إسلام ويب

تفسير سورة الصافات (8)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إبراهيم عليه السلام هو خليل الرحمن، أسلم قلبه للواحد الديّان، جاء قومه يدعوهم إلى عبادة الله الفرد الصمد، فلم يجد فيهم قلباً يعقل ولا أذناً تسمع، فكاد أصنامهم، حتى إذا استفرد بها أخذ في تكسيرها وتقطيعها، فلما رجعوا من عيدهم إذا بآلهتهم قد اعتدي عليها، فطلبوا غريمها وأرادوا الانتقام ممن نال منها، فأوقدوا له ناراً كبرى، فأنجاه الله منها وجعل المجرمين يموتون حسرة وكمداً، وكانت كلمتهم هي السفلى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن من شيعته لإبراهيم)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ * فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ * فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ * قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ [الصافات:83-98].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ [الصافات:83]، لما ذكر تعالى قصة نوح عليه السلام، وبين فيها كيف نصر أولياءه وهزم أعداءه، وقال: سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ [الصافات:79]، ذكر قصة إبراهيم عليه السلام، فقال عز من قائل: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ [الصافات:83]، أي: من شيعة نوح وأنصاره على ما بعث به وأرسل به، ويصح أن تقول: وإن من شيعته محمداً صلى الله عليه وسلم، ووالله إنه لمن شيعته.

    والمقصود من السياق نوح عليه السلام، أي: وإن من شيعة نوح إبراهيم، كمحمد صلى الله عليه وسلم. والشيعة: الأنصار المحبون الموالون.

    وقوله: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ [الصافات:83]، أي: من شيعة نوح لَإِبْرَاهِيمَ [الصافات:83] والله. وقد علمتم أن إبراهيم معناه: الأب الرحيم، فهو مكون من إب وراهيم بالعبرية، ومعناه: الأب الرحيم. وحقاً والله إنه لأب رحيم.

    ومن هنا ابتلاه ربه بذبح ولده مع شدة رحمته، فقد كلف امتحاناً بذبح طفله، ولو كان قلبه قاسياً كقلوبنا لما قيل له: يذبحه؛ لأنه سيذبحه، ولن يكون فيه شيء جديد، ولكن لرحمته ورقة قلبه وعطفه كلف امتحاناً بذبح ولده، فاستجاب لربه، وخرج بطفله إسماعيل إلى منى؛ ليذبحه هناك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذ جاء ربه بقلب سليم)

    قال تعالى: إِذْ جَاءَ [الصافات:84]، أي: إبراهيم رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الصافات:84]. لا شك فيه ولا ريب ولا شرك أبداً. فما أجمل وما أطيب قلب إبراهيم! فهو لا يخطر بباله الشر أبداً، ولا يخطر بباله السوء، ولا يخطر بباله ما يكره الله من الشرك به وعبادة غيره، بل قلبه سليم من ذلك. اللهم ارزقنا قلوباً سليمة، لا تتقلب إلا في طلب رضاك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون)

    قال تعالى مخبراً عن آية ودليل قلب إبراهيم السليم: إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ [الصافات:85]؟ وكان قومه عاكفون على عبادة الأصنام والتماثيل التي صنعوها، فقد كانوا يعبدونها مع الله، فقد كانوا مؤمنين بالله، ولكنهم يتقربون إليه في نظرهم بهذه الأصنام، وقد زين لهم الشيطان عبادة هذه الأصنام. فقال لهم إبراهيم: مَاذَا تَعْبُدُونَ [الصافات:85]؟ أي: أي شيء تعبدون؟ فهذه أحجار وتماثيل وصور صنعتموها بأيديكم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أئفكاً آلهة دون الله تريدون)

    قال تعالى مخبراً أن إبراهيم قال لهم: أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ [الصافات:86] أي: أكذباً؟ فالأفك هو أفظع أنواع الكذب، وهو الكذب البشع، فقال لهم: أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ [الصافات:86]؟ أي: ما تريدون إلا الكذب في ذاته، فأنتم الذين صورتم هذه التماثيل والصور، وأخذتم تعبدونها. فهو هنا ينكر عليهم، ويقبح لهم سلوكهم. والاستفهام هنا للاستنكار والتفظيع.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فما ظنكم برب العالمين)

    قال تعالى حاكياً قول إبراهيم لقومه: فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات:87]؟ فهو الخالق الرازق، المدبر المحيي المميت، الذي خلقكم وخلق آلهتكم التي تعبدون. وأنتم تعبدون معه هذه الأصنام والأحجار. فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات:87]؟ أي: أيحب أن تُعبد معه الأصنام والأحجار أم لا؟ وهو خلقكم لتعبدوه، لا لتعبدوا غيره من هذه الأحجار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فنظر نظرة في النجوم ... فتولوا عنه مدبرين)

    قال تعالى عن إبراهيم: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:88-89]. وقد كان هذا يوم عيدهم الذي يخرجون فيه خارج المدينة، ويلهون ويلعبون، كأعياد النصارى اليوم، بل وكأعياد جهال المسلمين التي فيها اللهو الباطل.

    وقد كان من عادتهم: أنهم إذا أرادوا أن يخرجوا لهذا العيد - ولابد من خروجهم؛ لأن هذا تعبد، وديانة من ديانتهم- يضعون بين يدي آلهتهم صحافاً فيها الحلويات وألوان الطعام؛ لتباركها الآلهة لهم، فإذا عادوا من العيد وجدوها كما هي، فأكلوها وانتفعوا بها. فكانوا يتبركون بوضع الأطعمة العذبة الصالحة بين يدي الأصنام؛ لتباركها؛ حتى يأكلوها فينتفعوا بها في نظرهم.

    وقد حصل ووقع بين المؤمنين من كان يأتي بطعام ويضعه على ضريح أو على قبر الولي؛ ليجد فيه البركة. وهذا والله من تزيين الشيطان وتحسينه. وإلا فليس في شرعنا الإسلامي أبداً أننا نتبرك بالأموات، ونضع طعامنا عندهم، بل هذا من عمل الشيطان الذي زينه لهؤلاء المشركين، فكانوا يضعون ألوان الطعام بين يدي أصنامهم، ويأخذونها في المساء؛ بقصد التبرك بما فيها.

    وهنا قال تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ [الصافات:88]. فرفع إبراهيم رأسه إلى نجم، وكان قومه منجّمون وأهل نجوم فقد كانوا يعبدونها، ويرون فيها الخير والشر، أو الضر والنفع، ويتبركون بها، ويتشاءمون بوجود نجم خاص، فأراد إبراهيم أن يضللهم، وأن يموه القضية عنهم، فنظر في النجوم وقال: إني سقيم، أي: معي مرض الطاعون بسبب النجم الذي طلع، وهم يشاهدون النجوم ويعرفون، ويقولون: إذا طلع النجم الفلاني يصاب الناس بمرض الطاعون.

    وهو فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:88-89]. وهذا بعد أن دعوه ليخرج معهم إلى العيد؛ ليلهوا ويلعبوا، فقال: أنا مريض ما أستطيع، وبي مرض الطاعون، فلا يصيبكم أنتم، فلهذا تخلوا عني واتركوني. وبالفعل تخلوا عنه وتركوه؛ حتى لا يصابوا بعدوى الطاعون.

    وهذه الكلمة سماها إبراهيم كذبة من الكذبات.

    كذبات إبراهيم الثلاث

    أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم بأن إبراهيم كذب طول حياته ثلاث كذبات، وكثيراً ما نقول: إنها أحسن من صدقنا نحن.

    الأولى: لما عرضوا عليه الخروج إلى العيد فكذب، وقال: إني سقيم، فاتركوني فتركوه.

    والثانية: لما كسّر الأصنام وحطمها وجعلها قطعاً متناثرة، فقد قالوا: من فعل هذا بآلهتنا؟ فقال: بل فعله كبيرهم هذا، وأشار بأصبعه إلى صنمهم؛ إذ كان قد كسّر الأصنام كلها، وجعلها جذاذاً، أي: قطعاً متناثرة، إلا أكبر صنم، وهو إلههم الأكبر، وعلّق فيه الفأس التي حطّم بها الأصنام، ولما سألوه: من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟! قال: بل فعله كبيرهم هذا. وورى بيده، ففهموا أنه إلههم الكبير الصنم.

    والكذبة الثالثة: لما كان في الديار المصرية واستدعيت زوجته سارة للسلطان أو للملك قال لها: إن سألك عني فقولي: إنه أخي؛ إذ لا أخ مع أخيه في هذه الأرض إلا أنا وأنت؛ وهذا خشية لو قالت: زوجي لقال: اقتلوه؛ حتى يتمتع بها، فإذا قالت: أخي فقط فلا بأس، ولا يضر ذلك.

    وقد أخبرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم بهذه الكذبات الثلاث كما أخبر بها الله عز وجل، ومنها هذه: إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:89]. فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ [الصافات:90]، وتركوه في مدينتهم، وذهبوا إلى عيدهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون * ما لكم لا تنطقون)

    قال تعالى: فَرَاغَ [الصافات:91]، أي: مال إبراهيم لما ذهبوا وتركوه إلى آلهتهم، وأخذ يخاطبها قائلاً: أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات:91]؟ فالحلويات أمامكم والبقلاوة، فما لكم لا تأكلون؟ فيا من يُعبدون مع الله ويُدعى أنهم يعطون ويمنعون أَلا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ [الصافات:91-92]؟ فقولوا: ما نأكل، وليس من حقنا أن نأكل، أو لسنا أهلاً للأكل، مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ [الصافات:92]؟ وهو بهذا يقرر بطلان عبادتهم، وأنهم ليسوا أهلاً بأن يُعبدوا؛ لأنها أصنام لا تنطق ولا تأكل ولا تشرب، فلا تُعبد، ولكن ليس للعابدين لها عقول. فهي والله ما تنطق ولا تأكل ولا تشرب، بل هي حجارة، فلا تُعبد مع الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فراغ عليهم ضرباً باليمين)

    قال تعالى: فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ [الصافات:93]، أي: مال عليهم ضرباً بيمينه، أي: يده اليمنى؛ لأن الضرب باليمنى أقوى من اليسرى، حتى هشّمها وحطمها، وجعلها جذاذاً وقطعاً. وهي عشرات الآلهة.

    فعادوا من عيدهم من خارج البلد فرحين مسرورين؛ ليأخذوا الحلويات والبقلاوة من بين أيدي آلهتهم، فوجدوا الأصنام متناثرة متقطعة، فيا ويلهم! فقد أصابهم كرب عظيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأقبلوا إليه يزفون)

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال أتعبدون ما تنحتون * والله خلقكم وما تعملون)

    قال تعالى حاكياً أن إبراهيم قال لقومه: قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ [الصافات:95]. فيا للعار والشنار أن تعبدوا ما تنحتون، فأنتم تنحتون هذه بأيديكم وبمساحيكم وآلاتكم ثم تعبدونها؟ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:96]. فلا تعبدونه وتعبدون هذه الأصنام التي صنعتموها أنتم، فهو الذي خلقكم وخلق أعمالكم والله، إذ الله خالق كل شيء، وآلتك يا حداد! صنعها الله عز وجل، وهو خالقها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا ابنوا له بنياناً فالقوه في الجحيم)

    قال تعالى مخبراً أنه ما كان من قوم إبراهيم إلا أن قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ [الصافات:97]. فقد انهزموا، وما بقي إلا العنترية والحديد والعصا، فقالوا: ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ [الصافات:97]، يعني: اصنعوا تنوراً من التنانير التي يطبخ بها الخبز وغيره، ولكن اجعلوه ضخماً كبيراً، وابنوه بناء. وبنوه بالفعل، وأخذوا يرمون فيه الحطب والخشب والعيدان أربعين يوماً والنار مشتعلة، حتى أصبحت سوداء جحيماً، فقالوا: أَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ [الصافات:97]. وبالفعل جاءوا به ووضعوه في منجنيق كالعقال الذي يلعب به الأولاد بالحجر، ووضعوه في ذلك المنجنيق ودفعوه إلى النار، ولكن الله عز وجل أصدر أمره إلى النار: يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69]. وهنا لطيفة، وهي: أن إبراهيم عرض له جبريل وهو في طريقه إلى النار.. إلى التنور قبل أن يصل فقال له: ألك حاجة يا إبراهيم؟! قال: أما إليك فلا، حسبي الله ونعم الوكيل، أي: أما أنت فلا حاجة لي عندك، ولكن حسبي الله، أي: يكفيني الله، ونعم الوكيل هو، فأفوض أمري إليه وأتوكل عليه. فصدر أمر الله استجابة لإبراهيم: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69]. فوالله ما أحرقت منه إلا وثاقه، وثاق يديه ووثاق رجليه، وخرج وجبينه يتفصد عرقاً، ومن ثم اندهشوا وانبهروا، فانصرف عنهم وقال: إني مهاجر إلى ربي؛ إذ ليس بعد هذا من دعوة أبداً يستجيبون لها. فهاجر من تلك البلاد في أرض العراق من بابل إلى أرض القدس والشام، ومعه ابن أخيه لوط، وامرأته سارة ، فكانوا ثلاثة أنفار. وأول هجرة عرفتها البشرية في تاريخها هي هذه الهجرة، كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم، فأول هجرة هجرة إبراهيم، وأشرف هجرة وأعظمها هجرة محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة.

    وباب الهجرة مفتوح إلى أن تقوم القيامة. فأي مؤمن أو مؤمنة وجد نفسه في دار لا يستطيع أن يعبد الله فيها أبداً ولا يقدر على ذلك إلا ووجب عليه أن يهجر ذلك البلد أو تلك الدار، ويخرج منها؛ ليعبد الله عز وجل؛ إذ العلة في خلقنا ووجودنا هي أن نعبد الله عز وجل، فإذا تعطلت العبادة تعطلت الحياة بكاملها. فمن هنا وجبت الهجرة، وإبراهيم هاجر مع زوجه ومع ابن أخيه؛ لأنهم ما تمكنوا أن يعبدوا الله مع هؤلاء الكفار، الذين أوقدوا لهم النار، وألقوا فيها إبراهيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأسفلين)

    قال تعالى: فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ [الصافات:98] المهزومين المخذولين المحطمين بإنجائنا إبراهيم. فقد أوقدوا النار أربعين يوماً، وأخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الفويسقة التي توجد في البيوت -وهي الوزغة- كانت تنفخ على النار لتتأجج؛ إعانة للمشركين. وهذا والله عجب. ولولا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا بهذا لما قاله أحد. فالوزغة التي توجد في بيوتنا في المدينة كانت تنفخ النار لتتأجج، كما ينفخ على الحطب حتى تشتعل النار أربعين يوماً.

    إذاً: فنجى الله تعالى عبده ورسوله إبراهيم، وجعلهم المخذولين المنهزمين. والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن نقرأ هداية الآيات:

    [ من هداية ] هذه [ الآيات:

    أولاً: أصل الدين واحد، فالإسلام هو دين الله الذي تعبد به آدم فمن بعده إلى محمد صلى الله عليه وسلم ] فمن هداية الآيات التي تلوناها وشرحناها: أن دين الله واحد لا ثاني له، ألا وهو الإسلام، فهو دين آدم ودين شيث، ودين إدريس، ودين نوح، ودين إبراهيم، ودين المؤمنين أجمعين. فلا دين حق إلا الإسلام؛ لأنه إسلام القلب والجوارح لله. فعبد الله حقاً وصدقاً لا يأكل إلا لله، ولا يشرب إلا لله، ولا يعطي إلا لله، ولا يأخذ إلا لله، ولا ينام إلا لله، ولا يستيقظ إلا لله. هذا هو والله عبد الله، وهكذا عباد الله وأولياؤه، فكل حياتهم وقف على الله. وهذا هو الإسلام، وهو أن يسلم العبد قلبه وجوارحه لله، وكما بينا أمس أنه لا يأخذ ولا يعطي، ولا يذهب ولا يجيء إلا من أجل الله، وأما ما حرمه الله ومنعه الله فلا يأتيه، ولا يقوله ولا يفعله، وأما ما أوجبه الله فلا بد وأن ينهض به، ويتكلف له في حدود طاقته.

    [ ثانياً: كمال إبراهيم في سلامة قلبه من الالتفات إلى غير الله تعالى، حتى إن جبريل قد عرض له وهو في طريقه إلى الجحيم الذي أعده له قومه فقال: هل لك حاجة يا إبراهيم؟! فقال: أما إليك فلا ] فقد تجلت هذه الحقيقة لإبراهيم، وهي: سلامة قلب إبراهيم، فهو ما يعرف إلا الله، ولا يميل إلا إلى الله، فقد عرض له جبريل، وجبريل يستطيع أن ينسف النار فتنطفئ بكلمة واحدة، فقال له: ألك حاجة يا إبراهيم؟! فقال: أما إليك فلا، بل حاجتي إلى ربي. فهو قد أسلم قلبه لله عز وجل ووجهه.

    [ ثالثاً: من أقبح الكذب ادعاء أن غير الله يعبد مع الله تبركاً به أو طلباً لشفاعته ] كما قال تعالى: أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ [الصافات:86]. فمن أفظع الكذب وأبشعه عبادة غير الله عز وجل، وأن نركع ونسجد ونعبد مصنوعاً من مصنوعات الله ومخلوقاً من مخلوقاته. فليس هناك كذب أعظم من هذا الكذب والافتراء، ولهذا تعجب إبراهيم وقال: أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات:86-87]. حتى تعبدوا هذه الأصنام والأحجار!

    وإخواننا كما قال عبد العزيز بسبب الجهل ينادون: يا سيدي عبد القادر ! يا مولاي إدريس ! يا سيدي أحمد ! يا بدوي ! وجماعة الروافض: يا فاطمة ! يا حسين ! يا علي ! وجعلوهم آلهة يعبدونهم مع الله، وهم لم يخلقوا بعوضة من المخلوقات، ولا الله أمرهم بأن يعبدوهم ويدعوهم ويستغيثوا بهم، وحاشا وكلا أن يأمرهم الله بهذا، بل الله يقول: لا تعبدوا إلا الله. ولكن هذا بسبب الجهل، ولو علموا ما عبدوا.

    [ رابعاً ] من هداية الآيات: [ وجوب تغيير المنكر عند القدرة عليه ] فإبراهيم لما فرغ له المكان وذهب قومه وخرجوا خارج البلاد كسّر الأصنام وحطمها؛ لأنه قادر على ذلك. وهكذا يجب تغيير المنكر عند القدرة عليه، ومن لم يقدر يقول: هذا منكر بلسانه، وإن كان ما يستطيع أن يقول بلسانه فبقلبه، والرسول الكريم يقول: ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ). فإذا دخلت بيتك وجدت صورة عند طفلك أو عند امرأتك فانزعها بيدك ولا تتركها، بل مزقها؛ لأنك قادر على ذلك.

    [ خامساً ] وأخيراً: [بيان ابتلاء إبراهيم، وأنه ألقي في النار فصبر، ولذا أكرمه ربه بما سيأتي في السياق بيانه] ووالله ما ابتلي نبي ولا رسول بما ابتلي به إبراهيم، واذكروا ما ابتلي به، فقد ابتلي بأن يذبح إسماعيل، وبأن يلقى في النار، وبأن يهجر دياره وبلاده، وبأن يبني بيتاً وحده وهي الكعبة. وليس هناك ابتلاء أعظم من هذا الابتلاء، ولقد صبر وظفر، فعليه ألف سلام. اللهم اجعلنا من محبيه يا رب العالمين!