إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الرحيم الطحان
  4. سلسلة مقدمة في علم التوحيد
  5. مقدمة في علم التوحيد - الأقوال المرجوحة في مصير غير أولاد المسلمين [3]

مقدمة في علم التوحيد - الأقوال المرجوحة في مصير غير أولاد المسلمين [3]للشيخ : عبد الرحيم الطحان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأقوال المرجوحة في تحديد مصير من لم تتحقق فيهم شروط التكليف من غير أولاد المسلمين أنهم في النار، وقد اعتمد أصحاب هذا القول في إثبات ذلك على دلالات منها: أنهم لم يصدر عنهم شيء يدل على الإيمان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، وليسوا كأولاد المؤمنون الذين هم تبع لآبائهم، ومن دلالاتهم أنه ثبتت أحاديث تفيد أنهم في النار.

    1.   

    القول الثالث: أن النار هي مصير من لم توجد فيهم شروط التكليف بالتوحيد من غير أولاد المسلمين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا رب العالمين.

    سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك, سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.

    اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فالقول الثالث: أن هؤلاء في النار، ودللوا على هذا بدليلين معتبرين:‏

    الدليل الأول على القول بأن النار هي مصير غير أولاد المسلمين

    الدليل الأول: قالوا: لم يصدر من هؤلاء إيمان، وإذا لم يصدر منهم إيمان فلا يدخلون غرف الجنان؛ لأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، وإذا لم يوحد هؤلاء ربهم إذاً سيدخلون النار، ولا يُعترض على هذا بأولاد المسلمين، فأولئك تفضل الله عليهم فلهم حكم خاص في شأنهم، وهؤلاء ليسوا مثلهم فهم في النار، هذا الدليل الأول.

    الدليل الثاني على القول بأن النار هي مصير غير أولاد المسلمين

    والدليل الثاني: قالوا: ثبت هذا عن نبينا عليه الصلاة والسلام الوقف وأنهم في الجنة وأنهم في النار، فصرح نبينا عليه الصلاة والسلام بأن ذراري المشركين وأولادهم في نار الجحيم، فلنقل بما أجاب نبينا الكريم عليه صلوات الله وسلامه.

    ثبت في المسند وسنن أبي داود بسند صحيح كالشمس من حديث أمنا عائشة رضي الله عنها، (أنها سألت نبينا صلى الله عليه وسلم عن ذراري المؤمنين؟ فقال: هم من آبائهم، فقالت: بلا عمل عملوه؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين، قالت: فذراري المشركين؟ قال: هم من آبائهم، قالت: بلا عمل عملوه؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين).

    والحديث كما قلت في المسند وسنن أبي داود ، فذراري المشركين من آبائهم، فقالت أمنا عائشة : كيف هذا لم يجر منهم عمل؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين، فهم من آبائهم ولهم حكمهم، لكن في أي مكان هذا الذي ينبغي أن نعيه وأن نفقهه وأن نتدبره، وأن نجمع بينه وبين الأقوال الأخرى.

    وهذا الحديث -إخوتي الكرام- رُوي معناه في عدة أحاديث، ففي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود عن ابن مسعود رضي الله عنه وإسناد الحديث صحيح، وقال الإمام ابن حزم في كتابه الفصل: إسناده لا بأس به، والحديث كما قلت من رواية ابن مسعود عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الوائدة والموءودة في النار، إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فتسلم فيعفو الله عنها) وتقدم معنا أن من في الجنة: النبي والشهيد والمولود والموءودة.

    والأحاديث عندما تتعارض لابد من أن نجمع بينها، والحديث كما قلت في سنن أبي داود والمسند، هناك (من آبائهم) في الرواية المتقدمة، وهنا رواية ابن مسعود رضي الله عنه يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (الوائدة والموءودة في النار، إلا أن تدرك الوائدة -يعني التي وأدت ابنتها- الإسلام فتسلم فيعفو الله عنها)، الإسلام يجب ما قبله: قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38]، لكن إذا لم تدرك الإسلام وماتت في فترة هي ومن وأدتهم كلهم في النار، الوائدة والموءودة في النار إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فتسلم فيعفو الله عنها، والحديث كما قلت صحيح.

    وروى الإمام أحمد والطبراني في معجمه الكبير عن سلمة بن يزيد الجعفي حديثاً آخر بمعناه، وفيه: أن سلمة بن يزيد الجعفي جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وذكر له حال أمه مُليكة، وأنها كانت وصولة للرحم وتكرم الضيوف وتحسن ضيافتهم، وماتت في فترة قبل بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (إنها في النار)، مع صلتها للرحم وقراها للضيف، فقال سلمة بن يزيد الجعفي : (يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إنها كانت وأدت أختاً لنا، فما حالها؟ قال: هي في النار)، الموءودة وأمها التي ماتت في الفترة كلهم في النار، والحديث إسناده لا بأس به.

    وفي مسند الإمام الطيالسي ومسند أحمد عن أمنا عائشة رضي الله عنها أنها سألت نبينا عليه الصلاة والسلام عن أولاد المشركين؟ فقال: (إن شئت أُسمعك تضاغيهم في نار جهنم) أي: صراخهم وعويلهم وعذابهم، وهذا الحديث في المسند، ورواه أبو داود الطيالسي وفيه أبو عقيل مولى بُهية وهو يحيى بن المتوكل قال الإمام الهيثمي في المجمع: ضعفه جمهور الأئمة، الإمام أحمد وغيره، وقد نُقل عن الإمام ابن معين توثيقه في قول من أقواله الثلاثة، ضعفه في قولين ووثقه في قول آخر، وقد قال الإمام ابن القيم في طريق الهجرتين: أبو عقيل يحيى بن المتوكل ضعيف لا يحتج به بالاتفاق، وقال الإمام ابن حجر في الفتح: إسناد الحديث ضعيف جداً وأبو عقيل متروك، وحكم عليه في التقريب بأنه ضعيف فقط، لكن هذا الحديث الضعيف لا يخرج معناه عما تقدم: (إن شئت أن أُسمعك تضاغيهم في نار جهنم)، و(الوائدة والموءودة في النار)، معنى الحديث واحد.

    وورد في معجم الطبراني الكبير ومسند أبي يعلى حديث ضعيف آخر عن أمنا خديجة رضي الله عنها، أنها سألت نبينا عليه الصلاة والسلام فقالت: (يا رسول الله! أين أطفالي منك؟ الذين ماتوا قبل بلوغهم وتكليفهم، فقال عليه الصلاة والسلام: هم في الجنة، قالت: بلا عمل عملوه، قال: الله أعلم بما كانوا عاملين، قالت: أين أولادي من قبلك ولدتهم في الجاهلية ممن تزوجني قبل أن يكرمني الله بك وبالإسلام؟ فقال: هم في النار، قالت: بلا عمل عملوه؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين).

    والحديث -إخوتي الكرام- منقطع، فهو ضعيف، ابن بريدة وعبد الله بن الحارث بن نوفل لم يدركا أمنا خديجة رضي الله عنها ولم يرويا عنها، لكن يشهد لمعناه ما تقدم من ناحية إثبات الحكم، وهو: من مات وهو صغير أو في الفترة، أي: من لم يوحد ربنا من غير أولاد المسلمين هو في نار الجحيم.

    فإن قيل لنا: ما تفعلون بهذه النصوص التي صرحت بأنهم في النار؟

    وقد تقدم معنا -إخوتي الكرام- مثل هذه النصوص عند المبحث في أولاد المسلمين وأنهم في الجنة، ذكرت هناك حديثاً يدل على أن أولاد المسلمين في الجنة رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده على المسند عن علي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن المسلمين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار)، ثم تلا قول الله جل وعلا: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور:21].

    تقدم معنا الحديث -إخوتي الكرام- وقلنا: جرى حوله كلام من كثير من الأئمة وغاية الكلام يرد إلى أمرين:

    الأمر الأول: محمد بن عثمان جهله الإمام الذهبي والإمام ابن القيم وغيرهما، وقلت: إن الجهالة منتفية عنه، هو محمد بن عثمان الواسطي كما قال الإمام ابن حجر كما تقدم معنا هذا، وقال: وثقه ابن حبان وهو معروف معلوم.

    والأمر الثاني: انفرد به الإمام ابن القيم ، قال: إن الحديث منقطع زاذان لم يدرك علياً ، فروايته عنه منقطعة، وقلت: أدركه، وروى عنه وروايته عنه متصلة، والحديث نص أئمتنا على تصحيحه وتحسينه، فالإمام ابن حجر حسنه والشيخ أحمد شاكر كما تقدم معنا عليهم جميعاً رحمة الله صححه، وقال: إسناده صحيح في تعليقه على المسند.

    وعند ذلك المبحث قلت: نستدل بالقسم الأول منه على بحثنا: إن المسلمين وأولادهم في الجنة، وأما القسم الثاني فسيأتينا الكلام عليه فيما سيأتي، هذا محله إذا لم تكونوا نسيتم.

    إن المسلمين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار، هذا الحديث تقدم معنا -إخوتي الكرام- وهو صحيح، فماذا نفعل بين هذه الأدلة، وبين ما قررناه من أنهم يمتحنون؟

    نقول: لا إشكال، هذه الأحاديث تنقسم على قسمين:

    الحديث الأول: (هم من آبائهم) أي: في أحكام الدنيا، فالأبوان المشركان لهما حق الرعاية والحضانة والتعليم والتربية على أولادهم، وإذا كنا نقاتل الكفار وقتلنا أولادهم من غير قصد قتلهم، عندما ضربناهم فقُتل الأولاد فلا يُضمنون بدية ولا كفارة.

    (هم منهم) أي: حكمهم حكم آبائهم في الوزر، ولا يلزم أنهم في الآخرة كذلك، أحكام الدنيا تختلف عن أحكام الآخرة.

    عندنا من يقول: آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين، وعندنا من ظاهره الكفر ولا يُظهر الإيمان خشية أن يفتن في دينه كما كان يفعل المستضعفون في مكة: وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً [الفتح:25].

    إذاً: يوجد مؤمن لكن ظاهره الكفر، ما يستطيع أن يظهر إيمانه ولو أظهر لقُتل، فهو في الدنيا له أحكام الكفر وفي الآخرة له أحكام الإيمان؛ لأنه ما أظهر الإيمان لعذر ضعيف ومستضعف، مكره على ذلك، وهذا له حكم الإيمان في الدنيا وعند الله ما له من خلاق.

    وأما الروايات الأخرى: (الوائدة والموءودة في النار)، والروايات الأخرى، نقول: هذا كله مقيد بالأحاديث الأخرى إذا امتُحنوا وعصوا هم في النار، وإذا أطاعوا فالأمر ليس كذلك، فمنهم من يطيع ويدخل الجنة، ومنهم من يعصي ويدخل النار، كما دل على هذا مجموع الأحاديث، فلنجمع بينها لنرفع التعارض منها.

    هذا القول -إخوتي الكرام- الذي ذُكرت عليه هذه الأدلة قال به بعض أئمتنا، منهم الإمام أبو يعلى من أئمة الحنابلة، وقال به جماعة من المتكلمين والمفسرين، كما قال الإمام ابن القيم وشيخه ابن تيمية عليهم جميعاً رحمة الله، ونسبه الإمام ابن حزم في كتابه الفصل في الملل والأهوال والنحل إلى الأزارقة، وهم طائفة ضالون من خوارج ضالين، فرع ضال من أصل ضال.

    وهذا القول حكاه بعض الناس تساهلاً عن إمام أهل السنة والجماعة الإمام المبجل أحمد بن حنبل عليهم جميعاً رحمة الله، وهو واهم في نسبة هذا القول إلى الإمام أحمد ، وقد غلَّط الإمام ابن تيمية من نسب هذا القول إلى هذا الإمام المبارك عليهم جميعاً رحمة الله.

    ومن العجيب: الذي لا يمكن أن ينقضي عجبي من قول الإمام النووي في شرح صحيح مسلم في المكان المتقدم (16/208) يقول: هذا القول قال به الأكثرون! أي أكثرين يقصد حقيقة؟ إن أراد أكثر المتكلمين فنعم ولا عبرة بهم، وإن أراد أكثر أهل السنة وأكثر المسلمين، فالأمر ليس كذلك، إنما في شرحه لصحيح مسلم يقول: هذا قال به الأكثرون، مع أنه نقل كما تقدم معنا أن الصحيح المعتمد أنهم في الجنة عند القول الثاني، أوليس كذلك؟ فهذا القول حقيقة في حكايته تساهل من هذا الشيخ المبارك، عليه وعلى أئمتنا رحمة الله تعالى، هذه الأقوال الثلاثة دلت عليها أدلة معتبرة، ما موقفنا نحوها؟

    نقول: هي والقول الذي تقدم معنا وهو الأول نجمع بينها، فنقول: يمتحنون، ونرد الحكم فيهم إلى علم الله، والفصل فيهم إلى معلوم الله، ويظهر يوم القيامة، فمنهم من يطيع يدخل الجنة ومنهم من يعصي فيدخل النار، فعملنا بهذه الأقوال الأربعة وجمعنا بينها وبين الأدلة التي دلت عليها، وحفظنا كل واحد منها من الإهمال والترك والضياع، وهذا هو مسلك أهل الهدى، أن نجمع بين ما ثبت عن نبينا الذي لا ينطق عن الهوى عليه صلوات الله وسلامه.

    1.   

    حكم والد النبي صلى الله عليه وسلم في الآخرة

    إخوتي الكرام! عند هذا القول الثالث الذي حكى أن أولاد المشركين ومن في حكمهم الوائدة والموءودة وأهل الفترة في النار، عند هذا أحب أن أتكلم في مسألة -يعلم الله- ما أتكلم فيها إلا اضطراراً، وليس من باب كتمان العلم أو من باب الخشية من أحد، أو لاعتبار آخر، إنما أقرر الحكم العام في مسألة عامة، أما التنصيص على فلان وفلان وفلان فلا داعي له، يعني لو جاءني أحد وقال: ما حكم عبد المطلب جد نبينا عليه الصلاة والسلام؟ قلت: يمتحن في الآخرة، حكمه حكم غيره، لمَ تخصه بحكم؟

    لو جاءني وقال: ما حكم ولد كافر فلاني مات ولده على الكفر وهو ابن ثلاثة أيام؟ أقول: يا أخي لمَ تخصه بالحكم؟ حكمه حكم غيره، كما أن غيره سيمتحن هذا سيمتحن، يعني إذا مات ابن ألعنِ النصارى في هذه الأيام، هل نقول في النار أو في الجنة أو نتوقف؟

    لا أبداً، نقول: سيمتحن وأمره إلى الله، قد يطيع وقد يعصي، علمه عند الله، لكن أنت لمَ تخص هذا بالحكم؟ يعني لمَ تريد أن نفرد هذا في حكم في مسألة ونجعل حولها قيل وقال؟ عندنا قاعدة عامة يدخل تحتها أفراد لا يحصون فـعبد المطلب كغيره من أهل الفترة سيمتحن، أولاد المشركين كغيرهم سيمتحنون، وهذا هو القول الحق.

    لكن هذه المسألة فيما يبدو جرى حولها كلام وبحث وقيل وقال من أيام في المعهد، وما فصل الكلام فيها، وبعض الناس قال: إن الحديث الذي ورد لا يصح، وبعضهم يقول: حوله كلام، كل واحد كما يقال يدلي بدلوه، والحقيقة لابد من تحديد الأمر في البحث لنكون على بينة وهدى، والمسألة سأتكلم عليها في هذا الوقت، وكما قلت لكم: يعلم الله ما تكلمت عليها إلا إذا سئلت، أو رأيت أمراً يستدعي الكلام من أجل قيل وقال، وقد سألني عدد من الإخوة عنها، بل جاءني كتاب من بعض الجهات المسئولة يريد الكلام في هذه المسألة، وما الحكم في هذه القضية؟ وما كتبت وأجبت شفوياً بما أجبت، إنما أرى الآن أن أبين إن شاء الله ما يتعلق بهذه المسألة على عادتنا في وضع خطوات علمية ثابتة مركزة لنصل إلى الحكم الشرعي، فإن وفقنا الله لما يحبه ويرضاه فهذا فضل منه وما هذا بأول مننه ونعمه علينا، وإن كان الأمر بخلاف ذلك فما هذا بأول تقصيرنا، ونسأل الله أن يعفو عنا، وحسبنا أننا بذلنا ما في وسعنا للوصول إلى مراد ربنا حسب ما بلغنا عن نبينا عليه صلوات الله وسلامه.

    الحديث -إخوتي الكرام- كان حول والد نبينا عليه الصلاة والسلام، وفداه آباؤنا وأمهاتنا عليه صلوات الله وسلامه، عبد الله والد النبي ما حكمه في الآخرة؟

    فقد ثبت حديث في صحيح مسلم ، أنه من أهل النار، وقد سألني عدد من الإخوة هل هذا الحديث صحيح، بعضهم يقول: ليس في صحيح مسلم ، فقلت: إنه في صحيح مسلم وهو في (3/79)، في كتاب الإيمان لشرح الإمام النووي ، ورقم الحديث (347)، ولفظ الحديث عن أنس رضي الله عنه، (أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله! أين أبي؟ وقد هلك أبوه ومات في الجاهلية والفترة، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: إن أباك في النار، فلما قفَّى -أي: أعرض وولى قفاه للنبي عليه الصلاة والسلام وذهب مدبراً- دعاه النبي عليه الصلاة والسلام وقال: إن أبي وأباك في النار).

    الحديث في صحيح مسلم ، فهو صحيح، ومن يرده تُقطع رقبته، وإذا ثبت الحديث في الصحيحين فلا كلام لمتكلم، لكن نبحث في دلالته ونذكر الأدلة الأخرى ونقف موقفاً علمياً، يعني: حديث قتل شارب الخمر في الرابعة من أصح الأحاديث، (وإذا شرب الرابعة فاقتلوه) ويقول الإمام الترمذي : حسن صحيح، وقال في كتابه الجامع: ما أوردت حديثاً في كتاب الجامع، إلا عمل به الفقهاء غير حديثين، حديث قتل شارب الخمر في الرابعة، وهو في أعلى درجات الصحة، والحديث الثاني ثابت في صحيح مسلم وغيره وفي الترمذي : (أن النبي عليه الصلاة والسلام جمع في المدينة بين الظهر والعصر من غير خوف ولا مطر ولا سفر، لئلا يحرج أمته)، يقول: ما عمل بهذين الحديثين الفقهاء.

    فكون الحديث صحيحاً وإسناده ثابت والتشكيك في صحته ضلال شيء، وكون هذه الدلالة فيه مُسلمة لم تعارض شيئاً آخر، فالحديث إسناده صحيح، هذا مفروغ منه، فإذا كان كذلك فهل يجوز على أن والد النبي عليه الصلاة والسلام في النار، كما قلت لكم في البحث، هذا يقول في النار، وهذا لا، وهذا يقول الحديث ليس بصحيح، وهذا يقول ليس في مسلم ، وهذا يقول إن كان في مسلم فهو مردود، وكل واحد يتكلم، والنبي عليه الصلاة والسلام قال لهذا الرجل بعد أن ولى، (إن أبي وأباك في النار)، وإنما قال له -كما قال أئمتنا- إيناساً له ودفعاً للوحشة عنه، عندما قال له: إن أباك في النار يعتريه وحشة، يعني: لمَ أبي في النار على خصوصه؟ قال: تعال كل من كان على شاكلته فهو في النار وإن كان أبي، فلا يعظمن الأمر عليك، والدي ووالدك في نار جهنم، هذا الحديث هل نقول: إن والد النبي عليه الصلاة والسلام في النار، الحديث في صحيح مسلم .

    حقيقة بلوغ الدعوة إلى آباء النبي صلى الله عليه وسلم من قبله

    نقول عندنا ثلاثة أمور ينبغي أن نعيها لنخرج بالحكم الشرعي فيها:

    الأمر الأول: عندنا من المُسلم في دين ربنا الرحمن أنه لا عذاب على من لم تبلغه دعوة الله ولم يأته رسول ولم تقم عليه حجة، ولا أريد أن أعيد ما سبق عند الشرط الذي تقدم معنا، وهو بلوغ الدعوة ووصولها، وقررت هذا بعشر آيات وبأحاديث عن خير البريات عليه صلوات الله وسلامه، والأدلة في ذلك قطعية، فهذا يُسمع وأعيدوا استحضار ما سبق، هذا مَعلم في هذه القضية، لا عذاب على من لم تبلغه الدعوة، على من لم يرسل إليه رسول، على من لم تقم عليه الحجة.

    المعلم الثاني: هل ينطبق هذا الحكم وهو عدم إرسال رسول وبلوغ دعوة على عبد الله وعبد المطلب وقوم النبي عليه الصلاة والسلام الذين ماتوا في الفترة قبل بعثته عليه صلوات الله وسلامه؟

    نقول: الأمر في ذلك ينبغي أن يرد به دليل لنكون على بينة، يعني: هل هناك رسول أم لا؟ نحن لا نعلم، هذا أمر مغيَّب.

    إذاً: ينبغي أن نرجع لنصوص الشرع لنعلم هل هؤلاء أهل فترة وجاءهم نذير أو لم يأتهم نذير فهم أهل فترة، هل هؤلاء ليسوا بأهل فترة جاءهم نذير أو هم أهل فترة فما جاءهم نذير، وبالتالي لا يكلفون بتوحيد الله، وهم مع ضلالهم وكفرهم وشركهم لا يعذبهم الله كما تقدم معنا: ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأهلهَا غَافِلُونَ [الأنعام:131] أي: عن وصول الرسالة وبلوغ الدعوة، فأثبت لهم وصفين، وصف الشرك والظلم والضلال والضياع، في حال الوصف الثابت لهم غفلتهم عن بلوغ الدعوة ووصولها كما قال الإمام ابن القيم .

    وقلنا: كل من لم يوحد ربه في كل وقت فهو ضال مشرك كافر، لكن إن لم يجرِ منه التوحيد في زمن الفترة وعدم وجود رسول مع ظلمه وشركه وكفره، تكرم الله عليه بعدم إدخاله النار إلا بعد حسابه وعصيانه يوم القيامة، فيثبت وصف الظلم له والشرك لكن كرماً من الله لا عقاب عليه، وإذا كفر وأشرك بعد وصول الرسول، هذا الذي لا خلاف في دخوله النار، ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ [الأنعام:131]، منهم وشرك وكفر وهم غافلون، والآية تقدمت معنا في سورة الأنعام، أوليس كذلك؟

    وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جميعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ * وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ * ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأهلهَا غَافِلُونَ * وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [الأنعام:128-132].

    الشاهد: يعني أرسلنا الرسل وأنزلنا الكتب وحاسبناهم وأدخلناهم النار؛ لأننا لا نهلك الناس بظلمهم في حال غفلتهم عن بلوغ دعوة ربهم، هذا من أصرح الأدلة، إذاً هل هؤلاء أهل فترة أم لا؟

    نقول: لنرجع إلى نصوص الشرع، يقول الله في كتابه في سورة يس يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ [يس:1-6].

    إذاً: ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأهلهَا غَافِلُونَ [الأنعام:131] وهنا: لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ [يس:6] آباؤهم الأقربون ما أنذروا، يعني عبد المطلب ما أُنذر، عبد الله ما أنذر، وأنت ستنذر أولاد هؤلاء الذين تتصل بهم، العباس أُنذر، حمزة أُنذر، أبو طالب أُنذر، أبو لهب أُنذر، أبو لهب في النار، عبد المطلب ما أُنذر بنص القرآن: لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ [يس:6]، وليست المسألة محاباة، يعني: هذا عم النبي عليه الصلاة والسلام وهو أبو لهب نقول: في النار وبئس القرار: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ [المسد:1]، ليست المسألة محاباة، لكن المسألة ينبغي أن نقف عند نصوص الشرع وحدود الله، يعني: نتألَّى على الله ونقول عبد المطلب في النار لمَ؟ والله يقول في كتابه: مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ [يس:6] إذاً: هو غافل، ويقول في كتابه: ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأهلهَا غَافِلُونَ [الأنعام:131].

    إذاً: قول النبي عليه الصلاة والسلام قبل بعثته فيهم غفلة وفترة، آية أخرى في (الم السجدة) التي نقرؤها في فجر الجمعة يقول الله في أولها: الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ [السجدة:1-3].

    مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ [السجدة:1] هذا نص القرآن، إذاً: ما أتاهم قبلك نذير، نعم أتاهم نبي الله إسماعيل، لكن بين نبينا وبين إسماعيل على أقل تقدير ألفا سنة، وقال الإمام السيوطي : ثلاثة آلاف سنة، وتلك الشرائع ما تكفل الله بحفظها ولا صيانتها، فكانت تضيع بعد فترة وتُغير، فليس إذاً شريعة إسماعيل على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه موجودة مع قول نبينا عليه الصلاة والسلام ثلاثة آلاف سنة، ديننا الذي صانه الله من العبث والضياع ما مضى عليه ثلاثة آلاف سنة، كم من الافتراء والدس والكذب والفرق الضالة التي وُجدت فيه، كم إلى هذا الوقت وما وصل إلى ألف وخمسمائة سنة، أوليس كذلك؟ فكيف برسالات ما تعهد الله بحفظها وكانت تضيع بعد فترة قصيرة من موت أنبيائها، هل هذه الشريعة إذاً محفوظة ثلاثة آلاف سنة؟ قطعاً لا، نعم شريعتنا لو بقيت ثلاثين ألف سنة محفوظة، لتكفل الله بذلك: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9].

    رسالة خاتِمة فميزها الله بعمومها وخاتمتها فحفظ نصوصها من العبث والضياع والتلاعب، لكن حصل دس وتزوير وكذب وافتراء، لكن كم أثر هذا في صدور الناس؟ التشيع كم أضل من أمة؟ القدرية كم أفسدت الأذهان؟ الجهمية كم لوثت من أذهان؟ وهكذا فرق أخرى تنتمي للإسلام وافترت على نبينا عليه الصلاة والسلام ونصوص الشرع محفوظة، فكيف لو لم تكن نصوص الشرع محفوظة؟ لضاع ديننا من زمن، فكيف بتلك الديانات ثلاثة آلاف سنة بين بعثة إسماعيل وبعثنة نبينا الجليل عليهما صلوات الله وسلامه، فأي شيء بقي من النصوص في حال هؤلاء الهمج الذين كانوا في الجاهلية قبل بعثة خير البرية عليه الصلاة والسلام؟

    إذاً: لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ [السجدة:3].

    فيقول الله في سورة القصص في آية ست وأربعين وحولها ما قبلها وما بعدها: وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إلى مُوسَى الْأمر وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِي أهل مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [القصص:44-46] .

    مَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا [القصص:46] عندما أوحينا إلى نبي الله موسى ما أوحينا ما كنت حاضراً، إنما نحن أوحينا إليك بذلك: ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ [آل عمران:44]، مَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا [القصص:46].

    انتبه للدلالة أخي الكريم: وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [القصص:46].

    قد صرح الله في كتابه أن الأمة كلها قبل بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام من عرب وعجم في ضلال وضياع، يقول الله في كتابه في سورة المائدة آية تسع عشرة فما بعدها: يَا أهل الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة:19].

    أخبرنا ربنا جل وعلا أن قوم النبي عليه الصلاة والسلام من العرب، كانوا يعيبون على اليهود والنصارى كفرهم وشركهم وتفرقهم ويقولون: لو جاءنا نذير لاهتدينا وكنا خيراً منهم، يقول الله مشيراً إلى هذا في سورة فاطر في آية اثنتين وأربعين: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ أحدى الْأُمَمِ [فاطر:42]، إن جاءهم نذير فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ [فاطر:42] وهو نبينا البشير النذير عليه صلوات الله وسلامه، فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً * اسْتِكْبَاراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأهلهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الأولينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً [فاطر:42-43].

    إذاً: لَئِن جَاءهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ أحدى الْأُمَمِ [فاطر:42] إذاً: في فترة وغفلة وما جاءهم نذير وتمنوا أن يأتيهم نذير، وأرسل الله إليهم النذير لعلهم يهتدون لعلهم يتذكرون، ماذا نستخلص من هذه الآيات؟

    أن قوم النبي عليه الصلاة والسلام والأمة كلها كانت في فترة وضياع ولا يوجد معالم لشريعة غراء، لا لشريعة عيسى ولا موسى ولا إسماعيل ولا إبراهيم على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه.

    حقيقة كون والد النبي من أهل الفترة

    هذا الأمر -إخوتي الكرام- ينبغي أن نعيه وهو المعلم الثالث، والد النبي عليه الصلاة والسلام وجده وقومه الذين ماتوا قبل بعثته هل يشملهم وصف أنهم غافلون؟

    قطعاً يشملهم، والد النبي عليه الصلاة والسلام هو في أول الفترة أو في آخرها؟ في آخرها أوليس كذلك، يعني هو ليس في الوسط، يعني بين إسماعيل وبعثة نبينا عليه الصلاة والسلام حتى يقال عهده بشريعة الله إسماعيل، لا، هو في آخر فترة، يعني ما بينه وبين البعثة إلا أربعون سنة، يعني: ولده محمد عليه صلوات الله وسلامه، وُلد وهو مات، استقر حمله في بطن أمه آمنة، ومات هذا الوالد عبد الله في آخر فترة من الفترة، تدرون كم سنة عمر والد نبينا عليه الصلاة والسلام عندما مات؟ ثماني عشرة سنة، يعني أصغر منكم جميعاً، وهو أصغر أولاد عبد المطلب ، وهو الذي كان سيذبحه عندما عثر على بئر زمزم، فنذر لله أنه إن جاءه عشرة أولاد ذكور بعد أن عثر على ماء زمزم ليذبحن واحداً منهم، فآخر الأولاد عبد الله وقعت القرعة عليه عدة مرات.

    إذاً: هذا ولد صغير، وزُوِّج وهو صغير، استقر الحمل في بطن زوجه التي هي أكبر منه في العمر دون ثماني عشرة سنة، ثم مات هذا الوالد، وهو شاب، وفيه كل معنى الكرامة والشهامة والمروءة والخير والفضيلة، وقد كانت بغايا قريش في ذلك الوقت تتعرض له صباح مساء، وهو القائل كما هو ثابت في جميع كتب السيرة:

    أما الحرام فالحِمام دونه والحل لا حل فاستدينه

    يحمى الكريم عرضه ودينه

    يقول: كيف أزني ونحن عرب ننتمي إلى إبراهيم خليل الله العظيم! نحن عندنا شرف نصون أعراضنا، طيب هذا الذي عمره ثماني عشرة سنة، بغايا قريش تتعرض له صباح مساء يُعرض عنها، أي والله فيه من خصال الكرامة والكرم والشرف والفضيلة ما ليس فينا، ما نعلم نحن لو تعرضت لنا بغايا ماذا يكون شأننا، ولعل بعضنا يتعرض لهن ليل نهار فلا يحصلهن، ونسأل الله أن يتوب علينا، وندَّعي بعد ذلك أننا وأننا، ثم يقول:

    يحمى الكريم عرضه ودينه

    يعني تركها تعظيماً لله، يقول: هذا عِرض كيف يدنس؟ وأنا صاحب دين أنتمي إلى خليل الله العظيم، كيف أدنس عرضي؟ هذه نشأته في الجاهلية، يموت وهو صغير، لو كان هناك تكليف، يوجد رسول لما جرى عليه القلم إلا من ثلاث سنوات، أوليس كذلك؟ هذا مات، تأتي تقول: هذا كفر الله وأشرك بالله وهو في النار وحديث ثابت، لا نرد الحديث، والذي يطعن فيه، الطعن يرد إليه، والحديث صحيح صحيح، لكن لابد من الجمع بين نصوص الشرع، فعندنا آيات قطعية الثبوت والدلالة مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ [القصص:46]، هم في غفلة.

    عندنا بعد ذلك وضع هذا الإنسان الذي هو في آخر فترة من الفترة، يعني: الحالة الثانية تنطبق عليهم، هو كما قلت في فترة، ثم في أشد أحوال الفترة سوءاً، فكانت الجاهلية في ذلك الوقت قد طبقت الأرض وانتشرت في العرب والعجم، من قال هذا؟ قال نبينا عليه الصلاة والسلام، كما تقدم معنا في حديث المسند وصحيح مسلم : (وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب)، بقايا تتمسك بما كان عندها، لكن التغيير الهام هو الذي انتشر بين الأنام.

    إذاً: الجاهلية طبقت، كما قلت هو صغير السن، إذاً ينطبق هذا عليه وعلى أبيه، أي: أبي عبد الله، وهو جد النبي عليه الصلاة والسلام عبد المطلب قطعاً وجزماً.

    نعم أعمام النبي عليه الصلاة والسلام الذين أدركوا الإسلام أربعة أعمام، آمن اثنان وكفر اثنان، ما نسحب الحكم على الأربعة، لا نقول أربعة في النار ولا أربعة في الجنة، نقول: من آمن في الجنة ومن كفر في النار: حمزة والعباس حظهما الإيمان، وأبو طالب وأبو لهب في النيران، أوليس كذلك؟ هذا عم وهذا عم وهذا عم وهذا عم، ليست المسألة التفريق على حسب النسب، والد إبراهيم عندنا في درجة والد نبينا الأمين، هذا والد وهذا والد، وهذا جد وهذا جد، ونبينا ابن خليل ربنا إبراهيم، والكلام على والده كالكلام على والد إبراهيم؟ فماذا نقول في والد إبراهيم في النار بنص القرآن وبالأحاديث المتواترة: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [التوبة:114] لأنه بلغته الدعوة فكفر، والأحاديث ثبتت بذلك فانتهى الأمر، مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصحاب الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة:113-114]، فالكلام على آزر والد إبراهيم كالكلام على عبد الله والد نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام، ليست -كما قلنا- محاباة، لكن لابد من التفريق هل حكم هذا كحكم هذا في شريعة الله؟ هل حكمهما واحد؟

    قطعاً لا، ذاك بلغته الدعوة وجاهد معه ابنه: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أخافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً [مريم:41-45]، في نهاية الأمر: قَالَ أَرَاغِبٌ أنت عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً [مريم:46]، هل جرى هذا من عبد الله ؟

    والله لو جرى لقلنا: إنه في سجين، كما أخبر ربنا العظيم وكما أخبرنا نبينا الكريم عليه صلوات الله وسلامه أنه كفر بعد أن بلغته الدعوة، لكن عندنا الآن النصوص تعارضت في النار نقول صحيح، أهل الفترة لا يعذبون لأنهم كافرون، نصوص صحيحة، هذا معلم ثان عضوا عليه بالنواجذ، تقدم معنا استفاضة في الأحاديث التي دلت على أن أهل الفترة يمتحنون، فمن أطاع دخل الجنة ومن عصى دخل النار.

    يقول الحافظ ابن حجر : خاتمة المحدثين وكفاك به تحقيقاً وجلالة في هذا الأمر، وانظر لورعه في عبارته رضي الله عنه وأرضاه، يقول في الإصابة (4/117) عند ترجمة أبي طالب .

    قد يقول قائل: لم أورده في الإصابة في تمييز الصحابة وهو ليس بصحابي؟ فيكم من يخطر بباله هذا الإشكال، وإذا خطر كيف يجيب عنه؟ في أبي طالب في الجزء الرابع في تراجم الكُنى من كنيته أبو طالب عند حرف الطاء، لم ذُكر أبو طالب وتُرجم في ثلاث صفحات في الإصابة في تمييز الصحابة؟ هل هو صحابي؟ لا، يعني هل ذُكر أبو جهل في الإصابة؟ ما ذكر، يعني لماذا ذكر أبو طالب ؟ فيكم من يخطر بباله هذا الإشكال، وإذا خطر كيف سيجيب عنه؟ وإلا ويسلم تسليماً.

    أراكم تعبتم، يعني هذه المحاضرة أخشى أن تكون آخر محاضرة كما يخبرني بعض الإخوة المسئولون عن السكن، وأسأل الله لنا ولكم حسن الخاتمة، وقد يكون هذا آخر لقاء في هذه الحياة، ونسأله إن مد في حياتنا أن يجمعنا على طاعته، وإن كتب لنا الوفاة أن يجمعنا في دار كرامته، بفضله ورحمته إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، فما أعلم أخشى أن يكون الأمر إذا كان آخر لقاء لعله يحصل تحمل؛ لأن الأحباب عندما يودِّع بعضهم بعضاً يستقبلون ساعة الوداع كما يستقبلون ساعة اللقاء، والآن وداع ما نعلم هل سنلتقي أم لا؟

    نسأل الله حسن الخاتمة وأن يتولانا أينما كنا، وأن يجعلنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، فما أعلم هذه الجزئية سأكملها، أما الأقوال الأخرى قد أسردها إن شاء الله بعد الانتهاء من هذه المسألة سرداً، مع تعليق وجيز عليها لنبين بطلان هذه هي أقوال ضعيفة ليس لها قيمة في الأقوال الثلاثة المتقدمة مع القول الأول الصحيح المتقدم.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، والحمد لله رب العالمين.