إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. سلسلة مباحث النبوة
  5. مباحث النبوة - مكانة أمهاتنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم

مباحث النبوة - مكانة أمهاتنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلمللشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن النبي صلى الله عليه وسلم سيد الخلق وأكرمهم على الله، ووصفه الله بأنه على خلق عظيم، وأباح الله له ولأمته النكاح حتى تأتي الذرية الصالحة التي تعبد الله تعالى، وجعل لأزواجه حرمة عظيمة تعظيماً وتوقيراً، فهن أمهات للمؤمنين؛ وللمؤمنات على الصحيح، وأقاربهن لهم من التوقير والاحترام والتبجيل كذلك، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتسابقون في إكرام أزواج النبي في حياته وبعد وفاته، كيف لا وقد أوصى بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبشر من أكرمهن بالرضوان، فهن أمان لهذه الأمة، وذهاب إحداهن نذارة لهذه الأمة.

    1.   

    منزلة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم ما سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فقد انتهينا من مدارسة خلق نبينا عليه الصلاة والسلام مع آل بيته وزوجاته الطيبات الطاهرات، ووعدت أن نتدارس ترجمة موجزة لأمهاتنا أزواج نبينا عليه صلوات الله.

    إن أزواج نبينا عليه صلوات الله وسلامه هن أمهاتنا بنص القرآن، ولهن علينا حقوق كثيرة، ولهن في الإسلام منزلة عظيمة، والله يقول في كتابه: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا [الأحزاب:6]، فقوله: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب:6] أي: في المحبة والنصرة، فيقدم على النفس في المحبة وفي النصرة وفي الطاعة.

    وسيأتينا هذا ضمن مبحث خاص من مباحث النبوة في حق النبي عليه الصلاة والسلام علينا، وواجبنا نحوه.

    وقوله: وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب:6] أي: في الحرمة والإكرام، والمنزلة والاحترام، والتوقير والإعظام فهن كالأمهات، بل أغلى وأعلى من أمهاتنا، بل ومن أنفسنا من أجل نبينا عليه صلوات الله وسلامه.

    ولا يعني هذا أن لها أحكام الأم، أي: يجوز أن تخلو بها، وأن تراها، وأن تمسها، وأن ترث منها، لا ثم لا، إنما هي في حكم الأم بالاعتبارات التي بينتها من الاحترام والتوقير والإكرام والإعظام، كأمك التي ولدتك.

    حكم تسمية أمهات المؤمنين بأمهات المؤمنات

    وهل يقال لأزواج نبينا: أمهات للمؤمنات أيضاً؟

    لعلمائنا في ذلك قولان منقولان عن السلف:

    القول الأول: لا؛ لأن النص أخبر بأن أزواج النبي أمهات للمؤمنين، وهذا خطاب للذكور العقلاء، وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب:6]، فهن أمهات الرجال، ولم يذكر النساء، فلا يقال لواحدة منهن: إنها أم للمؤمنات، إنما يقال: أم للمؤمنين.

    هذا القول ثبت في سنن البيهقي وطبقات ابن سعد عن أمنا عائشة رضي الله عنها من رواية مسروق : أن امرأة قالت لها: يا أماه! قالت: لست لك بأم، إنما أنا أم رجالكم، ثم تلت قول الله جل وعلا: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب:6]، وهذا القول صححه أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن.

    والقول الثاني: نقل أيضاً في طبقات ابن سعد عن أم سلمة رضي الله عنها، أن كل واحدة من أزواج نبينا عليه صلوات الله وسلامه يقال لها: أم للمؤمنين وأم للمؤمنات، وهذا الذي رجحه القرطبي في الجامع لأحكام القرآن، وهو أولى بالترجيح، وإن كان اللفظ يدل على أن الواحدة من أزواج نبينا أم للمؤمنين، فهي أم للمؤمنات أيضا في الاحترام والتوقير والإكرام والإعظام.

    وكأن أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها تريد أن النص ورد بما يفيد أن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام أمهات للمؤمنين الرجال، فإذاً: نقف عند هذا، لكن كما قلت ما نقل عن أمنا أم سلمة فيما يظهر هو أولى، فما يثبت للرجال يثبت للنساء، فمنزلتهن على النساء وعلى الرجال واحدة، من باب أن يكرمن من قبل الذكور والإناث.

    منزلة أقارب أمهات المؤمنين

    وهل يعمم هذا الحكم كما يعمم في القرابات فيقال لبناتهن، كسيدتنا فاطمة مثلاً: إنها أخت لنا؟ ويقال لإخوانهن: إنهم أخوال لنا كـمعاوية مثلاً يقال: إنه خال للمؤمنين؟

    نقل عن العلماء الكرام في ذلك قولان، والذي ذهب إليه أبو عبد الله الشافعي أن ذلك يقال، فيقال لـفاطمة : إنها أختنا، ويقال لـمعاوية : إنه خالنا، وقال ابن كثير في تفسيره: إن هذا من باب إطلاق العبارة لا إثبات الحكم، أي: لا يلزم من حكم تلك العبارة أنه ينطبق علينا.

    فإذاً: هي أخت لنا من باب إطلاق العبارة، بما أن أمها أم لنا وهي خديجة رضي الله عنها، فبناتها أخوات لنا في المنزلة والاحترام والإكرام، لا من باب إثبات الحكم، أي: في المحرمية، ويحرم علينا أن نتزوجها ونرثها، لا ثم لا، والأمر كما قلت فيه سعة، ومنقول عن أئمتنا، وإذا كان الأمر من باب إطلاق العبارة فلا حرج أن يعمم اللفظ المتقدم: وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب:6]، وأمهات للمؤمنات، وبناتهن أخوات أيضاً للمؤمنين والمؤمنات، وإخوتهن أخوال للمؤمنين والمؤمنات.

    النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب:6]، إذاً: كل واحدة من أزواج نبينا عليه صلوات الله وسلامه هي لنا بمنزلة الأم في الاحترام والإكرام والتوقير والإعظام، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن خير أمته خيرهم لأهله، أي: لأزواجه عليه صلوات الله وسلامه، وكما تقدم معنا أن خير هذه الأمة خيرهم لنسائهم، وخير هذه الأمة -أيضاً- خيرهم لأزواج نبينا عليه الصلاة والسلام، ففي حياتهن نقدم حاجتهن على حاجة أنفسنا، وبعد مماتهن نذكرهن بخير، ونترضى عليهن، وتتعلق قلوبنا بهن إجلالاً لهن وإكراماً لنبينا عليه صلوات الله وسلامه، فهذا من حقهن علينا رضوان الله عليهن أجمعين.

    وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر في الأحاديث الصحيحة الكثيرة الثابتة عنه، ففي مستدرك الحاكم في الجزء الثالث صفحة إحدى عشرة وثلاثمائة، وقال: صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي ، ورواه أبو يعلى والبزار كما في مجمع الزوائد في الجزء التاسع صفحة أربع وسبعين ومائة، وإسناد الأثر رجاله ثقات، ورواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان، وابن عساكر في تاريخ دمشق، وكما قلت إن الأثر صحيح ثابت من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( خيركم خيركم لأهلي من بعدي )، وفي رواية ابن عساكر والبزار: ( خياركم خياركم لنسائي )، وفي رواية ( خيركم خيركم لنسائي ).

    إكرام الصحابة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم

    ولذلك كان الصحابة الكرام يتنافسون في الإهداء لأمهاتهم أزواج نبينا عليه صلوات الله وسلامه، وتقدم معنا شيء مما كان يهدى به إلى أمنا عائشة بعد موت نبينا عليه الصلاة والسلام، وكانت تأتيها الألوف المؤلفة من أجل إكرام النبي عليه الصلاة والسلام، وكانت تخرج عنها وتنفقها في ساعتها، ولا تترك منها درهماً واحداً لتفطر عليه، إنما تفطر بعد ذلك على خبز وزيت، كما تقدم في كرمها رضوان الله عليها وعلى سائر أمهاتنا.

    وثبت في سنن الترمذي ومستدرك الحاكم أن عبد الرحمن بن عوف أوصى لأمهات المؤمنين بحديقة بيعت بعده بأربعين ألف دينار، وفي رواية الترمذي بأربعمائة ألف درهم، وفي رواية البزار : فأوصى لهن بكذا وكذا، أي: بحديقة، فبيعت بأربعمائة ألف درهم.

    والروايتان بمعنى واحد، فأربعون ألف دينار، اضربها في عشرة؛ لأن الدينار يعادل عشرة دراهم، فتصبح أربعمائة ألف درهم، وليس هذا فعله معهن فقط بعد موته، وإنما كان يقدم لهن في حياته رضي الله عنه وأرضاه، تطبيقاً لهذا الحديث: ( خيركم خيركم لأهلي من بعدي ).

    نعم: إن صلة المرأة بزوجها صلة وثيقة قوية متينة، وأوثق الناس بنبينا عليه الصلاة والسلام نساؤه، فمن إكرامه إكرامهن، ولا يطعن في واحدة منهن إلا من هو مشكوك في أصله، ولو كان ابن حلال لما وقع في الطعن في عرض نبينا عليه صلوات الله وسلامه، وكيف سيقابل النبي عليه الصلاة والسلام من يطعنون في عرضه، ويقعون في أزواجه بعد موته، ثم يزعمون بعد ذلك أنهم يتعلقون بآل البيت، ويدخل في آل البيت دخولاً أولياً نساؤه اللاتي يمثلن عرضه، كما أن فاطمة رضي الله عنها من آل البيت، فأمنا عائشة وأمها خديجة وهكذا سائر أزواج نبينا من آل البيت، ولذلك كيف سيكون جرم الإنسان عند الله عندما يطعن في واحدة من أزواج رسول الله عليه صلوات الله وسلامه؟!

    وقد أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام أن أعظم شيء يُهمه بعد موته نساؤه، وهذا هو الحاصل في كل أحد، فكل رجل يفكر في الزوجة المسكينة التي كانت تصاحبه، وهي لباس له، وهو لباس لها، ويبذل ما يستطيع في الإحسان إليها بعد موته، هذا لمن يقدر الإحسان والمعروف، ونبينا عليه الصلاة والسلام هو خير الخليقة لأهله، فكيف سيكون شعوره نحو نسائه بعد موته.

    فضل إكرام أزواج النبي صلى الله عليه وسلم

    استمع لهذا الحديث لنعلم حال الذين يقعون في عرض النبي عليه الصلاة والسلام، ولنعلم تقصيرنا إذا لم نذكرهن كل يوم بخير، ولم نترض عنهن، فجزاهن الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ثبت في مسند أحمد وصحيح ابن حبان ، وعند الحاكم في المستدرك والترمذي في السنن وابن سعد في الطبقات، وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح، عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن أمركن مما يهمني بعدي، ولن يصبر عليكن إلا الصابرون )، فقوله: ( إن أمركن مما يهمني بعدي )، أي: أنا أهتم لذلك وأفكر فيه، فهو عليه صلوات الله وسلامه يترك تسع نسوة، ومع ذلك ما ترك ديناراً ولا درهماً ولا شيئاً عليه صلوات الله وسلامه، تقدم معنا ذلك في تركته وما خلفه بعد موته عليه صلوات الله وسلامه، وقوله: ( ولن يصبر عليكن إلا الصابرون )، أي: لن يحسن إليكن، ولو قلنا بدل الإحسان: لن يقوم بواجبه نحوكن، ويتقي الله فيكن إلا الصابرون، الذي هم متقون صالحون.

    وفي رواية في مسند الإمام أحمد عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: ( أحنى عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي: انحنى عليها ومال إليها- فقال: إنكن لأهم ما أترك إلي وراء ظهري، والله لا يعطف عليكن إلا الصابرون الصادقون )، وهذا القول الذي ثبت عن أمنا عائشة فيما نقلته عن نبينا عليه صلوات الله وسلامه، نقل -أيضاً- عن أمنا أم سلمة، بل قاله جميع أزواج نبينا التسع بعد موته، وأنهن سمعن ذلك منه في قصة جرت لهن مع عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم أجمعين.

    ثبت ذلك في طبقات ابن سعد عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأزواجه: ( إن الذي يحافظ عليكن بعدي لهو الصادق البار ).

    والمحافظة تشمل نوعين: إذا كن على قيد الحياة نقوم بواجبهن، ونقدمهن على النفس والأهل وما عدى ذلك، وبعد مماتهن نذكرهن ونطيب المجالس بحديثهن.

    قصة عبد الرحمن بن عوف مع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم

    وفي طبقات ابن سعد : أن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام كلهن قلن لـعبد الرحمن بن عوف بعد حادثة جرت له مع أمهاتنا، ومعروفه وصنعه معهن، فكانت كل واحدة تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا يحافظ عليكن بعدي إلا الصادق البار )، وقالت كل واحدة لـأبي سلمة بن عبد الرحمن : سقى الله أباك من سلسبيل الجنة، وكان هذا عندما باع حديقة وهو على قيد الحياة من عثمان بن عفان رضي الله عنهم أجمعين، وأرسل لكل واحدة ألف دينار، وأول من بدأ به أزواج نبينا المختار عليه صلوات الله وسلامه، ثم وزع الباقي في قراباته، فقام من مجلسه ولم يبق شيء من ثمن الحديقة.

    ثبت ذلك في طبقات ابن سعد وغيره، وكان أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف يقول لأمنا عائشة رضي الله عنها: يا أماه! فاقنا عروة بدخوله عليك، أي: تقدم علينا وغلبنا في أخذ الحديث منك، وكثرة الدخول عليك، وعروة بن الزبير يدخل على أمنا عائشة ؛ لأنها من محارمه فهي خالته، وأبو سلمة بن عبد الرحمن لا يستطيع أن يدخل؛ لأنه من الأجانب، وكان كلما أراد أن يدخل، قالت: وأنت يا أبا سلمة ! إذا أردت فاجلس من وراء الحجاب فسلني عما أحببت، وبذلك تستوي مع عروة ، فإنا لم نجد أحداً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى لنا من أبيك، فقد أوصى أبوك لنا بحديقة بيعت بأربعين ألف دينار، أي: بأربعمائة ألف درهم، وكذلك كان في حياته كلما حصل مغنماً وخيراً ومالاً أرسله إلينا وتعهدنا.

    وفي طبقات ابن سعد في الجزء الثامن صفحة إحدى عشرة ومائتين: أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه باع حديقة من عثمان بن عفان رضي الله عنه بأربعين ألف دينار، ثم دعا المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود ، وقال: قد اجتمع هذا المال عندي، وأنا بادئ بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فوزن لكل واحدة منهن ألف دينار، فجزينه خيراً وكل واحدة تقول لـأبي سلمة بن عبد الرحمن عندما يأتي بهذه الدنانير: سقى الله أباك من سلسبيل الجنة، سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا يحافظ عليكن بعدي إلا الصادق البار )، ثم قسم عبد الرحمن بن عوف ما بقي في أهله، فما قام وبين يديه شيئاً.

    أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمان للأمة

    إن أزواج نبينا عليه الصلاة والسلام من آيات الله، وتعظيمهن تعظيم لشعائر الله، ووجودهن في الحياة دليل على وجود الخيرات والبركات، وبفقدهن يفقد الخير والبركة من هذه الحياة، وقد كان الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين يقدرون هذا وينتبهون له، واستمع لهذه القصة التي رويت عن حبر الأمة وبحرها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كما ثبت الأثر الصحيح في سنن الترمذي وأبي داود ، والبيهقي ، وقال الترمذي : حسن صحيح، من رواية عكرمة قال: قيل لـابن عباس رضي الله عنهما بعد صلاة الصبح: ماتت صفية ، وقيل: حفصة ، وهذا لا دليل عليه، وورد في بعض الروايات تسميتها بأنها صفية ذكر ذلك المباركفوري في تحفة الأحوذي.

    قيل لـابن عباس رضي الله عنهما وهو في المسجد بعد صلاة الفجر: ماتت فلانة، قال: فسجد مباشرة، فقيل له: أتسجد هذه الساعة؟ ونحن نهينا عن التنفل بعد طلوع الفجر حتى تطلع الشمس، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إذا رأيتم آية فاسجدوا )، وأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي عليه الصلاة والسلام؟

    إذا رأيتم آية فاسجدوا، أي: إذا حصل كسوف، وإذا حصلت ظلمة شديدة، أو رياح قوية، فاسجدوا لله، فنلجأ إليه بأن يكشف الكرب عنا، فأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي عليه الصلاة والسلام؟! فهذه السيدة الفاضلة التي كان نبينا عليه الصلاة والسلام يعاشرها ويقترن بها وجودها في هذه الحياة أمان لمن هي معهم، فإذا ذهبت ما بقي لنا أمان إلا أن نلجأ إلى الله بالذكر والعبادة، وأما هذه الندامة فينا فحالها كما قال الله: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33]، فذهاب أمهات المؤمنين دليل على أنه رفعت البركة، ورفع الخير من الناس في ذلك الوقت، فلابد أن يعوض هذا بكثرة عبادتهم وسجودهم وطاعتهم لربهم جل وعلا، وإلا قد تحصل والعقوبة للعباد بسبب ما حصل من ضياع الخير وذهاب البركة.

    وفي رواية في سنن البيهقي قال عكرمة : فقلت: سبحان الله! تسجد ولم تطلع الشمس بعد، وأنت منهي عن التنفل بعد طلوع الفجر؟

    قال: أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا رأيتم آية فاسجدوا )؟ فأي آية أعظم من أن يخرج أمهات المؤمنين من بين أظهرنا؟!

    وفي رواية البيهقي ورد التصريح بأن صفية هي المتوفاة رضي الله عنها.

    بركة الصالحين

    وإنما سجد ابن عباس -كما يقول علماؤنا- لأن أمهاتنا ذوات بركة، فبحياتهن يدفع العذاب عن الناس، فينبغي الالتجاء إلى ذكر الله والسجود عند انقطاع بركتهن، ليندفع العذاب ببركة الذكر والصلاة، وهكذا يشرع للإنسان إذا مات في البلدة رجل صالح عالم أن يسجد لله جل وعلا، وأن يلجأ إليه، لئلا ينزل بلاء عند موت هذا الصالح الذي بسببه وبه يحفظ الله جل وعلا العباد والبلاد، وإذا ذهب الصالحون أتى الناس ما يوعدون، فلن تقوم الساعة وفي الأرض من يقول: الله الله، كما أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى بركة الصالحين، ونصرة الناس بهم.

    هذا الأمر.. صرنا في زماننا الذي أظلم فيه كل شيء، إذا ذكرته يستغرب الناس، يقول أحدهم: إنسان فيه البركة، إنسان إذا ذهب من الحياة ذهبت البركة!

    والحديث الذي يدل على هذا هو في الصحيحين، وفي مسند أحمد من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وفيه دلالة عظيمة على ما فهمه حبر الأمة.

    وكنت ذكرته في أول مجيئي إلى هذه البلاد المباركة في موعظة محبة أولياء الله، وعلقت عليه بما علقت هناك.

    وكثير من الناس إذا لم يرق لهم الأمر يتهمون ويشتطون بالكلام، وهذا كلام نبينا عليه الصلاة والسلام في المسند والصحيحين، بأنه يحصل النصر للمؤمنين بوجود صحابي فيهم، ويوجد نصر للمؤمنين بوجود تابعي فيهم، ويحصل النصر للمؤمنين بوجود تابعي من أتباع التابعين، واحد فقط، هؤلاء إذا وجد واحد في الجيش به ينصر الله الجيش، هذا ثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وهذا ما كان يفهمه ابن عباس وغيره من الصحابة رضي الله عنهم، والبلاد الآن تعرضت لنقص فيها، فينبغي أن نعوضه بكثرة الذكر والالتجاء إلى الله جل وعلا.

    فضل القرون الثلاثة

    ولفظ حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يأتي على الناس زمان يغزو فيه فئام من الناس -أي: جماعات- فيقال لهم: هل فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم ) أي: بهذا الصحابي، والإمام البخاري أورد هذا الحديث في كتاب الجهاد، وبوب عليه فقال: باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب.

    قال الحافظ ابن حجر في شرح هذه الترجمة في فتح الباري في الجزء السادس صفحة ثمان وثمانين: أي: استعان ببركتهم ودعائهم، إذا الجيش خرج للقتال في سبيل الله يأخذ بعض الصالحين معه ليدعو الله جل وعلا أن ينزل النصر، على هذا الجيش، بوجود هذا الصالح فيهم، سواء كان سيقاتل أم لا، وقد لا يستطيع أن يجاهد لأنه ضعيف.

    أورد هذا الحديث وفيه: ( يأتي على الناس زمان يغزو فيه فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام -أي: هل فيكم أحد رأى بعض الصحابة؟- فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام )، يعني من صاحب التابعين ورآهم، هل فيكم أحد من أتباع التابعين؟ ( فيقولون: نعم، فيفتح لهم )، وفي رواية: ( فيقال: هل فيكم من رأى رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ في الأولى، فيقولون: نعم، فيفتح لهم )، رؤية فقط، وبهذه الرؤية صار له قدر واعتبار.

    وتقدم معنا أن رؤية النبي عليه الصلاة والسلام مرة فقط تعدل عبادة آلاف السنين، ومن رأى النبي عليه الصلاة والسلام رؤية فقط إذا أنفق مداً من شعير فأجره عند الله الجليل أعظم مما لو أنفقت أنت كل يوم مثل أحد ذهباً في سبيل الله جل وعلا، لما حصل له من الخيرية والبركة من رؤية خير البرية عليه صلوات الله وسلامه، وكل من رأى النبي عليه الصلاة والسلام يشع النور من مفرق رأسه إلى أخمص قدميه، ويحصل له من المنزلة ما لم تحصل لمن بعده مهما اجتهد وعبد.

    والحديث في الصحيحين، وهذا المعنى يحتاج لبشر يعي ويفقه لا إلى من غضب الله عليه، ويشوش في هذه الأيام.

    وقد يقال من باب النقد: هذه خصوصية للصحابة بأن تنصر الأمة ويفتح للجيش بوجود واحد رأى صحابياً؛ لأن هؤلاء من القرون المفضلة، فأثر النظر والنور امتد إلى الصحابة والتابعين وأتباعهم.

    وفي رواية لـمسلم يقول أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يأتي على الناس زمان يبعث فيهم البعث، فيقولون: انظروا هل تجدون فيكم أحداً من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ )، فيوجد الرجل الواحد فقط فيفتح لهم ببركته، وهذا ما قاله الحافظ ابن حجر في الفتح الجزء (6/88)، يقول: باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب، قال: ببركتهم ودعائهم.

    ولا أزال أردد وأقول: أنقل عن أئمتنا الذي جاء ديننا عن طريقهم، فإذا كان عندكم نقل آخر عن أئمتنا فبينوه، وإلا فقفوا عند حدكم واعرفوا قدركم، ولا تكثروا الشغب بالباطل، فلا تأتنا بآراء وأفكار من بنيات أذهانك في هذا الوقت، فتقول: هذا التبرك غلو، وهذا شرك، سبحان ربي العظيم! إن هذا الذي تنكره يقوله شراح السنة، ونقلة أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام.

    وأنا أعجب غاية العجب ممن يدعي أنه من أهل الحديث ثم يشتغل بلهو الحديث، ويقع في أهل الحديث ومحدثيهم، شراح سنة النبي عليه الصلاة والسلام.

    شأن أهل العلم والفضل في أمة محمد

    إخوتي الكرام! هذا الأمر كان يقدره المسلمون في العصر الأول، وأما في هذه الأيام فليس عندنا اعتقاد نظيف، ولا عمل صحيح، وانظر لتقدير أئمتنا للصالحين في عصرهم، يروي في ترجمة العبد الصالح محمد بن واسع ، وهو من العلماء الربانيين القانتين، وحديثه في صحيح مسلم والسنن الأربعة إلا سنن ابن ماجه ، وتوفي سنة ثلاث وعشرين ومائة للهجرة، وقيل: سنة سبع وعشرين ومائة للهجرة، وتقدم معنا أن جعفر بن سليمان كان إذا وجد في قلبه قسوة نظر إلى وجه محمد بن واسع فقط دون أن يسمع منه كلمة، إذا قسى قلبه يذهب إلى مسجد محمد بن واسع فينظر في وجهه فيجتهد أسبوعاً، ويجتهد شهراً.

    وقلت: لا خير فيمن لم يعظك لحظه كما يعظك لفظه، وفينا من ينفر عن الله عز وجل، وهذه بلية البلايا، وهذا حالنا.

    وتقدم معنا أن الأمة ما رأت في زماننا عالماً ربانياً يقتدى بشكله وهيئته وصفته قبل أن يقتدى بكلامه، إنهم كانوا دواءً يتداوى به، فصرنا داءً لا دواء له، كان العاصي إذا أراد أن يتعظ يذهب ليرى وجه العالم فقط، ليرى الخشوع والإخبات والسكينة في أسارير وجهه، وفي كل ذرة من ذراته، فيعظه هذا، ولا خير في من لم يعظ بحاله، أما أنه يعظ بمقاله فقط فلا يؤثر وعظ المقال إذا نفر الحال.

    وانظر لحال أمير جيش المسلمين قتيبة بن مسلم عندما اصطف المسلمون مع الترك وكان محمد بن واسع يدعو ويرفع أصبعه يشير بها إلى السماء، وهو معتزل تحت شجرة يلجأ إلى الله، فقال قتيبة : والله إن تلك الأصبع لـمحمد بن واسع أحب إلي من مائة ألف سيف شهير وشاب طرير، أي: في حداثة شبابه، وفي عنفوان قوته، مائة ألف سيف مع مائة ألف شاب، كل هؤلاء لا يعدلون أصبح محمد بن واسع ، وقال لهم: جاءنا النصر، ورحمة الله ستأتينا وهو على كل شيء قدير.

    وهذا ما أشار إليه البخاري كما أسلفنا، فالأمة لا تنصر ولا ترزق إلا بضعفائها، بدعائهم والتجائهم إلى ربهم جل وعلا.

    أراد مرة بعض الأمراء أن يولي محمد بن واسع القضاء فامتنع، قال: والله لأجلدنك ثلاثمائة جلدة إذا لم تلي القضاء، قال: إن تفعل فإنك مسلط، وإن ذليل الدنيا خير من ذليل الآخرة، أي: القضاء لا يمكن أن أقربه ولا أن أباشره لما يحصل فيه، وإن جلدتني حتماً فهذا ذل في الدنيا، ولكن ذل الدنيا خير من ذل الآخرة، فقال له الأمير بعد ذلك: إنك أحمق، نعرض عليك القضاء وتأبى، قال: ما زال يقال عني هذا وأنا صغير، يعني ماذا جرى؟

    إن محمد بن واسع لما عوتب من بعض الأمراء؛ لأنه لا يزورهم، ويخشون من أنه يكرههم، قال لهم هذه المقولة الطيبة النافعة: والله لخياركم أحب إلينا من أبنائنا، وليس إذا اعتزلناكم أننا نبغضكم.

    1.   

    الحكمة من زواج النبي صلى الله عليه وسلم بأكثر من أربع

    بعد هذه المقدمة الموجزة في بيان منزلتهن بوجه عام، وقبل أن أذكر ترجمة موجزة لكل واحدة من أزواج نبينا عليه صلوات الله وسلامه، أحب أن أبين حكمة اقتران النبي عليه الصلاة والسلام بأكثر من أربع زوجات، ويدعونا إلى بيان حكمة تعدد الزوجات، وهذا يدعونا إلى أمر آخر ألا وهو الحكمة من مشروعية النكاح، فهذه ثلاثة أمور لابد من أن نتدارسها مرتبة:

    أولاً: الحكمة من مشروعية النكاح وفيه: مقاصد خمسة أفصل الكلام عليها إن شاء الله.

    ثانياً: الحكمة من التعدد، وفيه: عشر حكم أفصل الكلام عليها إن شاء الله.

    ثالثاً: الحكمة من إباحة الله لنبيه عليه الصلاة والسلام أكثر من أربع زوجات، وفيه: عشر خصال، هذه المباحث لابد من استيفاء الكلام عليها، ولا يصلح أن نتكلم على الأمر الأخير دون أن نقدم له، إننا عندما نريد أن نتكلم على اقتران نبينا عليه الصلاة والسلام بأكثر من أربع نسوة، لابد أن نعلم شأن النكاح ومنزلته في الإسلام، وهل هو كما يقال أمر تافه، خاصة إذا أكثر الإنسان منه؟ أم هو سعادة وخير، ومن أكثر منه فقد أكثر من الخيرات، هذا كله لابد من وعيه، وهذه قضية جرى حولها لغط كثير كثير، وبلغ الشطط والانحطاط في صاحب تفسير المنار أن يقول عن نفسه وعن أصحابه: إنه ما رأى ظريفاً عاقلاً في زمنه عنده زوجتان فالكل يقتصر على واحدة، هذا هو الأصل، والتعدد ينافي التعقل والظرافة والحكمة.

    وحقيقة: لقد أسيء إلى هذا الأمر كما أسيء إلى سائر أحكام الإسلام وشعائره.

    الأمر الثاني: الحكمة من التعدد للأمة، بحيث يعدد الواحد اثنتين وثلاثاً وأربعاً، والحكمة من التعدد لنبينا عليه الصلاة والسلام، وقد دخل عليه الصلاة والسلام بثلاثة عشرة امرأة، وهذا لا خلاف فيه، وتوفي عن تسع، وأما من عقد عليها وطلقها قبل الدخول أو خطبها فهو أكثر من ذلك، ومن عرضت نفسها عليه سيأتينا بيانه كله.

    مكانة النكاح في الإسلام

    من المعلوم عند المؤمنين أن الزواج والنكاح من سنن المرسلين، ومن المعلوم أيضاً أن التبتل ليس من الدين، ومن المعلوم أيضاً بأن النكاح قد حببه الله إلى نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام، ونبينا عليه الصلاة والسلام هو إمام العابدين، ورأس الزاهدين، وهذا النكاح الذي قد يقلل من شأنه الناس أحياناً له شأن عظيم في الإسلام، قال ابن الجوزي في تلبيس إبليس: رب جماع خير من عبادة ألف سنة.

    نعم، ووالله خير من عبادة آلاف وملايين السنين، وأنا على يقين بأن والد الإمام أحمد، ووالد الإمام الشافعي حصلا من الخيرات بوجود هذين الإمامين، وهكذا أولاد سائر الأئمة ما لا يحصله لو لم يتزوج وعبد الله عز وجل، فلو لم يتزوج والد الإمام أحمد وينجب هذا الابن المبارك، لو عبد الله ألف سنة هل ستجري تلك العبادة بالخير الذي حصل للأمة بواسطة هذا الابن المبارك، وبالدعوات التي كان يدعو بها هذا الابن المبارك لأبيه؟

    وهذا لا يعلمه إلا الله جل وعلا، وعليه من أكثر من النكاح فليس من الملومين، وإنما هو من المحمودين المأجورين، لما يترتب على كثرة النكاح من الفوائد الحسنة في الدنيا والدين، وقد وسع الله لنبينا عليه صلوات الله وسلامه في هذا الأمر فأباح له، وشرع له ما لم يشرعه لأتباعه من المؤمنين، فهم قصروا على أربع، وهو وسع الله عليه لحكم جليلة يدركها العقلاء المعتبرون، وسنأتي إليها بالتفصيل الميمون بإذن الحي القيوم.

    النكاح من سنن المرسلين، والله يقرر هذا في كتابه الكريم فيقول: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ [الرعد:38]، فهو طاعة عظيمة يتقرب بها الناس إلى رب العالمين، والإكثار منه إكثار من الطاعة، ولعله يزيد الأجر بإكثاره على الأجر من الإكثار في الصلاة والصيام فالاستكثار منه مقربة، ولابد أن نعي هذه القضية المحكمة.

    وقد أشار نبينا صلى الله عليه وسلم إلى دلالة هذه الآية في أحاديثه الصحيحة الكثيرة الوفيرة، وبين أن من سنن المرسلين النكاح الكريم، ففي مسند أحمد وسنن الترمذي في أول كتاب النكاح، ورواه عبد بن حميد، وابن أبي شيبة في مصنفه، وسعيد بن منصور في سننه، والطبراني في معجمه الكبير من رواية أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( أربع من سنن المرسلين: الحياء )، وضبط الختان، وضبط: الحناء، ( الحياء والسواك والتعطر والنكاح )، هذه سنن تتابع عليها الأنبياء عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه.

    ( الحياء )، بالحاء بعدها ياء وبعدها مد، ( الحياء )، وهو خلق الأنبياء عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، فأبرز شعب الإيمان الحياء، و( الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان )، وخص بالذكر لمزيد أهميته من بين سائر الشعب، فبوجوده توجد بقية الشعب، وبضياعه تضيع كل الشعب، فشعب الإيمان متوقفة على الحياء، الذي يستحي به الإنسان من ربه ومن الخلق فلا يقع في التقصير مع الخالق أو المخلوق.

    وضبط بالنون بدل الياء (الحناء)، قال ابن القيم في زاد المعاد: وسمعت شيخ الإسلام المزي يقول: ضبطه بالحناء هذا خطأ، وهو الضبط الصحيح الختان، يقول: وسقطت النون من الحاشية الختان، يعني الاختتان من سنن المرسلين، الحناء هذا الذي يعني حكم عليه الإمام المزي وغيره بأنه خطأ، وهكذا أبو بكر بن العربي قال: لأننا نحن منهيون عن استعمال الحناء في أعضائنا، فهو من زينة النساء، لكن يمكن أن يحمل هذا على الخضاب، لأن الإنسان إذا شاءأن يستعمل الحناء في رأسه وفي لحيته يغير الشيب، ويتجنب السواد فلا بأس.

    إذاً: هذا من سنن المرسلين، الحناء، الحياء، الختان، وكما قلت هذه الأمور الثلاثة ضبطها أئمتنا، ولا أرى داعياً للقول بأن بعض هذه الألفاظ خطأ، إنما الروايات تعددت في ضبطها: حياء، حناء، ختان، ومن سننهم السواك، والتعطر، والنكاح، وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً [الرعد:38].

    والحديث قال عنه الترمذي : هذا حديث حسن غريب وله شواهد كثيرة، انظروها في الترغيب والترهيب للمنذري في الجزء الثالث صفحة أربعين، وحكى تحسين الترمذي للحديث وأقره وفي تلخيص الحبير في الجزء الأول صفحة سبع وسبعين، وانظر مجمع الزوائد في الجزء الثاني صفحة تسع وتسعين، وعليه فما قاله الألباني في هذه الأيام: من أن تحسين الترمذي غير حسن، فهو كلام ممتهن، ولا يقبله أصحاب الرأي الحسن، بل هو حديث حسن حسنه أئمتنا وتتابعوا على ذلك.

    وأما زعمه بأن الراوي عن أبي أيوب أبو الشمال بن ضباب : مجهول لا يعرف، نعم، حدث عنه مكحول، وقال عنه الحافظ في تهذيب التهذيب: لا يعرف إلا بهذا الحديث كما قال أبو زرعة وقال الذهبي في الميزان: لا اعرف اسمه ولا أعرفه إلا في هذا الحديث، لكن أريد أن أقول: إن التابعين الذين فيهم جهالة ولم يعرف فيهم جرح أئمتنا كانوا يتساهلون في أمرهم، وهذا إذا ما ورد للحديث شواهد، فهذا الحديث لا يوجد جزئية من جزئياته إلا ولها شواهد كثيرة متكاثرة، الحياء والختان والحناء على الرواية الثالثة، ثم السواك ثم التعطر ثم النكاح، لا يوجد جزئية من هذه الجزئيات إلا ولها شواهد من كلام خير البريات عليه صلوات الله وسلامه.

    يضاف إلى ذلك كما قلت أبو الشمال بن ضباب من أئمة التابعين، لم يرو عنه إلا مكحول، صار حاله كحال نبهان مولى أم سلمة رضي الله عنها، وتقدم معنا حديثه: ( احتجبا منه، أفعمياوان أنتما؟ )، وقلت: إن أئمة الإسلام تتابعوا على تحسين ذلك الحديث، بل على تصحيحه، مع أنه لم يرو عنه إلا الزهري ، ولم يرو عنه إلا مكحول الدمشقي شيخ أهل الشام في زمنه، وهو لأهل الشام كالحسن البصري لأهل البصرة، وروى عنه راو آخر وهو على اصطلاح الجمهور في رفع الجهالة، وإن كان ابن حبان يرفع الجهالة من روى عنه راو واحد، ولم يشترط أن يروي عنه راويان فهو يصحح حاله ويوثقه.

    وعلى رأي الجمهور لازال فيه جهالة، لكن كما قلت التابعون يتساهل أئمتنا نحوهم، وهذا من التابعين وما ثبت فيه جرح، وروى عنه إمام أهل الشام مكحول، نعم، ما خرج عن رسم الجهالة لأنه لم يرو عنه راويان، عذا أن تحسين الترمذي للحديث يعتبر منه توثيقاً لرواة الحديث، فإذا قال أبو زرعة -مثلاً-: لا أعرف أبا الشمال إلا في هذا الحديث، والترمذي عندما يحسن فما حسن الحديث إلا بعد أن حكم على رجاله بالتوثيق.

    كما أن أئمة العلم يقرونه على ذلك وله شواهد، فالحكم عليه بالضعف ضعيف، وكما قلت: القول بأن تحسين الترمذي غير حسن، هذا كلام خشن كبير يتجرأ عليه المتأخرون في هذا العصر، وهذا مما ينبغي أن يطرح، فإذا تكلم الإمام الترمذي فليسكت من يعيشون في هذا العصر، وليعرفوا قدرهم.

    ولهذا الحديث شواهده الكثيرة الوفيرة.

    التي تقرر معناه، ولو قدر أنه فيه شيء من الضعف حول إسناده فالشواهد تجبره، وينطبق عليه ما قاله الترمذي : هذا حديث حسن.

    من هذه الشواهد ما رواه أبو يعلى، وسعيد بن منصور في سننه، والبيهقي في السنن الكبرى، وعزاه الزبيدي في شرح الإحياء في الجزء الخامس صفحة ست وثمانين ومائتين للضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة، عن عبيد بن سعد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أحب فطرتي فليستن بسنتي، وإن من سنتي النكاح ).

    والحديث رجاله ثقات أثبات، لكن اختلف في عبيد بن سعد ، هل هو صحابي أو تابعي؟ قال الهيثمي: إن كان صحابياً فالحديث متصل ورجاله ثقات، وإلا فهو مرسل، وقد ذهب ابن الأثير في أسد الغابة إلى أن عبيد بن سعد من كبار التابعين، وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة: يغلب على الظن أنه تابعي، قال: وقد أورده ابن حبان في الثقات من كبار التابعين، وكذلك فعل الإمام البخاري عليهم جميعاً رحمة الله.

    قال الحافظ ابن حجر: لأنه لم يصرح بسماعه هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: وإنما أوردت عبيد بن سعد في هذا القسم -يعني في الباب الأول من حرف العين، وهذا وضعه لمن هو صحابي، وثبتت صحبته- يقول: إنما أوردته لذكر أبي يعلى له في مسنده، فقد جعله من الصحابة، وروى عنه هذا الحديث، فهو على الاحتمال أي: يحتمل أنه صحابي كما ذهب إلى ذلك أبو يعلى ، أو أنه تابعي كما قال ابن حبان والبخاري وغيرهما.

    قال البيهقي في السنن بعد أن روى هذا الحديث من طريق عبيد بن سعد : وروي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك رواه ابن عساكر في تاريخه: ( من أحب فطرتي فلستن بسنتي، وإن من سنتي النكاح ).

    وهذا الحديث نابع من رواية أبي أيوب الأولى، ومن رواية عبيد بن سعد الثانية، فمعناه ثابت، وما يشبه لفظه في الصحيحين وغيرهما.

    كما قلت: إن معنى الحديث ثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، ففي المسند والصحيحين وسنن النسائي وعند البيهقي في السنن الكبرى، وابن سعد في الطبقات من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه، في قصة الرهط الثلاثة الذين جاءوا إلى بيوت أزواج نبينا صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته في السر، فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها -قالوا هي قليلة- ثم اعتذروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: وأين نحن من رسول الله، إنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ثم بعد ذلك كل واحد أراد أن يلزم نفسه بأمر، فقال بعضهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً، وقال آخر: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أما أنا فأعتزل النساء ولا أتزوج، قالوا: نحن ينبغي أن نجد في العمل، فقالوا قولهم هذا.

    فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بمقالتهم جمع الصحابة على نبينا وقام فيهم مغضباً وقال: ( ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له )، وما يمكن لأحد أن يسبقني في عبادة ولا في طاعة، لكن لابد من وضع الأمر في موضعه، ( لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني )، بمعنى الحديث المتقدم: ( من سنن المرسلين النكاح )، ( فمن رغب عن سنتي فليس مني )، ( أصلي وأنام )، أي: أرقد في الليل، ( أصوم وأفطر، أتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني )، والحديث كما قلت في الصحيحين وغيرهما.

    وثبت في سنن ابن ماجه والحديث حسن بشواهده من رواية أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( النكاح سنتي، فمن لم يعمل بسنتي فليس مني، تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، ومن كان ذا طول فلينكح، ومن لم يجد فعليه بالصوم فإنه له وجاء )، وهذا كله يشهد لما تقدم، وكلام الترمذي حسن حسن، لا يعترض عليه معترض، وما ينبغي أن يعترض عليه أحد، فلهذا الحديث شواهد كثيرة منها هذا.

    عاقبة التبتل والترهبن المخالف للفطرة والشرع

    إذاً: النكاح من سنن المرسلين، وله شأن عظيم في الدين، ولذلك نهانا نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام عن تركه، وعن التبتل وعن الانقطاع على زعم المنقطعين عن الانقطاع إلى رب العالمين، وقد أراد بعض الصحابة في العصر الأول أن يتبتلوا وأن يسلكوا مسلك الرهبان، فنهاهم عن ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام، إن الرهبان فعلوا الفواحش في آخر الأمر، ويا ليتهم زنوا، لكان الأمر يسيراً، وإنما يلوط بعضهم ببعض، فضلاً عن الزنا الذي لا نهاية له، هذه عند الناس الترهب! فليتك تزوجت بدل واحدة أربع، وسترت نفسك، وأنجبت ذرية تعبد الله جل وعلا، أحسن من أن تزني وتلوط وتقول: إنك راهب متفرغ للآخرة. إن من يصادم الطبيعة الإنسان والفطرة الربانية سيغلب، ففيك نوازع جعلها الرب، وجعل لها مصرفاً شرعياً، تثاب عليه، وقد يكون كما تقدم معنا خير من عبادة ألف سنة، افعله واحمد الله، وأما من يقول: لا، أنا أريد أن أعبد الله على حسب رأيي، ففي نهاية الأمر ستنحرف عن عبادة الله، وسيعبد الشيطان وهو لا تدري، هذا الذي حصل من الرهبان.

    وكان نبينا عليه الصلاة والسلام يوجه الصحابة الكرام إلى صراط الله المستقيم، ثبت في المسند والصحيحين، والسنن الأربعة إلا سنن أبي داود، في الكتب الستة إلا أبي داود، ورواه الدارمي والبيهقي عن سعيد بن المسيب قال: سمعت سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يقول: رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا، نهاه أن يتبتل، أي: أن ينقطع للعبادة، وأن يعزف عن الزواج، وعن معاشرة النساء، رد عليه ذلك، والأصل أن يقول: لتبتلنا، وإنما ليدلل على أعظم تبتله ألا وهو الخصاء، أي: ولو أذن له بالانقطاع عن الدنيا للآخرة، وعدم معاشرة النساء لاختصينا، ولكن رد نبينا صلى الله عليه وسلم عليه ذلك، فالتبتل ليس من الدين.

    وأمرنا نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام أن نتزوج إذا كنا مستطيعين، وإذا لم نفعل فلسنا من عباد الله المسلمين، ثبت الحديث بذلك في معجمي الطبراني الأوسط والكبير، ورواه البيهقي في السنن الكبرى، وانظر الجزء السابع صفحة ثمان وسبعين من السنن، وانظر روايتي الطبراني في مجمع الزوائد في الجزء الرابع صفحة اثنتين وخمسين عن أبي نجيح رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من كان موسراً لأن ينكح فلم ينكح فليس منا )، أي: عنده القدرة على النكاح، وأما إذا لم يستطع فهذا معذور، وعليه أن يستعفف، وأما إذا كان عنده القدرة على النكاح، من نفقة ومهر ومسكن يأوي إليه مع زوجه، ثم لم يتزوج، إما أنه منقطع للعبادة على زعمه، وإما أنه يقول هكذا أيسر لي وأحسن كحال البطالين في هذا الحين، يقول أحدهم: ما أريد أن يكون لي زوجة تشغلني، وأولاد بعد ذلك لهم متطلبات، خليني من البطالين، هذا إن سلم من الحرام فلن يسلم من الوساوس والأوهام، ثم لو قدر أنه سلم ضيع عليه الخيرات العظام الحسان: ( من كان موسراً لأن ينكح فلم ينكح فليس منا ).

    والحديث حكم عليه الهيثمي في المجمع بأن إسناده حسن، وكذلك حسنه المنذري في الترغيب والترهيب، لكن اختلف أئمتنا في راوي الحديث وهو أبو نجيح ، هل هو صحابي أو تابعي؟ قيل: إنه صحابي، وهو كنية لـعمرو بن عبسة ، ذهب إلى هذا ابن الأثير في أسد الغابة، وقيل: هو كنية للعرباض بن سارية ، ذهب إلى هذا الذهبي والحاكم أبو أحمد ، وعلى القولين فالحديث عندنا حسن، وهو متصل الإسناد؛ لأنه صحابي، سواء كان أبو نجيح هو عمرو بن عبسة أو العرباض بن سارية رضي الله عنهم أجمعين.

    والذي يفهم من كلام الهيثمي في المجمع: أنه تابعي، وهكذا قال البيهقي في السنن، قال: هذا مرسل، فذهبا إلى أن المراد بـأبي نجيح هو يسار والد عبد الله المكي ، وهو ثقة إمام عدل رضا من التابعين، وليس من الصحابة.

    ولذلك قال البيهقي في السنن: هذا مرسل، لأن المراد بـأبي نجيح هو يسار، وعلى كل حال هذا الأثر: ( من كان موسراً لأن ينكح فلم ينكح فليس منا )، إن كان مرسلاً فالإسناد ثقات، وهو مرسل تابعي رفعه إلى النبي عليه صلوات الله وسلامه، وإن كان متصلاً فالأمر واضح، وإذا كان مرسلاً فله شواهد كثيرة تقويه.

    من هذه الشواهد: ما ثبت في مسند أحمد، وعند البخاري في التاريخ الكبير، انظر المسند في الجزء الثاني صفحة سبع وثمانين ومائتين، وصفحة تسع وثمانين ومائتين في المجلد الثاني، وانظر التاريخ الكبير في الجزء الرابع صفحة اثنتين وستين وثلاثمائة، من رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخنثي الرجال الذين يتشبهون بالنساء، والمترجلات من النساء اللاتي يتشبهن بالرجال، والمتبتلين من الرجال )، الذين يقولون: لا نتزوج، ( والمتبتلات من النساء) اللاتي يقلن: لا نتزوج، ( وراكب الفلاة وحده ).

    هؤلاء خمسة لعنوا على لسان النبي عليه الصلاة والسلام: رجل يتشبه بامرأة، وامرأة تترجل وتتشبه بالرجال، ورجل يتبتل ولا يتزوج، وامرأة تتبتل ولا تتزوج، وإنسان يركب الفلاة وحده، فقد ينقطع ويضيع خبره، ولا يعلم أحد حاله، وليس معه معين ولا مغيث، هؤلاء الخمسة لعنوا وفي رواية قال: ( البائت وحده )، يعن: الذي يبيت وحده في حجرة منفردة أيضاً يدخل في هذا.

    وهذا الحديث في إسناده طيب بن محمد اليماني، ضعفه العقيلي ، وقال أبو حاتم : لا يعرف، وقال الذهبي في الميزان وفي المغني في الضعفاء: فيه جهالة، لا يكاد يعرف وله ما ينكر، ووثقه ابن حبان .

    وقد حكم الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند في الجزء الرابع عشر صفحة ثلاث وأربعين ومائتين، وفي الجزء الخامس عشر صفحة عشرة، وقلنا: الحديث روي في مكانين في المسند، ففي ترتيب الشيخ أحمد شاكر في المجلد الرابع عشر في آخره وأول الخامس عشر، لأنه بين المكان الأول والثاني في طبعة المسند صفحتان، من سبع وثمانين وتسع وثمانين، فانتهى الجزء الرابع عشر في أول الجزء الخامس عشر صفحة عشرة، لم قيل: صفحات وهنا قلنا: صفحتان؟ لأنه يوجد تعليق كثير من قبل الشيخ أحمد شاكر، يعني صفحة من المسند، الصفحة تأخذ في تحقيق الشيخ أحمد شاكر أحياناً ثلاثين.. أربعين.. خمسين صفحة، وهو انتهى من خمسة عشر جزءاً ولم ينته من المجلد الثاني من المسند، يعني خمسة عشر مجلداً في تحقيق مسند الإمام أحمد انتهى الشيخ أحمد شاكر منها ولم ينته من المجلد الثاني، والمسند ستة مجلدات، ولو مد الله في حياته لوصل الكتاب إلى خمسين مجلداً على أقل تقدير، يعني إذا كان المجلد الثاني ما انتهى منه، يعني إلى ثلثيه، خمسة عشر مجلداً، يعني إلى خمسين مجلد على أقل تقدير.

    وكما قال أئمتنا: كم حسرات في بطون المقابر، لو مد الله في حياة هذا الإنسان، وحقق هذا المسند بالطريقة التي فعلها لانتفع بذلك طلبة العلم، وحقيقة ما قام به جهد يشكر عليه، وهذا من باب العمل النافع، لا كمن يأتي إلى سنن الترمذي ويفصله إلى صحيح وضعيف، ويحذف الأسانيد ويحذف كلام الترمذي ثم يلزم الأمة من أولها لآخرها بتقليده، لأنكم تنهون عن التقليد، وتدعون للتقليد الأعمى، إن أحمد شاكر جاء لكلام الإمام أحمد في السند، وهذه الرواية تتكلم على الإسناد وحقق هذه الرواية وخرجها وبين من رواها مع الإمام أحمد ، هذا هو عمل المحدثين، هذا هو عمل طلبة العلم، لا أن ينسخوا الكتب وأن يشوهوها، كتاب ألفه الترمذي قد يكون أحياناً في الرواية التي يذكرها ضعف، هذا الضعف يزول إذا أشار إليه أولي الألباب، كيف حذفت هذا؟ حذفت الإسناد، حكمت حكماً تلزم الأمة به وتقول: صحيح الترمذي ، وضعيف الترمذي، هذا لا يجوز بل هذا من باب التلاعب بكتب أئمة الإسلام.

    أنت يمكنك أن تحقق الترمذي حققه وتكلم على نفسك، لكن اترك كلامه ثم أعط رأيك إذا كان عندك رأي ينظر طلبة العلم فيه، أما أن تبتر هذا الكلام، وأن تبطل كلام الترمذي الذي قرره في كتابه وأن تحذفه، ثم تأتي لتلزم الأمة برأيك، هذا لا يجوز، والشيخ أحمد شاكر عليه رحمة على جهوده الكثيرة لعله لا يرد ذكره على ألسنة طلبة العلم، ولا أعلم السبب! وهذه حقيقتنا، وما ترى طالب علم عندما يعزو يقول: قال الشيخ أحمد شاكر مثلاً مع أنه وهو من المنصفين، ويسلك مسلك الإمام ابن حجر في التصحيح والتضعيف.

    كما لا يجوز أن نكذب على النبي عليه الصلاة والسلام، لا يجوز أن ننفي عن النبي عليه الصلاة والسلام كلامه، فإذا كان الحديث حسناً فكيف تضعفونه؟! هذا كما لو كان ضعيفاً فصححته وحسنته، فانتبهوا لهذا، والأمر كما قال أئمتنا: ما سبقنا إليه بالتصحيح دعه، وأنت بعد ذلك ابحث في غيره، أما أن تأتي بعد ذلك لتخالف المتقدمين، وشغلت نفسك وشغلت الأمة بهذا.

    فالشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند يقول: إسناده صحيح، وإنما يفعل الشيخ أحمد شاكر هذا؛ لأنه يعتمد توثيق ابن حبان، فانتبهوا لهذه القضية فالشيخ أحمد شاكر يرى أن من وثقه ابن حبان ، ووجد للحديث شواهد، فالحديث إذاً صحيح، وطيب اليماني ذكر فيه جرح غير مفسر: ضعفه العقيلي ، وغاية ما فيه الجهالة فلم يرو عنه إلا راو واحد، فقلت: بما أنه وثق من قبل ابن حبان وليس فيه جرح مفصل مفسر فالأصل فيه الستر والعدالة، فقال عن إسناد الحديث: إسناده صحيح، هذا في مكانين في تعليق الشيخ أحمد شاكر على المسند.

    وقال المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء الثالث صفحه خمس ومائة: طيب بن محمد اليماني فيه مقال، والحديث حسن: ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء، والمترجلات من النساء، اللاتي يتشبهن بالرجال، والمتبتلون من الرجال -الذين يقولون: لا نتزوج- والمتبتلات من النساء -اللاتي يقلن: لا نتزوج- وراكب الفلاة وحده، البائت وحده )، الشيخ أحمد شاكر يقول: إسناده صحيح، والإمام المنذري يقول: فيه مقال، والحديث حسن.

    أما الهيثمي في المجمع فقد أورد في طيب بن محمد ما قيل فيه من كلام ولم يرجح شيئاً، لا رجح الضعف فيه ولا التوثيق، فبين أنه ضعفه العقيلي ، ووثقه ابن حبان وسكت، وهكذا فعل الحافظ ابن حجر في تعجيل المنفعة في زوائد المسانيد الأربعة.

    والكتاب إخوتي الكرام نافع، والحديث يحتاج إلى شيء من التكملة فيما يأتي.

    وبالنسبة لتعجيل المنفعة، فهو كتاب نافع، أورد الحافظ ابن حجر فيه تراجم الرجال الذين ليس لهم رواية في الكتب الستة ممن ذكروا في المسانيد الأربعة وهي: مسند أبي حنيفة، ومسند الشافعي، وموطأ مالك، ومسند أحمد، وعليه إذا حاولت تقريب التهذيب فيه رجال كتب الستة، وحاولت تعجيل المنفعة، فكل رجل يروي في الكتب الستة أو في هذه الدواوين الأربعة: مسند أحمد ، ومسند أبي حنيفة، ومسند الشافعي، وموطأ مالك، موجود في ترجمته، وكتاب تقريب التهذيب مجلد، وأما تعجيل المنفعة فهو أصغر من هذا، وفيه الرجال الذين ليس لهم ترجمة في الكتب الستة، أما من هو من رجال المسند وله ترجمة في الكتب الستة فلا داعي لإفراده بالذكر، وهنا طيب بن محمد هذا لم يرو له أحد من أهل الكتب الستة، فترجمه في تعجيل المنفعة.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع أنبياء الله وسلم تسليماً كثيراً.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.