أن نضللهم، أنا أتصور أن عدم بيان أصول أهل السنة والجماعة وتوضيحها للشباب تغرير بهم وخداع لهم، ولو أنه بين لهم لعرفوا الطريق؛ لأنهم كلهم يريدون الحق.

    الثاني مما يلزمك تجاه ولي الأمر: الطاعة بالمعروف.

    فإذا أمرك بطاعة فتستجيب، وإذا أمرك بمعصية لا تجب ولكن لا تخرج، فلا يبرر لك أمره بالمعصية الخروج عليه، لا بد من الطاعة، وهذا مقرر ومؤكد عليه في أصول أهل السنة والجماعة .

    يذكر القاضي أبو يعلى في طبقات الحنابلة عن أحمد بن حنبل : أن فقهاء بغداد جاءوا إلى الإمام أحمد في قضية خلق القرآن، والاعتقاد بخلق القرآن كفر، نقل الإمام اللالكائي في كتاب شرح أصول أهل السنة والجماعة عن (550) إمام من أئمة أهل السنة والجماعة كلهم قالوا: من قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر.

    ومع هذا ما كان الإمام أحمد يكفر على التعيين، ما كان يكفر المأمون ولا المعتصم ولا الواثق ، ولما جاءوا في خلافة الواثق قالوا: يا إمام! الرجل يقود الناس ويحملهم على الكفر، ويعاقب في الذي لا يقول بخلق القرآن إما بالقتل أو بالسجن، أو يفصل من الولايات، فماذا نصنع؟ قال لهم: قفوا وعليكم بالنكرة من قلوبكم واحقنوا دماءكم ودماء المسلمين، ولا تنزعوا يداً من طاعة، فرضي الله عنه وأرضاه، هذا العالم النحرير إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل أزهد خلق الله في زمانه، هل كان يقول هذا الكلام من أجل شيء؟ لا. ولكنه يبين للأمة المنهج والمفاسد التي تترتب على الخروج وعدم الطاعة.

    يقول الإمام ابن القيم في كتابه: إعلام الموقعين في الجزء الثالث في الصفحة (172) قال: والمتأمل في أحوال الناس يرى أنه ما من قوم قاموا بالخروج على الولاة إلا وأفسدوا أعظم مما خرجوا لإصلاحه، ثم يقرر أن درجات المنكر والتغيير أربع: فيقول: درجات المنكر والتغيير أربع:

    إما أن يزول المنكر ويعقبه معروف، أو يزول المنكر ويعقبه منكر أقل، فهذه الدرجتين مشروعة باتفاق.

    أو يزول المنكر ويعقبه منكر مثله فهذا محل نظر واجتهاد، أو يزول المنكر ويعقبه منكر أعظم فهذا محرم.

    وينقل عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه قال -يحدث عن نفسه ابن تيمية -: مررت أنا وبعض طلابي على التتار وهم سكارى، فأراد أحد التلاميذ أن ينصحهم في الخمر فمنعه الشيخ، وقال له: لا. دعهم، قال: ولم يا إمام؟ قال: لأن الله إنما حرم الخمر؛ لأنها تصد عن ذكر الله والصلاة، وهؤلاء تصدهم عن قتل المسلمين واستباحة الأعراض.

    فاتركه سكران؛ سكره أخف من قيامه، أجل. لو قام لقتل، فمنكر أخف من منكر، وهذا هو الفقه في دين الله.

    ويقرر شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاويه في الجزء الخامس والثلاثين يقول: إن طاعة ولاة الأمور واجبة وهي طاعة لله؛ لأن الله الذي أمر بها، ثم قال: فمن أطاعهم لأجل ما يجد منهم من الولاية ويعصيهم إذا منعوه، فهذا ليس له في الآخرة من خلاق، أما من يطيعهم من أجل الله؛ لأن الله تعالى أمر فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59] فتكون طاعته لهم طاعة الله.

    أما المعصية فلا يطاع فيها، ولكن لا يخرج عليه إذا أمر بها، وإنما ينكر عليه عن طريق الإنكار الثالث وهو: النصح له.

    ومن هنا يتبين أنه يجب على المسلمين تجاه ولاة الأمور ثلاثة أشياء:

    الأول: الدعاء لهم.

    الثاني: الطاعة.

    الثالث: النصح لهم

    والنصح يكون بمنهجين:

    الأول: أن يكون سراً، فالغاية من النصيحة القبول، فلا تنصح أحداً إلا وتريده أن يقبل، لكن معروف أنك إذا نصحت أحداً علناً لا يقبل على مستوى الفرد أو على مستوى أعلى شخص.

    الآن لو أنك تعرف فيّ خصلة من الخصال السيئة وما أكثرها، ويمكن أنتم لا ترون شيئاً؛ لأنكم لا تعاشروني، لكن لو استطاع الواحد أن يصل وعرف واحدة من التي عندي، فبدلاً من أن يأتي إلي ويقول: يا شيخ سعيد أنت رجل معروف عنك بالخير، ومأهول عنك الخير، لكن سمعنا أنك تقول كذا وكذا، أو تفعل كذا وكذا، ماذا أقول له؟ أقول له: جزاك الله خيراً، وأنا إنسان أنا أتوب إلى الله وأستغفر، لكن سكت الرجل وبعد أن أنهيت المحاضرة جاء ووقف بعدي وقال: هذا الشيخ سعيد بن مسفر الذي تسمعونه وتسمعون كلامه؛ ولكني أعرف منه أنه يقول ويعمل ويعمل.. ولهذا أنا أبين لكم هذا الكلام؛ لأنها كلمة حق أجهر بها! ما رأيكم هل أقبل هذه النصيحة أنا، وأقول له جزاك الله خيراً؟ لا. بل مباشرة أقوم بعده وأعقب عليه، وأعطيه أحاديث وآيات، وقد أجيب بباطل، لماذا؟ لأن النفس هكذا، لا تحب أن تشوه، وكذلك لا تجوز نصيحة ولي الأمر جهراً، لماذا؟

    أولاً: لأنها لا تقبل.

    ثانياً: الذي ينصح يكسب عداوة الحاكم، وإذا آذاك الحاكم خسرت دعوتك وتصدى لك.

    ثالثاً: تتعارض مع منهج النبي صلى الله عليه وسلم، يقول عليه الصلاة والسلام والحديث صححه الألباني وهو في مسند أحمد والسنة لـابن أبي عاصم ولما خرج أحاديثه الألباني صححه قال صلى الله عليه وسلم عن عياض بن غنم (من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية وليأخذ بيده وليأمره ولينهه، فإن أطاعه وإلا فقد أدى الذي عليه) فأنت إذا نصحته برئت ذمتك.

    يقول الشافعي رحمة الله عليه:

    تعهدني بنصحك في انفرادي     وجنبني النصيحة في الجماعه
    فإن النصح بين الناس نوع     من التوبيخ لا أرضى استماعه

    فإن خالفتني وأبيت قولي     فلا تغضب إذا لم تلق طاعة

    فعلينا أن ننصح.

    والثانية في النصح لولي الأمر: أن تكون النصيحة ممن له مكانة وقبول عنده، فليس كل واحد يذهب وينصح، وإنما نأتي إلى الذي يجلس مع الملك أو الأمير أو الوزير من العلماء أو الفضلاء -وهؤلاء موجودون في مجتمعنا والحمد لله- ونقول له: يا شيخ فلان، هناك منكر في المكان الفلاني، نريدك أن تبلغ الحكام والولاة أن يغيروه، يقول العلماء: نعم. جزاكم الله خيراً وبارك الله فيكم، ويذهبون لبلاغ الملك والأمير، لكن بعض الشباب يقول: ذهبنا للشيخ ولا تغير المنكر، يا أخي سبحان الله!! تريد الشيخ أن يغير المنكر أو يخبرك بما عمل.

    يقول لي أحد المشايخ الكبار: هدى الله الشباب، يخبرونا بالمنكرات وبعد ذلك نذهب ونبلغ المسئولين، وبعد ذلك يريدون منا أن نخبرهم ماذا صنعنا، من أجل أن نفسد عملنا، أو نفسد العلاقة بين الراعي والرعية، وهذا لا يجوز في الشرع، فهذا -أيها الإخوة- ما يتعلق بولي الأمر.

    الثاني: موقفنا من العلماء:

    العلماء واجهة الدين، ويجب أن نثق فيهم وخصوصاً العلماء في بلدنا، والعلماء في البلدان الإسلامية، والحمد لله ما تخلو الأرض من الصالحين، ولكنا في هذا البلد بالذات نتميز بوجود علماء ربانيين، يثق فيهم علماء المسلمين من كل أرض وأفراد المسلمين، تسمعون الآن نور على الدرب في كل ليلة، تسمع من المرسل: من المغرب .. من الجزائر .. من اليمن .. من الشمال.. من الجنوب، من كل أرض الله يسألون علماء المملكة العربية السعودية ، ما معنى هذا؟ معناه أن الثقة فيهم، وهؤلاء العلماء لا ينبغي أن نزعزع ثقة الناس فيهم، ولا ندعي أنهم معصومون من الخطأ فقد يخطئون، ولكن إذا أخطئوا فننصحهم ونبلغهم ونأخذ منهم ونناقشهم، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، وأخطاؤهم مغمورة في بحار حسناتهم وما عملوه للإسلام والمسلمين.

    وأما أن نكفر الحكام والعلماء، فهذه قضية ثالثة، وهي قضية التكفير، وهي مهمة جداً، والتي سمعناها من هؤلاء الذين عملوا الجريمة بأنهم كفروا الحكام وكفروا العلماء، فإذا كان العالم كافراً فمن المسلم؛ ما رأيكم؟ إذا كان العلماء كفاراً؛ إذا كان ابن باز وابن عثيمين كفاراً فمن المسلم أنا أم أنت؟ معناها: ما على وجه الأرض مسلم إلا هذا الذي كفر الناس، يريد الجنة له، والمسلمون كلهم.. أين؟

    هو داعية يطلب من الناس أن يدخلوا في الدين، ولكن هذا أخرج حتى العلماء لم يترك عالماً، فالتكفير هذا خطيئة، وهو أول بدعة اعتقادية أصيبت بها الأمة، والذي عملها الخوارج ، والخوارج هم الذين كفروا علياً بعد أن شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة، فالرسول صلى الله عليه وسلم يشهد له بالجنة، وهم يقولون له: أنت كافر، وكفروا وكفروا، حتى كفروا بالمعصية، وبعض الشباب الآن يحمل فكر الخوارج ولا يدري أنه خارجي، ما إن يرى منكراً أو معصية حتى يشتعل غضباً، هؤلاء الخوارج أشد غضباً منك للمعاصي، بل قال صلى الله عليه وسلم: (تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم) وابن عباس لما رجع من مقابلتهم قال: [رأيت وجوههم كركب المعز من كثرة السجود] لكن: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) فليس لديهم دين: (يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم) يعني: حظهم من القرآن التلاوة، ولكن لا يفهمون من القرآن آية بقلوبهم، فعدم فهمهم للقرآن أوقعهم في التكفير، لكن فهم القرآن في معتقد أهل السنة والجماعة أن المعاصي مذمومة لكن صاحبها لا يكفر، فصاحب المعصية والكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بمعصيته، تحت مشيئة الله في الدار الآخرة إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له.

    نعم. فلا تكفر مسلماً. لا يجوز ذلك، وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن التكفير يجب أن يكون على الإطلاق، أما على التعيين فلا يكون إلا مع انتفاء الموانع وتحقق الشروط وهذا صعب؛ لأن أكثر الشروط لم تتحقق؛ فلا يجوز التكفير، فكيف بمن يكفر معينين -والعياذ بالله- ويخص أشخاصاً؟! وهذه مسألة.

    وأيضاً من التعليق على هذا الموضوع: سمعنا أنهم يقولون بأنهم يريدون أن يقوموا بعمل جهادي، الجهاد لا شك أنه من أعلى درجات الدين، بل هو ذروة سنام الدين، وهو قائم إلى يوم القيامة، وهو عز الأمة، لكن:

    أولاً: هو شيء مقرر في أصول أهل السنة والجماعة : العمل الجهادي لا يقوم به فرد، فلا يأتي أي شخص ويقول سأقوم بعمل جهادي، فالجهاد يقوم تحت راية وبإذن ولي الأمر، أي: إذا رأى ولي الأمر وقرر المصالح والمفاسد، وأن من مصلحة المسلمين قيام الجهاد، وأن نتائج الجهاد لصالح المسلمين، وأن المسلمين يملكون قوة وأسلحة وغلبة، والنتائج معروفة أنها للمسلمين وقام الجهاد، فهذا هو الجهاد.

    لكن إذا قرر ولي الأمر: أنه لا راية للجهاد الآن؛ لأن الجهاد نتائجه معروفة، وأن العدو غالب، وقد لا نستطيع أن ننتصر، وقد يكون الضرر علينا أكثر لو قمنا بالجهاد، وقرر التأجيل، ويأتي رجل ويقول: أنا أقيم علم الجهاد وليس مأذوناً له فلا يجوز. هذا أولاً.

    ثانياً: لا يجوز تشويه صورة الجهاد الأفغاني بفعل هؤلاء، ذهب من هذه البلاد آلاف الشباب ورجعوا وهم أصحاب عقيدة وإيمان وعلى منهج أهل السنة والجماعة ، وليس كل من ذهب إلى الجهاد الأفغاني رجع وهو ذو فكر منحرف، هؤلاء المساكين ضللوا؛ لأنهم ذهبوا من هنا وهم صغار، وليس عندهم علم، وعمر الواحد منهم ست عشرة سنة أو سبع عشرة سنة عندما ذهب، ويقع هناك فريسة لأصحاب أفكار منحرفة، قرءوا كتباً ضالة فضلوا، لكن لو أنهم تعلموا من هنا أصول أهل السنة والجماعة وذهبوا إلى هناك لرجعوا وهم على أصول أهل السنة والجماعة، والجهاد الأفغاني رفع رأس الأمة عالياً، ويكفي الجهاد الأفغاني انهيار الشيوعية على يديه، ما انهارت الشيوعية وتحطم الاتحاد السوفيتي إلا على يد الجهاد الأفغاني، وأول وأعظم الدول التي كانت تدعم الجهاد الأفغاني إلى اليوم هي هذه الدولة والحمد لله.

    ونسأل الله عز وجل أن يجمع كلمة المجاهدين في أفغانستان ، والجهاد الأفغاني بلغ الذروة لكن عندما جاءوا ليجنوا الثمرة اختلفوا فتنازعوا ففشلوا! نسأل الله أن يجمع قلوبهم حتى لا يفشلوا هذا العمل العظيم.

    آخر فقرة ضمن أقوال هؤلاء: يقول أحدهم: التزمت وأطلقت لحيتي وقصرت ثوبي، ما سمع بها أعداء اللحية وأعداء السنة حتى طاروا بها، وقالوا: انظروا.. لحية، وثوب قصير. وما دخل اللحية في الجريمة؟ هل اللحية هي التي عملت هذه الجريمة؟ هل هي التي فعلت هذه الجرمية أم يدان؟ اللحية سنة ثابتة في الأحاديث الصحيحة، والثوب تقصيره سنة، لماذا نلوم السنة؟ ربما كان هؤلاء يصلون، فهل نضيع الصلاة لأنهم كانوا يصلون وعملوا الجريمة، لا يا إخوان. مسئولية الجريمة على صاحبها، أما اللحية فهي مكرمة من مكارم الإسلام وسنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم.

    أذكر وأنا في أبها أني كنت أذهب إلى مسجدي لأصلي بالناس، وكنت أقطع الشارع وكانت السيارات ماشية وجاء شخص مسرع يريد أن يلحق الإشارة وكان ملتحٍ وعنده لحية، ومعي أحد المصلين يريد أن يقطع معي ويريد أن يصلي، ومرت عشرات السيارات وما قال شيئاً، فلما مر صاحب اللحية وهو مسرع قال لي: انظر صاحب اللحية يسرع وعنده لحيه، قلت له: ماذا في اللحية؟ قال: انظر إنه يسرع، قلت له: من الذي أسرع.. لحيته أم رجله؟ قال: رجله، قلت: لماذا تلوم لحيته، الذي داس البنزين رجله، قل: انظر رجله، أما أن تتهم لحيته فما ذنب اللحية؟

    وكذلك الناس اليوم، هذا العمل عمل شاذ ولا يعبر عن استقامة شباب المسلمين ومعرفتهم لأحكام أهل السنة والجماعة وأصولهم وليست ظاهرة طبيعية في المجتمع، ويتحمل مسئوليته من قام بها، أما شباب الصحوة والملتزمين في هذه الأمة وفي هذا البلد والحمد لله، فإنهم معتدلون ومرتبطون بعلمائهم، وملتفون حول قادتهم والحمد لله، ولا يوجد منكرات والحمد لله بين الشباب.

    ترون في رمضان أكثر من مليون شاب يصلون ويملئون أدوار الحرم كلها، ولا يحصل منهم أي شيء لماذا؟ لأنهم مرتبطون بالعلماء، ثم يأتي شاب ويفعل شيئاً ونتحمل مسئوليته؛ لأنه صاحب لحية وصاحب ثوب قصير، هذا ظلم وعدوان على الله وعلى رسوله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يحفظ علينا في هذه البلاد ديننا وأمننا وطمأنينتنا واستقرارنا، وأن يحفظ ولاة أمورنا وأن يوفقهم لما يحبه ويرضاه، وأن يوفق علماءنا ويسددهم ويوفقهم لما يحبه ويرضاه، وأن يحفظ شبابنا وشاباتنا وجميع المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    والموضوع هذا -أيها الإخوة الكرام- موضوع طويل ويحتاج إلى شرح أطول، وكنت أريد أن يكون موضوع محاضرة، حتى أدعم كل ما قلت بالأدلة من مواقف السلف ومن كلام النبي صلى الله عليه وسلم وكلام الله عز وجل.

    وأسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعل هذا الاجتماع اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل التفرق من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يبقي معنا ولا فينا ولا منا شقياً ولا محروماً، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والله أعلم.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.