إسلام ويب

تفسير سور الفاتحةللشيخ : صالح بن حميد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن على رسولنا صلى الله عليه وسلم على الأحداث والوقائع -أي: مفرقاً- وجعل سوره متفاضلة، فبعضها أفضل من بعض، ومن هذه السور سورة الفاتحة التي جعلها الله أم القرآن الكريم، وركناً من أركان الصلاة، ومفتاحاً للخير والبركات، وجعلها الله شفاء للأرواح والأبدان، وضاعف الأجر والمثوبة لمن اهتدى بهديها.

    1.   

    فضل سورة الفاتحة

    الحمد لله علَّم القرآن وعلم بالقلم، أخرجنا بهدي كتابه وسنة نبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم من حوالك الظلم، أحمده سبحانه وأشكره على عظيم ما تفضَّل وجزيل ما أنعم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأعز الأكرم، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، أنزل عليه الكتاب والحكمة وعلَّمه ما لم يكن يعلم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ وسار على النهج الأقوم.

    أما بعد:

    فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله رحمكم الله، فإن ما توعدون لآت، وتزودوا بزاد التُقى قبل الفوات، فلقد علمتم أن أهل هذه الدار مُعرَّضون للآفات، فحاسبوا أنفسكم رحمكم الله، وبادروا بالأعمال الصالحات، قبل أن يفاجأكم هادم اللذات، وارجعوا إلى ربكم فربكم يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.

    أيها المسلمون! القرآن هو هداية الله العظمى، صلح باتباعه من لم يعرف قبله صلاحاً، وأفلح بهديه من لم يجد من دونه فلاحاً، وما فقد كثيرٌ من المسلمين اليوم مجد الصالحين من أسلافهم والعزة في الأولين من آبائهم؛ إلا لأنهم لم يهتدوا بالقرآن كهدايتهم، ولم يأخذوا كتاب ربهم بقوة مثل أخذهم، وغفلوا غفلة جسيمة عن القاعدة العظيمة: (لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ) وإذا حصل الضلال -عياذاً بالله- واتباع الهوى، وتجاوز الحق؛ اختلفت قوى الإدراك في الناس، وحينئذٍ تضطرب الأعمال، وتموت العهود، وتفسد الأخلاق، ويحل الشقاء، وتفشو الفرقة، ويسلط الله على الأمة من يستذلها، ويستأثر بشئونها، ويعبث بمقدراتها، ثم يحيق الهلاك، وتمحى الآثار والديار -عياذاً بالله- ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

    أيها الإخوة المسلمون: وبين يدي الأمة سورة عظيمة ترسم طريق الهداية وسبيل النجاة، بل تحوي مجمل مقاصد القرآن العظيمة، ومعانيه العالية، من الحكم العلمية، والأحكام العملية، فلئن كان مجمل مقاصد القرآن ومعانيه الثناء على الله ثناءً جامعاً، ووصفه بجميع المحامد، وتنزيهه عن جميع النقائص، وتفرده بالربوبية والألوهية، ثم الأمر والنهي والوعد والوعيد وبيان العاقبة والبعث والجزاء، وسبيل المؤمنين، وطريق الضالين، والنبوات والمواعظ، والأمثال والقصص والعبادات والمعاملات، وتهذيب الأخلاق، وآداب الشرع من أعمال القلوب والجوارح.. لئن كانت كل هذه المعاني الجليلة هي المقاصد؛ فلقد حوت كل ذلك هذه السورة العظيمة.

    سورة يقرؤها المسلمون ويرددونها، يحفظونها ويتلونها.. الصغير منهم والكبير.. الذكر والأنثى، المتعلم وغير المتعلم.. إنها فاتحة الكتاب.. أم القرآن.. والسبع المثاني.. الشفاء التام، والدواء الناجع، والرقية النافعة.. مفتاح الغنى والفلاح، ودافعة الهم والغم والخوف والحزن لمن عرف قدرها، وأعطاها حقها، وأحسن تلاوتها وتدبرها.. سماها ابن عباس رضي الله عنهما أساس القرآن، وقال سفيان بن عيينة رحمه الله: إنها الوافية، ونعتها يحيى بن كثير رحمه الله: "بالكافية".

    أعظم سورة في كتاب الله، يقرؤها المسلم والمسلمة في الصلوات كلها.. فرضها ونافلتها، فكان من المتعين فهم معناها، وتدبر المراد منها، فالتدبر طريق الخشوع، والفهم معينٌ على حسن العمل، والمسلم في أمس الحاجة إلى معرفة معانيها وإدراك مراميها.

    أخرج الإمامان: أحمد والبخاري رضي الله عنهما وغيرهما عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه قال: ( كنت أُصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله! إني كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ [الأنفال:24] ثم قال عليه الصلاة والسلام: لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن نخرج من المسجد، ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته ).

    وروى الإمام مسلم والنسائي وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (بينما جبريل عليه السلام قاعدٌ عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ سمع نقيضاً من فوق فرفع رأسه، وقال: هذا بابٌ من السماء فتح اليوم، لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم، وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبيٌ قبلك "فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة" لم تقرأ بحرفٍ منهما إلا أعطيته ).

    وعند البخاري وأحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم ).

    وعند الدارمي والترمذي وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحمد لله أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني ) قال الترمذي : هذا حديثٌ حسن صحيح.

    1.   

    توضيح معاني سورة الفاتحة

    معاشر الأحبة المسلمين: من ساعده التوفيق، ونظر بنور البصيرة، تأمل معاني هذه السورة العظيمة، ووقف على أسرارها وما اشتملت عليه من أُمهات المطالب العالية، ودقائق التوجيهات السامية، والحكم والأحكام.

    أول السورة رحمة، وأوسطها هداية، وآخرها نعمة، وحظ العبد من النعمة على قدر حظه من الهداية، وحظه من الهداية على قدر حظه من الرحمة، فعاد الأمر كله إلى نعمة الله ورحمته وفضله وهدايته، فمن حقق معاني سورة الفاتحة عِلماً ومعرفةً وعملاً وحالاً فقد فاز من الكمال بأوفر نصيب، وصارت عبوديته مع التوفيق والإخلاص عبودية الذين ارتفعت درجتهم إلى مراتب الكمال والإصابة.

    مدلول البسملة والحمدلة

    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:1] الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] أدب الله هذه الأمة فعلَّمها الابتداء بذكر أسمائه الحسنى، وحمده على آلائه العظمى، أمام كل ذي بالٍ من أفعالهم وأقوالهم، وقبل المهم من شئونهم وحاجاتهم، وجعل ذلك سنة يستنون بها وسبيلاً ينتهجونها، فباسمه وحمده افتتاح كلامهم، وصدور رسائلهم، وكتبهم وحاجاتهم، والحمد أوسع الصفات، وأعم المدائح، وجميع أسماء ربنا حمد، وكل صفاته حمد، وأفعاله حمد، وأحكامه حمد، وعدله حمد، ورحمته حمد، وفضله حمد، وإحسانه حمد، وكل صفة عليا واسمٍ حسن وثناءٍ جميل فلربنا جل وعلا أحسنه وأعلاه وأجمله، وكل حمدٍ ومدحٍ وتسبيح وتنزيهٍ وتقديسٍ وجلالٍ وإكرام فلربنا عز وتبارك أكمله وأتمه وأدومه، وهو رب العالمين المالك المتصرف في الخلائق أجمعين، وكل ما سوى الله عالمَ.

    (مالك يوم الدين)

    مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4]

    الملك والحمد في حق ربنا متلازمان، فكل ما شمله ملكه وقدرته شمله حمده وتمجيده، فهو سبحانه محمودٌ في ملكه، وله الحمد والقدرة مع حمده وثنائه، ويوم الدين يوم الجزاء والحساب، وقد تفرد الرب سبحانه بالحكم بين العباد.. لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [غافر:16-17].

    لزوم العبادة والاستعانة

    ثم قال تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].

    إقرارٌ من العبد وإعلانٌ والتزام بإفراد الله بالعبادة والتوحيد، والبراءة من الشرك وأهله، دقيقه وجليله، وإعلانٌ والتزامٌ بالاعتماد عليه، وتفويض جميع الأمور إليه، فله سبحانه نخشع ونذل ونستكين، إعلانٌ بما صدع به الإسلام من تحرير الأنفس لله، وتخليصها لعبادته وحده لا شريك له، فلا يشرك معه أحد، لا في ربوبيته وألوهيته، ولا في محبته وخوفه، ولا في رجائه والتوكل عليه، فالخضوع والتذلل والتعظيم والسجود والتقرب كل ذلك له وحده فاطر السماوات لا إله إلا هو.

    ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) تجمع الديانة والشريعة، ( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) تجمع الإخلاص والتوكل والتفويض، قال بعض أهل العلم: " من أقر بـ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] وحققها فقد برأ من الجبر والقدر ".

    وقال بعض السلف : "الفاتحة سر القرآن" وسر الفاتحة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] فالأولى تبرؤ من الشرك، والثانية تبرؤ من الحول والقوة مع التفويض إليه سبحانه، على حد قوله سبحانه في الآية الأخرى: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود:123]، وقوله سبحانه: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً [المزمل:9].

    طلب العبد الهداية والتوفيق

    ثم قال تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6].

    الهداية إلى الصراط المستقيم من أجل المطالب، ونيل ذلك أشرف المواهب، وتحصيله أنجح الرغائب، فقد علَّم الله عباده كيف يسألونه، فأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده وثناءه وتمجيده، والإقرار بتوحيده، والخضوع له، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم، توسلٌ إليه بأسمائه وصفاته.. وتوسلٌ إليه بعبوديته، وهما وسيلتان لا يكاد يرد معهما دعاء، فنصف السورة الأول: مجمع الحمد والثناء، ونصفها الثاني: مجمع الحاجات والمطلوبات، فأمرنا سبحانه أن نسأله هداية الصراط المستقيم كل يومٍ وليلة، في صلواتنا الفرائض منها والنوافل، بل في كل ركعةٍ من صلواتنا، فالعبد محتاج إلى معرفة الحق في كل حركة ظاهرة وباطنة، ثم إذا عُرِفَ الحق فهو بحاجةٍ إلى معرفة من يلهمه قصد الحق فيخلص لذلك من قلبه، ثم هو محتاجٌ إلى أن يكون قادراً على فعل الحق، ومن عرف هذه المراتب أدرك أنه محتاجٌ إلى هدايةٍ متجددة في كل وقت، ولهذا فإننا نكرر هذا الطلب والدعاء في كل صلاة وفي كل ركعة.

    إنه سبيل السعادة والاستقامة على الصراط المستقيم، ولن تكون الاستقامة إلا بالهداية من الله سبحانه؛ فمن لم يجعله ربه عالماً بالحق لم يكن له سبيل إلى الاهتداء، ومن أجاب الله دعاءه أوقفه على الهداية بمراتبها من العلم والقدرة والتوفيق والتثبيت وصرف الموانع والعوارض؛ فيتبين له الرشد من الغي، وطريق المنعم عليهم وطريق ضدهم، فالصراط المستقيم واحد، عليه جميع أنبياء الله ورسله وأتباعهم من الذين أنعم الله عليهم من الصديقين والشهداء الصالحين، ذلكم: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153].

    المنحرفون عن الصراط المستقيم

    ثم قال تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7].

    هذا بيانٌ لطرفي الانحراف عن الصراط الحق المستقيم، فأحدهما طريق أهل الغضب الذين عدلوا عن الحق قصداً وعناداً، فعندهم فساد في القصد والعمل، والثاني طريق أهل الضلال الذين عدلوا عنه جهلاً وضلالاً، فعندهم فساد في العلم والاعتقاد، فالعالم بالحق المتبع لهواه من المغضوب عليهم، والجاهل بالحق من الضالين، فالمغضوب عليهم ضد المرحومين، والضالون ضد المهتدين.

    واليهود أنموذج للمغضوب عليهم؛ لأنهم ممن عرف الحق واستبان له؛ فكفر به وجحده، يقول سبحانه: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ [البقرة:90]، وقال سبحانه: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ [المائدة:60].

    والنصارى أنموذج لأهل الضلال، يقول سبحانه: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [المائدة:77].

    وفي الترمذي وصحيح ابن حبان من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: {اليهود مغضوبٌ عليهم، والنصارى ضالون } قال الترمذي : حسنٌ غريب.

    أيها المسلمون: وكل عبدٍ محتاج دائماً إلى هذا الدعاء: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7] فإنه لا نجاة في الدارين إلا بهذه الهداية، ولا وصول إلى السعادة في الحياتين إلا في ذلك، ومن فاته الهدى فهو إما من المغضوب عليهم وإما من الضالين، فالصراط المستقيم يجمع أحوال الإنسان كلها من العقائد والعبادات والمعاملات والآداب.

    قال الله: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7] من الأفراد الأتقياء، والأمم الفاضلة الذين بهم الاقتداء والتأسي غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] يجمع أحوال أهل الفساد والأهواء أفراداً وجماعاتٍ، وأحزاباً وطوائف؛ لاجتناب طريقهم والحذر من مسالكهم.

    وبعد يا عبد الله! فلا جرم! فقد حصل من معاني هذه السورة العظيمة أم القرآن علمٌ إجمالي بما حواه القرآن الكريم من المقاصد والمعاني والأغراض، فلا غرو أن تكون فاتحة الكتاب وأم القرآن والسبع المثاني.

    رزقنا الله حسن تلاوة كتابه والعمل به، وجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته.

    وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر:85-87].

    نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم.. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    فاتحة الكتاب شافية للأرواح والأبدان

    الحمد لله الذي أنزل كتابه مفصل الأحكام، ومحكم الآيات، أحمده سبحانه عمَّت نعماؤه وتوالت منه المنح والمكرمات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تقَّدس في الذات وفي الأسماء والصفات، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، ختمت بنبوته النبوات، وكملت برسالته الرسالات، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته أفضل الصلوات، وأتم التسليمات، وأزكى البركات، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما دامت الأرض والسماوات.

    أما بعد:

    أيها المسلمون: إن فاتحة الكتاب شافية بإذن الله للداء، كافية للهم، واقية من السوء، رقية لكل مسلم، اشتملت على شفاء القلوب والأبدان.

    أما القلوب فمدار أمراضها وأسقامها على أمرين:

    الأول: فساد العلم.

    الثاني: فساد القصد.

    ويترتب على ذلك داءان قاتلان:

    داء الضلال وداء الغضب.

    فداء الضلال نتيجة لفساد العلم، وداء الغضب نتيجة لفساد القصد، وهذان المرضان هما ملاك أمراض القلوب جميعها، وهداية الصراط المستقيم تتضمن الشفاء من مرض الضلال، وتحقيق (إياك نعبد وإياك نستعين) علماً وعملاً، يتضمن الشفاء من مرض فساد القلب والقصد.

    وأما تضمنها شفاء الأبدان فهذا خبر أبي سعيد الخدري رضي الله عنه كما في صحيح البخاري وغيره: (أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتوا على حي من أحياء العرب فلم يقروهم، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك القوم فقالوا: هل معكم من دواء أو راق؟ فقالوا: إنكم لم تقرونا، ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلاً، فجعلوا لهم قطيعاً من الشاة، فجعل يقرأ بأم القرآن ويجمع بزاقه ويتفل فبرأ، فأتوا بالشاة، فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوه فضحك وقال: وما أدراك أنها رقيه؟! خذوها واضربوا لي بسهم ) وفي رواية: (فجعل الصحابي يقرأ على الملدوغ بفاتحة الكتاب، فقام اللديغ كأن لم يكن به قلبة ).

    1.   

    فضل تدبر سورة الفاتحة

    أيها المسلم: وينبغي قراءة الفاتحة على مكثٍ وحسن ترتيل وتمهل بخشوع وتدبر، يقف على رءوس الآي، ويعطي القراءة حقها اتقاناً وتجويداً، بعيداً عن التكلف، مع إخلاصٍ يطرد الغفلة، ويجلب الخشية، ويعين على الفهم، ويستفيض ما غاص من الدمع، ففي الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب )، وعند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج ) بل إن الله عز شأنه في الحديث القدسي سمَّى الفاتحة صلاة؛ بياناً لعظم شأنها، وكبر منزلتها، فقد أخرج الإمامان مالك ومسلم رحمهما الله وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] قال: مجدني عبدي، وقال مرة: فوض إليَّ عبدي، فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7] قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ) واللفظ لـمسلم .

    ثم بعد الفراغ من الفاتحة يُشرع التأمين، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: آمين، يمد بها صوته.

    معاشر المسلمين: هذه هي سورة الفاتحة أم القرآن.. سبع آيات محكمات، فيها حمد الله وتمجيده، وذكر المعاد، والجزاء، وتوحيد الله، وإخلاص العبادة له، والتضرع إليه بسؤال الهداية إلى صراطه المستقيم، والثبات عليه، فالصراط المستقيم هو القائد إلى الصراط الممدود يوم القيامة، المفضي لمن سلكه إلى جنات النعيم، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

    والحذر ثم الحذر من مسالك الباطل وأهله ممن غضب الله عليه ولعنه وأضله، وتجنب طريقهم لئلا يحشر معهم.

    ألا فاتقوا الله رحمكم الله، وأحسنوا القراءة لكتاب ربكم والتدبر والعمل، فقد أنزله ربكم تذكرةً لمن يخشى، ويسره للذكر فهل من مدكر.

    ثم صلوا وسلموا على نبي الرحمة والملحمة نبيكم محمد رسول الله، فقد أمركم بذلك ربكم فقال في محكم تنزيله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، والخلق الأكمل، وعلى آله وأزواجه وذريته، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين، الأئمة المهديين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعن سائر الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الدين.

    اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.

    اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق والتوفيق والتأييد والتسديد إمامنا وولي أمرنا، واكتب له الصحة والسلامة والعافية، وأعز به دينك، وأعل به كلمتك، وارزقه البطانة الصالحة، التي تدله على الخير وتعينه عليه، اللهم وأيده بالحق وأيد الحق به، واجمع به كلمة الحق يا رب العالمين!

    اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمدٍ صلى الله عليه وسلم، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمعهم على الحق يا رب العالمين!

    اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشدٍ، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير.

    اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لنصرة دينك، وإعلاء كلمتك، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير وفي الشيشان وفي كل مكان يا رب العالمين!

    اللهم أيدهم وسددهم، اللهم سدد سهامهم وآراءهم، واجمع كلمتهم، ووحد صفوفهم، اللهم واجعل الدائرة على أعدائهم، اللهم وشتت شملهم، وفرِّق جمعهم، واجعل بأسهم بينهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يُرَّد عن القوم المجرمين.

    ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.

    فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.