إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. البدعة
  5. البدعة - عبادة الدعاء والابتداع فيه

البدعة - عبادة الدعاء والابتداع فيهللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الدعاء قربة رفع الله قدرها، وأعلى منزلتها فوصفها بأنها هي العبادة، بل مخها، وهذه العبادة لا يجوز صرفها لغير الله تعالى، وجعلها خاصة به، وتوعد من تكبر عنها بالعذاب يوم القيامة؛ كل ذلك ليصرف تعلق المخلوقين بالمخلوقين مهما كانت المسألة. وبهذا يتبين لنا انحراف الصوفية في دعائهم الأولياء والصالحين في جلب نفع أو دفع ضر.

    1.   

    مقدمة

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    الحمد لله رب العالمين شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً وهو اللطيف الخبير.

    اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6] .

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3] .

    وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الصادقين الطيبين المفلحين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] .

    أما بعد:

    معشر الإخوة الكرام! تقدم معنا أن البدعة شنيعة وخيمة في الإسلام، ويتسبب عنها سوء خاتمة الإنسان، وقد تدارسنا تعريفها، فهي: الحدث في الإسلام عن طريق الزيادة أو النقصان، مع زعم التقرب بذلك إلى الرحمن، وذلك الأمر الحادث المخترع لا تشهد له نصوص الشرع الحسان.

    ولا زلنا في المبحث الأول من مباحث البدعة، وقلت: عند هذا المبحث ضل فريقان من الأنام: فريق أفرط ووسع دائرة البدعة وأدخل فيها ما ليس منها، وقد مضى التحذير من هؤلاء في المواعظ السابقة، وأتبعته بثلاثة معالم، ينبغي أن نعض عليها بالنواجذ:

    أولها: المشرع هو الله وحده لا شريك له.

    ثانيها: أن لهداية الإنسان ركنين: شرع قويم، وعقل سليم.

    وبينت بعد ذلك في المعلم الثالث منزلة الاجتهاد في الإسلام، وسننتقل في هذه الموعظة إلى الفرقة الثانية التي ضلت في تعريف البدعة، حيث فرطت كما أن تلك أفرطت، فهذه ألغت البدعة من الإسلام كلاً أو بعضاً، واخترعت في دين الله ما لم يأذن به الله، وزعمت أنها تتقرب بذلك إلى الله جل وعلا، وسنتدارس أحوال هذه الفرقة لنحذر منها، ولنحذر الناس منها في هذه الموعظة وفي مواعظ بعدها.

    إخوتي الكرام! سنتدارس في هذه الموعظة تخريف المخرفين من هذا الصنف الثاني الذين ألغوا البدعة في الدين، سنتدارس تخريفهم فيما يتعلق بدعاء الله عز وجل، والالتجاء إليه في السراء والضراء سبحانه وتعالى.

    1.   

    منزلة الدعاء وآدابه

    ولبيان تخريفهم لا بد من توضيح منزلة هذه العبادة ومكانتها في شرع الله المطهر، ثم أتبعها بعد ذلك بالبدع التي حصلت نحو هذه العبادة من اللجوء إلى غير الله جل وعلا.

    الدعاء هو العبادة

    إخوتي الكرام! إن الدعاء عبادة عظيمة في الإسلام، لا ينبغي أن يصرفها الإنسان إلا لمن بيده مقاليد الأمور وهو على كل شيء قدير، الذي خلقك وخلق كل شيء، وهو الله العلي الكبير سبحانه وتعالى، وقد أمرنا ربنا بذلك وأمرنا أن ندعوه، وأن نلجأ إليه في جميع أحوالنا، قال سبحانه وتعالى في سورة غافر: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60] .

    فقوله: (يستكبرون عن عبادتي) أي: عن دعائي، والالتجاء إلي، والتذلل لي في جميع أحوالهم، سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60].

    نعم إخوتي الكرام! إن الدعاء هو العبادة كما بين ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام، ففي مسند الإمام أحمد والسنن الأربع، والحديث رواه الإمام البخاري في كتاب الأدب المفرد، وهو في صحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم وشرح السنة للإمام البغوي ، وإسناده صحيح كالشمس من رواية النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الدعاء هو العبادة ). ثم تلا فداه أنفسنا وآباؤنا وأمهاتنا: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60] .

    وروي في سنن الترمذي من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، وقال الترمذي : هذا حديث غريب، ويشهد له حديث النعمان بن بشير ، ولفظ حديث أنس رضي الله عنه عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( الدعاء مخ العبادة ) أي: خلاصتها وغايتها، وسيأتينا إيضاح ذلك وتحقيقه، فإن كان هذا السند ضعيفاً فيشهد له ما تقدم، ويوضحه ما سيأتي معنا من منزلة الدعاء في شريعة رب الأرض والسماء.

    الأمر بالقيام بعبادة الدعاء

    أمرنا الله أن ندعوه، وأن نلجأ إليه سبحانه وتعالى في جميع أحوالنا، فقال في سورة الأعراف: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:55]، (تضرعاً) أي: تذللاً واستكانةً، فأنتم مربوبون للحي القيوم، (وخفيةً) أي: سراً، (إنه لا يحب المعتدين) الذين يتجاوزن في الدعاء، ويجهرون ويرفعون أصواتهم بالصياح.

    ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:55]، وقال تعالى: وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا [الأعراف:56] راغبين راهبين، إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:56].

    والآيات في ذلك كثيرة وفيرة، تحضنا على الدعاء وتأمرنا به.

    الدعاء يرفع العذاب

    أخبرنا ربنا جل وعلا أنه لولا دعاؤنا لربنا لما بالى بنا، ولعاجل بعقابنا، فقال جل وعلا في آخر سورة الفرقان: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا [الفرقان:77].

    (لولا دعاؤكم) دعاء مصدر، فإما أن يكون مضافاً إلى الفاعل، أي: لولا دعاؤكم الله ربكم والتجاؤكم إليه في سرائكم وضرائكم لما بالى بكم، فإذا أعرضتم عن دعائه واستكبرتم عن عبادته فسوف يكون العذاب لازماً حالاً بكم، ولعذبكم عذاباً أليماً فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا [الفرقان:77] .

    وإما أن يكون المصدر مضافاً إلى المفعول، فيكون المعنى: لولا دعاؤكم فأنتم مدعوون لا داعون، لولا دعاء الله لكم لتعبدوه ولتوحدوه سبحانه وتعالى، لا يعبأ بكم ربي، وليس لكم عنده أي شأن، فكون المقصود: لولا أنه خلقكم لعبادته وتوحيده وتعظيمه سبحانه وتعالى كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [الذاريات:56-57] .

    وخلاصة القول: أن الأمرين متلازمان فلولا أن الله خلقنا لعبادته، وأمرنا بتوحيده، ونحن امتثلنا أمره وقمنا بما أراد الله منا لما بالى بنا، ولما كان لنا أي شأن عنده سبحانه وتعالى، قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا [الفرقان:77] لولا دعاء الله إياكم لتوحدوه، لولا دعاؤكم الله جل وعلا في جميع أحوالكم، والتجاؤكم إليه في سرائكم وضرائكم.

    وهذا يظهر أن الدعاء له شأن عظيم في شريعة الله الغراء.

    الدعاء أكرم عبادة

    ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وابن ماجه ، والحديث رواه الإمام البخاري في الأدب المفرد، وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس شيء أكرم على الله من الدعاء )، فأعظم العبادات وأكرمها دعاء الله، والالتجاء إليه في كل وقت، في السراء وفي الضراء.

    غضب الله على من لا يسأله

    وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن من أعرض عن هذه العبادة، ولم يسأل ربه ولم يدعه فقد غضب الله عليه وسخط عليه، كما ثبت في المسند وسنن الترمذي وابن ماجه ، والحديث في كتاب الأدب المفرد للإمام البخاري، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه والحاكم في مستدركه والبغوي في شرح السنة، والإمام البزار في مسنده، وإسناده صحيح، من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من لم يسأل الله غضب عليه )، أي: من لم يدع الله يغضب عليه، هذا كلام نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو تقرير لقول ذي الجلال والإكرام: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا [الفرقان:77]، فأكرم شيء على الله الدعاء، ومن أعرض عن هذه العبادة غضب عليه رب الأرض والسماء.

    الأمر بدعاء الله ولو في الأمر اليسير

    إخوتي الكرام! أمرنا ربنا جل وعلا أن نلجأ إليه في جميع أحوالنا، وأن ننزل حاجاتنا به سبحانه وتعالى، فهو ربنا لا إله غيره، ولا رب سواه.

    وقد ثبت في سنن الترمذي وغيره بسند حسن من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع )، أي: هذا الخيط الذي يربط به النعل سله من ربك، وسل ربك كل صغيرة وكبيرة.

    وفي سنن الترمذي عند هذه الرواية من مرسل ثابت بن أسلم البناني عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله، وحتى ملح عجينه ).

    الأمر في عزم المسألة والدعاء

    ينبغي أن نسأل ربنا جل وعلا جميع أمورنا، وإذا سألناه فلنجزم بالسؤال، ولنلح في طلب العطاء، فالله كريم لا يتعاظمه شيء سبحانه وتعالى.

    ثبت في المسند والصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم إن شئت فأعطني، ولكن ليعزم في المسألة، فإن الله لا مكره له )، فقوله: (فإن الله لا مكره له) أي: لا مضاد له، ولا يستطيع أحد أن يكرهه وأن يعارض فعله، فلماذا تقيد إجابة دعائك على المشيئة، (إن شئت فأعطني)، قل: اللهم أعطني، اللهم ارزقني، اللهم اغفر لي وارحمني، اجزم بذلك ولا تتردد، (ليعزم في المسألة)، ولا يقل: ( اللهم إن شئت فأعطني... فإن الله لا مكره له ).

    وثبت في الصحيحين أيضاً وسنن الترمذي وأبي داود -والحديث في أعلى درجات الصحة- من رواية أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا دعا أحدكم فلا يقولن: اللهم ارحمني إن شئت، اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارزقني إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، فإن الله صانع ما شاء لا مكره له ). وفي رواية: ( فإن الله يفعل ما يشاء لا مستكره له ).

    إذاً: ينبغي أن ننزل جميع حاجاتنا بربنا، وأن نلتجئ إليه في جميع أمورنا سبحانه وتعالى.

    1.   

    أقسام الدعاء

    إخوتي الكرام! إن الدعاء له قسمان كما قرر ذلك أئمة الإسلام:

    دعاء العبادة

    القسم الأول: دعاء عبادة، وهو تعظيم الله، والثناء عليه، والتعلق به، واللهج بذكره دون أن تطلب حاجةً من حاجات الدنيا والآخرة، فهذا دعاء، لكن دعاء عبادة، فعندما تسبح وتهلل، وعندما تذكر الله، وعندما تصلي، وعندما تقوم بأي عبادة، فأنت داع لله؛ لكن دعاءك دعاء عبادة كما قلت، والإنسان عندما يلتجئ إلى الله بعبادة ما فهو سائل -كما قال أئمتنا- بالحال لا بالمقال؛ لأن من عبد ذا العزة والجلال فكأن لسان حاله يقول: ربي أنت سيدي وأنا عبدك، وأنا عبدتك وحدك لا شريك لك، فيلزم من هذا أن تتولاني، وأن تجعل لي من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، وأن ترزقني من حيث لا أحتسب، دعاء عبادة، وهذا من العبادات العظيمة، ومن أنواع الأدعية الجليلة الفخيمة.

    وقد أشار إلى هذا النوع من العبادة نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد في المسند، ورواه أهل السنن الأربع إلا سنن أبي داود ، والحديث في صحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم ، وشرح السنة للإمام البغوي ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أفضل الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله ).

    والإنسان عندما يحمد الله، فهو يدعو ربه دعاء عبادة، ودعاء العبادة فيه دعاء المسألة لكن عن طريق الحال لا عن طريق المقال، ( وأفضل الدعاء: الحمد لله ).

    ولما سأل سيد المسلمين أبو محمد سفيان بن عيينة -عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا- عن هذا الحديث وعما يشبهه: كيف اعتبر هذا الذكر أفضل أنواع الدعاء؟ فأنشد قول أمية بن أبي الصلت الذي يمدح فيه عبد الله بن جدعان ، وقد كان يطعم الطعام، وكان يصل الأرحام، لكنه هلك في الجاهلية، ولما سألت أمنا عائشة نبينا -على نبينا وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه- عن عبد الله بن جدعان ، وأنه كان يطعم المساكين، ويصل الرحم، هل ينفعه ذلك عند الله؟ فقال نبينا عليه الصلاة والسلام -كما في المسند وصحيح مسلم -: ( لا، إنه لم يقل يوماً: ربي اغفر لي خطيئتي يوم الدين ).

    وقول أمية بن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جدعان هو:

    أأذكر حاجتي أم قد كفاني حباؤك إن شيمتك الحباءُ

    إذا أثنى عليك المرء يوماً كفاه من تعرضه الثناءُ

    وحباؤك: أي: عطاؤك وكرمك وجودك.

    والمعنى: إذا جاء أحد ليثني على عبد الله بن جدعان فيكفيه الثناء عن السؤال، فهذا الثناء يبرر قضاء حاجته عند هذا الكريم الجواد الذي هو بشر من الخلق، فكيف بالكريم الجواد بالخالق سبحانه وتعالى.

    ( وأفضل الدعاء: الحمد لله )، هذا -كما قلت- دعاء عبادة، والإنسان يسأل بحاله لا بمقاله.

    دعاء المسألة

    والقسم الثاني: دعاء مسألة، وهو: أن تسأل ربك بلسانك قضاء حوائجك، وأن تطلب منه الخيرات في العاجل والآجل، في الدنيا وفي الآخرة، ودعاء مسألة أمرنا الله سبحانه وتعالى به كما أمرنا أيضاً بدعاء العبادة، فقال جل وعلا في سورة النساء: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [النساء:32] .

    وقد ثبت في سنن الترمذي ومعجم الطبراني الكبير بسند حسن عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل، وأعظم العبادة انتظار الفرج )، وهذا تقرير قوله تعالى: وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [النساء:32] .

    إخوتي الكرام! إن الله يحب أن يسأل، ومن ترك سؤاله فقد غضب عليه، وما ذلك إلا لأن هذا السؤال وهذا الدعاء هو العبادة، بل مخ العبادة وروحها، وغاية العبادة تعظيم الله جل وعلا، وهذا حاصل في الدعاء، فالمراد من العبادة أن يتذلل المخلوق لخالقه، وهذا موجود في الدعاء، والإنسان عندما يدعو ربه يتعرض لنفحات الله، وهذا الدعاء مفتاح لقضاء الحوائج، والله كريم يحب أن يجود ويحب أن يعطي، فبالدعاء تعظم الله، وبالدعاء تتذلل لله، وبالدعاء تتعرض لنفحات الله، ولذلك كان الدعاء هو العبادة، وكان الدعاء مخ العبادة.

    نعم إن الدعاء فيه تعظيم كبير لربنا سبحانه وتعالى؛ لأن من يسأل ومن يدعو، فإنه يدعو موجوداً ولا يدعو مفقوداً، فأنت عندما تسأل الله تقر بوجوده سبحانه وتعالى، وأنه هو خالق كل شيء وربه ومليكه، وعندما تسأل الله تقر بغناه، فالإنسان لا يسأل فقيراً معدماً! وعندما تسأل الله تقر بكرمه، فالإنسان لا يسأل بخيلاً شحيحاً، وعندما تسأل الله تقر بثبوت السمع له فهو يسمعك، سبحان من وسع سمعه الأصوات سبحانه وتعالى! وعندما تسأل الله تقر أيضاً برحمة الله جل وعلا ورأفته، فهو الذي يعطف عليك ويحسن إليك ويجيب سؤالك، وعندما تسأل الله تقر بقدرة الله جل وعلا، فهو قادر على أن يصرف عنك السوء، وأن يجلب إليك الخيرات والبركات؛ لأنه هو رب الأرض والسموات، ففي الدعاء تعظيم الله، وفي الدعاء تذلل لله، وهذا الدعاء مفتاح قضاء الحوائج، فينبغي أن نكثر منه.

    وإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن نصرف هاتين العبادتين: دعاء العبادة، ودعاء المسألة لمن يستحقهما، وهو الله الذي بيده مقاليد كل شيء، وهو الله الذي خلق كل شيء.

    والعبادة لا يجوز أن نصرف شيئاً من أشكالها لغير ربنا، كما قال: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110] .

    إن العبادة من مقتضى ألوهية الله جل وعلا، فإذا كان الله إلهاً فإنه ينبغي أن يعبد وحده لا شريك له.

    والدعاء والمسألة عبادة ينبغي أن يصرف إلى الله الذي بيده مقاليد كل الأمور، وهو على كل شيء قدير، وهذا من مقتضى ربوبيته إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، فنستعين بالله، ونلجأ إليه بسؤالنا ودعائنا وقضاء حاجاتنا، ونعبده وحده لا شريك له، والدين كله تحت لفظ الدعاء؛ من دعاء العبادة ودعاء المسألة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، فلا نصرف سؤالنا إلى غير ربنا، كما لا نصرف عبادتنا لغير ربنا.

    وقد حذرنا نبينا صلى الله عليه وسلم من أن نصرف شيئاً من الدعاء إلى غير رب الأرض والسماء، وأمرنا أن نلجأ إلى الله جل وعلا في جميع الأحوال، في السراء وفي الضراء، كما ثبت في المسند وسنن الترمذي ، والحديث رواه الحاكم في المستدرك، والإمام الضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة، ورواه الإمام الطبراني في معجمه وأبو يعلى في مسنده، والحديث رواه ابن أبي عاصم في السنة، ورواه الإمام أبو نعيم في دلائل النبوة، وهو صحيح، إسناده ثابت كثبوت الشمس في رابعة النهار، من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).

    إخوتي الكرام! إن المخلوق إذا أنزل حاجته وسأل مخلوقاً فقد خرج عن صراط الله المستقيم، وسؤاله هذا له عدة أحوال:

    اللجوء والسؤال الشركي

    الحالة الأولى: سؤال المخلوق مخلوقاً يكون تارةً شركاً يخرجه من الملة، وهو من الكافرين المخلدين في نار الجحيم، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، ويكون هذا إذا التجأ مخلوق إلى مخلوق في كشف ضر لا يمكن أن يكشفه إلا الله، فإذا لجأ مخلوق إلى مخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله، فطلب من المخلوق أن ينزل الغيث، وطلب من المخلوق أن يرزق زوجته ولداً ذكراً، وطلب من المخلوق أن ينجيه من النار، وطلب من المخلوق أن يؤجل عنه الموت إذا حضر، وطلب وطلب، كل هذا -كما قلت-: سؤال غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، وفيما هو من خصائص الله، وهذا يعتبر شركاً بالله جل وعلا.

    وقد أشار الله جل وعلا إلى هذا في كتابه في آخر سورة يونس فقال جل وعلا: وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106]، والمراد من الظلم هنا الشرك كما قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] ، وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ [يونس:106] ، لا تدعه في كشف ضر وكرب لا يمكن أن يكشفهما إلا الله، فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يونس:106-107] .

    وقد أشار ربنا جل وعلا إلى حماقة وسفاهة من يلجأ إلى غير الله، ويدعو غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، فأخبر أن من يدعى من دون الله ويعبد من الملائكة والنبيين والصالحين، ينافسون في طاعة رب العالمين، ولا يملك كل واحد منهم لنفسه نفعاً ولا ضراً، وهم في قبضة مالك يوم الدين، يقول الله جل وعلا مقرراً هذه الحقيقة في سورة الإسراء: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء:56-57]، (أولئك الذين يدعون) أي: يعبدهم الخلق من دون الحي القيوم، هؤلاء الذين تعبدونهم من صالحي البشر، ومن الملائكة الأطهار، هؤلاء الذين يعبدون من دون الله لصلاحهم هم يعبدون الله، ويتنافسون في الحظوة لديه، وحصول المنزلة عنده سبحانه وتعالى، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء:57].

    والآية نازلة في فريق من الإنس كانوا يعبدون فريقاً من الجن في الجاهلية، فلما بعث نبينا خير البرية عليه صلوات الله وسلامه آمن أولئك الجن، فبقي الإنس على عبادتهم، فأنزل الله هذه الآية يعيرهم بحالهم ويذم فعلهم، كما ثبت هذا في صحيح البخاري ومستدرك الحاكم ، والأثر -كما قلت- في صحيح البخاري ، وهو في تفسير الطبري وسنن سعيد بن منصور ومصنف ابن أبي شيبة ، ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره، وابن المنذر في تفسيره، وابن مردويه في تفسيره، وهو في معجم الطبراني الكبير ودلائل النبوة للإمام البيهقي -فهو صحيح- عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه قال: ( كان ناس من الإنس يعبدون ناساً من الجن، فأسلم الجن وبقي الإنس على عبادتهم، فأنزل الله هذه الآية يعيرهم بها فقال: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء:57] ).

    خلاصة الكلام: من لجأ إلى مخلوق في دفع ضر لا يقدر عليه إلا الرحمن، ولجأ إلى مخلوق في جلب نفع لا يقدر عليه إلا الرحمن، وليس هذا في وسع المخلوق، فطلب منه ما ليس في وسعه، ولم يجعل ربنا للمخلوق قدرةً عليه، من لجأ إليه في ذلك فقد أشرك بالله، فإن لجأ إليه في مغفرة ذنب، وفي إنزال غيث، وفي إخراج ولد ذكر، وفي تأخير الأجل، وفي إدخاله الجنة، وفي إخراجه من النار.. ونحو ذلك من لجأ إلى مخلوق في ذلك فقد صرف حق الخالق للمخلوق، وأشرك بالله جل وعلا، وهذا النوع الأول من أنواع سؤال المخلوق.

    اللجوء والسؤال المحمود

    الحالة الثانية من السؤال واللجوء لغير الله هي: أن يسأل المخلوق مخلوقاً في إمكان المخلوق أن يقضي حاجته، وذلك المطلوب مما هو في وسعه ومما أقدره الله على فعله، وهو مما أمرت أنت باللجوء إليه، وأمر هو أيضاً بأن يقضي حاجتك، فهذا اللجوء محمود، وإن كان ظاهره فيه ذل، لكنه محمود وأمرنا به، وهذا يكون في حالة واحدة وهي: أنك إذا لجأت إلى مخلوق تطلب منه نفعاً فيما يتعلق بأمر الآخرة؛ ليرشدك إلى علم نافع تعبد به ربك على بصيرة، فعندما تسأل أهل الذكر عن أمور الحلال والحرام يكون هذا سؤالاً، وقد سأل المخلوق مخلوقاً، والسؤال ذل مهما كان ولو -مثلاً- من أين الطريق؟ لكن هذا الذل ينتج عنه العز، ولا ضير عليك في سؤال هذا المخلوق، وليس هذا من باب التذلل لذاك، والمسئول عندما يجيب لا يتضرر ولا ينقص ما عنده، فأنت لا تضجره ولا تلح عليه بذلك ولا تؤذيه، بل إنك تنفعه عن طريق تحصيل الأجر له، وعن طريق تثبيت العلم في نفسه، فالمال ينقص بالإنفاق، والعلم يزكو بالإنفاق، وعليه فلا معرة ولا مضرة عليك في هذا السؤال، بل أمرنا به، وأجمع عليه أئمتنا، ونص عليه ربنا في كتابه فقال: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] .

    وثبت في المسند والسنن الأربع ومستدرك الحاكم رضي الله عنهم أجمعين، من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار )، والحديث صحيح، وروي من طرق متعددة عن عدة من الصحابة الكرام، رواه الإمام ابن ماجه في سننه عن أنس بن مالك وأبي سعيد الخدري ، ورواه الحاكم أيضاً في مستدركه عن عبد الله بن عمرو ، ورواه الإمام الطبراني في معجمه الكبير وغيره من طريق عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار ).

    هذا سؤال المخلوق مخلوقاً، لا مضرة فيه على المسئول، ولا ينتقص ما عنده، وهذا مما يقدر عليه المسئول، ومما أمرت به أن تفعله، ولا ضير عليك في فعله، بل أنت تثاب على القيام به، فينبغي أن تقوم به، وأن تسأل أهل الذكر كما أمرنا ربنا جل وعلا.

    وخلاصة القول: أن سؤال المخلوق مخلوقاً فيما يقدر عليه ولا يتضرر بإجابة السائل عليه وقضاء حاجته، ولا ينقص المسئول ما عنده، فسل وأنت تتسبب في تحصيل الخير لك وللمسئول، وعلمه يثبت عندما يجيب، مع ما يحصل من الأجر عند القريب المجيب سبحانه وتعالى.

    السؤال واللجوء المحرم

    الحالة الثالثة من السؤال واللجوء هي: أن يسأل المخلوق مخلوقاً فيما يقدر عليه لكن المسئول يتضرر؛ لأنه سيخرج ما عنده وما بين يديه، وهذا يكون في الأمور الدنيوية.

    كأن تسأل مخلوقاً مثلك عرضاً من عروض الدنيا، ومتاعاً من متاعها، وشيئاً من حاجاتها وأنت في غنى وفي كفاية وفي ستر وفي صيانة، فهذا السؤال عليك حرام، وإن لم يكن شركاً بالرحمن لكنه حرام حرام، وستأتي يوم القيامة وليس في وجهك مزعة لحم إذا سألت وعندك ما يكفيك، كما أخبرنا بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم.

    فقد ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود وصحيح ابن حبان وصحيح ابن خزيمة من رواية سهل بن الربيع ويقال له: سهل بن الحنضلية -من الأنصار الأبرار رضوان الله عليهم أجمعين- والحديث صحيح عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنم. فقال الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين: يا رسول الله! وما يغنيه؟ -أي: ما المقدار الذي يغنيه ولا يجوز أن يسأل إذا كان عنده ذلك المقدار- قال: قدر ما يغديه ويعشيه). فإذا ملكت غداءك وعشاءك فلا يجوز أن تسأل غير الله شيئاً يقدر المسئول عليه، وإذا سألت فإنما تستكثر من جمر جهنم، فهل تملك حياتك إلى الغد يا عبد الله؟ فإن كنت عندك ما يغديك وعندك ما يعشيك فاحمد الله، ورزق غداً يأتي به رب الغد سبحانه وتعالى، وهو رب الزمن الماضي والمستقبل والحاضر ورب كل شيء، عندك ما يغديك، عندك ما يعشيك فلا تسأل بني آدم حاجةً من حوائجك فيما يقدرون عليه.

    وثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تزال المسألة بأحدكم حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم) أي: قطعة لحم فيحشر يوم القيامة عظاماً، فلا يكسى وجهه بجلد ولا بلحم من أجل أن يفتضح وتظهر قلة حيائه أمام العباد؛ لأنه أراق ماء وجهه إلى مخلوق مثله، وأنزل حاجته بهذا العبد الضعيف، ولم ينزل حاجاته بالله الغني اللطيف سبحانه وتعالى.

    وسؤال المخلوقين حقيقةً يحتاج الكلام عليه إلى تفصيل كثير أتجاوزه، ولعلني أعود إليه في مواعظ آتية؛ لأنني أريد أن أقرر المبحث الذي ذكرته في أول الموعظة ألا وهو سؤال غير الله جل وعلا.

    فإذا سألت مخلوقاً، وهذا السؤال في إمكان المسئول أن يقضيه، وأنت مستغن عن هذا السؤال، فأنت في سؤالك آثم عند ربك، مرتكب لكبيرة ستعاقب بتلك العقوبة عند الله، وهي أنك تستكثر من جمر جهنم، ولم يكن في وجهك عند ربك مزعة لحم.

    السؤال واللجوء المباح والترك أولى

    أما الحالة الرابعة من سؤال المخلوقين فصورتها: أن يسأل المخلوق مخلوقاً في وسع ذلك المخلوق قضاء حاجته -كما قلت- والمسئول أيضاً سينقص ما عنده عندما يخرج ما بين يديه، لكن السائل بحاجة، فإذا لم يسأل سيهلك ويتلف ويعطب، فيباح له السؤال، وإن كان تركه أولى ليموت ولا يسأل مخلوقاً؛ لأن هذا أعز له في الدنيا وفي الآخرة، لكن إن سأل في هذه الحالة، كأن لا يكون عنده كسرة خبز يسد بها جوعته وليس عنده ما يغديه ولا ما يعشيه، فهذا يباح له السؤال، ولكن إن صبر حتى مات وما أراق ماء وجهه لغير ربه لكان أعز له في الدنيا والآخرة؛ لأن وصف السؤال مذموم إلا في الحالة الأولى التي تقدمت معنا وهي: أن تسأل مخلوقاً لا يتضرر في إعطاء سؤالك، ولا ينقص ما عنده، وقد أمر بأن يجيبك وأمرت أن تسأله فيما يتعلق بالإرشاد لأمر الآخرة، وأما في أمر الدنيا فهذا في الحقيقة فيه امتهان للإنسان، لا ينبغي أن يسلكه لثلاثة أمور كما قررها أئمتنا الكرام كما في مدارج السالكين للإمام ابن القيم في الجزء الثاني صفحة اثنتين وثلاثين ومائتين فما بعدها، وكما في فتاوى الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله في الجزء الأول صفحة اثنتين وتسعين فما بعدها، ونعم ما قالاه، وهذا الذي يقرره أئمة الإسلام، أن سؤال المخلوق مخلوقاً في حالة الاحتياج مباح، وتركه أولى لثلاثة أمور:

    أولها: عندما تسأل مخلوقاً مثلك فإنك تعتدي على حق ربك جل وعلا، فالله أمرنا أن نسأله، وتقدم معنا ما في السؤال من معنى يدل على أنه موجود، ويدل على أنه غني، ويدل على أنه كريم، وعلى أنه سميع، وعلى أنه رحيم، وعلى أنه سبحانه وتعالى كريم قادر، فهذه المعاني كلها لا يجوز أن تصرف لغير الله، فينبغي أن ينزل المخلوق حاجاته بخالقه، فإذا سألت مخلوقاً مثلك اعتديت على حق الله جل وعلا، لكن بما أنه يرخص لك السؤال فلا إثم عليك لكن ترك هذا أولى.

    الأمر الثاني: اعتديت على هذا المسئول من المخلوقين؛ لأن ما يملكه المخلوق عزيز عنده ومحبوب لديه، وأنت تريد أن تنتزع هذا من بين يديه فتكون أضجرته وآذيته بسؤالك، فهو إما أن يعطيك فيتضرر بخروج ما عنده، وإما أن يعتذر فيقع في لوم العتاب، فأنت حينئذٍ أضجرت هذا المخلوق، وهذا أيضاً فيه ظلم لهذا المخلوق، وأنت أيضاً امتهنت نفسك ودسستها عندما سألت مخلوقاً لا يملك لنفسه -فضلاً عن غيره- نفعاً ولا ضراً، فكيف لجأت إلى غير الله الذي بيده خزائن السموات والأرض؟! كيف لجأت إلى غير هذا الغني الكريم الوهاب سبحانه وتعالى؟! لكن إذا سأل في هذه الحالة فلا حرج.

    ملخص حالات السؤال واللجوء إلى غير الله تعالى

    إذاً: سؤال المخلوق مخلوقاً على التفصيل تنقسم إلى أربعة أمور:

    أولها: أن يسأل المخلوق مخلوقاً فيما لا يقدر عليه إلا الخالق، فهذا شرك وخروج من حظيرة الإسلام.

    والأمر الثاني: أن يسأل المخلوق مخلوقاً فيما يقدر عليه المخلوق ولا يتضرر المسئول في إجابة السائل، وهذا يكون في تعليم العلم، وهذا محمود، ومطلوب من السائل والمسئول أن يشتركا في هذا الأمر.

    الأمر الثالث: أن يسأل المخلوق مخلوقاً مثله فيما يقدر عليه لكنه في غنىً عن سؤاله، فهذا حرام وإن لم يكن شركاً بالرحمن.

    الأمر الرابع: أن يسأل المخلوق مخلوقاً مثله فيما يقدر عليه لكنه بحاجة إلى سؤاله فيباح له السؤال، والتعفف أولى، وهذا ما كان يرشد إليه نبينا صلى الله عليه وسلم ويعلمه أصحابه الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

    1.   

    موقف الصحابة من السؤال واللجوء إلى غير الله

    حديث عوف بن مالك في البيعة التي منها عدم سؤال الناس

    ثبت في المسند وصحيح مسلم والسنن الأربع إلا سنن الترمذي ، من رواية عوف بن مالك رضي الله عنه وأرضاه قال: ( بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن سبعة أو ثمانية أو تسعة، ثم قال في نفس المجلس: ألا تبايعون؟ فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله! فقال: ألا تبايعون؟ الثانية، قلنا: قد بايعناك يا رسول الله! علام نبايعك؟ قال: ألا تبايعون؟ الثالثة قال: فمددنا أيدينا وقلنا: نبايعك يا رسول الله! على ماذا؟ قال: على أن تعبدوا الله وحده لا شريك له، -يقرر أمر البيعة الثانية- وأن تقيموا الصلوات الخمس، وأن تطيعوا من ولاه الله عليكم الأمر. يقول عوف بن مالك : وأسر كلمةً. أي: قالها خفية؛ من أجل أن ينتبهوا لها ولمدلولها ولأثرها. فقال: وألا تسألوا الناس شيئاً، قال عوف بن مالك : فلقد رأيت أولئك النفر يسقط سوط أحدهم من يده فلا يقول لصاحبه: ناولني إياه فإذا أخذ أحد ذلك السوط وناوله لمن سقط منه لا يأخذه منه حتى يضعه في الأرض فيأخذه مرةً ثانية)؛ لأجل ألا يستعين أحد بغير الله جل وعلا.

    حديث ثوبان في عدم سؤال الناس

    حديث ابن أبي مليكة في موقف أبي بكر من السؤال

    وثبت في مسند الإمام أحمد عن ابن أبي مليكة -وهو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة ثقة ثبت إمام عدل صالح ورع عابد، توفي سنة ثمان وعشرة ومائة للهجرة- يقول: (كان أبو بكر رضي الله عنه على ناقته فانفلت خطام الناقة من يده فأناخ الناقة ونزل فأخذ الخطام، فقال له الصحابة الكرام: هلا أمرتنا يا خليفة رسول الله! أن نناولك هذا الخطام؟ قال: إن حبي إن خليلي -يعني: به نبينا عليه صلوات الله وسلامه- أمرني ألا أسأل الناس شيئاً)، والأثر كما قال الإمام الهيثمي في المجمع: رجاله ثقات أثبات لكن ابن أبي مليكة لم يدرك أبا بكر الصديق ، وأدرك من الصحابة رضي الله عنهم ثلاثين.

    وثبت هذا المعنى في المسند بسند جيد رجاله ثقات عن أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره ألا يسأل الناس شيئاً، فكان إذا سقط السوط من يده لا يقول لصاحبه: ناولنيه ).

    إذاً: هناك جماعة بايعوا، وهنا ثوبان ثم أبو بكر وأبو ذر رضي الله عنهم أجمعين، كلهم يأخذ عليهم نبينا صلى الله عليه وسلم العهد ألا يسألوا الناس شيئاً، وإن احتاجوا فالصبر أنفع للإنسان في العاجل والآجل، ولو قدر أن الإنسان نزل به الضر ثم ما سأل بعد ذلك حتى مات فلا شيء عليه ولا حرج، نعم، إذا كان عنده طعام وامتنع من أكله دخل النار، لكن لم إن يكن عنده طعام، ولا يريد أن يريق ماء وجهه، ولا يريد أن يتذلل لغير ربه فقال: أصبر حتى أموت، فنعم ما فعل، وهذا خير له في الدنيا والآخرة.

    1.   

    اللجوء إلى غير الله والسؤال من غيره عند بعض المبتدعين

    إخوتي الكرام! هذه هي منزلة الدعاء، وهذا هو شأن هذه العبادة في الإسلام، وكما قلت عند النوع الأول: صرف عبادة الدعاء فيما لا يقدر عليه إلا الله إلى مخلوق يعتبر شركاً، بعد هذا ينبغي أن نعود إلى تخريف المخرفين وهوس المهوسين في هذا الحين الذين ألغوا البدعة من الدين، وعبدوا الله على آرائهم، وهم يعبدون أنفسهم والشياطين، ويزعمون أنهم يعبدون رب العالمين.

    اعتقاد الصوفية في اللجوء إلى الأولياء في حياتهم وبعد موتهم

    يقول هذا الفريق الذي انتشر في هذا الوقت في أمكنة كثيرة: إن الصالحين لهم شأن عظيم عند رب العالمين، في حال حياتهم وفي حال موتهم -ولا نزاع في هذا الأمر، لكن انظر لتلبيس الشيطان عليهم- وإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن نلجأ إليهم في قضاء الحاجات، ودفع الكربات، وإنجاب الأولاد، وإنزال الغيث، وغير ذلك، سواء كانوا في حال الحياة أو في حال الممات، بل يقول بعض هؤلاء السفهاء من المخرفين: إن اللجوء إلى الأموات أعظم من اللجوء إلى الحي؛ لأن الميت صار لروحه سلطان مطلق، ثم زوروا ما شاء لهم الشيطان، وزين لهم أن يزوروا حديثاً ونسبوه إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، فقالوا: روي في الحديث.. في الأثر: إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور. أي: إذا صعبت عليكم وأعجزكم حلها فالجئوا إلى الموتى، وهذا بلا شك من كلام أهل الزيغ والضلال والثبور، وهذا كلام كذب وزور، ولم يقله حبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الطيب المبرور، إنما الحق المزبور أن يقال: إذا أعيتكم الأمور فالجئوا إلى العزيز الغفور، الذي بيده مقاليد الأمور سبحانه وتعالى.

    اعتقاد الصوفية في عبد القادر الجيلاني واللجوء إليه

    وبعض هؤلاء السفهاء ممن ينسبون أنفسهم إلى الصوفية -كما سأوضح الأمر ضمن مراحل البحث- قال: الناس يلجئون إلى الحي وأنا ألجأ إلى الميت -وإذا خذلك الله ولعنك وغضب عليك كان ماذا؟! وهل أنت حجة في دين الله وعلى عباد الله- أي: إلى الأموات؛ لأن هؤلاء لهم تصرف ولأرواحهم سلطان مطلق، وقال من ينتمي إلى هذا الأمر: عبد القادر يا جيلاني .. يا متصرف في الأكوان.. أنا جئتك لا تنساني. سبحان ربي العظيم! سبحان ربي العظيم!

    أما الشيخ عبد القادر والله إنا لنتبرك بذكر اسمه، ونتقرب إلى الله جل وعلا بحبه، ونسأل الله أن يشفعه فينا يوم الدين، وأن يجمعنا معه ومع عباده الصالحين، ولا أقول هذا تعريفاً بهذا الإمام المبارك فهو شيخ الإسلام، وسأتكلم على حاله ضمن مراحل البحث، وإنما أقول هذا لهؤلاء الغوغاء من مخرفي الصوفية ولا أعني أن كل من ينتسب إلى التصوف كذلك، ففيهم صالحون سابقون مقربون، وفيهم مقتصدون على الطريق الميمون، وفيهم ظالم لنفسه عاصٍ لربه، انتسب إليهم أناس من أهل البدع والزندقة والإلحاد، فينبغي أن نضع كل واحد في موضعه.

    إن الشيخ عبد القادر الذي توفي سنة إحدى وستين وخمسمائة للهجرة، من شيوخ الإسلام بلا نزاع، ويكفي الإمام ابن قدامة -صاحب كتاب المغني، ومحقق المذهب الحنبلي- فخراً أنه تلميذ للشيخ عبد القادر ، وكان ابن قدامة يقول: إن الشيخ عبد القادر يكفي طالب العلم من قصد غيره. مما اجتمع عنده من العلوم، وسأذكر شيئاً من أحوال هذا العبد الصالح.

    لكن إذا كان هذا العبد صالحاً تقياً ولياً لا يجوز أن نجعله نداً لله، ولا يجوز أن نشرك بينه وبين الله، لله حق إياك أن تصرفه إلى غيره، ولأنبياء الله ورسله عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه حق إياك أن تصرفه إلى غيرهم، ولأولياء الله والصالحين حق، فنعطي كل ذي حق حقه.

    فالدعاء والسؤال فيما لا يقدر عليه إلا الله لا يجوز أن يصرف إلا إلى الله، أما عبد القادر فرحمة الله ورضوانه عليه، وأما: يا متصرف في الأكوان! فمن الذي تصرفه في الأكوان في الدنيا والآخرة؟ إنه الله، يقول الله لخير خلقه محمد عليه صلوات الله وسلامه: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [آل عمران:128].

    فلا بد من بيان مرحلة ومكانة ومنزلة الربوبية والألوهية، ومنزلة النبوة، ومنزلة الولاية، وألا نصرف حق واحد من هؤلاء لغيره.

    فلا يجوز أن يقول المسلم: أنا جئتك لا تنساني، يا عبد الله! هلا قلت: يا رب العالمين! أنا عبدك، أسألك أن تفرج كربي، وأن تقضي حاجتي.

    اعتقاد الصوفية والمبتدعة في أحمد الرفاعي واللجوء إليه

    وهكذا ما يقال أيضاً في حق الشيخ الصالح أحمد الرفاعي ، وهو شيخ صالح نتقرب إلى الله جل وعلا بحبه، وسيأتينا بيان حاله، وقد توفي سنة ثمان وسبعين وخمسمائة للهجرة بعد الشيخ المبارك شيخ الإسلام عبد القادر الجيلاني بقرابة ست عشرة سنة تقريباً، وهو من شيوخ الإسلام، ومن الصالحين، ومن العلماء العاملين الربانيين، لكن الغلو فيه -من قِبل من ينسب إليه- حرام في الدين، وشرك لرب العالمين، وعليه ما يقوله هؤلاء المهوسون: مدد مدد مدد يا رفاعي ! ثم بعد ذلك يقول: راع المدد يا أحمد ! حين الطلب لبيني.. ومن هذا الكلام.

    اتق الله أيها الإنسان! هل الشيخ أحمد الرفاعي سيمدك؟! ويراعي المدد ولا يغفل عنك؟! ويلبيك حين طلبك؟! هلا لجأت إلى الله جل وعلا الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء!

    إخوتي الكرام! لا بد من وضع الأمر في موضعه، فاللجوء إلى هذا العبد الصالح، أو إلى ذاك أو إلى غيرهم، وطلب المدد منهم، وطلب تفريج الكروب منهم شرك بالله، وخروج من دين الله.

    قصة من الجهل المعاصر في الاعتقاد بالحسين بن علي والرد عليها

    كنت مرة في بلاد مصر، فضاقت علي بعض الأمور، فجاءني بعض أهل الزيغ والثبور، وإذا رأيته تقول: لعله بشر الحافي أو سفيان الثوري على أئمتنا رحمة ربنا، قال: أنا أرشدك إلى طريق الفرج، قلت: ما هو؟ قال: تذهب إلى قبر الحسين -على سيدنا الحسين وآل البيت الطيبين الطاهرين صلوات الله وسلامه- الذي هو في مصر، وما الذي أخذ الحسين إلى مصر؟! أنا أريد أن أعلم؛ إذ إنه قتل في كربلاء، وأخذ رأسه رضي الله عنه وأرضاه إلى بلاد الشام، وقيل: أعيد بعد ذلك ودفن في البقيع الطاهر المبارك على نبينا وآل بيته جميعاً صلوات الله وسلامه، فما الذي أخذه إلى مصر؟! والقاهرة كلها ما وجدت إلا في القرن الثالث للهجرة، وما كان هناك شيء اسمه القاهرة، كل هذا مما حصل وبني بعد ذلك، وعلى التسليم بأنه هناك، هل يجوز أن نطوف بقبره؟ وأن نلجأ إليه في كشف ضرنا وقضاء حوائجنا؟

    قال هذا الرجل: تذهب إلى قبر الحسين وتطوف بقبره سبع سبعات، يعني: تسعةً وأربعين شوطاً -هذا لازم- وتكرر في طوافك قائلاً:

    يا سادتي من أمكم في حاجة فيكم جبر ومن تكونوا ناصريه ينتصر

    يقول: طف تسعةً وأربعين شوطاً حول هذا الضريح -على سيدنا الحسين وآل بيته جميعاً صلوات الله وسلامه- وقل هذا الدعاء، يقول: لا تنتهي من الأشواط إلا وتقضى حاجتك.

    إخوتي الكرام! القول المعتمد أن الذي في ذلك المكان أي: في المشهد الحسيني إنما هو قبر يهودي، وتلك الحارة هي التي كان يقال لها: حارة اليهود، والدولة الفاطمية الملحدة المجوسية اليهودية بنت ذلك المشهد على قبر يهودي، ثم قالت: هذا قبر الحسين ، على نبينا وآل بيته جميعاً صلوات الله وسلامه، لكن على التسليم أنه هناك -كما قلت- هل يجوز أن نلجأ إليه في كشف الضر دون أن نلجأ إلى رب العالمين؟

    قلت: كل ما حصل لي كان مجرد مشكلة مادية لا يراد منها إلا منفعة دنيوية في موضوع شهادات ومناقشات وما شاكل هذا.

    يا عبد الله! لو أن الإنسان لجأ إلى مخلوق من أجل قضاء هذه الحاجة الدنيوية لكان في ذلك مذلة، فكيف بعد ذلك تلجأ إلى ميت تطلب منه تفريج هذا الكرب وتستغيث به في قضاء هذه الحاجة؟!

    يا عبد الله! أنت ما عندك دين يردعك؟ تريد مني أن أشرك بالله؟! فما كان منه إلا أن قال: أنتم لا تحبون الأولياء، أنتم لا تسلمون بكرامات الأولياء، فقلت له: والله لا يعترف ويقر بكرامات الأولياء إلا أهل السنة الكرام -واسألوا الله أن يجعلنا منهم- وأما الحب للأولياء فحقيقةً نحن نحبهم؛ لكن نقصر في حبهم تقصيراً لا يعلمه إلا الله جل وعلا، أما أننا لا نحب ولا نقر بكراماتهم فهذا افتراء، وكذلك ليس من حبهم والإقرار بكراماتهم أن أطوف بالقبر، وأن ألجأ إليه في كشف الضر، إن هذا لا يجوز يا عبد الله! اتق الله في نفسك.

    نموذج من بدع الصوفية المتأخرين وشططهم

    إخوتي الكرام! وقد اشتط بعض المتأخرين من الصوفية شططاً، لعلهم ساووا فيه شطط النصرانية إن لم يزيدوا، فقالوا: يوجد هناك دولة خفية محمدية -على نبينا صلوات الله وسلامه- كما يوجد دولة ظاهرة إسلامية، فعندنا خليفة ظاهري وهو السلطان والإمام، وعندنا خليفة خفي وهو القطب والغوث، وهذا القطب والغوث هو خليفة الله جل وعلا، وإن أردت أن تذكر ما يساويه عند النصارى فهو البابا تماماً، هذا القطب أو الغوث مسكنه مكة أو اليمن.. يخرفون، فكل واحد يقول ما شاء، يقول: وله بعد ذلك أربعة، هؤلاء الأربعة هم الأوتاد، في كل زاوية من الزوايا الأربعة واحد، وله بعد ذلك ثلاثون يقال لهم: الأبدال، يتبدلون من حال إلى حال، ومن ذكورة إلى أنوثة، ومن وجوده في قطر إلى وجوده في آخر.. من بلاد الشام إلى الصين إلى الهند في لمح البصر، وبعد ذلك يلي هؤلاء خمسمائة هم أفراد الدائرة، هؤلاء الأفراد -خمسمائة وثلاثون وأربعة والقطب الغوث- يجتمعون في الصلوات الخمس في غار حراء، ويصلي بهم القطب الغوث الذي هو خليفة النبي عليه الصلاة والسلام خلافةً كاملة، فإذا حان وقت الصلاة تطاير هؤلاء من أرجاء الأرض وصلى بهم هذا القطب والغوث في غار حراء، وإذا سأل العباد ربهم حاجةً من الحوائج ترفع حاجاتهم إلى الخمسمائة، فإن رأوا فيها صلاحاً رفعوها إلى الثلاثين، فإن رأوا فيها صلاحاً رفعوها إلى السبعة، فإن رأوا فيها صلاحاً رفعوها إلى الأربعة، فإن رأوا فيها صلاحاً رفعوها إلى الغوث، فلا يحرك الغوث القطب رأسه حتى تقضى حاجة العباد.

    نعوذ بالله من هذا الضلال، ومن الذي نص على هذه الوسائط بيننا وبين من هو أقرب إلينا من أرواحنا التي تسري في ذراتنا، سبحانه هو معنا أينما كنا، هل يحتاج إلى خمسمائة ينوبون عنه يوصلون إلى ثلاثين إلى سبعة إلى أربعة إلى واحد، وأمر العباد موقوف على هذا الواحد!

    إخوتي الكرام! إن هذه المصطلحات الباطلة من القطب والغوث، ومن الأوتاد، ومن الأبدال، ومن أفراد الدائرة الذين يسمونهم بالأفراد والنجباء، كل هذا لم يرد له ذكر في شريعة الله المطهرة إلا لفظ الأبدال، لكن على غير المفهوم عند هؤلاء الضلال، وسأذكر -إن شاء الله- ما يتعلق بلفظ البدل، وما المراد منه؛ لأنه وردت الإشارة إلى الأبدال في الأحاديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام، أبين هذا بعون الله بفصل المقال في الموعظة الآتية، وأكمل خطوات البحث إن أحيانا الله، نسأل الله إن أحيانا أن يحيينا على الإسلام، وإن أماتنا أن يميتنا على الإيمان، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    أقول هذا القول وأستغفر الله.

    مناظرة مع بعض الصوفية حول كرامات الأولياء

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، خير خلق الله أجمعين، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    عباد الله! إننا نعيش في زمن غربة نشكو فيه حالنا إلى ربنا جل وعلا، وإذا كان العبد الصالح شيخ الإسلام يونس بن عبيد -صاحب الدعاء المستجاب الذي توفي سنة تسع وثلاثين ومائة للهجرة من رجال الكتب الستة- يقول: والله لو أدركوا -أي الصحابة- الصالحين فينا لقالوا -أي: عن الصالحين الذين في القرن الثاني-: ما عند هؤلاء من خلاق، يقول: ولو أدركوا شرارنا لقالوا: إنهم لا يؤمنون بيوم الحساب. فماذا يقول يونس بن عبيد لو رأى من ينسب إلى الصلاح منا ومن يعرف بالشر فينا، إذا كان الصالح في زمنهم إذا رآه الصالح المتقدم في زمن الصحابة يقول: هذا ما عنده من خلاق، والشرير يقولون عنه: هذا لا يؤمن بيوم الحساب، يقول هذا العبد الصالح -في القرن الثاني-: صرنا في زمن من عرف بالسنة فهو غريب -لأن الكثير يجهل السنة، ويجهل الحق، ويجهل الهدى- والأغرب منه الذي يدعو إلى السنة.

    وحقيقةً: من تأمل أحوالنا -وإلى الله نشكو أمورنا- يرى وضع الناس وأهواءهم، فإذا تكلمت عن قضية من القضايا وهي حق، وما راقت لذاك الإنسان، فإنه يولي ويعرض ويتكلم على ذلك بلسانه، ولا يراقب ربه، وإذا تكلمت عن قضية أخرى ما راقت لصنف آخر لاختلاف المشرب، عاملك كمعاملة الأول فولى وأعرض، وتكلم كلاماً أشنع من كلام الأول، وكأن دين الله ينبغي أن يتبع هوى فلان وفلان، وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29].

    كنت مرةً في بلاد الشام، وجرى بيني وبين بعض الإخوة الكرام كلام في قضية من القضايا، وظاهره من أهل الخير، وممن له شأن، وكما يقال: يحمل الشهادات التي هي في أرفع المستويات، فحكى لي قصة قال: أنا على يقين أنك لن تؤمن بها -هكذا يقول لي- قلت: وما هي؟ قال: أنا أعلم أنك لن تقر بكرامات الأولياء، قلت: لعنة الله على من ينكر كرامات الأولياء، لكن حدد لي الأمر الذي ستذكره، هل هو كرامة أم افتراء؟ فحكى لي قصة إن لم تكن مكذوبة ففيها تأويل ثان أذكره إن شاء الله بعد سردها، خلاصتها يقول: كان بعض الناس يقود باصاً من السيارات الكبيرة -الأوتوبيسات- يسع تسعة وستين راكباً وزيادة، يقول: وهو نازلٌ في منحدر من جبل مرتفع إلى الوادي، وما بقي معه فرامل أي: ما عادت تمسك، والسيارة بدأت تهوي كالريح، فبدأ ينادي: يا رب! يا ألله! يا حي! يا ستار! قال: فما أجابه أحد، قال: فقال: يا شيخ عبد القادر ! أنا في حماك، يا شيخ عبد القادر ! أنا في جوارك، يا شيخ عبد القادر ! أغثني، يا شيخ عبد القادر ! خلصني، قال: فأمسك الأوتوبيس ووقف، قال: انظر كرامات الأولياء، قلت: كيف تقول: لجأ إلى الله وما أجابه؟! قال: نعم، لا ينبغي أن يلجأ كل واحد إلى الله، ليس لأن الله لا يجيب، لا، لكن ينبغي أن نلجأ إلى الله عن طريق الطرق التي شرعها.

    وسمعت شريطاً وهو عندي لبعض الضالين من بعض الأماكن المجاورة هنا، وهو مسئول عن المساجد في بعض الأماكن، يقول في هذا الشريط في بيت من بيوت الله وهو في تفسير قول الله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186] يقول: (فليستجيبوا لي) أي: بدعاء أوليائي، فليدعوني ويقولوا: يا عبد القادر ! نعوذ بالله من هذا الافتراء وهذا الكفر الذي زاد على كفر المشركين، ويقال هذا في بيوت رب العالمين، (فليستجيبوا لي) بدعاء أوليائي، وأين ذكر الله هذا؟ دليله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا [البقرة:186] بدعاء أوليائي، نعوذ بالله من هذا الضلال ومن هذا العمى، وهنا قلت: كيف هنا ترك الله، وما أجابه الله، ولجأ إلى مخلوق؟! قال: لأننا ما عندنا نحن أهلية أن نلجأ إلى الله، قلت: يا عبد الله! وما الحجب بيننا وبين الله، مهما كان في قلب الشيخ عبد القادر من الرحمة والرأفة والحنو علينا ونحونا، فعند ربنا من الرحمة ما لا يخطر بالبال، ورحمة واحدة من رحماته التي أنزلها تتراحم بها المخلوقات العلوية والسفلية، وادخر تسعاً وتسعين رحمة، فإذا كان يوم القيامة ضم هذه الرحمة إلى رحماته وحكم بين عباده أجمعين، هل رحمة عبد القادر -رحمة الله ورضوانه عليه- زادت على رحمة الله؟!

    قال: أنت ما تصدق هذه القصة؟

    قلت: يا عبد الله! والله إن القصة بين أمرين لا ثالث لهما: إما كذب وافتراء ومما يتناقله الناس ولا حقيقة له، وهذا في الغالب، لكن أنا أعجب لعقولكم كيف انحطت إلى هذا المستوى، وعلى التسليم بأنها واقع، فيمكن أن يكون استغاث بالله فما أجابه، فاستغاث بالشيخ عبد القادر فأجيب، ولكن هل تدري من قبل من أجيب؟

    أجيب من قبل الشياطين، اجتمعت الشياطين وأمسكت هذا الأوتوبيس؛ لتفتن الناس بهذا الشيخ الصالح.

    قلت: وهذا له قصة جرت مع الشيخ عبد القادر عليه رحمة الله فيها ما يشبه هذا، أرجئ الكلام عليه أيضاً إلى الموعظة القادمة إن شاء الله.

    اللهم صل على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وحببنا فيه، اللهم أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، وكرهنا فيه، اللهم هيئ لنا من أمرنا رشداً، اللهم لا تضلنا بعد الهدى، اللهم أهلك من علينا اعتدى، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1-4] .