إسلام ويب

علم البلاغة [5]للشيخ : عبد العزيز بن علي الحربي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مباحث علم المعاني معروفة ومشهورة، أما مبحث الصدق والخبر الذي يذكر فيه فالواقع أنه لا علاقة له به، ولا بد في الخطاب من مراعاة أحوال الناس، والتفريق بين من يكون خالي الذهن، ومن يكون شاكًا، ومن يكون مترددًا، ثم يلقى إليهم الخبر حسب أحوالهم. ولا ينبغي الخروج عن مقتضى ظاهر الخطاب إلا لحكمة.

    1.   

    أبواب علم المعاني

    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله علم القرآن، خلق الإنسان علمه البيان، والصلاة والسلام على خير من نطق بالضاد، الذي أعطي جوامع الكلم، القائل: (إن من البيان لسحراً)، صلى الله عليه وآله وسلم.

    أما بعد:

    فإن علم المعاني فيه ثمانية أبواب، عندنا الإسناد الخبري، و المسند إليه، ثم المسند، ثم أحوال متعلقات الفعل، ثم القصر، ثم الفصل والوصل، ثم الإيجاز والإطناب والمساواة، والإنشاء يقرن مع الخبر، والمصنف ذكر الإنشاء هنا في التلخيص، والفصل والوصل، والإيجاز والإطناب والمساواة، فانتهى علم المعاني إلى هنا.

    تعرفون أنتم ما يتعلق بالإيجاز والإطناب والمساواة هو تطويل الكلام، أو تقصيره، أو جعله مساوياً للمعنى.

    وأما الفصل والوصل فهو أن تصل بالواو أو لا تصله.

    وأما القصر فنحو: ما زيد إلا شاعر، ما زيد إلا عامل، وقوله تعالى: إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر:9]، ونحو ذلك.

    وتعلمون متعلقات الفعل حينما نحذف الفاعل، أو نحذف المفعول، أو نذكر هذا، أو نقدمه، أو نؤخره.

    والمسند إليه والمسند نحذف أو نذكر، أو نأتي بالمسند إليه اسم موصول، أو نأتي به معرفة، أو نأتي به نكرة، أو نصفه أو لا نصفه، كل هذا نبحثه وندرسه.

    الإسناد الخبري هو ما سندرسه اليوم.

    وفي التلخيص عندكم عندما قال: علم المعاني علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال، قال بعد ذلك: وهو ثمانية أبواب، وذكرها، وذكر أن بعضها متعلق ببعض؛ لأن الكلام إما خبر أو إنشاء، ولا بد أن يكون في الخبر إسناد، والإسناد قد يكون له متعلقات؛ لأننا حينما نعبر قد نعبر بقصر، وقد لا نعبر بقصر، وقد يكون في كلامنا وصل، وقد يكون في كلامنا فصل، وقد يكون كلامنا طويلاً، وقد يكون قصيراً، وقد يكون مساوياً، فهذه هي علاقة هذه الأبواب بعضها ببعض.

    1.   

    الصدق والكذب في الأخبار

    علاقة مبحث الصدق والكذب بعلم البلاغة

    هنالك مبحث صغير يدرسونه قبل الإسناد الخبري لا علاقة له بالبلاغة جملةً وتفصيلاً، بإجماع من درست عليه، وبإجماع من حقق أيضاً من المحققين في شروحهم، ولكننا نمر به مروراً مسرعاً، تجدون عندكم بعد هذه التقسيمات: (صدق الخبر مطابقته للواقع وكذبه عدمها، وقيل: مطابقته لاعتقاد المخبر ولو خطأً لدليل قوله تعالى: إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ[الحشر:11]، ورد بأنهم كاذبون في الشهادة، أو في تسميتها، أو في المشهود به في زعمهم..) إلى آخر الكلام الذي ذكر فيه أيضاً قول الجاحظ، فحينما يقول الإنسان مثلاً: العلم نافع، وهو يعتقد أنه غير نافع، فهل يكون العلم نافعا أم لا؟ هل هذا الخبر يكون صادقاً أم كاذباً؟

    نحن عندنا طريقان في النظر: إما أن ننظر إلى اعتقاده، وإما أن ننظر إلى الواقع، وهنالك طريق آخر للجاحظ يقول فيه: لا بد من النظر إلى الواقع والاعتقاد للمخبر، لا بد أن يتفقا معا، وكذلك لو قال: الأرض كروية هذه مسألة لا يجادل فيها أحد؛ يوجد أحد لا يعتقد بأن الأرض كروية؟ يمكن في أناس لا يعتقدون ذلك، هذه المسألة بحثت من قبل المسيح عليه السلام، وعرف أنها كروية، وأنها تشبه الكرة.

    وكان بعض الناس يجادل إلى اليوم بأنها ليست كروية، هل هذا خبر صادق؟ هذا خبر صحيح، فهل هو صادق؟ هو نفس المتكلم الذي قال: الأرض كروية وهو لا يعتقد بأنها كروية، إذاً نحن نبحث في الخبر ولا نبحث في المخبر، والبلاغيون ما وجدت أنهم التفتوا إلى التفريق بين المخبر وبين الخبر، فيقولون: هذا خبر إنسانٍ صادقٍ، ولكنه خبرٌ غير صادق، أو هذا خبر إنسان ليس بصادق هو، وأما الخبر بمعزل عن المتكلم فهو خبر صادق؛ لأنه مطابق للواقع، هذا معنى قولهم: صدق الخبر مطابقته للواقع، وكذبه عدمها، كذب الخبر عدم مطابقته للواقع، غير المطابق للواقع كأن يقول مثلاً: الأرض ليست كروية، هل هذا خبر مطابق للواقع؟ غير مطابق للواقع، فهذا خبر كاذب، يعني بالنظر إلى الواقع هذا خبر كاذب.

    مذهب الجاحظ في الصدق والخبر

    هنالك رأي لرجل اسمه إبراهيم بن شيبان النظام معتزلي قديم معروف، قال: إن صدق الخبر مطابقته لاعتقاد المخبر، صدق الخبر وليس صدق المخبر، صدق الخبر مطابقته لاعتقاد المخبر حتى لو كان خطأً، فلو قال إنسان مثلاً: الأرض كروية وهو يعتقد ذلك هذا خبر صادق، وهذا أمر متفق عليه، فلو كان يعتقد مثلاً أن الأرض كروية، فقال: الأرض ليست كروية، فهذا خبر صادق عنده؛ لأن المهم هو موافقة الاعتقاد، فهو نظر إلى الاعتقاد فقط ولم ينظر إلى الواقع، هذا رأي، وقد استدل بقوله تعالى: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون:1]، فقد كذبهم مع أنهم قالوا حقاً في الظاهر، وهو أنهم شهدوا أن هذا النبي رسول الله، ومع ذلك قال: إنهم كاذبون، لماذا؟ لأنهم كانوا لا يعتقدون أنه رسول الله، فعاملهم بمقتضى اعتقادهم، ولم يعاملهم بمقتضى الخبر الظاهر، فهل هذا كلام صحيح؟ الآية واضحة إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ [المنافقون:1] هذه جملة اعتراضية، ثم قال: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ[المنافقون:1]، هل كانوا كاذبين في أنه رسول الله من حيث الظاهر أم من حيث الباطن؟

    مناقشة الجاحظ في مذهبه في الصدق والخبر

    ماذا قال الجمهور في ردهم على النظام؟ قالوا: لم يكذبهم في أنهم قالوا: إنه رسول الله، ولكن كذبهم في كونهم كاذبون في الشهادة، أو في تسميتها، أو في المشهود به في زعمهم، حيث قالوا: نشهد، في تسميتهم ذلك شهادة، لكن الله علم ما في قلوبهم فكذبهم، فهذا التكذيب ليس لقولهم: إنك رسول الله، ولكن لقولهم: نحن نشهد إنك لرسول الله، الرد عليه أنهم كاذبون في الشهادة، يعني في قولهم: نشهد، هم قالوا: قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [المنافقون:1]، اربط هذا الكلام بالواقع، هل الواقع أنهم يشهدون؟ هم لا يشهدون، فهو كذبهم من أجل الواقع؛ لأن هذا شيء مخالف للواقع، هم جاءوا يخبرون فقط، لكنهم لا يشهدون، الشاهد في الغيبة والحضرة هو شاهد وكلامه واحد، وهؤلاء قالوا كلاماً فارغاً وسموه شهادة، ولكن الواقع يقول: إنه ليس بشهادة، فهم كاذبون واقعاً بمسألة الشهادة، أو في تسميتها حينما سموها شهادة، الأصل في الشهادة أن يوافق اللسان القلب، شهادة بالقلب وشهادة باللسان، فسموا ذلك شهادة، والواقع يقول: إنها ليست شهادة، والفرق بين هذا والأول دقيق، هنا سموها شهادة فكذبهم في تسميتهم لها شهادة؛ لأن الشهادة لا بد أن يكون فيها موافقة بين اللسان وبين القلب، فلا تكون باللسان فقط، ولا تكون بالقلب فقط.

    ورد ثالث وهو أنه كذبهم في المشهود به في زعمهم، ما هو المشهود به؟ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ [المنافقون:1]، كذبهم في هذا، هل واقعهم هم كواقع الصادقين والمؤمنين أو الواقع الحقيقي في قولهم: (( إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ))، واقعهم هم كاذب مع هذه الجملة (إنك لرسول الله). هل هو مطابق واقعهم؟ ليس بمطابق، فهم يقولون: إنك لرسول الله في زعمهم، لكن الحقيقة في الواقع والواقع أنهم لا يقولون: إنك لرسول الله.

    لكن الجواب السهل على هذا: أننا نفرق بين الخبر وبين المخبِر، ومن الغريب والعجيب أنني لم أجد هذا الكلام لا في التفاسير ولا في الكتب، ولا بد أن يكون قد خالفوا المسائل، هنالك فرق بين الخبر والمخبر، الله لم يقل: إن خبرهم كاذب، هل قال: إن خبرهم كاذب حينما قالوا: (( إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ )) أم قال: إنهم كاذبون، هم من شأنهم الكذب، هم كاذبون، فحتى عندما يخبرنا الإنسان خبراً ولكن قلبه لا يعتقد ذلك نفرق بين الخبر وبين المخبر، نقول عنه: إنه كاذب، ولكننا نقول عن الخبر: إن كان مطابقاً لواقعنا خبر صدق.

    وقد يكون العكس إنسان طيب وإنسان صادق وصداق وصدوق، فأخبرنا بخبر ولكنه مخالف للواقع نقول: إن هذا خبر كذب أو خطأ، العرب تطلق على الخطأ أيضاً وتسميه كذباً، فلا بأس أن نقول عن هذا الخبر: إنه كاذب، ولكن المخبر ليس بكاذب؛ لأننا نعرفه، وهذا نستعمله نحن في أساليبنا، ، وكذلك حينما يأتيك إنسان ويأتيك بأخبار صادقة تقول: أنت كاذب وكذاب، أنت تعرفه أنه يكذب، فأنت تتحدث عنه هو، يعني تتحدث عنه بحكم أنك تعرفه من خلفياتك السابقة وهكذا.

    ثم إن هناك أمرًا آخر في الآية وهو أن الله سبحانه هو أعلم بالسرائر، فهو أخبر أنهم كاذبون؛ لأنه يعلم سرائرهم فحكم عليهم بالنظر إلى سريرتهم، فهم كاذبون ومن شأنهم الكذب، فإذا كذب مثلاً إنسان إنساناً يعرف أنه يكذب ولا يصدق لا سيما في المسألة التي تحدث فيها فإن له أن يقول: إنك كاذب، هذا ليس فيه إشكال ولا لغز، لكنهم طولوا علينا المسألة في هذا. هذا هو قول الجمهور في الرد على هذ الرجل.

    الجاحظ بعد ذلك جاء برأي آخر وقال: إنّ صدق الخبر مطابقته مع الاعتقاد، وكذبه عدم المطابقة مع الاعتقاد أيضاً، لا بد أن يتفق الاعتقاد مع الواقع، فمن قال مثلاً: الأرض كروية وكان معتقداً ذلك وهي كذلك كروية فهذا خبر صادق، فمن كان لا يعتقد ذلك وهي كروية وقال: إنها كروية فهذا خبر لا نقول عنه: إنه خبر صادق، ولا نقول عنه: إنه خبر كاذب.

    الحاصل في الكلام عنده أنه إذا كان هنالك عدم اتفاق بين ما يعتقده الإنسان وبين الواقع فإن هذا لا يقال عنه: إنه خبر صادق، إذا كان هنالك تخالف في القضية في الكذب أو في الصدق فلا نقول عن هذا: إنه خبر صادق أو كاذب، استدل على ذلك بقوله تعالى: أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ [سبأ:8]، يريد أن يستدل على أن هناك شيئًا آخر ليس بصدق ولا بكذب، فهؤلاء قالوا: (( أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ )) أي: أم به جنون، فهل أراد هؤلاء الكفار أن يقولوا: هو افترى على الله كذباً أم افترى على الله كذباً؟ ما أرادوا هذا، يعني هل كذب أم كذب؟ نريد أن نعرف هذا الأمر المقابل الذي هو بعد (أم) ما هو: هل هو كذب أم صدق؟ فإن كان كذباً فالمعنى أفترى على الله كذباً أم كذب على الله أيضاً، يعني أكذب أم كذب؟ وهذا ما يمكن، هل يمكن أن يكون المراد أفترى على الله كذباً أم صدق؟ يقول: لا؛ لأنهم لم يعتقدوا ذلك، قال: لأنهم لم يعتقدوه، لو اعتقدوا ذلك لقلنا: إن ذلك صحيح، ولكنهم لم يعتقدوه، فقال: من هذه الآية نستطيع أن نفهم أن هنالك شيئاً آخر ليس بصدق ولا بكذب، هو جاء بهذه الآية بعد أن قسم ما أراد تقسيمه إلى خبر صادق، وخبر كاذب، وخبر ليس بصادق ولا بكاذب، يعني هنالك شيء ثالث.

    الجماهير قالوا: ليس لدينا شيء ثالث ما دام خبراً، نحن لا نتكلم في باب الإنشاء إنما نتكلم في باب الخبر، فالخبر ما احتمل الصدق والكذب، يعني إما أن يكون صادقاً وإما أن يكون كاذباً، إما أن تقول لصاحبه: أنت صادق وإما أن تقول له: أنت كاذب، وأما الإنشاء فإنه باب آخر، قال الجاحظ: قد يكون الخبر ليس صدقاً ولا كذباً بدليل قوله تعالى: أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ [سبأ:8]، فلا نستطيع أن نجعل هذا المقابل للافتراء صدقًا ولا كذبًا، ولكن الجمهور ردوا عليه برد لطيف واضح وهو: أن المراد أفترى على الله كذباً أم لم يفتر، هذا هو معنى الآية، هل أفترى على الله كذباً أم لم يفتر، ولكنه عبر عن ذلك بمعنىً أوسع، وهو أنهم قالوا: (أم به جنة)؛ لأن المجنون لا افتراء له، فالمجنون لا يفتري، وما دام من كان به جنون لا يفتري فإنه يصح أن نقول: إن المعنى افترى على الله كذباً أم لم يفتر، هذا ممكن، هذا هو ما ردوا به على الجاحظ ، وكما قلت لكم: هذه مسائل ليست من البلاغة في ورد ولا صدر، ولكن اجعلوها مقدمةً تفتقون بها أذهانكم، ومدخلاً لما سوف نذكره بعد ذلك مما هو من صميم البلاغة، وهو ما يتعلق بالإسناد الخبري.

    1.   

    الإسناد الخبري

    الإسناد الخبري، نحن عندنا في البلاغة مسند إليه ومسند، وحينما نقول: زيد قائم، فالمسند إليه القيام، نحن نسمي هذا في النحو مبتدأً وخبرًا، ونسميه في الفقه محكومًا عليه ومحكومًا به، نسميه في المنطق موضوع ومحمول، يعني زيد هو الموضوع وقائم هو المحمول؛ لأن الذي حمل القيام هو زيد، القيام هذا صفة تصور أنها حسية، الألفاظ العربية في الأصل هي موضوع لأشياء حسية، نتصور أنه ثوب لبسه زيد، فهذا محمول يحمله زيد، كذلك مثلاً حضر زيد، أيضاً عندنا فعل وفاعل، فالمسند إليه هو زيد.

    1.   

    الغرض من إلقاء الخبر

    عندكم في الكتاب يقول: لا شك أن قصد المخبر بخبره إفادة المخاطب الحكم، أو كأنه عالم به، ويسمى الأول فائدة الخبر، والثاني لازمه، هذه عبارة في التلخيص، الأول يسمى فائدة الخبر، والثاني لازمه.

    حينما أقول لإنسان وهو خالي الذهن: هطل المطر، أخبره أم أريد أن أخبره بأنني عالم بهذا؟ هذا نسميه فائدة الخبر، يعني أنا حينما أخبر إنساناً بخبر؛ إما أن يكون قصدي إفادته بأن أعطيه الحكم، وإما أن يكون قصدي أن أخبره بأنني عالم بذلك الذي أخبرته به، فحينما أخبره وقصدي من ذلك إفادته بهذا الحكم فهذا نسميه فائدة الخبر، وليس لي أي لازم آخر، ليس لي قصد آخر، لكن حينما أريد أن أخبرك، وأنت تعرف أن المطر هطل، تعرف أنه قد نزل المطر، ولكنني أريد أن أعلمك بأني على علم بذلك - وهذا أسلوب ذكي، ويستعمله كثير من الناس في خطاباتهم وفي كلامهم حينما يريد أن يشعر إنسان صاحبه وينبهه إلى أنه ذكي، وأنه ما خفي عليه هذا الأمر، هذا يكون بين الأقوام، ويكون بين الأزواج، ويكون بين الناس، ويكون بين الشركاء والخلطاء، يخبرهم بأنه عالم بهذا الأمر، فهذا نسميه لازم الفائدة، وما دمت أنا قد أخبرته بذلك فإنه يلزم منه أنني عالم به، ولكن المقصد في نفسي أنا حينما أخبرته ـ وأنا أعرف أنه عالم بذلك ـ أن أعلمه بأنني أعلم ذلك.

    قل كذلك في انسان أقرضته مالاً، وقال لك: إذا جاء الشهر سأرد لك هذا المال، فلما جاءت نهاية الشهر لم يعطك وقد صُرف الراتب، فأنت جئت إليه وقلت له: صُرف الراتب قبل أسبوع، هذا إخبار بأنك عالم بأن الراتب قد صرف، وتريد أيضاً شيئاً آخر، هنالك معنىً زائد أيضاً وهو أنك تريد أن تنبهه إلى وعده، وأنك تريد مالك الذي أعطيته.

    فالحاصل أن الخبر الذي يخبر به الإنسان غيره إما أن يكون مجرد فائدة يخبره بالخبر فقط، ولا يريد أن يخبره بأنه عالم بهذا الخبر، وإما أن يكون قصد هذا فمرجعه إلى القصد، أن يكون قصد المتكلم أن يخبر المخاطب بأنه عالم بما أخبره به، فهذا نسميه لازم الفائدة، وأنه ما دام قد أخبرك بذلك فإنه يلزم منه أنه عالم به، ولكننا نعرف ذلك بقصده هو حينما نسمي هذا لازم الفائدة، أنا المتكلم المخاطب الذي يخاطبك، حينما أقول لك: هطل المطر، أو نجحتَ في الامتحان، أو رسبت في الامتحان، أو صرف الراتب أو نحو ذلك، أنا أريد بذلك أن أخبرك بأنني عالم بذلك، هذه نسميها لازم الفائدة، انظروا إلى الدقة في الكلام العربي، والصلة الوثيقة بين المخاطِب بالكسب والمخاطَب بالفتح، ولذلك قالوا: ينبغي للمتكلم أن يراعي المخاطب، وأن يعطيه الكلام على قدر الحاجة، وأن يكون كالطبيب بالنسبة للمريض، فيعطيه الدواء المناسب، ويعطيه الدواء قليلاً قليلاً، فإن كان يحتاج إلى شيء كثير أعطاه شيئاً كثيراً، فهو يصرف له الكلام صرفاً؛ لأنه عندنا قاعدة اقتصادية: يجب أن يكون الصرف أقل من الدخل.

    أيضاً عند العرب قاعدة في أنه الأصل في كلامهم الإيجاز، الأصل أن يكون كلامك موجزاً ما لم يكن هنالك داع، يعني أن يكون الكلام أقل من المتعارف عليه، فأنت تعطي الإنسان على حسب حاله، وعلى حسب فهمه، وعلى حسب منطقه من كلامك.

    1.   

    أحوال الناس في الخطاب وطريقة إلقاء الخبر إليهم

    تأمل البلاغيون في أحوال الناس، فوجدوا من الناس من هو أحياناً يكون خالي الذهن، ووجدوا أن الإنسان يكون أحياناً كالشاك المتردد، متردداً لا يقنعه أي كلام، يحتاج إلى كلام أقوى، ووجدوا أن الإنسان يكون أحياناً أو من الناس من لا يكفيه الكلام الواحد، ولا يكفيه الكلام المجرد من غير دليل، ولا من غير توكيد، وإنما يحتاج إلى توكيد، ويحتاج إلى تدليل وإلى غير ذلك مما يجعله يستمع، هذا في حال الناس، من الناس من تكفيه الإشارة، ومن الناس من يكفي أن تنبهه أدنى تنبيه، ومنهم من يحتاج إلى أن تصرح له، ومنهم من يحتاج إلى أن ترفع صوتك وأن تكلمه بصوت عال، ومنهم من يحتاج إلى أن تزجره، وأن يكون في كلامك شيء من التقريع، يقول بعض العلماء: ليس بعد ذلك إلا الركال والبطان، ما في بعد هذا إلا الضرب، فالناس موقفهم من الخطاب: منهم من يكون خالي الذهن بريئاً كما قال الشاعر:

    أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا

    قلب خال مثل الطفل الصغير الذي نشأ على الفطرة تعلمه وتنصحه وتعظه وتعطيه تعليمات وإرشادات فيأخذ بها، لكن الذي قد لعبت به شياطين الإنس والجن، وأصبح في قلبه كثير من الشبهات وأسباب الشهوات، وأخذ هنا يمنةً ويسرةً، هذا ما يكفيه الكلام المجرد، هذا يحتاج إلى علاج، ويحتاج إلى كلام آخر،

    إلقاء الخبر إلى خالي الذهن

    ينقسم الخبر إلى ثلاثة أقسام، هي: الابتدائي، والطلبي، والإنكاري.

    فعلماء البلاغة قالوا: نحن وجدنا أن الناس على ثلاثة أحوال: إما أن يكون المخاطب خالي الذهن، وإما أن يكون متردداً، وإما أن يكون منكراً، فأنتم من غير أن تعرفوا البلاغة وأن تدرسوها هذا الإنسان الذي هو خالي الذهن من أي شيء يلقى إليه الخبر، هل يحتاج إلى أن تؤكد له الخبر؟ ما يحتاج، لو قلت له: حضر زيد، حضر أبوك، يصدق، من الناس من طبعه أيضاً هكذا يعني صدّاق، تعطيه الخبر فيصدق، وهذا هو الأصل، لكن على الإنسان أن ينظر إلى القرائن التي تدل على أن هذا الخبر خبر صادق أو ليس بصادق، ينظر إلى المخبر، ينظر إلى الحال، وإلا فالأصل أنه من جاءه خبر فإنه يصدقه ما لم يكن ذلك المخبر غير ثقة، هذا هو الأصل.

    إلقاء الخبر إلى المتردد

    لكن إن كان متردداً يعني ليس خالي الذهن، وهو أيضاً كذلك ليس بمنكر، فهذا حتى يستمع ـ من باب الحكم وليس من باب الوجوب عند البلاغيين ـ الأحسن أن نلقي إليه الخبر مؤكداً حتى نجذب تلك الشائبة التي في قلبه وهي التردد، فنقول له: زيد حضر، لاحظوا أن هنالك فرقاً بين حضر زيد وزيد حضر، يقولون: إن الجملة الإسمية أقوى من الجملة الفعلية، فكأن الجملة الاسمية هذه مؤكدة، لكن نأتي بتوكيد لفظي واضح نقول: إن زيداً حضر، إن أباك حاضر، فهذا يعني أن أباه كان بعيداً عن البلد وحضر من السفر فأخبرناه هذا الخبر، هو بالأمس اتصل عليه من مكان بعيد، فالاحتمال وارد أن يكون قد وصل إلى هنا، ويحتمل أنه لم يصل، فالإنسان أحياناً لسرعة الشيء وسرعت حصوله يتردد، يكاد يكذب هذا الخبر الذي حصل، فيقول: أنا لا أصدق حينما يجد الإنسان فجأةً وما كان يتوقع أنه يجده يقول: أنا ما كنت أصدق أني أجدك، فهذا المخبر أخبره، يعني هو يعرف أنه قد اتصل بأبيه، وأنه قد يكون من البعيد أن أباه قد وصل إلى هذا المكان، فأراد أن يأتي إلى المسألة كما يقول أهل مصر: من الآخر، فما أراد أن يأتي له بخبر غير مؤكد ثم يؤكده، ولكنه قال له: إن أباك حضر، أو إن أباك قد حضر؛ لأن (قد) مؤكدة أيضاً. دعونا نستعملها فيما بعد.

    إلقاء الخبر إلى المنكر

    فإذا كان منكراً يقول: لا يمكن أبداً، كيف أنا كلمته اليوم صباحاً ووصل؟! لا يمكن، هذا أمر لا يصدق، فنحتاج بعد ذلك إلى وسيلة أخرى حتى يهتم، نحن ثقات عنده، ولكن اللفظ لم يكن قوياً، فهو يحتاج إلى كلام قوي أقوى من ذلك اللفظ، ونحتاج إلى أن نستعين بمساعد آخر وهو مؤكد آخر، فنأتي بمؤكد ونقول له: إن أباك قد حضر، أو والله إن أباك لقد حضر، هذه مؤكدات كثيرة، والله وإن واللام وقد أربعة مؤكدات، ونحن عندنا شاهد من القرآن من أحسن الشواهد التي تواطأ عليها البلاغيون في هذا الباب مطابقة لهذا المعنى، قال الله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ [يس:13-14]، (إن) هذا مؤكد واحد، لكن بعد ذلك كان للمخاطب موقف سلبي موقف آخر، قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ [يس:15]، فكانوا منكرين، وكانوا مكذبين، ماذا قالوا لهم؟ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ [يس:16]، وهذا أمر حسن، سارعوا إلى التوكيد بادئ ذي بدء، فقالوا: إنا إليكم مرسلون، ولكنه مع ذلك لم ينفع مثل التوكيد، كان الأول إحساس من أولئك المرسلين بأن هؤلاء قد يكذبونهم ولا يؤمنون بهم، ولكنهم بعد أن صرحوا -أعني المخاطبين- بتكذيبهم وإنكارهم احتاجوا إلى أن يستعملوا الوسيلة الأقوى، فقالوا: (( إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ))، فأكدوا بـ(إنا)، وأكدوا بـ (اللام)، هذا هو التعامل مع المنكر، يتعامل مع المنكر بالتوكيد له بمؤكد فأكثر، والتوكيد موافق بالنسبة للمنكر، وهو حسن يعني مستحب بالنسبة للمتردد، ولا يمكن أن نقول لا يحتاج إليه وأنه من العبث والإسراف، حينما تأتي أنت بالخبر الذي تخبر به خالي الذهن لا يحتاج إلى توكيد، ويكون هذا التوكيد كالذي ينفق المال في غير موضعه، وصرف الكلام هذا هو الذي نحن مصابون به الآن، إسراف في العبارات، كلام كثير في الصفحات وفي الكتب، وكلام مكرر، وإذا أردت أن تعصر هذا الكلام لم تجد إلا سطراً أو سطرين، وحتى في الخطاب أيضاً نسمع السلام عليكم، كيف الحال؟ طيبون؟ كيف الحال؟ الحمد لله. كيف الحال؟ كيف العيال؟ يقول هذا وهو لا يسمع الجواب، ولو قلت: الحال ما هو طيب ربما مشت، فهذا إسراف، يكفي أن تسأل عن الحال سؤالًا عامًا، وإذا كان مريضاً تسأل سؤالاً مفصلاً، أما تكرار هذا الكلام وهو كلام حتى غير مقصود، ولا فيه فائدة كبيرة، خاصة إذا كان في الجوال فيه ضياع فلوس وضياع وقت.

    فالمهم أن البلاغة تربي ملكة الإنسان في مسألة استعمال العبارات والكلام على قدر الحاجة، استعمل الكلام على قدر الحاجة، هذا هو الأصل عندما نخاطب خالي الذهن من غير توكيد، والأصل عندما نخاطب المتردد أن يكون بتوكيد وذلك على سبيل الاستحباب، والأصل أن نخاطب المنكر بتوكيد فأكثر، طيب، هو الأصل، وهذا هو الظاهر، هو الأصل الطبيعي عند كل الناس وفي جميع الملل وفي جميع النحل.

    1.   

    خروج الخبر عن مقتضى الظاهر

    والخروج عن الظاهر كما تعرفون عندنا الخروج عن مقتضى الظاهر هنا، وسيأتينا أيضاً في المسند إليه، وسيأتينا في أبواب كثيرة الخروج عن مقتضى الظاهر، الخروج عن الظاهر أيضاً أمر متفق عليه بين كل الناس، وفي سائر الملل والنحل، لكن الناس متفاوتون في الخروج عن الظاهر، منهم من يخرج بدليل قوي، ومنهم من يخرج على الظاهر بأدنى دليل، فإذا خرج الإنسان عن الظاهر بظاهر آخر فلا يزال في مسألة الظاهر، فهذا هو الأصل، يقول أهل البلاغة: إنه قد يخرج المتكلم عن مقتضى الظاهر، ولكن لا بد أن يكون لسبب، وليس من غير سبب، لا بد أن يكون هنالك سبب يجعله يخرج عما يطلبه الظاهر أو الحال.

    فينزّل السائل أحياناً منزلة غير السائل، السائل الآن هو مثل المتردد الذي في الوسط الذي يحسن التوكيد له، فينزّل غير السائل منزلة السائل، يعني نجعل الإنسان الذي ليس بمتردد في منزلة المتردد، كيف نتعامل معه في إلقاء الخبر؟ الأصل هو غير سائل، يعني هو غير متردد ولا سائل، الأصل أن نلقي إليه الخبر من غير توكيد، لكن قد ننزّله منزلة السائل المتردد، طيب متى؟ إذا لوح إليه بما يجعله يستصرخ ويسأل، يعني إذا قلنا له كلاماً يجعله كأنه منتظر لما سوف نخبره به كأنه سيسألنا سؤالاً، يمثلون على ذلك بقوله تعالى لنوح عليه السلام: وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ [هود:37]، هل يحتاج نوح عليه السلام إلى أن يؤكد له؟ في الأصل هو ليس بمتردد في أي حكم يأتي من الله تعالى، ولا في أي خبر، وطبعاً ليس بمنكر، ولكن الكلام أو السياق الذي تقدم يهيئه لأن يسأل، ويهيئه إلى أن يكون في منزلة السائل، والسائل أحياناً قد يكون متردداً، ولا شك أن نوحاً عليه السلام ما كان يدري ما حال أولئك الذين ظلموا، وكأنه كان منتظراً أن يقول: ما حالهم؟ الله قال له: وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا [هود:37]، فكان الجواب: إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ [هود:37]، إن سألتني عن هؤلاء فإنهم مغرقون، هذا طبعاً الحكم كما قلت لكم في هذا الباب هو بالنظر إلى المخاطب، والمخاطب هنا في الأصل غير متردد ولا سائل ولا منكر، ولكن هنا خرجنا عن هذا الأصل؛ لأنه وإن كان ليس هنالك ملامح لفظية، يعني ليس هنالك ألفاظ تدل على أنه سأل أو أنه متردد، لكن هنالك ما يدعوه إلى أن يسأل فعاملناه بهذا الذي يفهم من ذلك السياق، وبما قضاه اللفظ الأول وهو: (( وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ))، فإنك إن سألت عنهم (( إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ))، هذا بالنسبة لغير السائل، قد ينزل غير السائل منزلة السائل، فيلقى إليه الخبر مؤكداً.

    وقد ينزل غير المنكر منزلة المنكر أيضاً ، هنالك بيت يستشهدون به وهو قول الشاعر في رجل اسمه شقيق:

    جاء شقيق عارضاً رمحَه إنّ بني عمك فيهم رماح

    هذا رجل اسمه شقيق، جاء إلى بني عمه، وجاء وهو غاضب، وكان معه رمح، وعرضه عرضاً مما يدل على أنه مستعد لأن يقاتلهم أو أن يرميهم به، وهو غير منكر بأن مع بني عمه رماحاً، ورماح أكثر من رماحه وأقوى، هل هو منكر لذلك؟ ليس بمنكر، هو يعرف ذلك ويقر به، ولكنه جاء وكأنه لا يعرف، هذه الصفة التي جاء بها حينما عرض رمحه هذا فعل إنسان لا يدري أن غيره معه مثل هذه الرماح، هذا فعل إنسان متجاهل، يتجاهل قوة الآخرين، فقال له هذا المتكلم: إن بني عمك فيهم رماح. أكد له الخبر أم لم يؤكده؟ نزله منزلة المنكر؟ نزله منزلة المنكر، لماذا نزله منزلة المنكر وهو غير منكر؟ لأنه فعل أشياء تدل على أنه منكر وهو في الحقيقة ليس بمنكر، هو فعل ما يفعله المنكر، والإنسان حينما يفعل فعلاً فإننا نتصرف معه التصرف المناسب لفعله هو، فقالوا له: إن بني عمك فيهم رماح.

    أحياناً بالعكس هنالك شيء أيضاً بقي وهو أنه قد ينزّل المنكر منزلة غير المنكر، بالعكس، وهذا هو القسم الثالث في هذه؛ ينزل غير السائل منزلة السائل، ينزل غير المنكر منزلة المنكر، ينزل المنكر منزلة غير المنكر، فمثلاً إنسان يجادل في آيات الله، ولا يعترف بأن الله موجود، والأدلة الظاهرة والأدلة الباطنة واللوائح الكثيرة التي تدل وتلفته إلى أن لهذا الكون خالقاً، وهو إنسان من أهل العلم والمعرفة، ولا أقصد العلم الشرعي، ولكنه مثلاً من أهل الكتاب، في الأصل هو تعلم التوراة، ثم بعد ذلك كفر بالله تعالى، وقال: إن الله ليس بموجود، هذا في الأصل هو منكر أن الله تعالى موجود، والأصل أنك تخبره بأخبار مؤكدة، هذا في الأصل الأصيل يظن أنه يحتاج إلى توكيدات كثيرة، ويحتاج أن تقول له: والله العظيم إن الله سبحانه وتعالى لموجود، وأن الله خالق هذا الكون إلى غير ذلك من هذا الكلام، لكن في مقام البلاغة يقال لك: هذا الكلام لا يصلح، وهذا التوكيد لا يحتاج إليه في هذا المقام؛ لأنك حين تقول هذا الكلام يظن أنك سوف تخدعه بهذه الألفاظ المؤكِدة، هذا مقام لا يحتاج فيه إلا أنك تخلي بينه وبين فطرته الأصلية التي نسيها ونسخها بهذا الانحراف، ويكفي أن تقول له: الله واحد، أو الله موجود وكفى؛ لأنك حين تذكر له هذه الألفاظ وهذه المؤكدات فإنه ينشغل بها وبالنظر فيها، ويجعلها وسيلةً إلى تكذيبك؛ لأنك أردت أن تخدعه بهذه الألفاظ، وأردت أن تأتيه لا من باب العقل ولكن من باب العاطفة، فألقيت له هذا الأسلوب على سبيل الخطاب، يعني أسلوباً خطابياً لا أسلوباً علمياً، والأصل في البلاغة هنا أن تقول له: الله موجود وكفى، يمثل صاحب التلخيص بقوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:2]، وهذا خطاب للكافرين ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:2]، ولم يؤكده وهم منكرون، ولكنه نزلهم منزلة غير المنكرين، وهكذا حينما تخاطب إنساناً يعلم أن الصلاة واجبة، أو مثلاً يعلم أن الزكاة فريضة وهو غني وعنده أموال كثيرة، هذا حسب الأصل في القواعد التي قرأناها ـ حينما نعتبر الأصل الظاهر فقط، ولا نخرج عن مقتضى الظاهر لظواهر أخرى ـ نخاطبه بمؤكدات، ولكن في الحقيقة إذا أردنا نحن أن نخاطب عقله فقط، وأن نخلي بينه وبين الأصل الذي كان عليه، أو الفطرة التي نشأ عليها، أو الدين الذي عرفه أن نقول له: الزكاة فريضة وكفى، وهو بعد ذلك يفكر في مثل هذا الخطاب، أما حين تشغله بمؤكدات فإنه ربما كانت صارفةً له عن الأمر الذي تريده أنت.

    هذا هو ما يتعلق بالإسناد الخبري، وكان من الشأن أن نعرف ما هي المؤكدات؟

    المؤكدات سهلة، ونحن لو مكثنا نفصل فيها احتجنا إلى وقت آخر، ولذلك أنا سوف أطوي الكلام فيها لأنها معروفة، (إن هذا حرف توكيد معروف، وكذلك أنّ، ولام التوكيد، والقسم، والتكرار، أحياناً لو قلت: حضر حضر زيد أكدت، هل تعلم أنك في بعض الأحيان بمجرد خطابك فقط وبمجرد كلامك من غير توكيد يكون كأنه توكيد حينما تقول: قامت الصلاة، تقول: لو هكذا بهذا اللفظ حضرت الصلاة، هذا غير حضرت الصلاة، وحينما تقول: أذن المؤذن هذا غير قولك: أذن المؤذن، فهذا بمنزلة توكيد وأي توكيد حينما تقول ذلك بنبرة قوية ضغطت فيها على حروف الكلمة، وهذا يعرفه الإنسان، فإنك بحروف واحدة تستطيع أن تجعل اللفظ للاستفهام، وتجعله للخبر، يمكن تقول: زيد حضر، وأنت تفهم من هذا أنه خبر، ويمكن أن أقول لك: زيد حضر؟ فتقول: حضر أم لم يحضر، مع أنني لم آت بهمزة الاستفهام، فهذا يعود إلى نبرة المتكلم، فقد تكون النبرة توكيداً وإن كان ذلك لم ينبه عليه أحد من البلغاء البيانيين فيما أعرف، وكذلك بقية المؤكدات الحروف الزائدة تعتبر مؤكدة، حروف القسم: والله، وبالله، وتالله، كل هذه مؤكدة، كذلك التكرار كقول الشاعر:

    لا لا أبوح بحب بثنة إنها أخذت علي مواثقاً وعهودا

    عندما تقول أنت: لا لا هذا خبر، أنت قد تقول: لا وحدها، وقد تقول: لا لا لا، هذا توكيد، فقد يكون في النفي وقد يكون في الإثبات، حينما قلت: زيد حضر هو كقولي أيضاً: زيد لم يحضر سواء، الباء حينما تأتي ولو تأتي في سياق المتن يجعلونها مؤكدة، نحو: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية:22]، أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر:36]، وهكذا.

    قد يقول قائل: هل تحريك اليد أثناء الكلام يخالف البلاغة؟

    الجواب: كان خطباء العرب يكرهون أن يكون للإنسان حركات كثيرة، وسَعَلات كثيرة، وسكتات كثيرة، والتفاتات كثيرة، لكن هذه أمور تعود إلى طبع الإنسان، الإنسان لا يتكلف، إن كان من طبعه أن يحرك وأن يتلوى هنا وهنا وهنا فهذا شأنه، وإن كان من طبعه أن يحرك فالحركات التي عرفناها للنبي صلى الله عليه وسلم والإشارات معروفة، لم يكن يكثر الإشارة، ولكن كان يشير نحو (الإيمان هاهنا)، (اللهم فاشهد)، وعندما صور أيضاً كذلك البخيل والكريم والجبان، وحينما خط خطاً وهكذا، أما أن يكون الإنسان حركاته أكثر من كلامه حتى ربما سكت فهذا شيء آخر، وعلى كل حال الضابط هو التكلف وعدم التكلف.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2985633945

    عدد مرات الحفظ

    715281537