إسلام ويب

شرح عمدة الأحكام - كتاب البيع [30]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تستحب الوصية بثلث المال فأقل ولو كان لصاحب الوصية مال كثير؛ فإن إبقاء المال للورثة أحسن من التصدق به على البعداء، حتى ولو كان للموصي من الدواعي ما يعتقد أنها تسوغ له التصدق بماله كله، كما أن النفقة على الأولاد والزوجة عبادة عظيمة مع النية الحسنة، ولا تجوز

    1.   

    شرح حديث مرض سعد ووصيته بماله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: (جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي، فقلت: يا رسول الله, قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال, ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: لا، قلت: فالثلث؟ قال: الثلث, والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها, حتى ما تجعل في في امرأتك، قال: قلت: يا رسول الله! أخلف بعد أصحابي؟ قال: إنك لن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة, ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام, ويضر بك آخرون، اللهم أمض لأصحابي هجرتهم, ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة ، يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة )].

    الشرح:

    حديث سعد رضي الله تعالى عنه عمدة فيما يتعلق بباب الوصايا وبباب الهبات في مرض الموت؛ لأن الهبة في مرض الموت حكمها حكم الوصية، إذا تبرع في مرض موته فحكم هذا التبرع حكم الوصية، بمعنى: أنه ليس له أن يزيد على الثلث في التبرع، وكذلك أيضاً ليس له أن يتبرع لوارث بشيء.

    إذاً: لا يزيد على الثلث ولا يتبرع لوارث بشيء إلا بإجازة الورثة.

    حديث سعد بن أبي وقاص قال: (جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي) يعني: هذا مرض لحق سعداً رضي الله تعالى عنه في حجة الوداع وهو في مكة.

    وقوله: (يعودني) العيادة: هي زيارة المريض، ويؤخذ من هذا مشروعية زيارة المريض وعيادته، وعند جمهور أهل العلم أنها سنة، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فرض كفاية.

    حكم الشكوى إلى المخلوق من المرض

    وقوله: (قد بلغ بي من الوجع ما ترى) الإخبار بالمرض هل هو من باب الشكوى إلى المخلوق؟

    أما الشكوى إلى الخالق فهذا مستحب: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل:62]، لكن الإخبار بالمرض، نقول بأنه ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون على وجه الجزع والتسخط، فنقول: هذا مذموم.

    القسم الثاني: أن لا يكون على وجه الجزع والتسخط، وإنما على وجه الخبر المجرد، فإن هذا جائز ولا بأس به، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أنا وارأساه )، وحديث سعد رضي الله تعالى عنه.

    وقوله: ( الثلث والثلث كثير )، في هذا أن المريض مرض الموت تبرعاته في حكم الوصية، بمعنى: أنه لا يملك أن يتبرع بأكثر من الثلث، أما الثلث فقد رخص له الشارع.

    كذلك أيضاً: لا يملك أن يتبرع لوارث بشيء إلا بإجازة الورثة، وهذا ما عليه جمهور العلماء رحمهم الله، خلافاً للظاهرية في هذه المسألة.

    أقسام الأمراض

    والعلماء رحمهم الله يقسمون الأمراض إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: مرض غير مخوف، لا يخشى على صاحبه من الهلاك، فهذا حكمه حكم الصحيح، له أن يتبرع بما شاء من ماله، وله أن يهب وارثاً وغير وارث.

    القسم الثاني: المرض المخوف، فهذا عند جمهور العلماء أن حكمه حكم الوصية كما سلف.

    القسم الثالث: الأمراض الممتدة، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد أنه إن قطعها بفراش -يعني: لازم الفراش- فحكمها حكم المخوف، وإن لم يقطعها بفراش فحكمها حكم غير المخوف.

    والصواب أن يقال بالنسبة للأمراض الممتدة كما هو قول جمهور العلماء: أن هذه الأمراض الممتدة ينظر إن كانت مخوفة فالتبرعات حكمها حكم الوصية، وإن كانت غير مخوفة، فالتبرعات حكمها حكم التبرعات الصحيحة.

    من فوائد الحديث

    قال: ( إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة )، (إنك أن)، بفتح الهمزة على التعليل، يعني (أنك أن تذر)، وبكسرها على أنها شرط، وكلاهما جائز، وإن كان الأحسن الفتح، على أنها تعليلية، أي: أن الجملة تكون بعدها تعليلية.

    ( تذر ورثتك )، تترك ورثتك أغنياء.

    ( خير من أن تذرهم عالة )، العالة: الفقراء.

    ( يتكففون الناس )، يعني: يسألون الناس قوتهم بأكفهم، وفي هذا دليل على أن الشخص ممنوع من أن يوصي بأكثر من الثلث حتى لا يضر بحق الورثة، فليس له أن يوصي بأكثر من الثلث، وليس له أن يتبرع إذا كان مريضاً مرضاً مخوفاً بأكثر من الثلث بحق الورثة، وعليه فيكون هذا مبنياً على إجازة الورثة، يعني: لو أوصى بالنصف، أو تبرع وهو مريض مرضاً مخوفاً بأكثر من الثلث، نقول: هذا متوقف على إجازة الورثة؛ لأن الحق لهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم منع من الزيادة على الثلث حماية لحق الورثة.

    وفي هذا ينبغي للمسلم أن يتدارك في حال الصحة، وأن يتبرع بالنصف أو بالثلثين.. يتصدق.. يوقف.. يعتق، لكن إذا مرض مرضاً مخوفاً، فلا يملك من ماله تبرعاً إلا الثلث، لو كان عنده ثلاثة ملايين، ثم بعد ذلك مرض مرضاً مخوفاً، فإنه لا يملك -سواء كان وصيةً أو تبرعاً- إلا الثلث.

    وقوله: ( وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله ) فيه إشارة إلى الإخلاص، وأن المسلم ينبغي أن يخلص في نفقاته، وأن يقصد بالنفقة التي ينفقها وجه الله عز وجل، فإنها تنقلب عبادة، يعني: كون الإنسان يشتري الطعام والشراب واللباس، إذا قصد بذلك امتثال أمر الله عز وجل فإن هذا يقلبه إلى عبادة.

    وقوله: (إنك لن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة)، وكره سعد رضي الله تعالى عنه أن يخلف ويموت في مكة؛ وكأنه نوع من الرجوع فيما أخرجه لله عز وجل، فهو ترك مكة لله عز وجل، والقاعدة في ذلك: أنه لا يجوز للمسلم أن يرجع فيما أخرجه لله عز وجل، ( العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه )، ( العائد في صدقته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه )، فإذا أخرج شيئاً لله عز وجل فإنه لا يجوز له أن يرجع فيها.

    ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً )، ثلاثة أيام يقيم فقط، ثم بعد ذلك ليس له أن يمكث، بل يجب عليه أن يرجع إلى المدينة؛ لأنه ترك مكة لله عز وجل.

    وقوله: ( ولعلك أن تخلف )، هذا فيه دلالة على نبوة النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن سعداً رضي الله تعالى عنه شفاه الله عز وجل، وبرأ من مرضه، وانتفع به أناس، وتضرر به آخرون، وما حصل على يديه من الفتوحات في عهد الخلفاء رضي الله تعالى عنهم.

    وقوله: ( اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم )، لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم تركوا مكة وهاجروا إلى المدينة لله عز وجل، فكره سعد رضي الله تعالى عنه أن يموت في مكة وهي البلد التي خرج منها وتركها لله عز وجل.

    ودعا النبي صلى الله عليه وسلم أن يمضي الله لأصحابه هجرتهم، وأن يتوفاهم في غير البلد التي تركوها لله عز وجل، وكما ذكرنا أن الإنسان إذا أخرج شيئاً لله عز وجل فإنه لا يجوز له أن يرجع فيه.

    قوله: ( لكن البائس سعد بن خولة سعد بن خولة قرشي عامري نسب إلى أمه، وهو من جماعة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه.

    سعد بن خولة مات بمكة ورثى له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة، لأن مكة تركها لله عز وجل، ويؤخذ من هذا أن كونه يموت في البلد الذي هاجر إليه أفضل من كونه يموت في البلد الذي هاجر منه، وإن كان هو لم يرجع في هجرته ولم يختر، لكن ظاهر الحديث يدل أن تمام الهجرة أن يموت في البلد الذي هاجر إليه، وأن لا يموت في البلد الذي هاجر منه، وإن كان معذوراً لعدم اختياره، لكن هذا الحديث يدل على أن تمام ذلك أن لا يموت في البلد الذي هاجر منه.

    والشاهد من هذا الحديث أن الوصية لا تجوز بأكثر من الثلث، ولا تجوز لوارث بشيء إلا بإجازة الورثة، وأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة ) ... إلى آخره، هذا تعليل من النبي صلى الله عليه وسلم يدل على أن المنع إنما هو لحق الورثة، وعلى هذا إذا أجازه الورثة نفذ ذلك، لكن هل هذه الإجازة تنفيذ لما سبق أو أنها هبة مبتدأة، هذا موضع خلاف، وجمهور العلماء رحمهم الله يقولون: بأنها تنفيذ لما سبق، وعند المالكية يرون أنها هبة مستقلة مستأنفة تحتاج إلى أحكام الهبة.