إسلام ويب

كتاب الطهارة [7]للشيخ : يوسف الغفيص

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ينتقض الوضوء بجملة نواقض، منها: زوال العقل، ومس الذكر، وأكل لحم الجزور ونحو ذلك، وكما أن الوضوء يجب رفعاً للحدث الأصغر، فكذلك يجب الغسل رفعاً للحدث الأكبر، وأسبابه كثيرة، منها: نزول المني والتقاء الختانين. وقد استحب الشارع الغسل للنظافة في مواطن الاجتماع، كالعيدين والجمعة والكسوف والخسوف ونحوها.

    1.   

    نقض الوضوء بزوال العقل

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وآله وأصحابه.

    قال المصنف رحمه الله في باب نواقض الوضوء: [ الثالث: زوال العقل إلا النوم اليسير جالساً أو قائماً، وعنه: أن نوم الراكع والساجد لا ينقض يسيره ].

    قال المصنف رحمه الله: (الثالث) أي: من نواقض الوضوء: (زوال العقل إلا النوم اليسير جالساً أو قائماً)، قال: (وعنه أن نوم الراكع والساجد لا ينقض يسيره).

    الثالث من نواقض الوضوء: زوال العقل، وزوال العقل يقع بغير سبب، فيقع بالجنون، ويقع بالإغماء، ونحو ذلك، فإذا زال عقله بجنون أو إغماء أو سكر وجب عليه الوضوء، فإذا كان مغمى عليه أو مجنوناً أو أتى ما هو محرم عليه بشرب المسكر وجب عليه الوضوء، وهذا مستقر عند عامة أهل العلم، وحكي الإجماع على أن المجنون والمغمى عليه يجب عليه الوضوء؛ لأنه أبلغ من النوم الذي جاء فيه الحديث؛ فحاله أبلغ من حال النائم الذي اقتضت النصوص أنه يتوضأ، كما جاء في حديث معاوية رضي الله تعالى عنه، وحديث صفوان بن عسال ، وهو أقوى حديث في الباب، والذي فيه قال: ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إذا كنا سفراً إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم )، فدل على أن النوم ناقض للوضوء.

    وقول المصنف: (زوال العقل)، فيه أن الجنون والإغماء وما في معناهما من حيث الحكم يكون ناقضاً للوضوء.

    انتقاض الوضوء بالنوم

    أما النوم فإنه ناقض للوضوء في قول عامة أهل العلم، ونقل عن بعضهم أنه ليس بناقض وهذا قول شاذ. ثم كون النوم ناقضاً للوضوء بمعنى أنه مظنة الحدث، أو أنه حدث بنفسه هذا بحث آخر، ولكن كنتيجة فإنه يكون ناقضاً للوضوء.

    وعامة أهل العلم الذين قالوا: إن النوم ناقض للوضوء، هذا من حيث الجملة، ثم اختلفوا اختلافاً مشهوراً، واختلفت الرواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وقد اختلفت أقوال الفقهاء إلى ما يقارب ثمانية أقوال في توصيفهم النوم الناقض للوضوء، فجمهور الفقهاء بل عامة أهل العلم يستثنون من ذلك إذا كان النوم يسيراً وهو النعاس ونحوه الذي لا يصل إلى اسم النوم المطلق، وإن كان قد يتجوز في تسميته نوماً، بشرط أن يكون صاحبه قاعداً متمكناً بقعوده، فهذا عند عامة أهل العلم أنه لا ينقض الوضوء، فإن الصحابة رضي الله عنهم ظهر ذلك من حالهم، فكانت تخفق رءوسهم وهم ينتظرون صلاة العشاء، ثم يصلون ولا يتوضئون، هكذا ثبت في الصحيح وغيره.

    فهذا القدر من النوم بينت السنة أنه ليس ناقضاً للوضوء، وما بين ذلك هو محل التوصيف عند الفقهاء، فأكثر الفقهاء يعتبرون في الوصف الهيئة، ويفرقون بين الجالس والمتكئ وغير المتكئ والقائم، والراكع ونحو ذلك، فكثر في كلام الفقهاء ذكر الهيئة من حيث الجلوس والقيام، أو هيئة الراكع أو هيئة الساجد والاتكاء من عدمه والتمكن من عدمه، كل ذلك اعتباراً بحال الهيئة، وهذا يقيد به أوجه من كلام الفقهاء، وإن كانوا مختلفين فيما يقيد به النوم من هذه الهيئات.

    والخلاصة: أن النوم من حيث الجملة ناقض للوضوء، سواء قيل: إنه مظنة الحدث، أو قيل: إنه حدث، وإن كان الأول أقرب، لكن عامة أهل العلم على أنه ناقض، ثم أيضاً عامة أهل العلم الذين قالوا ذلك لا يختلفون في الجملة في النعاس الذي يخفق رأس صاحبه وليس بنائم، كما كان حال الصحابة رضي الله عنهم، فمثل هذه الحالة اليسيرة العارضة لم يصرح أحد من متقدمي العلماء بأن هذا النوم يكون ناقضاً، وإن تجوز في تسميته نوماً.

    وأما ما دون ذلك فهو محل تفصيل وخلاف، وظاهر كلام أكثر الفقهاء أنهم يعتبرون في النوم جهتين: ما يتصل بحال الإدراك من عدمه، ويعتبرون فيه الهيئة، فيستدعون الهيئة في تقدير ذلك، ويميزون بين الهيئات في الأحكام، فهذه الطريقة عليها أكثر الفقهاء فيما يظهر من كلام أصحابهم، ولك أن تجعل هذه الطريقة باختلاف أربابها وجهتيها قولاً، وهو اعتبار صفة النوم الناقض للوضوء بالهيئة، ثم يختلفون في هذه الصفة، والقول الذي يقابله -وهو قول محفوظ عن طائفة من السلف وقول في مذهب الإمام أحمد رحمه الله- أن الهيئة ليست مؤثرة، وإنما الاعتبار بالإدراك من عدمه، فحيث كان يعلم أن إدراكه كان حاضراً فإن هذا النوم ليس بناقض، وحيث لم يتحقق له هذا العلم بل صار عنده شك في إدراكه من عدمه، فالأصل أنه تلبس بالنوم فيكون نومه ناقضاً للوضوء، ولا يشترط فيه يقين؛ لأن النوم في نفسه ليس بيقين وأنه ليس حدثاً بذاته، وإنما هو مظنة الحدث على الراجح.

    فالخلاصة أن ثمة طريقتين: طريقة تستدعي الهيئة على اختلاف في تقديرها.

    والطريقة الثانية: لطائفة من الفقهاء لا تستدعي الهيئة، وإنما تعتبر الأمر بالإدراك، وهذا هو الأظهر؛ لأن النوم في النصوص مطلق من جهة، وما كان الصحابة رضي الله عنهم الذين كانت تخفق رءوسهم يعتدون بهيئتهم، وإن كانت الهيئات مظنة التفاوت من جهة الإدراك من عدمه، فهذا متحقق؛ فإن سرعة انفكاك الإدراك لمن كان مضطجعاً ليست كسرعة انفكاك الإدراك لمن كان جالساً، وانقطاع الإدراك لمن كان متكئاً ليس كمن لم يكن متكئاً، فهذا أمر لا يختلف عليه، بل هذا من الأمور المعروفة بالعادة، لكن هل هذا مناط للاعتبار بكون النوم ناقضاً أو ليس مناطاً؟ الأظهر أنه ليس بمناط، وإنما المناط الإدراك، فحيث علم أن إدراكه معه وتيقن ذلك لم يكن هذا من ناقض الوضوء، وحيث لم يعلم وقد تلبس بما هو من صفة النوم، وخفق رأسه أو نحو ذلك فينقض، والصحابة رضي الله عنهم إنما لم ينتقض وضوءهم؛ لأن الإدراك كان حاضراً، وأنت تعلم أن النوم في نفسه ليس حدثاً على الراجح، وإنما هو مظنة الحدث، وهذه المظنة لا توجد إلا حيث زال الإدراك، وأما من كان إدراكه حاضراً، ولو تلبس بأي هيئة كانت فهذا لا يسمى في الحقيقة اللغوية والحقيقة العرفية نائماً، والخلاصة: أن النص مطلق.

    قال: (ولكن من غائط وبول ونوم)، فالنوم معتبر بالإدراك، وأما الهيئة فإنها وإن تفاوتت في العادة وهذا أمر لا يختلف فيه، إلا أن جعلها مناطاً ليس بمسلم، وإنما المعتبر هو وجود الإدراك، وأما أن يقال: إن نوم الراكع يسيره ينقض، ونوم الجالس يسيره لا ينقض فلا؛ لأن العبرة بالإدراك، فحيث كان الإدراك متحققاً فلا نقض بالنوم، ولا يسمى نوماً في الحقيقة، وحيث لم يكن الإدراك متحققاً وإنما حصل له اشتباه في ذلك، فالأصل أنه تلبس بالمظنة التي جعلها الشارع ناقضاً من نواقض الوضوء.

    1.   

    انتقاض الوضوء بمس الذكر وأقوال أهل العلم فيه

    قال المصنف رحمه الله: [ الرابع: مس الذكر بيده ببطن كفه أو بظهره ].

    (الرابع مس الذكر بيده ببطن كفه أو بظهره)، مس الذكر فيه خلاف بين الفقهاء، وجملة الأقوال فيه أربعة، وعن أحمد رحمه الله فيه ثلاث روايات:

    القول الأول للفقهاء هو رواية عن الإمام أحمد: أنه لا ينقض بحال، وهذا قول الإمام أبي حنيفة .

    القول الثاني وهو رواية عن الإمام أحمد : أنه ينقض بكل حال، وهو ظاهر مذهب مالك .

    القول الثالث وهو رواية عن الإمام أحمد : أنه ينقض إن قصد مسه، ففرقوا بين القاصد من عدمه.

    القول الرابع: أنه إن كان بشهوة فإنه يكون ناقضاً للوضوء وإلا فلا.

    وأقوى الأقوال فيه هو القول الأول ثم الثاني، أما الثالث فهي رواية فهمت من كلامٍ للإمام أحمد رحمه الله، وفيها بعد من جهة أن الناقض معنى يقدره الشارع ناقضاً، فنواقض الوضوء هي معان قدر الشارع أنها ناقضة للوضوء، ولذلك كثير من النواقض ليست على مقتضى القياس فمثلاً إذا بال الإنسان انتقض وضوءه مع أن محل النجاسة ليس محل الغسل في أعضاء الوضوء.

    فالخلاصة أن الأحداث أو نواقض الوضوء معان يقدرها الشارع، وعلى هذا فالاعتبار بالنص، وإلا الأصل عدم كونه ناقضاً، لكن جاء في حديث طلق بن علي عن أبيه، أن مس الذكر ليس ناقضاً للوضوء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طلق ( سأله الرجل يمس ذكره في الصلاة فقال: إنما هو بضعة منك )، وفي حديث بسرة بنت صفوان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مس ذكره فليتوضأ)، وكلا الحديثين تكلم فيه، وإن كان حديث بسرة أقوى من حديث طلق بن علي ، فضلاً عن كون طائفة يجعلونه ناسخاً له؛ لكونه متأخراً عنه، وعليه فالأظهر أن مس الذكر عملاً بحديث بسرة ، وهو حديث صحيح على الراجح من كلام أهل الحديث، فالأصل أن من مس ذكره فليتوضأ، وهذا هو الراجح في مذهب الإمام أحمد رحمه الله.

    والقول الثاني: أنه لا ينقض بحال، وهي رواية عن أحمد ، ومذهب الإمام أبي حنيفة كما سبق.

    أما التفريق بالشهوة من عدمها، فهذا ليس بظاهر، وكذلك التفريق بين العامد وغيره.

    وقول المصنف: بظاهر كفه وباطنه، أما الباطن فهو الذي اتفق عليه القائلون بذلك، وأما ظاهر الكف ففيه خلاف مشهور، والجمهور الذين يقولون بأن مس الذكر ناقض للوضوء لا يجعلون ظاهر الكف كباطنه، وإنما هو من مفردات مذهب الإمام أحمد .

    قال: [ ولا ينقض مسه بذراعه ]؛ لأن هذا ليس محل المس عادة، والحديث إنما هو في محل المس عادة، (من مس ذكره) والمس عادة إنما يكون بالكف، وعلى هذا فالمعتبر إنما هو بباطنه؛ لأن الباطن هو محل المس، أما ظاهر الكف فليس عادة محل المس بل هو كالذراع.

    وأما الإمام أحمد فقال: الكف مطلقاً سواء كان بباطنها أو بظاهرها.

    أما مالك و الشافعي فإنهم يجعلون ظاهر الكف ليس مؤثراً.

    قال المصنف رحمه الله: [ وفي مس الذكر المقطوع وجهان ] وبعضهم يحكيه روايتان.

    انتقاض الوضوء بمس قبل الخنثى

    قال: [ وإذا لمس قبل الخنثى المشكل وذكره انتقض وضوءه، فإن مس أحدهما لم ينتقض إلا أن يمس الرجل ذكره لشهوة ]، هذه مسائل نادرة الوقوع، وهذا هو المذهب، وفيها خلاف بين العلماء، وهي تخرج على مسألة مس الذكر على كل حال، فما يكون من الخلاف فيه يسري على مسألة الخنثى.

    انتقاض الوضوء بمس الدبر أو مس المرأة فرجها

    قال المصنف رحمه الله: [ وفي مس الدبر ومس المرأة فرجها روايتان ] والراجح أنه ليس بناقض؛ لأن الناقض هو: معنى يقدره الشارع ناقضاً، وهذا لم يرد فيه شيء صحيح.

    [ وعنه لا ينقض مس الفرج بحال ] لحديث طلق بن علي .

    1.   

    نقض الوضوء بلمس الأنثى

    قال المصنف رحمه الله: [ الخامس: أن تمس بشرته بشرة أنثى لشهوة، وعنه لا ينقض، وعنه ينقض لمسها بكل حال ].

    وهذه ثلاثة أقوال للفقهاء، وهي روايات عن الإمام أحمد في مس المرأة، فمنهم من جعل مس المرأة ليس بناقض للوضوء إلا إذا كان بشهوة، ومنهم من جعل مس المرأة ناقضاً للوضوء مطلقاً، وهذا أبعد الأقوال، ومنهم من قال: إنه ليس بناقض مطلقاً، وإذا استصحبنا ما سبق من أن الناقض: معنى يقدره الشارع ناقضاً، قيل في هذا: ينظر من جهة ما تقتضيه الأدلة، أما قول الله جل ذكره في كتابه: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43]، فإن الراجح فيه الجماع، وليس المقصود به المس المجرد كمس يدها ونحو ذلك.

    فحيث فسرت الآية على ذلك -وهو الراجح في تفسيرها- لا يكون في الآية دليل على القول بأن مس المرأة يكون ناقضاً للوضوء، وظاهر عمل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة أنهم ما كانوا يتقون ذلك، فـعائشة رضي الله عنها كانت تناول النبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف، وقال لها: ( إن حيضتك ليست في يدك )، ويغمزها النبي صلى الله عليه وسلم وهو في صلاته، وهو أمر لا يتقى عادة، ولم يظهر من حال الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يتقون ذلك.

    فالأظهر أن لمس المرأة -بمعنى: مس البشرة- ليس من نواقض الوضوء، وبعضهم اعتبر مسألة الشهوة فيه، كما اعتبرها في مسألة مس الذكر، فقال: لأنها إذا وجدت الشهوة في ذلك صار مظنة الحدث، والشريعة اعتبرت المظنة في النوم فيقاس عليه، وهذا فيه نظر من جهة أن الشريعة اعتبرت المظنة في النوم حيث لا يتحقق الإدراك.

    أما مس المرأة بشهوة، أو مس الذكر بشهوة، فالتقيد بالشهوة -فيما يظهر- لا يتجه أنه هو الوصف المؤثر؛ لأنه باعتبار أن الحدث معنى يقدره الشارع حدثاً، فيكون العبرة بتسمية الشارع له وليس في النصوص مس الذكر، ولا في النصوص التي يستدل من يستدل بها من الفقهاء على مس المرأة، وإن اختلفت استدلالاتهم ليس فيها تسمية هذا الوصف، فاستدعاؤه من باب الاستنباط بوجه من النظر والقياس على هذا الترتيب لا يتأتى من جهة أن النوم إنما اعتبر مظنة؛ لكونه ليس محلاً للإدراك، أما مس المرأة فيدرك ولو كان بشهوة.

    فإذا قلت: إنه مظنة الحدث ككونه مظنة المذي مثلاً.

    فيقال: هذا إذا سلم أنه مظنة مع أنه قد لا يكون مظنة لكل أحد، لكن إذا قيل: إنه مظنة، فهذه المظنة هي نوع من الاشتراك يقابلها يقين مدرك، بخلاف حال النوم، فإن الذي يقابله ليس اليقين المدرك، ففرق بين هذا وهذا، فلا يصح طرد الاعتبار بالمظنة المقول في النوم على مسألة الشهوة لكونها مظنة الحدث؛ لأنه يدرك ذلك، واليقين أنه لم يقع منه المذي، فإذا وقع منه صار ناقضاً بخروج المذي سواء مس المرأة أو لم يمس المرأة.

    فالأظهر أن مس المرأة ليس من نواقض الوضوء لعدم وجود الدليل على كونه ناقضاً.

    قال المصنف رحمه الله: [ ولا ينقض لمس الشعر والسن والظفر والأمرد ]؛ لكون السن والشعر والظفر في حكم المنفصل.

    نقض وضوء الملموس

    قال المصنف رحمه الله: [ وفي نقض وضوء الملموس روايتان ] أي: عن الإمام أحمد ، وحيث قلنا: إن الراجح أنه لا ينقض من اللامس ففي الملموس من باب أولى، أما إذا اقترن به مذي أو نحو ذلك، فهذا شأن آخر؛ لأن هذا حدث بذاته.

    1.   

    انتقاض الوضوء بغسل الميت

    قال المصنف رحمه الله: [ السادس: غسل الميت ] وهو ناقض للوضوء في مذهب أكثر العلماء، وإن كان -من جهة النظر- الجزم بكونه ناقضاً من نواقض الوضوء لا بد فيه من دليل، ولكن جاء عن طائفة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنهم كانوا يعتبرون ذلك ويتوضئون من غسل الميت، وهذا القول عليه كثير من السلف، بل بعضهم يحكيه في المذهب لأكثر المتقدمين، وإن كان ذكر قول الجمهور في هذه المسألة محل تردد، فبعضهم يجعل قول الجمهور على خلاف ذلك.

    والمقصود أن الخلاف في هذه المسألة مشهور فقال بعضهم: لأنه إذا غسل الميت فإنه يمس عورته، وقد يمس النجاسة فهذا من نواقض الوضوء، فهو لا ينفك عن مس العورة والنجاسة، وإن كان ترتيب الوضوء على هذا وهذا محل نظر؛ لأن مس النجاسة بذاتها هل ينقض الوضوء، أو يجب إزالة النجاسة والبراءة منها؟ ومثله مس العورة، لكن هذا عليه طائفة، والأولى؛ لقلة وقوعه أن المسلم يتقيه وليس فيه نص.

    1.   

    انتفاض الوضوء بأكل لحم الجزور

    قال المصنف رحمه الله: [ السابع: أكل لحم الجزور؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( توضئوا من لحوم الإبل ولا تتوضئوا من لحوم الغنم ) ].

    أكل لحم الجزور محل خلاف بين الفقهاء، والقول بأنه ناقض من نواقض الوضوء من مفردات الإمام أحمد .

    وذهب مالك و الشافعي و أبو حنيفة إلى أن لحم الجزور -وهي الإبل- ليس ناقضاً من نواقض الوضوء، وذهب الإمام أحمد على الصحيح من مذهبه -وهذا نص عليه أحمد في رواية جماعة من أصحابه-: أن لحم الإبل ناقض من نواقض الوضوء.

    الراجح في انتقاض الوضوء بأكل لحم الجزور

    والراجح أن لحم الإبل ناقض من نواقض الوضوء؛ لأنا اعتبرنا في الابتداء أن الناقض معنى يقدره الشارع ناقضاً، فإذا نظرنا في ذلك وجدنا أن النبي صلى الله عليه وسلم في غير حديث أمر بالوضوء من لحم الإبل. وهذا كما قال الإمام أحمد : فيه حديثان صحيحان عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهما حديث جابر بن سمرة ، وحديث البراء بن عازب .

    فحديث جابر بن سمرة أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، وحديث البراء بن عازب مخرج في المسند والسنن، وفيهما ( أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الوضوء من لحم الإبل، فقال: نعم، وسئل عن الوضوء من لحم الغنم، فقال: لا )، وفي رواية قال: ( إن شئت )، فدل ذلك على أن أمره من حيث الأصل أمر للوجوب، وحمله على الاستحباب بعيد؛ لأن هذا انتقال عن أصل، وليس هو في أصل مشروع حتى يمكن أن يصرف الأمر إلى الاستحباب، فلما كان ناقلاً عن الأصل إلى معنى لا يدركه المكلف قيل: إن ظاهره يقتضي الوجوب، وإلى هذا ذهب كثير من السلف والخلف، وهو قول معروف عند طائفة من أئمة الحديث وفقهائهم، ومذهب الإمام أحمد رحمه الله من غير الأئمة الثلاثة.

    وحمل الحديث على الاستحباب فيه بعد من جهة ما سبق أنه ناقل عن الأصل على معنى ليس مقدراً للمكلف، ولو كان على سبيل معنى مستصحب من المعاني العامة لما تميز عن لحم الغنم ونحوه، فالأصل حمله على الوجوب للمعنى المقارن له، وإذا حكمت القاعدة المشهورة في الإطلاق عند جمهور أهل الأصول أن الأصل في الأمر الوجوب، قلت: إن هذا أمر والأصل فيه الوجوب، ولا يوجد له صارف، ولكن هو فيما يظهر لي خصم من مسألة أنه معتبر بمطلق الأمر، بل يقال أيضاً لكونه أمراً ورد على معنى غير مقدر للمكلف؛ وناقل عن الأصل فينصرف إلى العزم، لكن لما قال الشارع: صلوا قبل المغرب فهذا على معنى ليس ناقلاً عن الأصل، بل هو محل مشروع والأصل تمييز الفرائض، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل لما سأله: ( هل عليّ غيرهن؟ قال: لا. إلا أن تطوع )، فاعتبار مثل هذا المعنى لا بد منه في فقه مثل هذا النص.

    وأما القول بأنه منسوخ كما قاله طائفة من الفقهاء من أصحاب الشافعي وغيرهم، فهذا بعيد؛ لأنه ثبت أنه كان آخر الأمرين كما في حديث جابر بن عبد الله : ( ترك الوضوء مما مست النار )، وبعض الفقهاء المتأخرين أجابوا عن حديث جابر بن سمرة و البراء بن عازب ، فقالوا: إن هذا نسخ، وإن آخر الأمرين: ( ترك الوضوء مما مست النار ).

    والحديث إذا تأملته ونظرت في سياقه بان لك أن هذا بعد النسخ؛ لأنه لو كان قبل النسخ لأمر بالوضوء من لحم الغنم، يعني: لو كان قوله في لحم الإبل لأنه مما مسته النار، لقال عليه الصلاة والسلام في لحم الغنم كذلك؛ لأن هذا وهذا كلاهما مسته النار، فلما ميز هذا عن هذا وقد مستهما النار علم أن هذا ليس المناط فيه أنه مسته النار، وأن هذا بعد النسخ، وعلى هذا فالقول بأنه منسوخ بعيد من حيث السياق.

    ويتفرع على هذا حكاية بعض أصحاب الشافعي أن الخلفاء الراشدين الأربعة: أبا بكر و عمر و عثمان و علياً يذهبون إلى أن لحم الإبل ليس ناقضاً للوضوء وهذا خطأ في حكاية مذهب الخلفاء، إنما المحفوظ عن الخلفاء الراشدين أنهم يرون عدم الوضوء مما مست النار، وهذا صحيح، وهذا مذهب الخلفاء الراشدين وعامة الصحابة، وهو ظاهر في السنة، لكن لما صار بعض الفقهاء من المتأخرين يعتبرون هذا قبل النسخ ثم نسخ، أجروا عليه مذهب الخلفاء الراشدين، فصاروا يقولون: إن الخلفاء الراشدين يذهبون إلى أن لحم الإبل لا وضوء منه؛ لأن الخلفاء الراشدين عندهم لا يتوضئون مما مست النار، فردوا هذا إلى هذا، وهذا غير متحقق.

    فإذاً: لا ينسب للخلفاء الراشدين ذلك، ولم يحفظ في مسألة أن الخلفاء الأربعة الراشدين اتفقوا على مذهب وهو مخالف للسنة، أو فيه مخالفة لظاهر السنة، وإن كانت المسألة أصولياً محل بحث هل إجماع الخلفاء الراشدين حجة أو ليس بحجة؟ لكن من حيث الاستقراء وأعيان المسائل أنه لا توجد مسألة اتفق الخلفاء الراشدون فيها على مذهب وهو ينازع نصاً ظاهراً كهذه المسألة، فهذا لا يصح إضافته للخلفاء الراشدين إلا على سبيل فهم بعض الفقهاء رحمهم الله من أصحاب الشافعي وغيرهم، وهو فهم ليس بمسلم؛ لأنه رتب على تقدير الحديث وهو صريح بنفيه، فإنه لو كان قبل النسخ لأمر بالوضوء من لحم الغنم.

    الوضوء من شرب لبن الجزور

    قال المصنف رحمه الله: [ فإن شرب من لبنها فعلى روايتين ] الراجح أن لبن الإبل ليس ناقضاً؛ لأنه ليس لحماً، وإنما الشارع سئل عن لحمها، واللبن ليس لحماً لا حقيقة عرفية ولا لغوية ولا شرعية، فهو مفارق في ماهيته مفارقة تامة، كما هو بدهي، فلما كان كذلك لم يرد عليه النص، فعاد لبنها أو حليبها إلى الأصل وهو أنه ليس بناقض.

    الوضوء من أكل كبد أو طحال الجزور

    قال المصنف رحمه الله: [ وإن أكل من كبدها أو طحالها فعلى وجهين ] وبعضهم يقول: على روايتين، فعلى وجهين في المشهور، وبعض الأصحاب يقول: إن فيه روايتين عن الإمام أحمد .

    والراجح في الكبد والسواد أنه ملحق باللحم؛ لأنه من مادته في الجملة.

    1.   

    انتقاض الوضوء بالردة عن الإسلام

    قال المصنف رحمه الله: [ الثامن: الردة عن الإسلام ]، فمن ارتد عن الإسلام بطل وضوءه في مذهب الإمام أحمد ، وقال الأئمة الثلاثة: إنه إن ارتد عن الإسلام فعاد إليه لم يبطل وضوءه؛ لأنه ليس حدثاً مسمى في الشريعة.

    والأظهر ما ذهب إليه الإمام أحمد ؛ لأن الوضوء عبادة، وهذه العبادة وصفها وسماها الشارع واعتبرت فيها النية، فلما ارتد عن الإسلام أبطلت ردته ما هو قائم في حاله، كما في قول الله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65].

    1.   

    الشك في الحدث أو الطهارة

    قال المصنف رحمه الله: [ ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث أو تيقن الحدث وشك في الطهارة بنى على اليقين ].

    لأن الشريعة اعتبرت هذا، وهذه قاعدة كلية من قواعد الشريعة، ومن القواعد الفقهية الكلية أن اليقين لا يزول بالشك، وهذه قاعدة عامة في الشريعة تدخل في أحكام العبادات، وكثير من أحكام المعاملات، وفي أحكام الشهادات وفي غيرها، (فمن تيقن الطهارة وشك في الحدث أو تيقن الحدث وشك في الطهارة بنى على اليقين).

    قال: [ فإن تيقنهما وشك في السابق منهما نظر في حاله قبلهما، فإن كان متطهراً فهو محدث، وإن كان محدثاً فهو متطهر ].

    يعني: يكون على ضد ذلك، فإن تيقنهما وجهل السابق منهما فهو بضد حاله قبلهما، وهذا كله تفريعاً على قاعدة: اليقين لا يزول بالشك.

    1.   

    ما يحرم على المحدث

    قال المصنف رحمه الله: [ ومن أحدث حرم عليه الصلاة والطواف ومس المصحف ].

    ومن أحدث حرم عليه الصلاة، وهذا بالإجماع، كما في الصحيح عن أبي هريرة : ( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ )، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6]، فهذا بالإجماع والنص صريح في أمر الصلاة.

    وأما الطواف فهو مذهب جماهير العلماء، ومنهم الإمام أحمد رحمه الله.

    وقالت طائفة وهو قول في مذهب أحمد واختاره الإمام ابن تيمية رحمه الله: أن الطواف لا يجب له الطهارة، واستدل لذلك بعدم وجود دليل في ذلك، وأقوى ما فيه عنده كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله، ما جاء عن ابن عباس : أن الطواف في البيت صلاة، وقال: هذا موقوف عليه وهو نوع من التشبيه والكناية إلى آخره، ولكن الجماهير على ذلك، وهو مذهب الإمام أحمد رحمه الله.

    وأما مس المصحف فهذا مذهب عامة أهل العلم، وخالف فيه داود الظاهري ، والجماهير من السلف والخلف على أنه لا يمس المصحف إلا طاهر؛ لحديث عمرو بن حزم -وهو حديث صحيح وكتاب صحيح- كما صححه الإمام أحمد رحمه الله، وقال: لا أشك أن النبي صلى الله عليه وسلم كتبه، وفيه: ( لا يمس القرآن إلا طاهر ).

    وأما الآية فالأرجح أنها في الملائكة، وأن الكتاب المذكور في القرآن هو اللوح المحفوظ، وإن استدل بها كثير من الفقهاء القائلين بذلك، ولكن الأظهر أن هذا معتبر بحديث عمرو بن حزم ، وهو ظاهر عمل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وأما قول الله جل ذكره: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة:79]، فالأظهر فيه أنه اللوح المحفوظ.

    1.   

    الغسل وموجباته

    تعريف الغسل

    قال المصنف رحمه الله: [ باب الغسل، وموجباته سبعة: خروج المني الدافق بلذة ].

    قال المصنف: باب الغسل، والغسل هو: تعميم البدن بالماء، فهذا يسمى غسلاً في اللغة. وفي الشرع لا بد فيه من النية إذا كان عن حدث. نعم.

    (وموجباته سبعة) أي: ما يجب الغسل له، وسيذكر المصنف الأغسال المستحبة بعد ذلك.

    الغسل لخروج المني

    قال رحمه الله: (خروج المني الدافق بلذة) هكذا قال الأصحاب رحمهم الله: خروج المني الدافق، فإن كان ليس دافقاً بلذة، فعلى المشهور من المذهب أنه ليس ناقضاً.

    والرواية الأخرى عن أحمد وهي مذهب الشافعي : أن خروج المني مطلقاً ولو لم يكن دافقاً فإنه يكون موجباً للغسل، وناقضاً للطهارة ويصير به الحدث أكبر، وهذا محل خلاف، فمن اشترط أن يكون دافقاً استدل بحديث علي وفيه: ( إذا فضخت الماء فاغتسل ). ولكن الأظهر أن الاعتبار بخروجه؛ لحديث: ( إنما الماء من الماء )، وهذا وإن ورد عليه نسخ في بعض محله، لكنه ليس في جميع محله، وهذا جنابة في العرف، أما كونه دافقاً فهذا ليس شرطاً فيه على الصحيح، وهو مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد ، إلا إذا كان صار خروجه على سبيل المرض وليس الخروج المعتاد، فهذا معفو عنه عند عامة أهل العلم، أما إذا كان خروج المني المعتاد ولكنه لم يكن متدفقاً، فإن هذا فيما يظهر وهو الرواية الثانية عن أحمد ، ومذهب الشافعي : أن عدم كونه متدفقاً ليس مؤثراً في أظهر القولين عند الفقهاء، وهو خلاف المشهور في مذهب الإمام رحمه الله.

    [ فإن خرج لغير ذلك لم يوجب ] وهذا مذهب أحمد و أبي حنيفة و مالك خلافاً للشافعي كما سبق.

    قال: [ وإن أحس بانتقاله فأمسك ذكره فلم يخرج فعلى روايتين ].

    (فإن أحس بانتقاله) أي: انتقال المني، (فأمسك ذكره فلم يخرج فعلى روايتين)، والأظهر وهو المشهور عن الإمام أحمد أنه يجب عليه الغسل؛ لأنه في كل هذه الصور: من خروجه دفقاً بلذة، أو خرج بدون كونه دفقاً ولكنه خروج معتاد، أو خرج دفقاً فأمسكه، فكل هذه الأحوال يحقق فيها المعنى، ولذلك الإمام أحمد لما رجح هذا النوع: إن خرج فأمسك ذكره قال: يجب عليه الغسل، وقال في بعض أجوبته: إن الماء لا يرجع.

    فهو في كل هذه الصور الثلاث على الراجح يكون موجباً للغسل.

    خروج بقية المني بعد الغسل

    قال رحمه الله: [ فإن خرج بعد الغسل أو خرجت بقية المني لم يجب الغسل ].

    إذا خرج بعد الغسل، وقد اغتسل من أصله، فسال شيء من بقيته، فإنما هو محتبس.

    قال: [ وعنه يجب إذا خرج قبل البول دون ما بعده ]؛ لأنه إن خرج قبل البول فالاعتبار به لكونه الأول، وأما إذا كان بعده فعلى ترتيب المذهب أنه لم يكن متدفقاً، لكن كما سبق أن العبرة بخروجه المعتاد، فإذا خرج خروجاً معتاداً سواء كان دفقاً أو لم يكن كذلك وجب الغسل، والمقصود بالاعتياد هنا ما يقابل حال المرض.

    التقاء الختانين

    قال رحمه الله: [ الثاني: التقاء الختانين، وهو تغييب الحشفة في الفرج قبلاً كان أو دبراً من آدمي أو بهيمة حي أو ميت ].

    لما ثبت في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل ).

    وحديث: ( إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل ).

    إسلام الكافر

    قال رحمه الله: [ الثالث: إسلام الكافر أصلياً كان أو مرتداً، وقال أبو بكر : لا غسل عليه ].

    اختلف العلماء في هذه المسألة: فمنهم من قال: لا يجب عليه الغسل مطلقاً، ومنهم من قال: يجب عليه الغسل مطلقاً، ومنهم من قال: إن كان بقي عليه موجب للغسل لم يغتسل عنه، كما لو أجنب قبل إسلامه ولم يغتسل بعد جنابته وجب عليه، لأن حدثه يكون باقياً.

    والأظهر أن الكافر إذا أسلم وجب عليه الغسل مطلقاً.

    الموت والحيض والنفاس

    قال رحمه الله: [ الرابع: الموت. والخامس: الحيض. والسادس: النفاس ].

    فالميت يجب غسله، والحائض إذا طهرت من حيضها فبالنص والإجماع يجب عليها الغسل، وكذلك إذا طهرت المرأة من نفاسها وجب عليها الغسل.

    قال: [ وفي الولادة العارية عن الدم وجهان ] في مذهب الإمام أحمد ، وهذه مسألة نادرة الوقوع، فإن قدر وقوعها ففيها وجهان عن أصحاب أحمد .

    قراءة القرآن لمن لزمه الغسل

    قال رحمه الله: [ ومن لزمه الغسل حرم عليه قراءة آية فصاعداً ].

    من لزمه الغسل بموجب سابق حرم عليه قراءة آية فصاعداً.

    أما إذا كان جنباً فالجمهور من أهل العلم يرون أنه لا يقرأ؛ لحديث علي رضي الله عنه وإن تكلم فيه، لكن احتج به الإمام أحمد رحمه الله: أن الجنب لا يقرأ شيئاً من القرآن، وهو أقوى حديث في الباب.

    أما الحائض فإن أمرها أيسر، ومدتها تطول، ولهذا رخص كثير من السلف والخلف في أمر الحائض ولم يرد فيها شيء صحيح، وأما حديث: ( لا تقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن ) الذي يروى من حديث عائشة و جابر بن عبد الله فليس بمحفوظ.

    فأمر الحائض أخف من جهة أن مدتها تطول، والشريعة عادة لا تعطل مثل هذا المقصد الشرعي في أمر ينتاب النساء عادة كل سبعة أيام أو تزيد، ولم يرد فيه شيء صحيح.

    وأما الجنابة فهي معتبرة لحديث علي السابق، وهو ظاهر مذهب أكثر الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولهذا ذهب الجماهير من السلف والخلف إلى أن الجنب لا يقرأ شيئاً من القرآن، وهذا هو الأظهر، وأما الحائض فإن أمرها أيسر كما نص عليه مالك وغيره، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، واختار ذلك ابن تيمية وطائفة.

    [ وفي بعض آية روايتان ] بعض السلف الذين منعوا الجنب أو الحائض رخصوا فيما كان ورداً للإنسان أو ذكرا ًله.

    [ ويجوز له العبور في المسجد، ويحرم عليه اللبث فيه إلا أن يتوضأ ] ويجوز العبور في المسجد؛ لقول الله جل وعلا: وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ [النساء:43]، ويحرم عليه اللبث؛ لأنه لما استثني العبور دل على أن ما فوقه يكوم ممنوعاً، قال: (إلا أن يتوضأ)؛ لأنه ثبت عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنهم كانوا يتوضئون ويلبثون في المسجد، وهذا جاء عن جملة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهذا دليل الإمام أحمد في استثنائه حال الوضوء.

    والقول الثاني في المسألة خلاف ذلك، لكن هذا المشهور عن طائفة من الصحابة.

    1.   

    الأغسال المستحبة

    قال المصنف رحمه الله: [ فصل: والأغسال المستحبة ثلاثة عشر غسلاً للجمعة ].

    هذه أغسال مستحبة يذكرها الفقهاء.

    غسل الجمعة

    أما الجمعة فغسلها ثابت بالسنن والآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك حديث أبي سعيد : ( غسل الجمعة على كل محتلم )، وهو حديث متفق على صحته، وكذلك ما جاء في حديث سلمان وحديث أبي هريرة ، وغيرهما.

    والراجح فيه أنه مستحب وليس بواجب، وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وذهبت طائفة إلى وجوبه وهو قول بعيد.

    وأما قوله: ( غسل الجمعة على كل محتلم )، وفي رواية في الصحيح: ( غسل الجمعة واجب على كل محتلم )، فقوله (واجب)، وقوله: (على) تستعمل للوجوب، لكن هنا أنت على سبيل التأكيد؛ لأن في روايته في الصحيح: ( غسل الجمعة واجب على كل محتلم، وسواك، وأن يمس من الطيب ما قدر عليه )، فقوله: (وسواك) عطف على غسل، والتقدير: (وسواك على كل محتلم)؛ لأنه لم يذكر خبره، فهو معطوف على ما سبق مقدراً، ولم يقل أحد من أهل العلم بأن السواك واجب في الجمعة.

    فإذاً الاستدلال بهذه الطريقة استدلال بعيد جداً، والراجح أن غسل الجمعة ليس بواجب.

    غسل العيدين

    قال رحمه الله: [ والعيدين ] لم يثبت فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لشبهه بالجمعة عندهم، وفعله طائفة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولكن أمره دون غسل الجمعة.

    غسل الاستسقاء والكسوف ومن غسل ميتاً

    قال رحمه الله: [ والاستسقاء ] أي: الخروج لطلب الله سبحانه وتعالى نزول المطر، وهذا استحبه بعض الفقهاء وليس فيه نص.

    [ والكسوف ] وكذلك الكسوف استحبه طائفة، ولم يرد فيه نص.

    [ ومن غسل الميت ] استحب له الغسل، لحديث: ( من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ )، لكنه ليس بمحفوظ.

    غسل المجنون والمغمى عليه

    قال رحمه الله: [ والمجنون والمغمى عليه ] فهذه الأغسال بعد العيدين لم يثبت فيها شيء، والأصل أن مثل هذا متوقف على ثبوت الدليل.

    قال: [ والمجنون والمغمى عليه إذا أفاق من غير احتلام ].

    (والمجنون والمغمى عليه إذا أفاق من غير احتلام)، هذا أيضاً هو الراجح من مذهب الإمام أحمد ، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قصد ذلك، وإن كان وقع في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه اغتسل لما أغمي عليه، لكن كون هذا للإغماء هذا محل النظر، وإلا فهو ثابت في الصحيح، لكن إطلاق أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل للإغماء، فهذا فيه بعض التجوز في الاستعمال.

    غسل المستحاضة لكل صلاة

    قال رحمه الله: [ وغسل المستحاضة لكل صلاة ]؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المستحاضة أن تغتسل عند كل صلاة، وهذا بالإجماع أنه ليس بواجب بل هو مستحب بالنص، وهو حديث محفوظ رواه أهل السنن وغيرهم.

    الغسل للإحرام ودخول مكة وغيرها من المناسك

    قال رحمه الله: [ والغسل للإحرام ] لظاهر عمل النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان لم يأمر به، ولكنه فعله النبي صلى الله عليه وسلم، والغسل لدخول مكة أيضاً كما ثبت عن ابن عمر أنه كان يفعل ذلك، ويقول: ( إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله )، فيستحب الغسل لدخول مكة، وفي النسك ثلاثة أغسال ثابتة: غسل الإحرام، وغسل دخول مكة، وهذان أقواها، وغسل ثالث، وهو الغسل للوقوف بعرفة، وهذا لم يثبت فيه نص مرفوع، ولكن فعله كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وأما ما زاد على ذلك فالأظهر عدم استحبابه، كالمبيت بمزدلفة ونحو ذلك.

    قال رحمه الله: [ ولدخول مكة والوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ] الوقوف بعرفة جاء من فعل الصحابة رضي الله عنهم وبعض الخلفاء الراشدين.

    [ والمبيت بمزدلفة ورمي الجمار والطواف ] وهذه لم يثبت فيها نص، ولم يثبت فيها عمل مشهور عن الصحابة رضي الله عنهم.

    نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2976875053

    عدد مرات الحفظ

    713135986