إسلام ويب

شرح الترمذي - باب ما جاء في فضل الطهور [5]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الذنوب التي تقع من العبد أصناف منها: صغائر وكبائر، فأما الصغائر فتكفرها الأعمال الصالحة، وأما الكبائر فقد وقع خلاف بين العلماء في تكفيرها بالأعمال الصالحة من دون أن يتوب فاعلها منها.

    1.   

    تقسيم الذنوب التي يرتكبها العباد وتكفيرها

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الرحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فكنا نتدارس الباب الثاني من أبواب الطهارة من كتاب جامع الإمام الترمذي عليه رحمة الله، وعنوان هذا الباب كما تقدم معنا: باب: ما جاء في فضل الطهور، ثم ساق الإمام الترمذي الحديث إلى أبي هريرة رضي الله عنه من طريق شيخيه: إسحاق بن موسى الأنصاري وقتيبة بن سعيد رضي الله عنهم أجمعين، عن أبي هريرة عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرجت كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقياً من الذنوب )، قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح.

    وقد انتهينا من المبحث الأول المتعلق برجال الإسناد، وانتقلنا إلى دراسة المبحث الثاني المتعلق بفقه الحديث ومعناه.

    وقلت: معنى الحديث يدور على أمرين اثنين:

    الأمر الأول: أن الوضوء يكفر السيئات ويغفر الخطيئات ويمحو الزلات، وهذا الأمر لا بد له من تفصيل لنقف على حقيقة الأمر، والطاعات التي نقوم بها والسيئات التي تمحى بهذه الطاعات.

    وأقول: إن مخالفة الإنسان لا تخرج عن نوعين اثنين:

    إما أن تكون مخالفة مرتبطة بحق الله جل وعلا، كتقصير فيما بينه وبين ربه، وإما أن تكون هذه المخالفة متعلقة فيما بينه وبين العباد، وعليه لا تخرج الذنوب عن نوعين اثنين: ذنب بين الإنسان وبين خالقه، وذنب بين الإنسان وبين المخلوقين.

    أما الذنوب التي بينك وبين ربك فتنقسم أيضاً إلى ثلاثة أقسام:

    ذنب لا يغفر، وهو الشرك: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

    وذنب دون الشرك وهو الكبائر، وتقدم معنا أنها كل ما فيه وعيد شديد في الآخرة، أو عقوبة مقدرة في الدنيا، والمعتمد في أمر هذه الذنوب أنه لا بد لمغفرتها من توبة صادقة بين العبد وبين ربه.

    والنوع الثالث من الذنوب المتعلقة بين العبد وبين علام الغيوب: الصغائر.

    وأما الذنوب التي بينك وبين العباد، أي: ذنب يقع منك نحو العباد، فهذه التبعات وحقوق العباد صغائر أو كبائر كلها لها حكم سيأتي الكلام عليها إن شاء الله.

    ولا خلاف بين علماء الإسلام أن الوضوء يكفر الصغائر، والمراد بالصغائر تلك التي بينك وبين ربك جل وعلا، وأما ما يتعلق بينك وبين العباد فسيأتينا هذا في الحكم الثالث إن شاء الله فيما تكفره الطاعات من الخطيئات والسيئات.

    فالصغائر التي بينك وبين ربك جل وعلا يكفرها الوضوء، ويزيلها ويمحوها بفضل الله ورحمته، ولا خلاف -كما قلت- بين أئمة الإسلام في هذه القضية، فإذا نظر الإنسان نظراً محرماً، ثم توضأ هذا الوضوء يغفر له ويكفر عنه تلك الخطيئة وتلك الزلة بفضل الله ورحمته، فالصغائر تغفر إذا اجتنبت الكبائر وإذا أتيت بالواجبات، كما قال الله جل وعلا: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء:31].

    وقد تقدم أن ( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر )، وفي رواية: ( ما لم تغش الكبائر ).

    وقد قررت هذا وانتهينا منه.

    1.   

    القول بأن الكبائر لا بد لها من توبة

    انتقلنا بعد ذلك إلى النوع الثاني الذي لا يكفره الوضوء والطاعات ولا يغفره ولا يزيله، بل لا بد له من توبة نصوح ألا وهو الكبائر، وكنا نتدارس هذا، فقلت: عند جمهور أهل السنة، وهو القول الحق، وهذا هو قول جمهور علماء الإسلام أيضاً، أن الكبائر لا بد لها من توبة صادقة، وقد قررت هذا بأربعة أمور ذكرتها فيما مضى:

    أولها: أن التوبة فريضة، فلا بد إذاً من القيام بها من نية وقصد، للتوبة من الكبائر، فلو كانت الكبائر تغفر من غير توبة لسقطت هذه الفريضة وما قام الإنسان بها.

    الأمر الثاني: أخبر الله جل وعلا أن كل من لم يتب فهو ظالم، فلا بد إذاً من أن نتوب إلى علام الغيوب.

    والأمر الثالث: لو كفرت الكبائر بالطاعات لما احتيج إلى التوبة إذاً، ولا داعي لذكرها لا في القرآن ولا في أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، إذا كانت الكبائر تغفر بمجرد فعل الواجبات، فلا داعي إذاً لذكر التوبة ووجوبها وفضلها.

    والأمر الرابع: أن هذا الباب يفتح علينا باب الإرجاء، وهو أن الذنوب تغفر بالطاعات؛ وعليه فلا داعي إذاً للتوبة، وأن كل خطيئة تزول عن الإنسان إذا فعل الواجبات، وهذا قول باطل كما تقدم، ولذلك لا بد للكبائر من توبة. ‏

    توجيه الأحاديث التي فيها الطاعات تكفر الكبائر والموبقات

    وهنا إشكال ذكره الإمام ابن رجب الحنبلي عليه رحمة الله في جامع العلوم والحكم فقال: فإن قيل: بم تجيبون عن الأحاديث التي ورد فيها أن الطاعات تغفر الكبائر والموبقات؟

    فأجاب الإمام ابن رجب عليه رحمة الله وقال: كل الأحاديث التي وردت في ذلك، أي: ورد فيها أن تلك الطاعة قد تاب فاعلها إلى الله جل وعلا، فهو قد فعل كبيرة وتاب، ثم جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يسأله عن عمل صالح يفعله بعد توبته، فهو تائب ويريد أن يضم إلى التوبة عملاً صالحاً؛ لأن الله طلب منا بعد التوبة عملاً صالحاً ليكفر عنا أوزارنا السابقة، فقال جل وعلا: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان:68-70]، فالذين جاءوا يسألون عن فعل الطاعات بعدما فعلوه من موبقات في العصر الأول؛ يسألون النبي عليه الصلاة والسلام، عن الطاعة التي ينبغي أن يفعلوها بعد توبتهم، فصدر منهم التوبة، لكن هذه التوبة صادقة نصوح، ويريدون أن يعقبوها بطاعة ليدللوا بها على صدقهم في توبتهم إلى ربهم عز وجل.

    ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي ، والحديث رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، وإسناده صحيح، من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين قال: ( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! إني أصبت ذنباً عظيماً )، وفي رواية: ( إني أذنبت ذنباً كثيراً )، وفي رواية ابن حبان : ( إني أذنبت ذنباً كبيراً )، إذاً: عمل ذنباً عظيماً، وأذنب ذنباً كثيراً، وذنباً كبيراً، وكلها بمعنى واحد، وكأنه يقول: ذنوبي كثيرة عظيمة شنيعة وخيمة كبيرة، ( فهل لي من توبة؟ فقال له النبي عليه الصلاة والسلام )، مرشداً له إلى الطاعة، بعد أن جاء نادماً تائباً قد عمل الأوزار والذنوب، فقال: ( هل لك من أم؟ )، وفي بعض روايات الحديث: ( هل لك والدان؟ قلت: لا يا رسول الله! ) توفيت أمي ووالدي، وليس أحد من والدي حي، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( هل لك خالة؟ ) وهي أخت الأم ( قلت: نعم، قال: اذهب فبرها )، إذاً: هو قد جاء تائباً نادماً على ما صدر منه، وإنما يريد أن يسأل عن طاعة يقوم بها بعد توبته، فليس بر الأبوين هو المكفر للكبائر، وليس الإحسان إلى الخالة مزيلاً للموبقات، إنما تاب وأناب، فأراد أن يفعل طاعة بعد تلك التوبة، فجاء سائلاً: بم تشير علي؟ بم تأمرني يا رسول الله؟ أي الطاعات أفعلها من أجل أن يذهب الأثر على وجه التمام والكمال؟ فأجابه صلى الله عليه وسلم: إن كانت أمك حية فبرها، أو أحد أبويك حي فبره، وإلا فالخالة لأنها بمنزلة الأم، كما ثبت في مسند الإمام أحمد والصحيحين وسنن الترمذي من حديث البراء بن عازب وغيره رضي الله عنهم أجمعين: ( الخالة بمنزلة الأم )، والمعنى: فإذا ما وجدت أحد أبويك حياً فبر خالتك التي تنزل منزلة الأم، ومثل هذا يقال في العم الذي ينزل منزلة الأب فهذا الرجل جاء تائباً نادماً وغاية ما يسأل عنه هو: ماذا سيفعله من الطاعات بعد توبته إلى رب الأرض والسماوات؟

    والإمام ابن رجب يقول: الطاعات التي ورد أنها تكفر الموبقات هذه وردت في حق من جاء تائباً منيباً، يسأل عن طاعة يفعلها بعد توبته، ولا يسأل عن طاعة يفعلها من أجل أن تغفر كبيرته، وهو لم يقلع عنها ولم يتب منها ولم يندم عليها، بل المعصية قد أقلع عنها، وندم على فعلها، وعاهد الله أن لا يعود إليها، لكنه يريد أن يتبع توبته بطاعة يتقرب بها إلى الله يبرهن على صحة توبته، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ( هل لك من خالة؟ قال: نعم، قال: اذهب فبرها ).

    المقاصة في حق من ترك الكبائر بدون توبة

    قال الإمام ابن رجب : وأما من ترك المعاصي، يعني: الكبائر، من غير توبة، والتوبة لا تتحقق إلا بالإقلاع عن المعصية والندم والعزم أن لا يعود، فمن أقلع عن المعصية، لكنه ما ندم على فعلها، ولا عاهد الله على عدم العود إليها، بل ترك المعاصي من غير توبة، أو لم يتركها وهو مصر عليها، فقال الإمام ابن رجب في شأنه: يجري بين حسناته وسيئاته المقاصة يوم القيامة، فإن غلبت الحسنات فهنيئاً له ويكون من أهل الجنة، وإن غلبت السيئات فلا بد من دخوله النار لتطهيره من سيئاته وذنوبه وأوزاره إلا أن يغفر الله له.

    إذاً: إذا تاب وأناب سأل عن طاعة لأجل أن يحقق برهان توبته، إذا لم يتب.

    فيحصل عندنا حالتان: من أقلع عن الذنوب دون توبة، ويفعل الطاعات، لكنه يضم إليها السيئات والكبائر والموبقات، فهذا تجري المقاصة بين أعماله يوم القيامة، فالطاعات والسيئات سيقتص لبعضها من بعض، فالسيئة يحذف ما يعادلها ويقابلها ويساويها من طاعة، والله حكم عدل، وهو أعلم بما سيحاسب به عباده سبحانه وتعالى، تمحى طاعات مقابل سيئات، فإذا كانت السيئات أعظم دخل النار، وإن كانت الطاعات أكثر ولو بحسنة واحدة دخل الجنة، وقد قرر هذا نبينا صلى الله عليه وسلم.

    ثبت في مستدرك الحاكم والحديث في الجزء الرابع صفحة (252)، ورواه الإمام البزار كما في مجمع الزوائد للهيثمي في الجزء العاشر صفحة (355)، وانظروه أيضاً في كشف الأستار عن زوائد مسند البزار للهيثمي أيضاً، غير أن مجمع الزوائد ليس خاصاً بزوائد البزار على الكتب الستة، بل هو شامل لزوائد البزار ولزوائد كتب أخرى معه، وهو كتاب نافع وحري بطلبة العلم أن يقتنوه، ولو خيروا بينه وبين وزنه ذهباً، أو بين وزن عشرة أمثاله ذهباً لآثروا هذا الكتاب، ورحمة الله على جامعه الإمام الهيثمي عليه رحمة الله، جمع زوائد ستة كتب على الكتب الستة التي سميناها الأصول: الصحيحان والسنن الأربعة، فالزوائد، أي: الأحاديث الزائدة على هذه الكتب الستة ضمها في مجمع الزوائد، لكن ليس الزوائد في كتب السنة كلها، وقد أخذ هذه الزوائد من ستة كتب هي: مسند الإمام أحمد ، ومعاجم الطبراني الثلاثة: الكبير والأوسط والصغير، ومسند البزار ومسند أبي يعلى ، وأكبرها مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني الكبير، فهذه الكتب الستة وما فيها من أحاديث زائدة على الكتب الستة جمعها في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد؛ وعليه فلو اقتنيت الكتب الستة مع مجمع الزوائد، فقلّ أن يوجد حديث في غير هذه الكتب، وكأنك جمعت السنة بأسرها وأكملها المنقولة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وفي مجمع الزوائد حذف الإمام الهيثمي أسانيد الأحاديث واقتصر على ذكر الصحابي وفي الغالب يبين درجة الحديث في نهايته، وهذا أنفع لطالب العلم، أما في كشف الأستار فيذكر الإسناد ولا يتكلم على درجة الحديث، وقد ذكر فيه الأحاديث الزائدة عن مسند البزار .

    انظروا الحديث كما قلت في المجمع في الجزء العاشر (355)، والحديث إسناده صحيح من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: ( حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الروح الأمين حدثه )، يعني: أخبر جبريل أمين السماء.. أمين الأرض على نبينا وعلى ملائكة الله جميعاً صلوات الله وسلامه، أخبره بهذا الحديث فقال: إن الله قضى أن يؤتى بعمل العبد يوم القيامة، حسناته وسيئاته، هذا إذا لم يتب؛ فله موبقات ما تاب منها، فهو قد عمل الحسنات، لكن ما تاب من الموبقات، ثم أقلع عنها دون توبة، أو وهو مصر عليها، يفعلها باستمرار حتى مات: ( إن الله قضى أن يؤتى بعمل العبد يوم القيامة حسناته وسيئاته، فيقتص لبعضها من بعض، فإن بقيت له حسنة مقابل السيئات ذهبت حسناته، واقتص من حسناته مقابل سيئاته، فإن بقيت له حسنة واحدة وسع الله له في الجنة ما شاء )، أي: صار من أهل الجنة، ويدخله الله ويوسع له فيها ما يشاء بفضله ورحمته وواسع كرمه سبحانه وتعالى.

    قال الحكم بن أبان أحد رواة الحديث: فأتيت أبا سلمة يزداد ويقال له: أزداد ، اختلف في صحبته هل هو صحابي أو تابعي؟ وهو من رجال سنن ابن ماجه ، يقول الحكم بن أبان : فأتيت أبا سلمة فقلت: فإن ذهبت الحسنة ولم يبق شيء؟ يعني: الذنوب كثيرة والحسنات جاءت واقتص الله للسيئات من الحسنات وفنيت الحسنات وما بقيت واحدة، فماذا يكون حاله؟ فتلا قول الله جل وعلا: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [الأحقاف:16]، يعني: ما بقي إلا التعويل على رحمة الله، والله وعدنا أن يغفر ما عدا الشرك لمن يشاء سبحانه وتعالى، وإذا أطمعنا فسيحقق طمعنا، وإذا رجانا فسيحقق رجاءنا سبحانه وتعالى، فلذلك كان سلفنا يقولون كما ثبت هذا عن علي في سنن الترمذي وعن حفيده علي بن الحسين زين العابدين عليهم جميعاً رحمات رب العالمين، يقولون: هذه الآية أرجى آية في القرآن: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:116]، وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48]، ووجه ذلك أن الشرك لا يغفر، ونسأل الله أن يطهرنا من الشرك ظاهراً وباطناً إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وما عداه تحت المشيئة، إن عاقب الله عليه فعدل، وإن غفر ففضل، وإذا دارت أفعال الله بين العدل والفضل فالمرجح في كرمه الفضل، هو أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين سبحانه وتعالى.

    يضاف إلى هذا دلالة أخرى: أن الله عندما قال: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:116]، فتح باب الرجاء أمام العباد، فعلى كل واحد أن يحسن ظنه بربه، وأن الله سيغفر له يوم القيامة، والله عند حسن ظن عبده به، ( فليظن بي ما شاء )، وظننا بربنا أنه سيدخل عظيم جرمنا في عظيم عفوه، فهو واسع الفضل والمغفرة، هو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، فإذا أمّن الله العبد فحاشا لكرمه أن يخيب أمله به سبحانه وتعالى، وإذا قال لك كريم: إن خالفتني لأعاقبنك وقد أعفو عنك، وإذا خالفته وأراد أن يعاقبك، تقول: أين الكرم؟ أنت قلت: لأعاقبنك أو أعفو، أين الكرم؟ فإذا أخطأت في حقك فكرمك ينبغي أن يتجاوز عن خطيئتي، هذا في معاملة عبد مع عبد، فكيف برب العالمين، وأرحم الراحمين سبحانه وتعالى، وليغفرن الله يوم القيامة مغفرة لا تخطر على بال أحد سبحانه وتعالى.

    فجاء الحكم بن أبان إلى أبي سلمة يزداد أو أزداد قال: إن فنيت هذه الحسنة ما بقي عند الإنسان ولا حسنة، لكنه موحد مؤمن بالله سبحانه وتعالى ماذا يكون حاله؟ فتلا قول الله: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ [الأحقاف:16]، إذا لم يكن عنده حسنات يقتص منه مقابل سيئاته، يتقبل الله الحسنات ويعفو عن السيئات، فهو واسع الفضل والكرم والرحمة والجود سبحانه وتعالى، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [الأحقاف:16].

    وثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي ، والحديث رواه أبو داود وابن ماجه ، من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، عن حريث بن قبيصة ، قال: قدمت المدينة على نبينا صلوات الله وسلامه، قدمت المدينة المنورة، فسألت الله أن يرزقني جليساً صالحاً حتى أنتفع به -وهنيئاً له على هذه الهمة وهذه النية الطيبة- فدخلت مسجد النبي عليه الصلاة والسلام فجلست بجوار أبي هريرة رضي الله عنه، هذا العبد اليمني الصالح أحفظ الصحابة لحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقلت: يا أبا هريرة ! قدمت المدينة على نبينا صلوات الله وسلامه، وسألت الله أن يرزقني جليساً صالحاً لعلي أنتفع به، فأريد أن تحدثني حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لعل الله ينفعني به، فقال: أجل سأحدثك، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن أول ما يحاسب العبد من عمله صلاته )، أول ما يحاسب عليه من عمله صلاته، ( فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، وإن انتقص من فريضته شيئاً )، أي: الصلاة فيها نقص، وما حصل فيها التمام والكمال، ( قال الله جل وعلا: انظروا هل لعبدي من تطوع يكمل به ما انتقص من فريضته؟ هل له تطوع؟ ثم يكون سائر عمله على ذلك )، أي: أن الواجبات إذا حصل فيها نقص وتقصير يقول الله: هل عنده تطوع؟ ففي زكاته نقص، هل عنده صدقات وكرم وبر وإحسان ومساعدة لعباد الله؟ في صيامه نقص، هل عنده صوم النافلة؟ ولذلك بعض أوجه التفسير في قول الله الجليل: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]، يقول أئمتنا الكرام، وهذا ينقله الواحدي عن جميع المفسرين، وهو أمر تحتمله الآية، وإن كانت تحتمل ما عداه من الأقوال المنقولة عن سلفنا الطيبين، يقول: قيام الليل لا يكون نافلة إلا في حق النبي عليه الصلاة والسلام فقط، وأما من عداه فهو عليه واجب؛ لأنه يكمل به فريضته، أما النبي عليه الصلاة والسلام هذا الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فقيام الليل في حقه نافلة، أما من عداه فقيام الليل في حقه واجب فريضة، بل أن الله فرضه، بل هو نافلة، لكن بما أن فرائضك يحصل فيها خلل ونقص، فهذه النافلة التي هي في مشروعيتها نافلة سيكمل بها الفريضة، فصارت مكملة لواجب، وإذا كملت نوافلنا فرائضنا وواجباتنا فهنيئاً لنا، هذه سعادة لنا لا يعدلها سعادة، أما نبينا عليه الصلاة والسلام فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وفرائضه تقع على الوجه اللائق والمقبول، فبقيت النوافل، نوافل كاملة ما يكمل بها الفرض، وأما في حقنا فالأمر ليس كذلك، ونسأل الله أن يتوب علينا بفضله ورحمته، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    وهذا الحديث ورد في سنن أبي داود وابن ماجه عن تميم الداري ، وورد في مسند أبي يعلى عن أنس رضي الله عنهم أجمعين، بدءاً من رواية أبي هريرة وتميم أن الفريضة إذا انتقصت تكمل بالنافلة، وأن أول ما يحاسب عليه العبد من عمله صلاته، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله، إن صلحت أفلح وأنجح، وإن فسدت خاب وخسر، لكن تأتي العناية الإلهية والفيوضات الربانية فيقول الله: إذا انتقصت هذه الفريضة انظروا: هل له من تطوع؟ فإذا كان عنده تطوع كمل بتطوعه فريضته التي حصل فيها نقص.

    والشاهد أن المقاصة تقع، وتكمل الواجبات بالنوافل المستحبات، وتمحى حسنات مقابل سيئات كما تقدم معنا.

    إذاً: إذا كان عنده ذنوب لم يتب منها، سواء أقلع عنها أو لم يقلع، ستقع المقاصة يوم القيامة، وهذا كله تحقيقاً لقول الله جل وعلا: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7-8]، وهذا هو المقرر عند أهل السنة الكرام؛ أن الكبائر لا بد لها من توبة ناصحة صادقة تامة مقبولة، لا بد لها من أجل أن تغفر له كبيرته، وقد دل على هذا أدلة كثيرة منها ما تقدم.

    ومنها ما ذكره الإمام ابن رجب أيضاً في جامع العلوم والحكم من استشهاد للحديث الثابت في المسند والصحيحين، وهو في سنن الترمذي وابن ماجه والنسائي ، فهو في الكتب الستة، إلا سنن أبي داود من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه: ( بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه، فبايعناه على ذلك )، قال الإمام ابن رجب : الذين بويعوا من الصحابة الكرام، وعلى رأسهم عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه، كانوا يقومون بالواجبات، والنبي عليه الصلاة والسلام قال لهم: إذا صدر منكم خطيئات موبقات كبائر، ثم أقيم عليكم الحد في الدنيا قد طهرتم، فالحدود مطهرة، وإذا لم تقم وما تبتم إلى الله فأمركم إلى الله، إن شاء عفا وإن شاء عاقب، وما قال: إن الكبائر ستكفر بالطاعات التي تقومون بها، فهؤلاء الصحابة الكرام الذين بويعوا هذه البيعة كانوا يقومون بالطاعات والواجبات، ومع ذلك قال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: إذا صدر منكم زلل فهذا الزلل إن عوقبتم عليه في الدنيا كفارة، وإن تبتم إلى الله يغفر هذا الزلل، وإذا لم تتوبوا ولم يقم عليكم حدٌ في الدنيا فأمركم إلى الله إن شاء عفا عنكم، وإن شاء عاقبكم، قال: فبايعناه على ذلك.

    الفرق بين الكبائر والصغائر في المقاصة من الحسنات

    قد يستشكل مستشكل فيقول: إذا كانت الطاعات سيقتص منها يوم القيامة للموبقات، فتمحى حسنات مقابل سيئات، فكبائر السيئات قد كفرت وغفرت بالطاعات، فما الفارق بينها وبين الصغائر؟

    نقول: إن الطاعات تغفر الصغائر، أي: صغائر السيئات دون أن ينقص من أجرها شيء، فالوضوء طاعة، والصلاة طاعة، والصيام طاعة، والجمعة طاعة، وهذه تغفر السيئات، أي: الصغائر من السيئات دون أن ينقص من أجر الطاعة شيء، بخلاف الكبيرة، فهذه عندما تكفر بالطاعة يذهب أجر الطاعة، وهناك فارق، فإذا قال قائل: الكبيرة في نهاية الأمر ستكفر وتغفر وتزول بالطاعة، وقلتم: الصغيرة تزول بالطاعة، فما الفارق إذاً بين الأمرين؟

    نقول: فارق كبير، هناك طاعة كفرت سيئة وبقي أجرها، وهنا طاعة كفرت سيئة، لكن ذهب أجرها كأنك لم تعملها، ومن ذهبت حسناته وما بقي منها إلا حسنة واحدة دخل الجنة ووسع الله له فيها ما شاء، وإلا أمره إلى الله، أما السيئات أعني الصغائر فهذه تغفر دون أن يذهب شيء من أجر الطاعة، وهذا الذي حققه الإمام ابن رجب عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا.

    ويدل على هذا ما ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم ، والحديث رواه الترمذي والنسائي والإمام مالك في الموطأ عليهم جميعاً رحمة الله، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات )؟ إذاً: الخطايا تمحى، أي: الصغائر، لكن عندما تمحى ما ضاع أجر الطاعات، يرفع لك درجة بطاعاتك، فمحيت الخطيئات ورفع لك درجات، ( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات )، أما لو كانت هذه الخطايا موبقات لذهبت الدرجات وذهبت الحسنات، وما حصلت منها فائدة، ( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط.. فذلكم الرباط.. فذلكم الرباط )، أي: مرابطة في سبيل الله، وهو الرباط الأكبر، كما أن المرابطة على الثغور رباط أصغر، ومجاهدة النفس جهاد أكبر، ومجاهدة الأعداء جهاد أصغر، ونحن لا نهون من جهاد أعداء الله وقتالهم، ولكن لا يمكن أن تجاهدهم إلا إذا جاهدت نفسك، وأي قيمة لجهاد الأعداء إذا كنت على شاكلتهم، وليس بينك وبينهم فارق إلا بالاسم؟ كحال من يجاهدون في هذه الأيام وقبلها إلا من رحم ربك وقليل ما هم، كبعض أولئك المجاهدين الضالين في هذه الأيام، ممن يأمل من الله جل وعلا أن لا يأتي عيد الفطر إلا والمسلمون يصلون في المسجد الأقصى، والنصارى يصلون في كنائسهم، واليهود يصلون في بيعهم، فيصبح وحدة عامة بين المسلمين واليهود والنصارى، فهل هذه نهاية الجهاد الذي كنت تجاهد به؟! إذا ما جاهد الإنسان نفسه، فإنه يجاهد عدوه بعد ذلك من أجل أن يكون الدين كله لله، لا لليهودية ولا للنصرانية في ذلك شيء من الأمر، وهم أعداء الله لعنهم الله، وكل من يعقد بينهم صلة أو يركن إليهم فهو معهم ومنهم، لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة:51]، ولا يمكن أن نواليهم إلا إذا آمنوا أو كفرنا، أما أن تعقد ولاية بين مؤمن ونصراني، أو بين مؤمن ويهودي، فهذا لا يمكن أن يحصل إلا إذا وافقناهم في الحقيقة فكفرنا أو وافقونا فاهتدوا.

    إذاً: لا بد من وعي أن من الرباط الأكبر: انتظار الصلاة بعد الصلاة، وذلك أن من وطن نفسه على العكوف في بيوت الله سيهون عليه أن يعكف ويرابط على الثغر بعد ذلك، فإن القلوب إذا ربيت على الرباط، وهكذا إذا جوهدت النفوس وزمت بزمام التقوى فيسهل عليها أن تجاهد أعداء الله، كمال أهل الصفة المرابطين المجاهدين، فإذا لزم بعد ذلك الجهاد الذي هو جهاد أصغر أعني: جهاد أعداء الله، فإنهم يحرصون سراعاً إلى لقاء أعداء الله، مستبشرين برضوان الله وجنته: ( فذلكم الرباط )، أي: هو الرباط الحقيقي، الرباط الكامل، الرباط الأكبر، الرباط التام؛ لأن جهاد النفس مدته طويلة لا ينفك عنك طرفة عين، وأما جهاد أعداء الله الرباط على الثغور فمدته قصيرة في أوقات دون أوقات، يعني: أن التركة ليست في الليل بل في النهار، تثبت فيها، ثم بعد ذلك تذهب إلى فراشك لتنام أو لتأكل، أما جهاد النفس فهو في حال الطاعة وفي حال النوم، وفي حال قضاء الحاجة، وفي جميع الأحوال لك ينبغي أن تجاهد نفسك وأن لا يدور في خلدك وفي ذهنك وتفكيرك إلا ما يرضي ربك سبحانه وتعالى، وينبغي لك أن تعلم أي شيء تفكر فيه هذه النفس، فإما أن تجول حول العرش، وإما أن تجول حول الحش.

    والشاهد من هذا الحديث أن الله بهذه القربات يمحو الخطايا ويرفع الدرجات، فهنا طاعات مكفرة، لكنه ما ذهب من أجرها شيء، بل رفع لك بها الدرجات، ومحي عنك بها الخطيئات، فهي غنيمة، وهذا في حق الصغائر، أما لو كانت من الكبائر لذهب أثرها.

    ومثل هذا ما ثبت في المسند والصحيحين، والحديث في سنن الترمذي وابن ماجه من رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير )، وليس في هذه الرواية: ( يحيي ويميت )، وإذا أراد المرء بعد ذلك أن يزيد: ( يحيي ويميت ) فله ذلك، ولكن عليه يأتي بهذا المقدار وبهذه الصيغة: ( من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له -أي: تلك المقولة والجملة وهذه المائة- كانت له عدل عشر رقاب )، كمن أعتق عشرة رقاب في سبيل الله، ( وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكان في حرز من الشيطان )، وكانت له حرزاً من الشيطان، ( ولم يأتِ أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه ).

    فهذه الطاعة الكبيرة العظيمة يعني: كلمة التوحيد، حصل بها الأجر، وكفر بها الوزر من الصغائر، وما ضاع شيء من أجرها، وعدلت بعشر رقاب، وكتب لك مائة حسنة، ومحي عنك مائة سيئة.

    إذاً: حصل كتابة حسنات ومحو سيئات، وما ضاعت الحسنات ولا ضاع شيء منها، وأنت بعد ذلك في حرز من الشيطان، ولا يأتِ أحد بأفضل مما جئت به وعملته إلا من زاد عليك، فهنا طاعات غفرت وكفرت وأذهبت الخطئيات الصغائر من السيئات دون ذهاب شيء من أجرها، وهذا القول هو المقرر عند جمهور أهل السنة الكرام وعليه المذاهب الأربعة وغيرهم.

    1.   

    الأدلة على أن الكبائر تمحى بالحسنات ولو لم يتب فاعلها منها

    القول الثاني في موضوع الكبائر وهو ما ذهب إليه قوم من أهل الحديث، كما قال ذلك الإمام ابن رجب ، إلى أن الأعمال الصالحة تكفر الكبائر، وممن قال بهذا القول: الإمام ابن حزم والإمام ابن المنذر والإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في الجزء السابع صفحة (490)، ونقل ما يشهد له في الجملة.

    ومما استدلوا به على ذلك أن الواجبات فقط تكفر الصغائر، وإذا ضم إلى هذه الواجبات النوافل والتطوع فينبغي أن يكون لهذا الزائد أثر في التكفير، فإذا وقعت الكبيرة وعنده واجبات وعنده مندوبات ومستحبات، وتطوع كثير يقوم به في كل وقت، فإن الصغائر تكفر بفعل الواجبات، وأما النوافل فإنها ستكفر ذنوباً غير الصغائر وهي الكبائر.

    وهذا الدليل له وجاهة، لكن سيأتينا إن شاء الله بما نوجه هذا الدليل، ونبين أنه لا دلالة فيه على تكفير الكبيرة بعينها دون توبة من فاعلها؛ لأن الواجبات تكفر الصغائر إذا وجدت الشروط التامة في فعلها وانتفت عنها الموانع، أما إذا كان فيها خلل فلا تقوى الواجبات على تكفير صغائر السيئات، فكيف ستقوى نوافل المستحبات على تكفير الكبائر الموبقات؟ هي واجبات ما كفرت عنك الصغائر؛ لأنها ما وقعت على الوجه التام، فالنوافل إن جبرت الفرائض فهي نعمة، وإن كفرت واجباتنا صغائرنا فهنيئاً لنا، أما أن عندنا نوافل زائدة على الواجبات تكفر الصغائر فتأتي النوافل وتكفر الكبائر، فهذه صورة نظرية ليست واقعية في الحقيقة.

    دلالة حديث (من حج ولم يرفث...) على محو الكبائر بالحسنات

    واستدل القائلون بتكفير الكبائر بدون التوبة بأحاديث كثيرة واردة عن النبي عليه الصلاة والسلام، صرح فيها بأن الكبائر والموبقات تغفر بفعل الطاعات، مطلقاً ولم يقيد ذلك بالتوبة.

    ومن هذه الأحاديث ما ثبت في المسند والكتب الستة إلا سنن أبي داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه )، أي: خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وإطلاق الحديث شامل للكبيرة والصغيرة، وأنت عندما تولد ما عليك أي خطيئة، فمن حج حجاً خالصاً لله، وصان حجه من الشوائب، فما رفث، أي: لم يتكلم بفحش، ولا اتصل بأهله، ولا تكلم بألفاظ الجماع وما يدل عليه، وهذا كله رفث، وما فسق بفسق قولي أو فعلي، فلا خاصم ولا شاتم ولا ضرب، ولا عصى الله، ( فلم يرفث ولم يفسق )، صان حجه، رجع كيوم ولدته أمه، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وفي رواية الترمذي : ( غفر له ما تقدم من ذنبه )، وهذه صيغة عموم، كقوله: (خرج كيوم ولدته أمه)، فخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، بمعنى غفر له ما تقدم من ذنبه، و(ما) صيغة عموم شاملة لكل ذنب سبق من صغيرة أو كبيرة.

    وهذا الحديث، في أعلى درجات الصحة، وهو يشير إلى أن الطاعة تكفر الموبقات، وكبائر السيئات.

    والحج كما سيأتينا عبادة جليلة تكفر الخطايا والموبقات، لكن إذا كان ذلك الحج مقبولاً فيدخل فيه التوبة من كل ذنب أما أنه يحج وهو مصر على الزنا، أو السرقة، أو الكذب، أو سماع الأغاني والنظر إلى المسلسلات، فماذا ينفعه حجه؟ فلعله يضرب به وجهه وهو لا يزال في تلك البقاع الطاهرة المباركة، فلا بد من حج فيه هذه الشروط، لم يرفث ولم يفسق وقد وجه أئمتنا في أحد التوجيهين عند تفسير قول ربنا جل وعلا: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ [البقرة:203]، في المنسك الذي يكون في منى، فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى [البقرة:203]، أي: خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، لكن بشرط أن يكون متقياً لربه في حجه، ولا تتم التقوى بدون توبة نصوح، صادقة، وهذا منقول عن عدد من الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان، فمن حج وهو مصر على الذنوب فما اتقى ربه، وهذا الدليل الأول.

    دلالة حديث (من صام رمضان...) على محو الكبائر بالحسنات

    والدليل الثاني في المسند والكتب الستة، لكن ليس متعلقاً بفضيلة الحج، بل بفضيلة الصيام، وهو من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه )، زاد الإمام أحمد في المسند والخطيب في تاريخ بغداد: ( وما تأخر )، والزيادة بإسناد حسن كما حقق ذلك الحافظ في الفتح، والإمام المنذري في الترغيب والترهيب، والحافظ في جزء ألفه أحلى من العسل وأغلى من الذهب واسمه: الخصال المكفرة للذنوب المتقدمة والمتأخرة، وقد حكم بعض المحدثين على هذه الزيادة بالشذوذ ولا وجه له؛ لأنها لا تعارض الحديث وليس فيها مخالفة، بل هي إثبات شيء مسكوت عنه، فالله يتكرم علينا بهذه الجائزة، ونحن نأتي فنقول: فيها شذوذ، يعني: يكفي أن يغفر للإنسان ما تقدم من ذنبه! وقد ثبت مثل هذا لعبادتين أيضاً في شهر رمضان.

    العبادة الثانية: قيام شهر رمضان، ثبت في المسند والكتب الستة أيضاً من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه )، زاد الإمام أحمد في مسنده، والإمام النسائي في سننه: ( وما تأخر ).

    والعبادة الثالثة: قيام ليلة القدر، ثبت في مسند الإمام أحمد والكتب الستة إلا سنن ابن ماجه من رواية أبي هريرة أيضاً، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه )، زاد الإمام أحمد في المسند، والطبراني في المعجم الكبير من رواية عبادة بن الصامت رضي الله عنهم أجمعين: ( ما تأخر ).

    إذاً: الصيام والقيام وقيام ليلة القدر، يغفر للإنسان ذنبه المتقدم والمتأخر، لكن بتحقق هذا الشرط: أي: إيماناً واحتساباً، إيماناً بالله، وأن الله فرض هذا وينبغي أن نلتزم به كما أمر، واحتساباً أي: نحتسب الأجر ونطلبه من الله جل وعلا دون منفعة عاجلة من رياء أو عجب أو غير ذلك.

    فمن فعل هذا إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال الحافظ ابن حجر : تحمل على معنيين اثنين:

    الأول: أن الله جل وعلا سيحفظ من قبل صيامه وقبل قيامه ووفق لقيام لليلة القدر، سيحفظه من الوقوع في الذنوب والعيوب في مستقبل حياته وأيامه، وإذا وقع في شيء من الزلل مما لا يخلو عنه البشر يقع مكفراً مغفوراً في الآخرة برحمة الله وفضله، فصار حكمه كحكم أهل بدر تماماً، فليس من شرط البدري أن لا يخطئ وأن لا يعصي الله، وإنما له كرامة عند الله وهي قوله: ( اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم )، فهذا الحديث فيه -إن شاء الله- ضمان لأهل بدر بأنهم لن يشركوا بالله، لكن ليس فيه ضمان أنهم لن يقعوا في معصية، فقد وقع مسطح بن أثاثة وهو بدري مهاجري في كبيرة وهي القذف، وأقيم عليه الحد وطهر، فليس من شرط البدري أن لا يقع في معصية.

    إذاً: ذنوب جميع أهل بدر مغفورة قطعاً وجزماً، ولا نقول: ثبتت لهم العصمة، ومن قبل صيامه وقيامه ووفق لقيام ليلة القدر على الوجه المرضي صار حاله كحال أهل بدر سيحفظ، وإن زل فرحمة الله واسعة يغفر له ذلك، وهذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، لكن كما قلت: لا بد من تحقيق الشرط وانتفاء المانع، يقول أئمتنا: كل شيء لا يمكن أن يتم إلا بتحقيق شروط وانتفاء موانع، فعبادة الحج لست تخرج بها من ذنوبك بمجرد أعمال تقوم بها، وهكذا الصيام تمتنع عن الطعام والشراب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ثم بعد ذلك قلبك فاسد، وأعمالك خبيثة، وما نهاك صيامك عن الفحشاء والمنكر، فما ازددت من الله إلا بعداً.

    جاء مرة بعض الناس في بلاد الشام بسيارة بصل إلى بعض المحلات التي تبيع من الخانات التي يضع المزارعون فيها المحصول، فوضعها في هذا المخزن في الخان من أجل أن تباع للناس، بمقابل عمولة، وغاب فترة ثم جاء بعد فترة، وقال لصاحب المخزن: كم حسابي كم ثمن البصل؟ فقال صاحب المخزن: هات خمسين ليرة سورية، فظن ذاك أنه سيعطيه ألفاً أو ألفين أو ثلاثة آلاف ويحتاج إلى إرجاع خمسين، فأعطاه الخمسين، فجلس صاحب المخزن، فقال له صاحب البصل: أعطني الفلوس، فقال صاحب المخزن: أي فلوس؟ قال صاحب البصل: قيمة البصل، أنت قلت: أعطني خمسين فأعطيتك، فكم ستعطيني ألفاً.. ألفين؟ كم قيمة البصل؟ قال صاحب المخزن: هذه الخمسين الليرة أجرة رمي البصل على الزبالة، هذا البصل ما بيع، وتغير والمحصول كثير، وما بعت، يعني: من كثرته لا يباع، فيجعل أجرة لرميه، قال: يا عبد الله! هذه الخمسين أجرة نقله ورميه.

    وأنا أخشى أن تكون عبادتنا كذلك، ونسأل الله أن يتوب علينا، يعني: كون الأوزار لا تسقط عنا بهذه الطاعات، أو لا نحصل أجراً، نخرج رأساً برأس، لعل هذه غنيمة لنا، وإلا صار حالنا كحال صاحب البصل، فنسأل الله أن يلطف بأحوالنا، وأكثر الناس دائماً يحسبون ما لهم ولا يحسبون ما عليهم، فلان يقول: صمت رمضان، ولا يسأل نفسه: هل خرجت بعد ذلك بأجر أو بوزر؟ فلا بد أن تبحث عن حقيقة الأمر.

    إذاً: قوله في الحديث: ( وما تأخر )، زيادة صحيحة وهو أن ومعناها صحيح تحفظ من الذنوب، ولو قدر أنك وقعت يقع ذلك مكفراً ومغفوراً بشرط القبول.

    الأمر الثاني: هذان الأمران ليسا بأمر واحد، أن تحفظ من الذنوب هذا الأمر الأول، ثم لو قدر أنك وقعت تغفر تلك الذنوب وتكفر، هذا معنى الحديث: ( غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر )، فما تقدم زال، وما تأخر حُفِظت منه، هذا الأمر الأول، ففي ذلك إشارة إن شاء الله إلى أن حالك يختلف عن حال غيرك، وستسدد وتقارب وتستقيم بعد الصيام والقيام، وسيتغير حالك ويكون أحسن مما كنت عليه، هذا معنى الحديث، ثم لو قدر أنك وقعت في زلل فيقع مغفوراً مكفراً، وهذا توجيه الحديث بالنسبة لزيادة: ( وما تأخر ).

    هذه أحاديث صريحة في أن الموبقات والذنوب بأسرها تغفر بفعل الطاعات، من حج وصيام وقيام رمضان وقيام لليلة القدر، والنصوص صريحة صحيحة في هذا الأمر، وهذا الذي قاله ابن حزم وابن المنذر وابن تيمية عليهم جميعاً رحمات رب البرية.

    1.   

    التحقيق في مسألة محو الكبائر بالحسنات والطاعات ولو بدون توبة

    لكن هذا القول لا أراه في الحقيقة معارضاً للقول الأول، وينبغي أن يسير هذا القول في ضوء القول الأول المنقول عن أهل السنة والجماعة، فنقول موجهين لهذا القول: هذه الطاعات المذكورة في أحاديث خير البريات عليه الصلاة والسلام، وأنها تكفر الذنوب والموبقات، هذه مقيدة بوجود شروطها وانتفاء موانع عنها، فينبغي أن تقع كما أراد الله وأحب، وما ينبغي أن يكون فيها ما يمنع قبولها، فإذا وجدت شروطها بأن فعلها على وجه التمام والكمال، وصانها الإنسان بعد ذلك من الضياع والإبطال، حصل ذلك الأجر عند ذي العزة والجلال، لكن إذا فقد شرط من الشروط، كمن حج بمال حرام، فهذا ما صار حجاً مقبولاً، وكمن حج لكنه رفث وعصى وارتكب محرماً، فما صار حجاً مقبولاً، وكمن حج وهو ليس بمتقٍ لله، والله لا يتقبل إلا من المتقين، فهو مصر على ذنوبه وعيوبه، فهذا ما صار حجاً مقبولاً ولا مبروراً، لكن من حج من مال حلال، وهو تائب إلى ربه جل وعلا، وما عصى في حجه، فهذه التوبة مع هذه الطاعة تغفر له ما سبق من أوزاره وذنوبه، لكن إذا لم يتب من ذنبه كيف سيقبل حجه؟ وكيف سيتقبل الله منه وهو مصر على معصية الله عز وجل؟!

    فتلك الأدلة صحيحة وعلى المطلوب صريحة؛ لأن الطاعات تكفر الموبقات، لكن الشأن في بيان وتحقيق تلك الطاعة بحيث تقع كما أراد الله وأحب سبحانه وتعالى، أن تقع مقبولة من حج، أو صلاة أو صوم، أو قيام، أو قيام ليلة القدر، إذا وقعت مقبولة تغفر للإنسان ذنوبه المتقدمة والمتأخرة، لكن إذا قبلت ولا تتقبل إلا من تقي، وشروط التقوى: أن يتوب إلى الله جل وعلا، وأن يفعل الطاعة على الهيئة التي يحبها الله، ولذلك كان سفيان، وهو إما الثوري أو ابن عيينة عليهم جميعاً رحمة الله، والأثر معلق عن سفيان بصيغة الجزم في صحيح البخاري في تفسير سورة المائدة، لكن ما عين أي السفيانين، قال: وقال سفيان، يقول الحافظ ابن حجر في الفتح: قال بعض الشراح: إنه سفيان الثوري ، ولم أقف على ذلك موصلاً، وعلى كل حال الثوري أو ابن عيينة كلاهما إمام ثقة علم جبل، يقول سفيان: ما في القرآن آية أشد عندي من هذه الآية، وهي قول الله جل وعلا في سورة المائدة: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [المائدة:68]، انتبه شيء نكرة في سياق نهي، نص في العموم، لستم على شيء، أي: لا اعتبار لكم ولا وزن ولا قدر عند الله حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم، وإقامة الشيء توفيته حقه علماً وعملاً، فإذا ما قمتم نحو ما أنزل الله عليكم قياماً تاماً علمياً وعملياً فلا وزن لكم عند الله ولا اعتبار ولا قدر، يعني: لو حصل تفريط في أحد الأمرين في القوة العلمية أو العملية بمقدار شعرة فلستم على شيء، حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [المائدة:68].

    يقول سفيان الثوري أو ابن عيينة عليهم جميعاً رحمة الله: وهذا الخطاب الموجه لبني إسرائيل يشمل كل أمة، وعليه يقال مثل هذا الخطاب على هذه الأمة: يا أمة محمد عليه الصلاة والسلام! لستم على شيء حتى تقيموا القرآن وسنة النبي عليه الصلاة والسلام، والإقامة علماً وعملاً.

    إن ما نجهله أضعاف ما نعلمه، وما لا نريد العمل به مما نعلمه أضعاف ما نريد العمل به مما نعلمه، وما لا نتمكن من العمل به مما نريد أن نعمله أضعاف ما نتمكن من العمل به مما نريد أن نعمله، إذاً: عندنا تقصير في العلم، وفي الإرادة، وفي العمل، وهذا حالنا، ولذلك قال أئمتنا: عندما نقول في صلاتنا: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، فهل نسأل هداية مفقودة أو موجودة؟ فإن قلنا: موجودة فالمعنى: ثبتنا، وإن قلنا: مفقودة فالمعنى: أعطنا شيئاً ما حصل لنا، والمقصود هنا حتماً هي الهداية المفقودة؛ لأن الهداية ما توجد على التمام، إلا في نبينا عليه الصلاة والسلام، فمن الذي يوجد فيه علم نافع بما يريد الله ويحبه على وجه التمام والكمال لا يغيب عنه شيء، وهو يريد العمل به، وليس عنده إعراض عن بعضه أو لا يريد العمل به كله، ويتمكن من العمل به وينفذ ما أراد أن يعمله؟ والحق أن هذا لا يوجد في أحد من الخليقة، ولذلك عندما نقول: اهدنا فنحن نطلب هداية مفقودة، أي: أعطنا هذه الهداية التي ما حصلت لنا، وهي أن نعلم الحق على التمام والكمال، وإذا علمناه نريد العمل به، وإذا أردنا أن تمكننا من العمل، وأن لا نخلد أو نضعف، وكم من إنسان يريد أن يبني المساجد ما عنده فلوس، وكم من إنسان يريد أن يقوم الليل لكن ينام، فما يكون عنده هذا الجد ولا يستيقظ.

    إذاً: علمت ثم أردت ثم عملت، هذه الثلاثة لا تكتمل في أحد من خلق الله فنحن نطلب هداية مفقودة نحن بحاجة إليها كما يقول أئمتنا بعدد أنفاسنا اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، في علمنا وإرادتنا وعملنا.

    صفة العبادات التي تكفر الكبائر

    هذه العبادات هي التي تكفر الموبقات، لكن أي عبادات؟ عباداتنا التي لو قدمت لزبال لما قبلها، يعني: هذه الصلاة التي نصليها لذي العزة والجلال، لو قدمناها لزبال وقلنا له: نصلي لك ركعتين، لكن نعرض عنك عندما نصلي، ونشتغل بغيرك، وعندما نخاطبك لا ندري ما نقول، فسيقول: وهو زبال: ماذا أريد بهذه الصلاة؟ أنتم الآن تحقروني بها، وأنت عندما تقول: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، وقلبك في كل وادٍ من أودية الدنيا يهيم، فأنت كذاب، ولذلك كان بعض الإخوان يقول: أول ما يفعله المسلم إذا لم يكن تقياً حذراً نقياً، أول ما يفعله الكذب، فهذا هو حالنا.

    قال لي بعض الإخوة مرة: يا شيخ! يأتي على قلبي خاطر النساء والشهوة، وأنا ساجد، هذا في الموضع الذي يكون العبد فيه أقرب من ربه.

    أقول: لو ذهبت لتكلم كما قلت زبالاً فضلاً بعد ذلك عن مسئول كبير، وأنت معرض عنه، وعندما تكلمه تدخل مع كلامك كلاماً أجنبياً؛ من زوجة ومن دينار ومن درهم ومن بصل كما هو الحال في صلاتك؛ فماذا يكون حال الأمير معك؟ كما قلنا: الزبال لا يقبلها فضلاً عن أمير، فضلاً عن الله الجليل.

    ووالله لو لم نعاقب على عباداتنا لكانت هذه أعظم كرامة لنا، وهل يليق بنا بعد ذلك أن نطلب أجراً على طاعاته التي لا يقبلها الزبال؟ كان صلة بن أشيم عليه رحمة الله عابد التابعين بعد أن يقوم الليل بكامله إذا جاء السحر يجلس ويستغفر، ويقول: رب أسألك أن تجيرني من النار، ومثلي يسأل الجنة؟ يعني: أسألك أن تجيرني من النار؛ لأني أهل لدخولها، فإذا أجرتني فهذه نعمة، أما أن تمن علي بالجنة فهذا محض فضل وكرم منك؛ لأنه ليس عندي ما يؤهلني لهذا الثمن على بضاعتي.

    الأدلة على وجود شروط وانتفاء موانع في الطاعات المكفرة للكبائر

    فالأحاديث المتقدمة أحاديث صحيحة صريحة لا إشكال فيها، لكن الشأن في تحقيقها، وإثبات مدلولها، من وجود شروط وانتفاء موانع، فقد صرح نبينا عليه الصلاة والسلام بهذا، فليحمل المطلق على المقيد على أن هذه العبادات ينبغي أن تقع بالصفة التي يحبها الله ويرضاها.

    ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود ، والحاكم في المستدرك في الجزء الأول صفحة (131)، وقال: على شرط مسلم وأقره عليه الإمام الذهبي ، عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( من توضأ فأحسن وضوءه ثم صلى ركعتين لا يسهو فيهما غفر له ما تقدم من ذنبه )، وفي هذا الحديث أمران لا بد من الانتباه لهما: إحسان الوضوء، ثم صلاة لا تسهو فيها، ( من توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى ركعتين لا يسهو فيهما )، والسهو بمعنى الغفلة، وليس المقصود أنه ما يعلم كم ركعة صلى، ثلاثاً أو أربعاً، بل المقصود أنه ما غفل طرفة عين في صلاته، ( غفر له ما تقدم من ذنبه )، وأقول: لعل الذي يسلم له ركعة من ركعتين صديق، لاسيما والوساوس تهجم علينا من كل جهة والقلب مشحون بغير ما يحبه الحي القيوم، والله ينظر إلى هذه القلوب فهي محط نظره، لا ينظر سبحانه وتعالى إلى أجسامنا ولا إلى صورنا، إنما نظره إلى قلوبنا وأعمالنا جل وعلا.

    وثبت في الصحيحين وسنن أبي داود والنسائي من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه: ( أنه أحضر وضوءاً فتوضأ )، بالكيفية الشرعية التي ستأتينا، ( ثم قال: رأيت النبي عليه الصلاة والسلام توضأ مثل وضوئي نحو وضوئي وقال: من توضأ مثل وضوئي نحو وضوئي، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه بشيء غفر له ما تقدم من ذنبه )، كالحديث الأول، ولكن هذا في الصحيحين، أحسن الوضوء كوضوء النبي عليه الصلاة والسلام، صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه بشيء، غفر له ما تقدم من ذنبه.

    وثبت في مسند الإمام أحمد وسنن النسائي وابن ماجه ، والحديث في صحيح ابن حبان ، من رواية أبي أيوب الأنصاري ، وعقبة بن عامر رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من توضأ كما أمر، وصلى كما أمر غفر له ما قدم من عمل )، أي: ما تقدم منه من زلل وخطأ، بشرط أن يتوضأ كما أمر، وأن يصلي كما أمر، وفي رواية ابن حبان : ( من توضأ كما أمر وصلى كما أمر غفر له ما تقدم من ذنبه )، كحال الحج وحال الصيام والقيام كما تقدم معنا، لكن لا بد من هذا القيد: ( كما أمر )، وصلى كما أمر، أي: أقام الصلاة، بمعنى: توفية الشيء حقه علماً وعملاً.

    وثبت في صحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه ، والحديث رواه ابن خزيمة في صحيحه والحاكم في مستدركه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين يقبل فيهما بقلبه ووجهه على ربه إلا وجبت له الجنة )، فمن أحسن الوضوء، وصلى ركعتين، وأقبل بالوجه فلا انحراف، وبالقلب فلا وسواس، قد أقبل على الله، ( إلا وجبت له الجنة )، وفي رواية: ( إلا أوجب الله له )، يعني: الجنة، ولفظ رواية الحاكم : ( ما من مسلم يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقوم في صلاته فيعلم ما يقول )، يعني: خاشع مخبت، ( إلا انفتل من صلاته كيوم ولدته أمه من الخطايا ليس عليه ذنب )، أي: صار حاله كحال الحج، رجع كيوم ولدته أمه، ( إلا انفتل من الخطايا )، أي: إلا انفتل كيوم ولدته أمه من الخطايا ليس عليه ذنب.

    إذاً: لا بد من هذا القيد، لا بد من وجود الشرط وانتفاء المانع، وذلك بإحسان العبادة وعدم وجود ما يفسدها، أما إذا لم يوجد الشرط لم تحصل العبادة، وكذا إن وجد الشرط وقمت بالعبادة، لكن وجد مانع، نفذ لهذه العبادة فحبطت وبطلت، فأنت ستعاقب عليها، فكيف ستكفر بعد ذلك أوزارك وذنوبك؟!

    ثبت في المسند والسنن الأربعة، والحديث رواه ابن حبان في صحيحه وابن خزيمة في صحيحه عن علي رضي الله عنه، قال: كنت إذا سمعت حديثاً من النبي عليه الصلاة والسلام نفعني الله به ما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني صحابي عن النبي عليه الصلاة والسلام استحلفته، أي: احلف بالله أنك سمعت هذا من رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال: وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر ، أي: هذا أصدق مني، فلا يحتاج إلى استحلاف، وليس استحلافه لغيره اتهاماً له، لكنه زيادة احتياط وتوثيق؛ لأنه يعلم أن الصحابي لا يمكن أن يحلف بالله يميناً غموساً، وأن يكذب، والمعنى: أما أبو بكر رضي الله عنه فما يحتاج إلى استكثار واستفصال، فلا يتكلم إلا عن بينة كالشمس في رابعة النهار. قال: حدثني أبو بكر وصدق أبو بكر ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما من عبد يذنب ذنباً، فيتوضأ فيحسن الطُهور، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله، إلا غفر الله له، ثم قرأ هذه الآية: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:135-136] )، أي: من توضأ بعد أن أذن، فأحسن وضوءه وصلى ركعتين، وقام بهما على وجه التمام والكمال، ثم استغفر ربه، غفر الله له ذنبه، فهنا وضوء وصلاة واستغفار وتوبة إلى الله، وهناك حد شرعي مع التوبة والإنابة إلى الله، والحال بعد ذلك أنك ستخرج حتماً من ذنوبك كيوم ولدتك أمك.

    ولذلك نقول في توجيه هذه الأدلة: ما ذكرتموه على العين والرأس، لكن هذا كله مقيد بوجود شروط وانتفاء موانع؛ وعليه يعود الأمر إلى القول الذي ذكرناه: أن كل طاعة ذكر معها أنها تكفر الخطيئة، فهذا في حال الطاعة المقبولة، ولا تقبل إلا إذا كان الإنسان تقياً قال تعالى: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27]، والعاصي ظالم بنص القرآن قال تعالى: وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات:11]، فهو ظالم ليس بتقي، لا تقبل ولا تكفر أوزاره بهذه الطاعة وإنما ستجري المقاصة بين الحسنات والسيئات.

    وينبغي أن نعي هذا الأمر تمام الوعي، فهنا أدلة صحيحة وعلى المراد صريحة، لكن بهذا القيد، وجود شروط وانتفاء موانع؛ ولذلك لو نظرنا في حال الصحابة وعبادتهم لتبين لنا أنهم كانوا يقومون بهذا الشرط، كما سنذكر ذلك لاحقاً إن شاء الله تعالى.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

    اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ونسألك اللهم شفاء من كل داء، وعافية من كل بلية، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن عملنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.