إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. شرح مقدمة الترمذي
  5. شرح الترمذي - باب النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول وباب الرخصة في ذلك [6]

شرح الترمذي - باب النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول وباب الرخصة في ذلك [6]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اختلف العلماء في مسألة حكم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة على سبعة أقوال، ومما اختلفوا فيه مسألة حكم استقبال النيرين واستدبارهما حال قضاء الحاجة، واستدل المحرمون لذلك بحديث أورده الحكيم الترمذي في كتاب المنهيات، وقد ذكر العلماء أن جميع الأحاديث في هذا الكتاب لا تصح، وقد دافع أبو عبد الرحمن السلمي عنه، ورد عليه العلماء.

    1.   

    أقوال العلماء في حكم استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين! اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين! سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد: إخوتي الكرام! ما زلنا نتدارس البابين السادس والسابع من أبواب الطهارة من سنن الإمام الترمذي عليه وعلى أئمتنا والمسلمين أجمعين رحمة رب العالمين، وقد دار هذان البابان حول ما جاء في النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول، وحول الترخيص في هذا الأمر.

    وكما تقدم معنا إخوتي الكرام! أورد الإمام الترمذي في هذين البابين أربعة أحاديث، أولها حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا، قال أبو أيوب : فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت مستقبل القبلة فننحرف عنها ونستغفر الله )، قال الإمام أبو عيسى الترمذي عليه رحمة الله: حديث أبي أيوب أحسن شيء في هذا الباب وأصح.

    وقد انتهينا من مدارسة المبحث الأول المتعلق برجال أسانيد الأحاديث الأربعة، وشرعنا في مدارسة فقه الحديث، وقلت: إن فقهه يدور حول هذه الأحاديث المتعلقة بالنهي عن استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة، ويتعلق بالأحاديث الأخرى التي دلت على الترخيص في هذا الأمر، وقلت: في ذلك عدة أقوال معتبرة لأئمتنا البررة ذكرت أربعة منها:

    أولها: قلت: إنه قوي جداً، وثاني الأقوال من حيث القوة، أن ذلك يحرم مطلقاً، سواء كان الإنسان في صحراء أو في بناء، فلا يجوز أن يستقبل القبلة بغائط ولا بول، ونسبت هذا القول لمن قال به من أئمة الإسلام.

    وثاني هذه الأقوال: عكسه يجوز ذلك في البناء وفي الصحراء؛ لأن أحاديث الترخيص ناسخة لأحاديث النهي والتحريم.

    وثالث الأقوال: التفريق في كيفية حالة الإنسان عند قضاء الحاجة مع العموم في الأمكنة، فإذا استدبر القبلة جاز مطلقاً في الصحراء وفي البناء، وإذا استقبلها أثم وعصى، ويحرم عليه في الصحراء وفي البناء.

    والقول الرابع: التفريق بين الأمكنة، مع التعميم في كيفية حالة الإنسان عند قضاء الحاجة، فإذا كان في البناء حل له أن يستقبل أو يستدبر، وإذا كان في الصحراء لا يجوز أن يستقبل ولا أن يستدبر عند قضاء الحاجة.

    وهذا القول الرابع تقدم معنا تقريره بخمسة أدلة، ثم بعد ذلك أتبعته بالرد على ما يتوهم من معارضة لهذا القول، أيضاً ضمن خمسة أمور فصار المجموع عشرة في توجيه هذا القول وتقويته، وختمت الكلام بأنه أقوى الأقوال دليلاً، والقول الأول هو أحوط الأقوال.

    وقد اتفق أئمة الإسلام قاطبة بلا نزاع على أن من الأدب أن لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها في أي حالة كانت، لكن هل عليه إثم أم لا؟ حسب التفصيل المتقدم، أما أن الأكمل لك أن لا تستقبل القبلة بغائط ولا بول في مطلق الأمكنة، وفي عموم الأحوال هذا لا خلاف فيه.

    ولذلك خلاصة الأقوال أن القول الرابع أقوى من حيث الدليل؛ لأنه أعمل الأدلة كلها ولم يطرح شيئاً منها ولم يهمل شيئاً منها، ففي البنيان يرخص للإنسان أن يستقبل القبلة وأن يستدبرها بغائط أو بول، وفي الصحراء يحرم عليه ذلك، وأما القول الأول فقلت: إنه أحوط وأبرأ للذمة، والاحتياط دائماً مطلوب، وينبغي للإنسان أن يفعله إلا إذا كان منه حرج.

    والأمر في هذه المسألة كالأمر في زكاة الحلي المباح بالنسبة للنساء، فالأقوال في ذلك قولان لأئمتنا الكرام، فعند الجمهور وهم الأئمة الثلاثة المالكية والشافعية والحنابلة، لا زكاة في الحلي المباح للنساء، وعند الحنفية فقط يجب فيه الزكاة، قال أئمتنا بعد البحث المستفيض في هذه المسالة: دليل الجمهور أقوى، وقول الحنفية أحوط، فإذا أخرجت المرأة الزكاة عن الحلي المباح فهو أبرأ لذمتها، أما إذا كان ذلك واجباً فقد قامت به، وإذا لم يكن واجباً فهو صدقة تثاب عليها، لكن فيما يظهر قول الجمهور أقوى، فإذا لم تخرج فلا إثم عليها.

    وقد حقق شيخنا عليه رحمة الله الشيخ محمد بن أمين الشنقيطي هذه المسألة في كتاب أضواء البيان، وطلبة العلم بحاجة للنظر فيها، فأورد فيها ثلاث عشرة صفحة، في أقوال هذين الفريقين في الجزء الثاني من صفحة أربعمائة وخمس وأربعين إلى ما بعدها من الصفحات المتتابعة كما قلت، عند تفسير قول الله جل وعلا: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة:34]، وختم الكلام بأن قول الحنفية أحوط، وقول الجمهور أقوى، وهي نظير المسألة التي معنا، قول الإمام أبي حنيفة، والإمام أحمد في المشهور من مذهبهما أحوط؛ لأن المنع مطلقاً من عموم كيفيات الإنسان في جميع الأماكن، فلا تستقبل ولا تستدبر، سواء كنت في صحراء أو في بناء، هذا حقيقة أحوط، وقول الإمام الشافعي ومالك وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد -عليهم جميعاً رحمة الله- أنه يرخص لك في البناء أن تستقبل وأن تستدبر بالأدلة التي ذكرت، وتمنع من ذلك في الصحراء، هذا من حيث قوة الدليل فيما يظهر أقوى، والعلم عند الله جل وعلا.

    وبعد هذه الأقوال الأربعة التي تقدمت معنا قلت: هناك أقوال ثلاثة أخرى أذكرها على وجه الإيجاز ثم نكمل بقية مباحث هذه المسألة بعون الله جل وعلا.

    القول بجواز الاستدبار في البنيان دون الصحراء ومنع الاستقبال مطلقاً.. نسبته ودليله

    القول الخامس: وهو أحد الأقوال الثلاثة، أولها: ذهب إليه الإمام أبو يوسف، وهو تلميذ الإمام الجليل المبارك أبي حنيفة رحمة الله عليهم جميعاً، فقال: يجوز استدبار القبلة عند قضاء الحاجة -انتبه، ليس هذا كالقول الثاني- يجوز الاستدبار في البنيان فقط، أما القول الثاني عمم قال: في البنيان وفي الصحراء، هنا قيده، قال: الاستدبار يجوز إذا كنت في بناء، وأما الاستقبال فلا يجوز لا في بناء ولا في صحراء، والاستدبار في الصحراء لا يجوز أيضاً، فالاستقبال تمنع منه مطلقاً، واستدبار القبلة يرخص لك في البناء دون الصحراء، هذا قول الإمام أبي يوسف عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا.

    ودليله حديث عبد الله بن عمر الذي تقدم معنا، وهو استدبار نبينا عليه الصلاة والسلام للكعبة والقبلة المشرفة عند قضاء الحاجة كما تقدم معنا في حديث عبد الله بن عمر وكان ذلك في البنيان، نستثني هذه الصورة وما عداها يبقى على التحريم، فيحرم أن تستقبل في البنيان، ويحرم أن تستدبر وأن تستقبل في الصحراء.

    وهذا القول مع قوة الدليل الذي اعتمد عليه يورد عليه ما تقدم معنا من حديث جابر بن عبد الله ففيه أيضاً الاستقبال، فلا بد إذاً من أن نجمع بين الأحاديث، وأن نعود إلى القول الرابع، والعلم عند الله جل وعلا.

    القول بتحريم الاستقبال والاستدبار مطلقاً للقبلتين .. نسبته ودليله والجواب عنه

    القول الثاني من الأقوال الثلاثة، ذهب إليه إمامان مباركان من أئمة التابعين، الإمام إبراهيم النخعي وشيخ الإسلام محمد بن سيرين عليهم جميعاً رحمة رب العالمين، فقالوا: التحريم مطلقاً، في البناء وفي الصحراء استقبالاً واستدباراً، فإن قيل: هذا كالقول الأول؟ نقول: لا، التحريم مطلقاً للقبلتين، أي: للقبلة المشرفة وهي الكعبة المعظمة المباركة، ولبيت المقدس، يحرم عليك أن تستقبل القبلة وأن تستدبرها، وأن تستقبل بيت المقدس وأن تستدبره لحاجة البول أو الغائط في البنيان وفي الصحراء، أما القول الأول فهو خاص بالكعبة المشرفة، أما هنا يقول: عام في القبلتين في جميع أحواله، هذا ذهب إليه إمامان من أئمة التابعين الإمام النخعي وابن سيرين عليهم جميعاً رحمة الله.

    وعندهم في الحقيقة دليل قوي، وهو حديث النبي عليه الصلاة والسلام، وإن اختلف في درجته فقد حسنه الإمام النووي كما سأذكر لكم إن شاء الله عند تخرج الحديث، ومن باب بيان قيمة هذا القول أن أذكر دليلهم، ومن أدلتهم حديث معقل بن أبي معقل الذي أشار إليه الإمام الترمذي ، وقال بعد حديث أبي أيوب : وفي الباب حديث أيضاً معقل بن أبي معقل .

    حديث معقل الأسدي رواه أبو داود وابن ماجه ، ورواه الإمام البيهقي أيضاً، ولفظ الحديث قال: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط )، والقبلتان: القبلة الأولى وهي بيت المقدس، والقبلة الثانية الكعبة المشرفة.

    قال الحافظ في التلخيص، أعني: في التلخيص الحبير، وقلت لكم إخوتي الكرام! كثير من طلبة العلم يلحنون ويصحفون في النطق به وضبطه عندما ينطقون به يقولون: تلخيص الحبير، هذا يوجد في الكتب بكثرة، وهذا خطأ، تلخيص الحبير يفيد أن هذا تلخيص لكتاب اسمه الحبير، وليس كذلك، إنما هذا الحبير معك للتلخيص، التلخيص الحبير يعني التلخيص الجيد، والتلخيص الحبير للحافظ ابن حجر أربعة أجزاء في مجلدين في تخريج أحاديث الرافعي الكبير في فقه الإمام الشافعي عليهم جميعاً رحمة الله، وهو من الكتب النافعة في تخريج أحاديث الأحكام، وكنت ذكرت هذا الكتاب وقلت: له قيمة، وقبله كتاب أعظم منه ألا وهو نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية، والإمام ابن حجر استفاد من كتاب الإمام الزيلعي واختصره أيضاً في الدراية في اختصار نصب الراية.

    يقول الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير في الجزء الأول صفحة واحد وتسعين، وفي الفتح أيضاً الجزء الأول صفحة ست وأربعين ومائتين: حديث معقل ضعيف فيه راوٍ مجهول الحال، وهو أبو زيد مولى بني ثعلبة، لكن الإمام النووي عليه رحمة الله في المجموع في الجزء الثاني صفحة ثمانين قال: إسناده جيد، ولم يضعفه أبو داود ، هذا كلام الإمام النووي؛ لأن الإمام أبا داود إذا روى حديثاً في سننه ولم يضعفه فهو حسن أو صالح على حسب شرطه واصطلاحه، فروى فيه الصحيح وما يشبهه، وما يقاربه، وما فيه وهم وضعف بينه، وعليه ما سكت عنه فهو صالح أو حسن، والأدق والأحوط في التعبير كما قال الإمام ابن كثير أن نقول: صالح، يعني: يصلح للاحتجاج به وللاستشهاد به ولأخذ الحكم منه، سواء كان فيه ضعف يتقوى بالشواهد فهو صالح أو حسن، فالتعبير بأنه صالح أدق كما قال الإمام ابن كثير عليهم جميعاً رحمة الله، فالإمام النووي يقول: إسناده جيد، ولم يضعفه أبو داود .

    في هذا الحديث السادس من رواية معقل بن أبي معقل رواه الطبراني أيضاً من طريق آخر عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين، لكن في الرواية عبد الله بن نافع وهو ضعيف كما قال الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد في الجزء (2/ 205).

    إذاً حديث معقل فيه النهي عن استقبال القبلتين وهذا يفيد تحريم استقبال القبلتين واستدبارهما ببول أو غائط، وإلى هذا ذهب الإمامان النخعي وابن سيرين ، ومعنى هذا الحديث ..لأئمتنا فيه ثلاثة أقوال، قولان قالهما من قبل الإمام النووي، وأضاف إلى القولين قولاً ثالثاً، والقول الثالث هو الأظهر في معنى الحديث، فقيل: النهي كان عندما كان يتوجه المسلمون إلى بيت المقدس في صلاتهم، فكأن معقلاً يقول: نهينا عن استقبال بيت المقدس واستدباره عند قضاء الحاجة عندما كنا نتوجه إليه، فلما وجهنا إلى الكعبة نهينا عن استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط، فذاك كان، ثم عندما تحولت القبلة نهينا كما نهينا سابقاً عن استقبال بيت المقدس واستدباره، وعليه التحريم زاد أن هذا عندما كان بيت المقدس قبلة للمسلمين يصلون إليه ويتوجهون إليه، وقد توجه إليه نبينا عليه الصلاة والسلام سنة ونصف ثمانية عشر شهراً عندما ذهب إلى بيت المقدس، ثم حوله الله جل وعلا إلى استقبال القبلة المشرفة، قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:144].

    إذاً: معنى الحديث أنه عندما كان المسلمون يصلون إلى بيت المقدس، فكأن معقلاً يقول: نهانا النبي عليه الصلاة والسلام عن استقبال واستدبار بيت المقدس عندما كنا نصلي إليه، فلما وجهنا إلى الكعبة نهينا عن استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة، والنهي الأول زال.

    المعنى الثاني للحديث قيل: المراد بالنهي خصوص أهل المدينة، لأنه لو استقبل بيت المقدس استدبر الكعبة، من استقبل بيت المقدس استدبر الكعبة؛ لأن قبلة أهل المدينة عندما يتوجهون إلى الكعبة لا يستقبلون بيت المقدس، لكن لو استقبلوا الكعبة لقضاء حاجة البول فقد استدبروا بيت المقدس، يعني: لو أن أهل المدينة استدبروا الكعبة عند قضاء حاجتهم يستقبلون بيت المقدس، واضح هذا؟ ولو استقبلوا الكعبة يستدبرون بيت المقدس، فمن أجل ذلك نهي أهل المدينة عن استقبال بيت المقدس ببول أو غائط، فبعض العلماء يقول: لأنهم لو استقبلوا بيت المقدس استدبروا الكعبة، ولو استدبروا بيت المقدس استقبلوا الكعبة، ولذلك في حديث عبد الله بن عمر تقدم معنا: ( أنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام مستقبل الشام مستدبر الكعبة )؛ لأن من استدبر الكعبة وهو في المدينة يستقبل الشام، فقال بعض العلماء الكرام: هذا خاص بأهل المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه.

    قال الإمام النووي وهو القول الثالث: المعتمد الظاهر المختار أن النهي وقع في وقت واحد لكلتيهما في مكان واحد، لكن النهي هنا ليس للتحريم إنما هو للتنبيه وللأدب، فالنهي عن استقبال القبلة واستدبارها للتحريم، وإما لبيت المقدس فهو للتنبيه وللأدب، قال الإمام النووي: للإجماع على أن الاستقبال والاستدبار لبيت المقدس لا يحرم، قال: ولا نعلم في ذلك أحداً خالف، وقد تعقبه الحافظ ابن حجر وقال: الإجماع ليس بمسلم مع وجود قول إبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين كما تقدم معنا.

    وخلاصة الكلام القول الثاني من الأقوال الثلاثة، وهو القول السادس: الثابت أن التحريم مطلقاً حتى في القبلة منسوخ، يعني: يحرم علينا أن نستقبل القبلة وهي الكعبة، وأن نستدبرها، وهكذا الحال لبيت المقدس استقبالاً واستدباراً، الجمهور قالوا: النهي بالنسبة لبيت المقدس للتنبيه وللأدب، والنخعي وابن سيرين قالا بالتحريم كما هو الحال في حق الكعبة المشرفة، ودليلهم ما جاء في أبي داود وابن ماجه وسنن البيهقي من حديث معقل بن أبي معقل، وقد اختلف في درجته، وقد مال الإمام النووي إلى تحسينه والعلم عند الله جل وعلا.

    هذا القول معارض لما تقدم معنا من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام استدبر الكعبة، واستقبل الشام، مما يدل على أن هذا القول على عمومه وحاله كحال القول الأول، فيعمل بعض الأحاديث ويلغي بعضها، فنجمع بينه وبين القول الرابع، نقول: هذا كان ثم نسخ، نسخ ما كان منه في العمران وفي البنيان رخص، وما عدا ذلك سيبقى المنع، والمنع بالنسبة للقبلة على سبيل التحريم، أي: في الصحراء، والمنع بالنسبة لبيت المقدس على سبيل الكراهة للتنزيه عند المذاهب الأربعة أيضاً في الصحراء، وأما في البنيان فلا تمنع في استقبال القبلة واستدبارها، وهكذا الحال بالنسبة لبيت المقدس والعلم عند الله جل وعلا.

    القول باختصاص النهي عن استقبال القبلتين واستدبارهما بأهل المدينة .. نسبته ودليله والجواب عنه

    القول الثالث وهو السابع من الأقوال العامة، وهو آخر الأقوال: قال بعض العلماء وهو أبو عوانة صاحب الإمام المزني عليهم جميعاً رحمة الله: النهي في جميع الأحوال عن استقبال القبلة واستدبارها، وعن استقبال بيت المقدس واستدباره، النهي في جميع الأحوال التي تقدمت هذا خاص بأهل المدينة المنورة ومن كان في جهتهم، يعني: ممن يأتون جهة الشمال والجنوب؛ لأن قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( شرقوا أو غربوا )، هذا خاص بالمدينة، فمن كان في جهة الشمال أو الجنوب عندما يشرق أو يغرب لا يستقبل القبلة، لكن من كانت قبلته الغرب أو الشرق عندما يشرق استدبر القبلة، وعندما يغرب استقبل القبلة، هذا من كانت قبلته في جهة الغرب، ومن كانت قبلته في جهة الشرق، والنبي عليه الصلاة والسلام ماذا قال؟ قال: (شرقوا أو غربوا)، مما يدل على أن هذا النهي خاص بأهل المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه؛ لأنهم إذا شرقوا أو غربوا لا يستقبلون القبلة ولا يستدبرونها، وأما كما قلت من قبلته الغرب أو قبلته الشرق، هذا عندما يشرق أو يغرب فقد استقبل استدبر، فـأبو عوانة صاحب الإمام المزني يقول: هذا خاص بأهل المدينة؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( شرقوا أو غربوا ).

    قال أئمتنا: قوله: (شرقوا أو غربوا) أي: التشريق والتغريب خاص بهم، ومن كان في جهتهم، لكن النهي عام لكل أحد، وعليه من كان قبلته الشرق لا يقال له: شرق أو غرب، إنما يقال له: انحرف جنوباً أو شمالاً.

    إذاً: (شرقوا أو غربوا) هذا لأهل المدينة ومن كان في جهتهم، أما من قبلته الغرب فلا يقال له: شرق، ولا يقال له: غرب، واضح هذا؟ ففي هذه الحالة يقال: شمال أو جنوب، فالآن نحن قبلتنا جهة الغرب أليس كذلك؟ فإذا قيل لنا: غربوا استقبلنا القبلة، فإذاً هذا خاص بأهل المدينة ومن هو في جهتهم، والحكم عام، (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط أو بول، ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا).

    يبقى معنا الفصل، (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط أو بول)، ولكن شمالاً أو جنوباً إذا كانت قبلتكم في جهة الغرب أو جهة الشرق، فهنا بدل شرقوا أو غربوا وضعنا ما يناسبها، فالنهي واحد، لكن شرقوا أو غربوا على حسب أهل المدينة، لكن من عداهم نقول له: خذ شمالاً أو جنوباً، أما إذا شرقت أو غربت فبالنسبة لمن قبلته الغرب عندما يغرب يستقبل القبلة، وعندما يشرق يستدبرها، فعليه شرقوا أو غربوا هذه خاص بأهل المدينة، أما النهي فهو عام لكل أحد، وكل واحد بعد ذلك يتوجه على حسب جهته بحيث لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها.

    فـأبو عوانة صاحب الإمام المزني أخذ من كلمة: (شرقوا أو غربوا)، قال: هذا يفيد أن هذا الحكم خاص بأهل المدينة المنورة على نبينا ومنورها صلوات الله وسلامه، ومن كان في سمتهم، أي: ممن إذا انحرف شرقاً أو غرباً لا يستقبل القبلة، أما من كان إذا انحرف شرقاً أو غرباً سيستقبلها فليس معني بهذا؛ لأنه عندما يشرق أو يغرب سيستقبل أو يستدبر.

    وعليه؛ فهذا الحكم خاص بأهل تلك البقعة الطاهرة المطهرة، والقول حقيقة في منتهى الغرابة؛ ولأن الحكم عام، وليس خاصاً بأهل بقعة، فلا داعي لقصر هذا الحكم على أهل المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه.

    ورد في أحاديث كثيرة النهي عن استقبال القبلة واستدبارها مطلقاً كما في حديث سلمان : ( نهانا النبي عليه الصلاة والسلام أن نستقبل القبلة بغائط أو بول )، ولم يقل: (شرقوا أو غربوا)، فالنهي مطلق، وهنا قال: (شرقوا أو غربوا)؛ لأنه يخاطب الحاضرين أمامه، فأرشدهم إلى الانحراف عن جهة القبلة إما للشرق وإما للغرب، وأما غيرهم -فكما قلت- سيتجه شمالاً أو جنوباً، والعلم عند الله جل وعلا.

    1.   

    أقوال العلماء في استقبال النيرين واستدبارهما عند قضاء الحاجة

    إخوتي الكرام! قبل أن ننتقل إلى تخريج الأحاديث وبيان الروايات التي في الباب، عندنا مسألة يرد السؤال عنها كثيراً، ولم يورد الإمام أبو عيسى الترمذي -عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا- حديثاً يتعلق بها؛ لأنه لم يثبت فيها حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه المسألة هي: استقبال النيرين الشمس والقمر واستدبارهم، هل يجوز أم لا؟ حول القبلة تقدم معنا الكلام، وحول القبلة الأولى، وهي بيت المقدس، قلنا: المعتمد أن المنع أيضاً ثابت، لكن كراهة تنزيه.

    استقبال القمر والشمس واستدبارهما، جائز أو ممنوع؟ لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك شيء، وإذا لم يرد فالأصل الإباحة، وهذا الذي ذهب إليه الإمام مالك من المذاهب الأربعة، فعنده لا يحرم استقبال الشمس والقمر ولا استدبارهما مطلقاً في الصحراء ولا في البناء.

    والأئمة الثلاثة ذهبوا إلى كراهية استقبال الشمس والقمر واستدبارهما عند قضاء حاجة البول والغائط، قالوا: لأن نورهما من نور الله جل وعلا، لكن في الحقيقة كل شيء في هذا الكون نوره من نور الله جل وعلا اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [النور:35] هو منور هذا الوجود سبحانه وتعالى، وليس هذا خاصاً بالشمس والقمر، فإذا أردت أن تقول فقل أيضاً: نور الكواكب والنجوم من نور الله، يعني: إذاً الإنسان سيحتار أين سيقضي حاجته بعد ذلك، هذا في الحقيقة كلام مع جلالة من قالوا به رحمة الله ورضوانه عليهم، لكن يقال: لم خصصتم هذا الحكم بالشمس والقمر؟ فيرد عليهم هذا الاعتراض. وللعلم قالوا: هذا النهي ليس للتحريم إنما هو للأدب فقط؛ لأنه إذا لم يرد دليل على التحريم، يعني: لا تقل هذا حلال أو حرام إلا بدليل، لذا قالوا: الكراهة هنا للأدب.

    والاستحباب في كتب الفقه إذا أطلق المراد منه استحباب المشايخ، أي: استحب العلماء والمشايخ وعلماء الإسلام استحبوا هذا أدباً، وهذا الاستحباب أدلته عامة، يعني: الأدب مع الجهات التي هي محترمة مكرمة، فكأنهم يقولون: الشمس والقمر آيتان عظيمتان نتأدب معهما، فلا نستقبلهما ولا نستدبرهما، عندكم دليل؟ قالوا: ما عندنا دليل، الاستحباب -كما قلت- ليس هذا بمعنى السنة، هذا استحباب المشايخ، عندما يطلق أئمتنا -عليهم رحمة الله- الاستحباب تارة يريدون به السنة إذا ثبت به دليل، وتارة يريدون به ما استحبه المشايخ واستحسنوه لدخوله ضمن دائرة الأدب العام، واضح هذا؟

    فهم يقولون: لا دليل عليه، لكنه يستحب ذلك من أجل أن هذين مخلوقان عظيمان، فنجلهما عن استقبالهما واستدبارهما عند قضاء حاجتنا من بول أو غائط.

    إذاً: فالأئمة الثلاثة قالوا: الكراهة للتنزيه، والاستحباب من أجل التأدب مع هذين المخلوقين العظيمين.

    ثم بعد ذلك الأئمة الثلاثة مع قولهم باستحباب عدم استقبالهما واستدبارهما للشمس والقمر، انقسموا أيضاً إلى قسمين، فالحنفية والحنابلة قالوا: لو استتر بشيء -سواء كان في الصحراء، أو في البناء- جاز له أن يستقبلهما، أو أن يستدبرهما، وهكذا لو كان في السماء غيم يحول بين رؤيتهما، فلا يمنع، فليس الحكم كحال الكعبة المشرفة، هناك لو كان في السماء غيم تمنع، لكن لو استترت كما تقدم معنا عند الجمهور أيضاً مرخص، بل ذهب الإمام محمد بن عابدين محقق المذهب الحنفي -عليهم جميعاً رحمة الله- في رد المحتار على الدر المختار في الجزء الأول صفحة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، قال: لو كان الشمس والقمر في كبد السماء، أي: في الوسط، فإنه في هذه الحالة لا يمنع من استقبالهما واستدبارهما؛ لأنه والحالة هذه لا يتصور ذلك إلا إذا مالا، أي: في جهة الشرق أو الغرب، أما في الوسط فلا يتصور هذا.

    مقرر في كتب هؤلاء الأئمة، انظروا ذلك في المغني في الجزء الأول صفحة خمس وخمسين ومائة، قال: يكره أن يستقبل الشمس بفرجه لما فيهما من نور الله، فإن استتر عنهما بشيء فلا بأس، يقول: ولو استتر عن القبلة بشيء جاز له أن يستقبلها وأن يستدبرها، فالشمس والقمر من باب أولى، وهكذا قال -كما قلت- الحنفية في المكان الذي أشرت إليه في رد المحتار على الدر المختار.

    والشافعية سيأتينا أن لهم تفصيلاً وهو القول الثاني.

    إذاً هذا قول الحنفية والحنابلة، لو استتر جاز أن يستقبل وأن يستدبر، وأما المالكية فقد تقدم معنا أن عندهم لا يكره ولا يستحب عدم استقبالهما واستدبارهما، ولا يكره استقبالهما ولا استدبارهما، هما كغيرهما من مخلوقات الله جل وعلا، كما في حاشية الدسوقي على مختصر خليل في الجزء الأول صفحة مائة وواحد، يقول: يجوز استقبالهما واستدبارهما مطلقاً.

    أما الشافعية -إخوتي الكرام!- ففرقوا بين الشمس والقمر، وبين الكعبة المشرفة، فالكعبة المشرفة تقدم معنا، أنه إذا استترت عنها بشيء يجوز لك، وهذا فيما يظهر أقوى الأقوال، أما الشمس والقمر، فقالوا: تمنع مطلقاً، وإن استترت، وإن كان هذا في بنيان، والمنع كما قلنا للأدب، ليس للتحريم، أي: لا ترتكب إثماً لو فعلت، لكن هذا خلاف الأدب، هذا الذي قرره الغزالي في الإحياء، وهكذا في الوسيط وفي الجزء الأول صفحة خمس وستين وأربعمائة، والإمام النووي في الروضة في الجزء الأول صفحة خمس وستين وقال: إن النهي للتنزيه مطلقاً في الصحراء أو في البناء، ثم قال الإمام النووي في المجموع، ونعم ما قال فانتبهوا لهذا القول، وعضوا عليه بالنواجذ، في الجزء الثاني صفحة أربع وتسعين، يقول: قال المصنف في التنبيه وهو للشيرازي صاحب المهذب، قال في التنبيه: وكثيرون من أصحابنا لا يستقبل الشمس والقمر، يعني: من يقضي حاجته، لا يستقبل الشمس ولا القمر، واستأنسوا فيه بحديث ضعيف، والحديث سأورده إن شاء الله لنحذره، ولا يجوز أن ننسبه إلى نبينا عليه الصلاة والسلام.

    قال الإمام النووي: وهو مخالف لاستقبال القبلة في أربعة أشياء، يعني: المنع من استقبال الشمس والقمر يختلف عن المنع من استقبال القبلة في أربعة أشياء، أولها: قال: دليل القبلة صحيح ثابت مشهور، ودليل الشمس والقمر ضعيف، بل باطل، ولهذا لم يذكره المصنف أبو إسحاق الشيرازي في المهذب، ولا كثيرون ولا الإمام الشافعي، وهذا هو المختار، يعني: لا يكره، ومال في المجموع شرح المهذب إلى أنه لا يكره استقبالهما واستدبارهما، أعني الشمس والقمر؛ لأن الحكم بالاستحباب يحتاج إلى دليل ولا دليل في المسألة، هذا كلام الإمام النووي بالحرف.

    إذاً: هذه المخالفة والمفارقة الأولى بين الشمس والقمر وبين الكعبة.

    المفارقة الثانية، قال: يفرق في القبلة بين الصحراء والبناء، ولا فرق هنا، ففي القبلة المشرفة إذا كنت في البناء يرخص لك أن تستقبلها وأن تسدبرها وأما في الصحراء فتمنع، وأما الشمس والقمر فتمنع مطلقاً، واضح هذا؟

    المفارقة الثالثة: قال في القبلة المشرفة المنع للتحريم، ومن استقبلها أو استدبرها في الصحراء فهو عاص لله العظيم، ارتكب ذنباً، وأما الشمس والقمر فهذا للأدب فقط، وللإرشاد إلى الأسمى، وهذا كراهة التنزيه فلا حرج في استقبالها واستدبارها، ولا إثم على فاعل ذلك، هذه المفارقة الثالثة.

    المفارقة الرابعة: قال في حال الكعبة المشرفة يكره الاستقبال والاستدبار، وهذا في الصحراء أو ليس كذلك؟ وهنا لا بأس بالاستدبار، إنما الذي يمنع منه الاستقبال، وهذا هو الصحيح، وهناك قول لبعض التابعين أنه يحرم استقبالهما واستدبارهما، وليس يحرم يمنع استقبالهما واستدبارهما من باب الأدب مطلقاً، هذه أربع مفارقات والعلم عند الله جل وعلا.

    ذكر الحديث الوارد عن الحكيم الترمذي في النهي عن استقبال الشمس والقمر

    إخوتي الكرام! الحديث الذي ذكره الإمام النووي، وقال: ضعيف بل باطل، رواه الإمام أبي عبد الله محمد بن علي المعروف بـالحكيم الترمذي، توفي في حدود سنة عشرين وثلاثمائة، جمع كتاباً سماه المنهيات، كل ما في هذا الكتاب من أحاديث عن خير البريات عليه الصلاة والسلام لا يثبت، وقد ساقه بإسناد ثالث وفيه متروك، ومحقق الكتاب - محمد عثمان - لم ينبه على ذلك، ولعله ليس من طلبة العلم، ولا يجري هذا الأمر، ولما جاء للحديث الذي فيه النهي عن استقبال الشمس والقمر واستدبارهما، وهو في صفحة ثلاث وثلاثين، قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبول الرجل وفرجه باد إلى الشمس والقمر)، يقول في التعليق: انفرد به الحكيم الترمذي إلى آخر كلامه.

    إخوتي الكرام! كل ما في هذا الكتاب من أوله إلى آخره لا يصح ولا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا الحديث ساقه الإمام الحكيم الترمذي وليس هو صاحب السنن، صاحب السنن تقدم معنا توفي سنة ستاً وسبعين ومائتين، وأما هذا قلت سنة عشرين وثلاثمائة متأخر، وذاك من أهل الحديث المتمكنين المتحرين الضابطين، وأما هذا كما سيأتينا الإشارة في ترجمته عنده شيء يعني من التساهل والتخريف أحياناً، نسأل الله لنا وله المغفرة والرحمة بفضله ورحمته، الإمام الحكيم الترمذي، وغالب ما يرويه وينفرد فيه ليس بصحيح، سواء في المنهيات، وسواء في نوادر الأصول، وسواء في علل الشريعة، وأنكى وأشد وأفظع في كتابه خاتم الأولياء، فالكتاب من أوله لآخره بلاء في بلاء كما سيأتينا، فهذا يختلف عن ذاك، ففرقوا بين الترمذيين، عندنا أبو عيسى إمام علم ثقة عدل رضا، من الجهابذة المتقنين، وأما أبي عبد الله الحكيم الترمذي فعنده ما عنده كما سأشير.

    تخريج حديث الحكيم الترمذي وأقوال العلماء فيه

    رواه -كما قلت- في صفحة ثلاث وثلاثين، (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبول الرجل وفرجه باد إلى الشمس والقمر)، انتبه هنا رواه -كما قلت- هذا في البداية الحكيم الترمذي عن عباد بن كثير بن قيس الثقفي عن عثمان الأعرج عن الحسن أنه قال: حدثني سبعة رهط من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام منهم أبو هريرة الدوسي ، وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعمران بن حصين ومعقل بن يسار وأنس بن مالك يزيد بعضهم على بعض، أنه يعني: النبي عليه الصلاة والسلام نهى، ثم أورد ثلاثمائة حديث فيها النهي عن ثلاثمائة أمر في هذه الأحاديث التي ذكرها وجمعها، والحسن البصري نعم رأى بعض هؤلاء الصحابة والبقية لم يرهم ولم يجتمع بهم، لكن عندنا عباد بن كثير متروك واتهم بالكذب على النبي عليه الصلاة والسلام، فحديثه تالف منكر، شديد الضعف لا يعتبر ولا يعول عليه فانتبهوا لذلك، ولذلك قال الإمام النووي: ضعيفٌ بل باطل.

    ونقل الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير في الجزء الأول صفحة ثلاث عشرة ومائة عن شيخ المسلمين الإمام أبي عمرو بن الصلاح أنه قال: هذا حديث لا يعرف وهو ضعيف، وروي في كتاب المناهي، يعني: المنهيات للحكيم الترمذي مرفوعاً، قلت -القائل هو الحافظ ابن حجر -: كتاب المناهي رواه محمد بن علي الحكيم الترمذي في جزء مفرد، مداره على عباد بن كثير، عن عثمان الأعرج عن الحسن، قال: حدثني سبعة رهط من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كما ذكرت لكم، فذكر حديثاً طويلاً في نحو خمسة أوراق على هذا الأسلوب في غالب الأحكام، وهو -هذا كلام الحافظ ابن حجر - باطل لا أصل له، بل هو من اختلاق عباد بن كثير الثقفي ، وهو عباد بن كثير الثقفي البصري، متروك كما قال الإمام أحمد، وقال: روى أحاديث مكذوبة على النبي عليه الصلاة والسلام، وقال الحافظ في ترجمته: هو من السابعة توفي بعد الأربعين، أي: بعد مائة وأربعين، بعد الأربعين، وحديثه في سنن أبي داود وسنن ابن ماجه، يعني: هو من رجال سنن أبي داود وابن ماجه، انظروا عباد بن كثير البصري الثقفي، عندكم عبادان: عباد بن كثير وعباد بن كثير هذا بصري ثقفي، فانتبهوا لهما، هذا هو المتروك، والثاني أيضاً ضعيف، عباد بن كثير الرملي ضعيف، وعباد بن كثير البصري متروك، والإمام أحمد عليه رحمة الله يقول: روى أحاديث مكذوبة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو من السابعة من رجال أبي داود وسنن ابن ماجه، الذي ينبغي أن لا نذكره في العلم حسبك لحديث النهي، يقول: ما ينبغي أن يذكر عباد بن كثير ضمن طلبة العلم والعلماء، ويكفيك دليل على كذبه حديث النهي الذي نسقه عن سبعة من الصحابة على زعمه من رواية الحسن البصري رضي الله عنهم أجمعين، وأورد ثلاثمائة حديث فيها النهي عن ثلاثمائة أمر، منها (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبول الرجل وفرجه باد إلى الشمس والقمر).

    قلت: القائل أيضاً ابن حجر في تهذيب التهذيب: حديث النهي الذي أشار إليه الجوزجاني هو الذي ذكره ابن عدي ، بمقدار خمس صفحات، وصدق ابن عدي ، أنا رأيت كتاب المنهيات، المناهي التي جمعها الحكيم الترمذي من روايته، وكأنه لم يترك متناً صحيحاً ولا ضعيفاً فيه نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن كذا، إلا وساقه على ذلك الإسناد الذي ركبه، وقد كان الثوري يكذبه، ولما مات لم يصل عليه، أي: على عباد بن كثير البصري المكذوب، فكتاب المناهي هذا للإمام الترمذي من أوله لآخره مروي بهذا السند المردود الثابت من طريق عباد بن كثير فاحذروا أن يأخذ أحد هذا الكتاب ويحدث به في المجالس أو في خطب الجمعة ثم يقول: رواه الحكيم الترمذي في المنهيات، ويزيد أحياناً قبحاً فيقول: رواه الترمذي ويسكت، والناس بعد ذلك ما يعرفون أي الترمذيين يريد، فانتبهوا لهذا إخوتي الكرام! كتاب المنهيات لـأبي عبد الله محمد بن علي الحكيم الترمذي، كله لا صحة لها، إسناده مركب لا يثبت هذا الكلام عن نبينا عليه الصلاة والسلام فانتبهوا لذلك.

    1.   

    وقفات مع الحكيم الترمذي وأبي عبد الرحمن السلمي

    أما الحكيم الترمذي -كما قلت إخوتي الكرام!- فقد توفي سنة عشرين وثلاثمائة، وينبغي أن نعي وضعه وأن نفرق بينه وبين الإمام أبي عيسى محمد بن عيسى عليهم جميعاً رحمة الله، قال أئمتنا في نعته كما ذكر ذلك الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ، في الجزء الثاني صفحة خمس وأربعين وستمائة، قال: هو الزاهد الحافظ صاحب التصانيف، وقال في سير أعلام النبلاء في الجزء الثالث عشر صفحة أربعين وأربعمائة، هو أبو عبد الله محمد بن علي الحكيم الترمذي له حكم ومواعظ وجلالة، لولا هفوة بدت منه، وسأشير إلى هذه الهفوة إخوتي الكرام! وما معنى هذا.

    وهذه الأمور -إخوتي الكرام!- عندما تذكر لا بد من بيانها وإيضاحها؛ لأن بعض السفهاء اعترض على هذا المسلك، قال: أنت عندما تذكر هذا الكلام، مثلاً كما فعلنا الآن مع الحكيم الترمذي أقول: له كتاب المناهي كذا، وحاله كذا، توفي في سنة كذا، يقول: هل هذا درس تاريخ؟ لا أعلم -إخوتي الكرام!- بماذا أجيبه!!، كان المتقدمون يعتذرون من الجهل، ونحن بحاجة لأن نعتذر من العلم، وقد أنصف بعض الشيوخ الكرام من أهل هذه البلدة الكريمة عندما حضر درساً لي، وهو من الشيوخ الكبار، فبعد أن خرج قال لي: هذا أول درس -أقول هذا متحدثاً بنعمة الله نقلاً عن هذا- أسمع فيه نسبة الأقوال إلى من يقول بها، ثم من يقول بها يحدد، يعني: الحكيم الترمذي ألف كتاب المنهيات في القرن العاشر أو الرابع عشر، أو معاصر؟ هذا حقيقة أنت الآن عندما تقول: في القرن كذا تعطي فكرة عنه، الإنسان يكون أحاط بما يتعلق بهذا القول، وأما أن يترك الكلام كما عند ذكر الحكيم الترمذي مثلاً، فلا، الحكيم الترمذي هل هو أبو عيسى أو غيره؟ العلم عند الله. يقول: هذا بالحقيقة يأخذ جهداً أكثر بكثير مما لو سردت الأحكام وبقيت، مثل هذه الجزئية يلزمك أحياناً أن تضبطها من عدد من الكتب من أجل أن تقف عليها، لكن هذا لا يقدره إلا من يعي العلم ويعرف قدره، نسأل الله أن يزكي أحوالنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    كان بعض أئمتنا يقولون: عظموا العلم وصونوا أهله من جهول، إنما يعرف قدر العلم من سهرت عيناه في تحصيله، حقيقة إن بعضهم الآن إذا أراد أن يأتيك بموعظة يأتيك بكلام مما هب ودب هنا وهناك، تسأله هذا الحديث من رواه؟ يقول: أنا أنقل الحديث بالمعنى وانتهى، يا جماعة! هذا لا يصح ولا يجوز.

    وأما هنا فنبين أن هذا حديث ضعيف باطل مردود بنقل كلام الإمام النووي، بنقل كلام الحافظ ابن حجر، بنقل كلام الإمام أبي عمرو بن الصلاح، ثم ننقل كلام المتقدمين كابن عدي والجوزجاني ثم نقول: رواه الإمام أبو عبد الله الحكيم الترمذي وشأنه كذا، حقيقة طالب العلم بذلك يأخذ فائدة. نسأل الله الأدب معه ومع خلقه إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    ويقول بعض السفهاء في كلام يعلق فيه حقيقة بلذاعة وقسوة، يقول: هذا أسلوب القصاص، من أجل التغرير على العامة والدهماء بهذا المسلك، وهل أسلوب القصاص أنهم يسندون إلى كتب؟! إذاً؛ اتق الله في نفسك، ونسأل الله كما قلت إخوتي الكرام! أن يرزقنا الأدب، القصاص الذي يقولونه تخريف، كقول بعضهم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى علي صلاة واحدة خلق الله من هذه الصلاة سبعين ألف طائر، لكل طائر سبعون ألف جناح، لكل جناح سبعون ألف ريشة، في كل ريشة سبعون ألف لون، على كل لون سبعون ألف فم، في كل فم سبعون ألف لسان، كل لسان ينطق بسبعين ألف لغة كلهم يستغفرون لمن صلى على النبي عليه الصلاة والسلام! من رواه؟ يقول: هذا حديث مسند، هذا عمل القصاص، أترانا أيها المخرف نفعل هذا؟ أما أنه لا تأتي معنا جزئية إلا وتحال إلى عدة كتب، نسأل الله أن يرزقنا الأدب إخوتي الكرام.

    من حكم الحكيم الترمذي

    من كلام أبي عبد الله الحكيم الترمذي حكمة ينبغي أن تعوها، يقول هذا العبد الصالح كما في السير: صلاح خمسة في خمسة، وصلاح هذا السفيه آخر هذه الأمور، يقول: صلاح الصبي في المكتب. أي: إذا عندك صبي لا يصلح إلا أن توجهه للعلم ليصلح سعيك، إذا تركته في الشارع يلعب أهلكك وأهلك الأمة، وصلاح الفتى -من جاوز مرحلة الصبا- في العلم، يعني: تأخذه إلى العلم، فإذا صار من الفتيان والبالغين والعقلاء تأخذه إلى مجالس العلم ليتعلم، وصلاح الكهل -وهو الرجل الذي زاد على الأربعين- في المسجد، وكانت عادة أهل الأندلس عندما كانت في أيد المسلمين، نسأل أن يعيد بلاد المسلمين إليهم، وأن يمكننا من الكافرين، وأن يفتح بلاد الكفر على أيدينا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، أهل الأندلس -كما يروى هذا عن الإمام ابن حزم عليه رحمة الله- كان الواحد فيهم إذا أصابه واحد من أمرين لزم المسجد وترك السوق حتى يلحق بالله جل وعلا: أولهما: الشيب، متى ما شاب يقول: جاء النذير الذي ينذر بفراق هذه الحياة، والثاني بلوغ الستين، ( وأعذر الله إلى امرئ أخر حياته إلى ستين سنة ) كما ثبت هذا في صحيح البخاري وغيره عن نبينا عليه الصلاة والسلام، ولو تاب قبل ذلك يلزم المسجد.

    فيقول أبو عبد الله الحكيم الترمذي: وصلاح المرأة في البيت، تبارك الله، طيب وآخر الأمور؟ يقول: وصلاح السفيه في السجن، هذا إذا كان سفيهاً مؤذياً للعباد فإنه يصلح بأن تحجر عليه وتسجنه وتريح الأمة منه.

    فصلاح خمسة في خمسة، هذه الخمسة ما تصلح إلا بهذه الخمسة، الصبي في المكتب، والفتى في حلق العلم، والكهل في المسجد، والمرأة في البيت، ولا صلاح لها إلا بذلك، متى ما خرجت الشارع هلكت وأهلكت، وإذا ذهبت للعمل أنكى وأمر، ونعوذ بالله من أمة تعمل فيها النساء، فصدق الله جل وعلا عندما يقول عن إحدى البنتين الصالحتين لنبي الله موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، قال: قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ [القصص:23]، كأنها تقول لهذا النبي المبارك الكريم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه: التمس لي عذراً، وإلا ليس من شيمة الأحرار أن تخرج نساؤهم، ومن نذالة الرجل أن تخرج زوجته خارج البيت لتعمل، ليس من شيمة الأحرار أن تخرج نساؤهم للعمل، ومن نذالة الدول أن تعمل النساء فيها، كأنه صار عندها قحط في الرجال حتى خرج النساء من أجل أن يزاحموا الرجال بالعمل، ونسأل الله أن يستر نساءنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    آخر الأمور صلاح السفيه في السجن، هذه حقيقة، صلاح الذي يصول ويجول بلسانه على الحق والحقائق، هذا كالكلب العقور لا بد له من ضابط، ولا يضبط إلا في السجن.

    هفوة الحكيم الترمذي وأقوال أهل العلم في ذلك

    إخوتي الكرام! الهفوة التي صدرت من هذا العبد الصالح ينبغي أن نحذرها، وأن نكون على علمٍ بها، ألف كتاباً سماه ختم الولاية، فمن أجل ذلك الكتاب أخرجه أهل ترمذ من السنة وشهدوا عليه بالكفر، وألف كتاباً أيضاً بعنوان: علل الشريعة، يعني: العلل التي من أجلها شرعت الأحكام في شريعة الإسلام.

    قال الإمام أبو عبد الرحمن السلمي مدافعاً عنه: ليس فيه ما يوجب ذلك، يعني: الكفر، لكن لبعد فهمهم عنه رموه بالكفر وفهموا خلاف ما قال.

    والإمام السبكي في طبقات الشافعية في الجزء العاشر صفحة ست وأربعين ومائتين، يقول: لعل الأمر كما زعم أبو عبد الرحمن السلمي ، لم؟ قال: فما نظن بمسلم يفضل بشراً غير الأنبياء على الأنبياء؛ لأن الحكيم الترمذي ألف كتابه ختم الولاية ادعى فيه أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، وهذا لو ثبت لكان كفراً، لكن هكذا قيل في كتابه والعلم عند الله.

    والإمام ابن تيمية كما سأروي نقل عنه من كتابه ما يقرر أنه يوجد في العصور المتأخرة من يوازي أبا بكر بل يفضل عليه، وهذا افتراء وكذب قطعاً وجزماً، قال: يمكن أن يوجد في العصور المتأخرة من يكون بدرجة أبي بكر، بل يزيد عليه في الدرجة لا بالعمل، عمل أبي بكر أكثر لكن درجة من يأتي بعده أعلى وأفضل، سفاهة ليس مثلها سفاهة.

    والإمام ابن حجر في لسان الميزان حقيقة تحير نحو هذا الإمام، فقال في الجزء الخامس صفحة ستٍ وثلاثين: لم أقف لهذا الرجل مع جلالته على ترجمة كافية، يعني: الكلام حوله كثير، ما بين من يرميه بالزندقة والكفر، وما بين من يبرئه ويقول: هو من الحفاظ المشاهير الصالحين.

    وقد ذكر الإمام ابن تيمية عليه وعلى أئمتنا جميعاً رحمة الله في مجموع الفتاوى في الجزء الحادي عشر صفحاً ثلاث وستين وثلاثمائة، وفي صفحة ثلاث وسبعين وثلاثمائة ما يزيد على عشر صفحات فيما يتعلق بهذا الإنسان وكتابه خاتم الأولياء أو ختم الولاية أو خاتم الولاية، فقال ابن تيمية: تكلم بكلام مردود مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.

    يقول: وكتابه كان مقدمة لضلال ابن عربي الذي جاء وادعى أنه هو خاتم الأولياء، وأنه أفضل من خاتم الأنبياء على نبينا وأولياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.

    ثم قال الإمام ابن تيمية: وقد ذكر الحكيم الترمذي في ذلك الكتاب أنه لا مانع من وجود من يساوي أبا بكر في الدرجات ويزيد عليه لا في العمل، وهذه -كما قلت- سفاهة وشطط ينبغي أن نحذرها، فهذا عنده هذه المحاذير فكونوا على علم بها.

    والكتب التي ألفها يغلب عليها طابع الضعف لعدم الصحة والثبوت.

    دفاع أبي عبد الرحمن السلمي عن الحكيم الترمذي

    والإمام أبو عبد الرحمن السلمي الذي دافع عنه بكل ما فيه ورمي بالكذب كما تكلم أيضاً في الحكيم الترمذي، والإمام السلمي صاحب كتاب طبقات الصوفية، توفي سنة اثنتي عشرة وأربعمائة للهجرة، وهو محمد بن الحكم أبو عبد الرحمن السلمي، أذكر ما يتعلق بشيء من حاله مختصراً لنكون أيضاً على علم به، ونكمل بحثنا إن شاء الله.

    إخوتي الكرام! أبو عبد الرحمن السلمي يدافع عن الحكيم الترمذي، وكما قلت هو صاحب كتاب طبقات الصوفية، وذكر فيه كلاماً ليته التزم به غفر الله لنا وله، يقول: أصل التصوف خمسة أمور، لو أخذ بها حقيقة لكان من السعداء الأتقياء، يقول:

    أولها: ملازمة الكتاب والسنة، على العين والرأس.

    ثانيها: ترك الأهواء والبدع، على العين والرأس.

    ثالثها: تعظيم حرمات المكانة، أن تعرف قدر علماء هذه الشريعة المطهرة.

    رابعاً: رؤية أعذار الخلق، أن تنظر إليهم، وأن تلتمس العذر لهم لضعفهم وقصورهم وتقصيرهم، ولا تعاملهم على أنك جبار عنيد عندما يخطئون، وأن ترى أعذار الخلق.

    وخامسها: دوام الذكر، لا تفتروا عن ذكر الله جل وعلا.

    حقيقة هذه الأمور من أخذ بها فهو صديق.

    تقسيم ابن تيمية للصوفية ورأيه في مؤلفات السلمي

    والإمام ابن تيمية -عليه رحمة الله- عندما تكلم على الصوفية بمجلدين من مجموع الفتاوى في قرابة ألف وخمسمائة صفحة وأزيد في الجزء العاشر والحادي عشر، وقد أنصفهم، وهذا هو حال العلماء المخلصين الصادقين، فقال: ينقسمون إلى أربعة أقسام: فيهم سابق مقرب، فيهم مقتصد من أصحاب اليمين، فيهم ظالم لنفسه وعاص لربه، وفيهم من هو من أهل البدع والزندقة والإلحاد كـالحلاج وغيره، فلا يجوز إذاً أن نعمم الحكم عليهم بوصف واحد.

    هذا حال هذه الفرقة، وليس معنى هذا أننا ننتسب إليها ونكون من الصنف الأول، لا ثم لا، والله لا نرضى أن ننتسب إلا إلى الإسلام، وإلى سنة نبينا عليه الصلاة والسلام، لكن إن قيل لنا: وجدت جماعة في هذه الأوقات أو فيما قبلها فبأي شيء نحكم عليها؟ فما أكثر الجماعات المتقدمة، والجماعات التي توجد في هذا الوقت أكثر منها.

    نقول: عندنا الميزان القسطاس المستقيم، وهو شريعة رب العالمين، نحكم على الناس بهذا الميزان، فمن كان وزنه فيه ثقيلاً، نقول: إنه مهتدٍ، ومن كان وزنه فيه خفيفاً فنقول: إنه مخرف ضال، فهذا هو الإنصاف، وأما أن نأتي بعد ذلك لنحكم على فرقة لضلال بعض أفرادها بالضلال، فهذا لا يجوز، لكن كما قلت: شتان بين أن نحكم وبين أن نلتزم.

    قال لي مرة بعض الإخوة عندما أصدرت هذا الحكم: ترضى أن يقال عن شيوخك؟ قلت: والله ضرب الرقبة أيسر علي من أن يقال عني هذا أو أنتسب إليه، لكن لا بد من أن أنصف الناس في كلامي، شتان بين أن أقول: أنا صوفي أو متصوف وبين أن أقول: الصوفية هكذا، قلت له: فالجماعات الموجودة لا أنتسب لواحدة منها لو ضربت رقبتي، ثم قال لي: هل ترضى أن يقال عنك سلفي؟ قلت: بالمفهوم المعروف في هذه الأيام لا، الجماعة لها مفاهيم معينة تتعصب ضمن أفكار، ومن خرج عنها كأنه خرج من الإسلام، لكن كلامنا الذي نردده ولا يفتر لساننا عنه كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، حسب ما كان عليه سلفنا الكرام، وليس السلف كما يقول بعض أهل هذا العصر المتأخر: السلفية محصورة في أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد، وإذا خرجنا عن أقوالهم فاشهد علينا بالضلال، فنحن سلفية بالمعنى الشرعي لا بالمعنى البدعي المخترع في هذه الأيام، فكونوا على علم، فلا ننتسب إلى تصوف مخرف، ولا نقول: نحن أيضاً من الفرقة الأولى، والسلفية وإن كان الانتساب إليها حقاً لكن بالمدلول الموجود اليوم لا نرضى أن ننسب إليه، يكفينا أن نقول: نحن من أهل السنة والجماعة، ونحن مسلمون. نسأل الله أن يختم لنا بذلك إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    ومن لمزنا بعد ذلك بما يسول له هواه وسلطانه، فالله الموعد وإليه سيئول الخلائق ليحاسب كلاً بما يصدر منه، وهناك تظهر الحقائق، وهذا -إخوتي الكرام!- لا بد من أن نعيه، فشتان بين أن تقول: الصوفية كذا وبين أن تقول: أنا صوفي، والله ما أرضى أن أنسب ولا أن أنتسب إليهم لو ضربت هذه الرقبة، ونحن أعلم الناس بضلالهم وإن كان فيهم من هو على الحق، هذا موضوع آخر، أما نحن فيكفينا دين الله جل وعلا الذي أمرنا بالالتزام به وهو عام، هذا الذي ندخل فيه، ثم من عنده مصطلح آخر نحاكم مصطلحه على حسب الشرع الذي عندنا، فإذا كان على حسب الشرع الذي عندنا ملتزم، نقول: مثل هذا الاصطلاح لا يقدم ولا يؤخر، كما تقول: أنا شامي، وأنا مكي، وأنا مدني، وأنا مصري، وأنا عراقي، نقول: ليس لهذه النسب عندنا أي اعتبار، هل أنت شقي أو تقي فقط؟ هذا هو المعتبر، وإذا انتسب بعد ذلك إلى هذه الجماعة، ورأى أن يلتزم معهم لأمر من الأمور الله أعلم به، نقول: عندنا كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام يحكمان علينا وعليك. وليس معنى قولنا: يوجد في الصوفية مهتد أننا صوفية، اتقوا الله إخوتي الكرام! في حكمكم على غيركم، واعلموا أيضاً بعد ذلك ماذا تختارونه لأنفسكم، والله لا نختار إلا الإسلام، وإلا طريق أهل السنة الكرام، وليس لنا بعد ذلك تقوقع معين مع أي فرقة كانت، لا من التيارات والجماعات الموجودة في هذا الزمن، ولا ممن كان قبل ذلك، عندنا كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وعندنا أئمة الإسلام نستضيء بأقوالهم في فهم كتاب ربنا وسنة نبينا عليه الصلاة والسلام، هذه ديانتنا التي نعيش علينا ونموت، ومن افترى علينا خلاف ذلك فكما قلت: الله الموعد، وسيجتمع الخلائق عنده ويحاسب كل على سعيه.

    هذا العبد الصالح يقول هذه الجمل في بيان حقيقة التصوف، ولو التزم بها لكان من الصالحين حقيقة، لكن واقع الأمر أنه قرر هذا نظرياً ثم ابتعد عنه عملياً، ألف كتاب حقائق التفسير، أتى فيه بالبلايا والرزايا، وبمصائب وتأويلات الباطنية كما قال الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ نسأل الله العافية، وقال في السير: له سؤالات للإمام الدارقطني عن أحوال المشايخ والرواة، وتلك السؤالات والأسئلة تدل على أنه عارف بهذا الشأن.

    وفي الجملة في تصانيفه أحاديث وحكايات موضوعة، وفي حقائق التفسير أشياء لا تسوغ أصلاً عدها بعض الأئمة من زندقة الباطنية.

    والإمام ابن تيمية عليه رحمة الله تعرض لكتاب حقائق التفسير في مجموع الفتاوى في الجزء الحادي عشر صفحة ثمان وسبعين وخمسمائة إلى صفحة واحدة وثمانين وخمسمائة، وأعاد الكلام عليه في الجزء الثالث عشر من صفحة اثنتين وأربعين ومائتين، وقال: خلاصة ما هو في حقائق التفسير لـأبي عبد الرحمن السلمي ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    قسم ضعيف مكذوب، وغالبه في النقل عن الإمام جعفر الصادق، وإنما افتري على جعفر الصادق رضي الله عنه وأرضاه -يعني: على التخصيص من آل البيت- أكثر من غيره؛ لأنه لم يأت في آل البيت بعده أفضل منه، ولذلك كثر الافتراء عليه رحمه الله ونسبة الأقوال إليه من المخرفين، سواء كانوا من أهل السنة أو من غيرهم.

    والقسم الثاني: نقول صحيحة، لكن الناقل أخطأ فيما قال، يعني: هو نقل عمن قال هذا القول، لكن ذاك القول خطأ في التفسير لا يجوز أن يقال، وقائله مخطئ.

    والثالث: نقول صحيحة عن قائل مصيب.

    من مقولات أبي عبد الرحمن السلمي الضالة

    وقد قال كلمة يرددها ضلال الصوفية ينبغي أن نحذرها إخوتي الكرام! أوردها الإمام الذهبي كما قلت لكم في سير أعلام النبلاء في الجزء الثاني عشر صفحة واحدة وخمسين ومائتين يقول: وأنا أعجب لـأبي عبد الرحمن السلمي عندما يقول: الأصل الأول الكتاب والسنة، والأصل الثاني: ترك البدعة والهوى، ثم يقول مثل هذا، وكيف سنطبق هذين الأصلين على ما قال، يقول السلمي: خرجت إلى مرو في حياة الأستاذ أبي سهل الصعلوكي، وكان له قبل خروج أيام الجمع بالغدوات في مجلس يقرؤون القرآن بختمه، يعني يجلسون ويختمون القرآن بالتناوب، وكل واحد يقرأ صفحة أو جزءاً حتى يختم القرآن، يقول: فلما رفع ذلك المجلس عقد لـابن العقاب -وهو من بعض المنشدين المغنين عند الصوفية والقوالين في ذلك الوقت- مجلس القول، وهو السماع والغناء وقلة الحياء، وقد عكف عليه أهل الفسق كما عكف عليه الصوفية.

    وتقدم معنا كلام بعض الناس عندما يفضل اجتماع الصوفية على مغنٍ بدل من اجتماعهم على قارئ، ولله در القائل:

    ورأوا سماع الشعر أنفع للفتى من أوجه سبع لهم بتوال

    تالله ما ظفر العدو بمثلها من مثلهم واخيبة الآمال

    وهذا الكلام قرره الغزالي وقلت: إنه ترك عقله قبل أن يترك فقهه في تقرير هذه الأمور، وأن الصوفية يجتمعون على قوال، واجتماعهم على قوال هو أحسن من اجتماعهم على قارئ، قال: لأن القوال والمغني يؤثر في النفس أكثر من القرآن بسبعة أوجه! كيف قال هذا؟! حقيقة نسأل الله لنا وله المغفرة والرحمة.

    هنا يقول: ختم القرآن، ثم أتي بقوال يغني، يقول: فدخل لي من ذلك شيء، وكنت أقول في نفسي: كيف استبدل مجلس الختم بمجلس القول يعني الغناء؟ وقال لي يوماً: يا أبا عبد الرحمن! أنتم يقول الناس لي عن أي شيء يقولون فيما فعلت؟ قلت: يقولون: رفعنا بك القرآن ووضعنا فيك القول، فقال: من قال لأستاذه (لم) لا يفلح أبداً، هذا الذي يردده الصوفية، بل ويردده من يدعون أيضاً نقيض الصوفية، لا ينبغي أن تقول لمن تتعلم منه لم؟ لأن من قال: (لم) لا يفلح أبداً، والمريد مع شيخه والطالب مع أستاذه كالميت مع غاسله يغسله ويقلبه كيفما يريد، لا يعترض خشية أن ينطرد.

    يقول الإمام الذهبي عليه رحمة الله: ينبغي للمريد أن لا يقول لأستاذه: (لم) إذا علمه معصوماً لا يجوز عليه خطأ، حقيقة هذا لا يقال لمن؟ للنبي عليه الصلاة والسلام فقط، لا ينبغي لصحابي أن يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: لم؟ فإذا كان شيخك معصوماً لا يجوز عليه خطأ، فمن قلة الأدب والحياء أن تقول له: (لم)، أما إذا كان الشيخ غير معصوم، وكره قول: (لم) فإنه لا يفلح أبداً، بعكس ما يقول الصوفية، قال الله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2]، وقال تعالى: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3]، وقال تعالى: وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ [البلد:17].

    انتبه أيضاً للأدب الثاني ينبغي أن نعيه، كما أننا لا نقر الصوفية بأنه لا يجوز أن نقول للشيخ والأستاذ: (لم) ينبغي أيضاً أن نلتزم بالأدب نحو مشايخنا، فانتبه ماذا يقول؟ بلى هناك مريدون يعترضون ولا يقتدون، ويقولون ولا يعلمون، وهؤلاء لا يفلحون، يعني: كما يوجد عند الصوفية أن التلميذ لا يقول لشيخه: (لم) يوجد عند غيرهم قلة حياء أيضاً في التلاميذ، يقول: لم يعترض ولا يقتدي، ويقول ولا يعمل، همه أن يعترض، تراه جلس يتصيد زلة، يعني: حاله كحال الذباب عندما يدخل إلى البيت، يدور فأينما وجد سلة الزبالة يحط عليها، افرض يا عبد الله! أن عند الشيخ أخطاء، يعني: ما وجدت من كلامه إلا هذه العثرة؟!

    أقوال الأئمة في مؤلفات أبي عبد الرحمن السلمي

    إخوتي الكرام! أبو عبد الرحمن السلمي حقيقة ألف كتاب حقائق التفسير وله طبقات الصوفية.

    يقول الإمام الذهبي: قيل: بلغت تآليف السلمي ألف جزء، وحقائقه قرمطة، يعني: سلك مسلك القرامطة، في تفسير اللفظ بما لا يدل عليه.

    هذا يقال له: قرمطة، فعندهم معنى قوله: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:22]، أي: ولا تتمنوا المراتب التي وصل إليها شيوخكم، فالأب هو الشيخ، فإذا نازعت الشيخ في رتبته فقد نكحت أمه، هذه هي القرمطة، وتفسير اللفظ بما لا يدل عليه، يقول: وحقائقه قرمطة، وما أظنه يتعمد الكذب، مع أنه اتهم أنه كان يضع للصوفية، بلى يروي عن محمد بن عبد الله الرازي الصوفي أباطيل وعن غيره.

    قال الإمام تقي الدين بن الصلاح في فتاويه: وجدت عن الإمام أبي الحسن الواحدي رحمه الله أنه قال: صنف أبو عبد الرحمن السلمي حقائق التفسير، فإن كان اعتقد أن ذلك تفسيراً فقد كفر، قلت: واغوثاه واغربتاه، وقال في ترجمة الحكيم الترمذي مبيناً دفاع السلمي عن الحكيم الترمذي في الجزء السادس عشر صفحة اثنتين وأربعين وأربعمائة: كما تكلم في السلمي من أجل تأليف حقائق التفسير، فيا ليته لم يألفه، فنعوذ بالله من الإشارات الحلاجية، -نسبة إلى الحسين بن منصور الحلاج الذي قتل على الزندقة، وكان يقول: هو الله- والشطحات البسطامية-نسبة إلى هذا يزيد البسطامي أيضاً الذي كان يهذي، لكن فيهم من كان يقول ذلك في حال الوله فأمره عند الله جل وعلا- وتصوف الاتحادية، فواحزناه على غربة الإسلام والسنة، قال الله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ [الأنعام:153].

    إخوتي الكرام! هذا فيما يتعلق بالحكيم الترمذي الذي روى الحديث في النهي عن استقبال الشمس والقمر واستدبارهما عند قضاء الحاجة، فروى حديثاً مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام من طريق عباد بن كثير البصري، وهو متروك، وقلت لكم اتهم أيضاً بالكذب، وتوفي بعد الأربعين والمائة، بل إن الإمام الذهبي يزيد في الميزان في الجزء الثاني صفحة خمس وسبعين وثلاثمائة يقول: توفي سنة بضع وخمسين ومائة، وقال في الكاشف وفي المغني في الضعفاء: قال البخاري : تركوه. وهو عباد بن كثير البصري ، فهو متروك لا يعول عليه فانتبهوا لحاله إخوتي الكرام!

    هذا فيما يتعلق إخوتي الكرام بفقه هذا الحديث، وعندنا بعد ذلك تخريج الأحاديث وبيان الروايات التي في الباب نتوقف عن الدخول فيها.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم إنا نسألك من كل خير أحاط به علمك في الدنيا والآخرة، ونعوذ بك من كل شر أحاط به علمك في الدنيا والآخرة، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم ألف بين قلوب المؤمنين، اللهم ألف بين قلوب المؤمنين، اللهم ألف بين قلوب المؤمنين يا أرحم الراحمين، اللهم ألطف بأمة نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغارنا، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، انصرهم على عدوك وعدوهم يا رب الأرض والسماوات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.