إسلام ويب

شرح العقيدة الطحاوية [42]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قال أبو يوسف رحمه الله: من طلب الدين بالكلام تزندق، وحكم الإمام الشافعي على أهل الكلام بأن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام، وهذا حكم عادل يليق بأهل الكلام الذين بدلوا وأولوا وحرفوا ما هو معلوم في الكتاب والسنة بالدلائل القطعية، ومن جملة ما أولوه ونفاه بعضهم رؤية الله تعالى في الجنة، مع أنها ثابتة بالدلائل القطعية من الكتاب والسنة.

    1.   

    علم الكلام في نظر أعلام أهل السنة

    طلب الدين بالكلام زندقة عند أبي يوسف رحمه الله تعالى

    قال رحمه الله تعالى: [ ومن يصل إلى مثل هذه الحال إن لم يتداركه الله برحمته وإلا تزندق، كما قال أبو يوسف رحمه الله: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب ].

    قوله: (من طلب الدين بالكلام تزندق)؛ يقصد: أن من بدأ علمه بأخذ علم الكلام قبل أن يتعلم العلوم الشرعية التي تبني العلم على أسس سليمة، أو كان نصيبه من القراءة في علم الكلام أكثر من غيرها، أو بدأ يقرأ في هذه الأمور قبل أن يشتد عوده وهو حديث السن؛ فإنه في الغالب يزيغ نسأل الله السلامة، وهذا الكلام لم يكن مجرد ظن من أمثال أبي يوسف ، بل كان واقعاً يحكي نهج أهل الكلام قديماً وحديثاً، فما من إنسان يؤسس معلوماته على غير العلوم الشرعية في الدين -خاصة العقيدة- إلا تلوث فكره وانحرفت فطرته ونهج غير نهج المؤمنين وغير نهج السلف؛ لأن علم الكلام موضوعاته تتعلق بقضايا العقيدة، فهي تستهوي القارئ، ويظن أن علم الكلام وسيلة لفهم الحق ولفهم العقيدة السليمة، فمن هنا ينجرف من حيث إنه يظن أنه على هدى وعلى طريق مستقيم، وقد قلت سابقاً: الغالب أن علم الكلام يستهوي المبتدئ ويستهوي غير المتفقه في الدين، بمعنى: أنه يجد فيه ما يعجبه، فيعيش في خيالات وأحلام وأوهام يظنها حقائق، وتكبر في نفسه ويملكه الإعجاب بهذا المسلك وهذا المنحى وبكلام المتكلمين؛ لأنه يزينه له الشيطان من ناحية؛ ولأنه يبحث في قضايا غريبة طريفة تستهوي المطلع، فيتمادى معها أحياناً بمجرد حب الاستطلاع والوصول إلى نتائج الكلام، وأحياناً يشربها قلبه فيظن أنها حق فيتمادى فيها، ويصير عنده شيء من النهم، فكلما قرأ أحب الازدياد من القراءة، ولذلك فالذين يسلكون هذا المسلك في قراءة كتب الكلام أو كتب الفلسفة أو كتب الأدب غير المنضبطة يدمنون القراءة على هذه الأمور ولا يستطيعون الخروج منها غالباً، وتستهويهم بحيث لا يستطيع المرء منهم التخلص منها، وإذا قرأ غيرها يشعر أنه لا يستفيد، وأن العلوم الأخرى جافة غير مفيدة، وليس فيها جديد.. إلى آخره.

    فهذه السمة موجودة إلى اليوم في الفلاسفة أو المحبين للفلسفة والمحبين لعلم الكلام وللكتب غير النافعة، ككتب القصص غير الموجهة، وكتب الفن، وكتب الأدب المنحرف، كلها تستهوي القراء في الغالب وتهلكهم أيضاً في الغالب، إلا من عصم الله، وما من أحد يأخذ هذه العلوم بأكثر من قدر العلوم الشرعية إلا صار عنده شيء من اللوثة في دينه وفي سلوكه، إذاً: الغالب أن من طلب الدين بالكلام يصل به الأمر إلى التزندق إما جزئياً وإما كلياً.

    قوله: (ومن طلب المال بالكيمياء أفلس) يقصد به ظاهرة كانت موجودة قديماً، وهي أن كثيراً ممن كانوا يتعلمون الكيمياء يستخدمونها في خداع الناس ويراهنون على ذلك، وعوام الناس الذين لا يعرفون هذا العلم يظنون أنه نوع من السحر أو نوع من الدجل، ولا يعرفون أن هذا من الأمور العلمية، فيأتي من عنده شيء من الكيمياء فيراهن على أن يقلب هذا العنصر إلى عنصر آخر، أو هذا الماء من سائل إلى جامد، أو هذا اللون من لون إلى لون، فأكثر الناس الذين ليس عندهم إلمام يقولون له: لا تستطيع، ليس بمعقول، فيراهن، ويجعل هذه وسيلة لكسب الرزق، وكان بعضهم يجلس في الساحات وفي الطرقات من أجل المراهنة مع الجمهور ويكسب بذلك طريقة للعيش يعيش بها على حساب السذج.

    فـأبو يوسف يقول: من فعل ذلك أفلس؛ لأن مصدره غير سليم، والغالب أن من كان مصدره المالي غير شرعي تكون نهايته الإفلاس كما يفعل هؤلاء، وكثير من الدجالين وكثير من المتسولين وإن ملكوا من الدنيا الكثير حالهم حال المفلس، ونهايتهم إلى فقر، ويزيدهم الله فقراً مادام طلبهم العيش عن هذه الطرق غير الصحيحة.

    يقول: (ومن طلب غريب الحديث كذب)، يقصد: أن كثيراً من أهل الأهواء والبدع يلتمسون غرائب الحديث وغرائب النصوص وشواذ الفتاوى وشواذ الأحكام وشواذ المواقف بدعوى أنهم يريدون أن يطلعوا عليها، والحقيقة أنهم في الغالب يريدون أن يلبسوا بها على الناس، ثم إن من دخل هذا الباب فأنه -في الغالب- يصاب بنفس المرض، يعني: إذا طلب غريب الحديث -سواء ما يتعلق بالأحاديث المكذوبة مثلاً أو بالأحاديث التي فيها نوع من الإشكال أو الاشتباه أو غيرها- وولج في هذا الباب وأكثر منه فلابد أن يتأثر على نحو يجعله يتعلق ببعض الإشكالات، فتثير في نفسه الشك، أو تجعله ممن يثيرون الشكوك بدعوى أن عنده علماً وأن عنده طرائف، وأن عنده أشياء ليست عند الناس، فيقع في هذه الظواهر التي تئول بالإنسان إلى الكذب والدجل والشك والريب.

    حكم الإمام الشافعي في أهل الكلام

    قال رحمه الله تعالى: [ وقال الشافعي رحمه الله تعالى: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام.

    وقال: لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننت مسلماً يقوله، ولأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه -ما خلا الشرك بالله- خير له من أن يبتلى بالكلام. انتهى ].

    كلام الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في عقوبة المتكلمين كلام ثابت، وله -أيضاً- عبارات أخرى تشبه هذه العبارات، وسبب ذلك أن الشافعي رحمه الله ممن تصدى لأوائل الجهمية والمعتزلة، تصدى لهم وناقشهم، مثل: حفص الفرد وغيره، ناقشهم وجرت بينه وبينهم مجادلات ثم قطع باب المناقشة؛ لأنه رأى أن مناقشة أهل الكلام تمرض، حتى إنه نهى عن جدالهم بعدما جرب، وأشار إلى الموضوعات التي يقولونها ويطرحونها على الناس، وأنها موضوعات خطيرة في الدين، بمعنى: أن المتورع -بل المسلم العادي صاحب الفطرة- ينفر من مقولاتهم؛ لأنها تتعرض لقضايا خطيرة فيها أولاً: إساءة أدب مع الله عز وجل، وفيها ثانياً: خوض في القدر، وفيها ثالثاً: خوض في الغيبيات التي لا يعلمها إلا الله عز وجل.

    فكل مسائل أهل الكلام تدور حول الكلام في الله عز وجل، وفي ذاته وأسمائه وأفعاله بغير علم وبسوء أدب، وبكلام لا يليق بالبشر مع البشر، فكيف به في حق الله عز وجل؟!

    والشافعي رحمه الله تورع من أن يذكر شيئاً مما سمعه وناقشهم فيه؛ لأنه يرى أن مجرد حكايته فيه إساءة أدب مع الله عز وجل، بل أحياناً فيه قدح في ذات الله وأسمائه وصفاته وسب لله تعالى، فمن هنا ما مثل ولا ذكر؛ لأنه تورع عن أن يذكر مقولاتهم، وسنجتنب ما اجتنبه الشافعي ، لكن أشير إلى قاعدة عندهم تعرفون بها مدى إساءة الأدب مع الله، فالمعتزلة والجهمية كثير من كلاهم يدور على إلزام الله بلوازم، ولن أذكر هذه اللوازم؛ لأنها شنيعة، وأيضاً القول بأن الله لا يفعل كذا، فلن أذكر هذه الأفعال، لكنهم ذكروها، بل أحياناً يقولون: لا يستطيع أن يفعل كذا، ويقولون: يجب على الله أن يفعل كذا! تعالى الله! ويجوز له أن يفعل كذا! ويجب عليه ألا يفعل! إلى آخر ذلك من الأمور التي هي ترهات لو قيلت في بشر لاعتبر هذا من أعظم إساءة الأدب، فكيف وقد قيلت في الله عز وجل؟!

    هذا مما أشار إليه الشافعي ، كما أنه يقصد أموراً أخرى عظاماً يتورع المسلم عن مجرد حكايتها، فلذلك قال: (لأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه ما خلا الشرك بالله) ولا أظن هذه مبالغة؛ لأنه ترجى له التوبة لو ابتلي بأي شيء مما نهى الله عنه ما خلا الشرك (خير له من أن يبتلى بالكلام)؛ لأن الذي يبتلى بالكلام قل أن يوفق للخير والهداية إلا نادراً؛ لأنه يعيش في أحلام، ثم إنه في الغالب يتمادى به الجدل والخصام إلى أن يمتهن هذا المسلك ويحترفه حرفة ويظن أنه على الحق، ويظن أن هذه عبادة، حتى إنه أثر عن كبار المتكلمين الأوائل من المعتزلة -مثل عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء - أنهم في رحلاتهم كانوا يقصدون العلماء ومجالس العلم في البلاد لمجرد الجدل والنقاش لا لتلقي العلم، كما ورد عن عمرو بن عبيد أنه مرة ذهب إلى مكة، فكان ذهابه مع وجود أيوب السختياني رحمه الله أحد أعلام الأمة وأعلام السنة، فقارن أحد الناس الذين تنبهوا بين سلوك الرجلين، فذكر أن عمرو بن عبيد كان يجلس في البيت الحرام، ثم بعد صلاة العشاء يطلب من يناظره في بدعته، فيجلس يناظر الواحد تلو الآخر إلى الفجر، حتى إنه مرة لما صلى الفجر وانتهى من الصلاة بعد نقاش طول الليل قال لمن ناقشوه: إن بقي عندكم شيء فهاتوه بعد صلاة الفجر! نسأل الله السلامة.

    فهذا المقارن ذكر في المقابل أيوب ، يقول: كان إذا صلى العشاء يقوم إلى الفجر يصلي! وهذه هي المقارنة الصحيحة التي بها نعرف الفرق بين أحوال القوم، فهذا يجادل ويظن أنه على الحق، ولا تظنوا أنه يعتقد أن جداله بالباطل، بل يظن أنه ينصر الحق، ويظن أن هذا أعظم الجهاد، وأنه أعظم من الجهاد بالسيف، ويرى أنه أعظم أجراً من أيوب السختياني الذي يقوم من العشاء إلى الفجر يصلي، بل يحقر هذا الاتجاه والسلوك، وهذا ما يفعله كثير من المتحذلقين والمجادلين في عصرنا ممن يظنون أنهم يحسنون صنعاً، وممن قد ينتسبون إلى الدعوة إلى الله، تجد كلامهم ثرثرة ولا يملون من الثرثرة، ولو وجدوا من يسهر معهم ويواصل الكلام في الأمور والإشكالات التي لا يقدر عليها إلا العلماء الفحول، ومع ذلك تجد هذا الصنف من الذين يحبون الكلام وعلم الكلام يضيعون وقتهم ووقت الأمة في صراعات كلامية، وتفريخ عاطفي لا قيمة له.

    بيان عموم ذم الإمام الشافعي لعلم الكلام ودفع تخصيصه بقوم معينين

    وهنا تعليق على كلام الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، حيث يقول المعلق: [ ذكره البيهقي في مناقب الشافعي وعلق عليه بقوله: إنما أراد الشافعي رحمه الله بهذا الكلام حفصاً وأمثاله من أهل البدع، وهذا مراده بكل ما حكي عنه في ذم الكلام وأهله، غير أن بعض الرواة أطلقه، وبعضهم قيده، وفي تقييد من قيده دليل على مراده، ثم نقل عن أبي الوليد بن الجارود قوله: دخل حفص الفرد على الشافعي وكلمه، ثم خرج الإمام الشافعي وقال لنا: لأن يلقى الله العبد بذنوب مثل جبال تهامة خير له من أن يلقاه باعتقاد حرف مما عليه هذا الرجل وأصحابه. وكان يقول بخلق القرآن، ثم قال: وهذه الروايات تدل على مراده بما أطلق عنه فيما تقدم وفيما لم يذكر هاهنا، فكيف يكون كلام أهل السنة والجماعة مذموماً عنده وقد تكلم فيه وناظر من ناظره فيه وكشف عن تمويه من ألقى إلى سمع بعض أصحابه من أهل الأهواء شيئاً مما هم فيه ].

    هذا الكلام محتمل غير واضح؛ لأن بعض الأئمة يدخل في الكلام والمناظرات والجدال بالحق، وهذه مسألة لن نقف عندها كثيراً، وإن كان السياق يشعر بأن علم الكلام الذي عند الأشاعرة جائز، وأنه لا يقصده الشافعي ، وهذا غير وارد لأمرين:

    الأمر الأول: أن الشافعي سبق هؤلاء المتكلمين، فالمتكلمون الذين نعنيهم ما ظهروا إلا في القرن الرابع الهجري وما بعده، والأوائل هم الجهمية والمعتزلة، وهم على طريقة واحدة في الأصول وإن اختلفوا في الجزئيات، فأصول الكلام عند متكلمة الأشاعرة والماتريدية هي أصول الكلام عند الجهمية والمعتزلة، إنما هناك اختلاف في التفصيلات وفي وجوه المسائل فقط.

    فعلى هذا فإن ذم الشافعي لا شك في أنه ينصرف إلى علم الكلام جملة وتفصيلاً، وينصرف إلى اللاحقين والسابقين.

    الأمر الثاني: أن الشافعي حينما تكلم تكلم بكلام مطلق في أكثر من موقف، تكلم عن حفص وعن غير حفص ، ثم إنه بنفسه توقف عن مجادلتهم وهو يجادل باسم الحق، ونصح الناس بألا يجادلوهم، وموقفه هذا دليل على أن قصده علم الكلام مطلقاً.

    ومع ذلك نحسن الظن بكلام البيهقي ؛ لأن البيهقي ربما يدخل في الكلام مجادلة أهل الأهواء ومناظرتهم بالحق، فبعض أهل العلم فعلاً يجعل ذلك من الكلام الجائز؛ لكن نظراً لأنه اصطلاح تقرر في القرن الرابع وما بعده؛ فلابد من أن يحمل كلام الشافعي على الظاهر الكائن في وقته، أما بعد وقته فمن التعسف أن نجر كلامه عليه.

    وليس بصحيح كلام الذين يزعمون أن الشافعي أو غيره ممن ذموا علم الكلام قد لا يقصدون هذا الكلام، مثل الذين قالوا: إن علم الكلام هو مذهب الأشاعرة سواء بسواء، أو قالوا بأن الأشاعرة والماتريدية مذهبهم مذهب فلان وفلان ممن سبقوهم، مع أن هذا المذهب لم يطرأ إلا بعد القرون الفاضلة، فلم يعرف مذهب الأشاعرة في الكلام ولا مذهب الماتريدية إلا في بداية القرن الرابع، فنسبة هذه المذاهب إلى من سبقوا في القرون الثلاثة الفاضلة مغالطة، بل جناية على أهل السنة وعلى أئمة الدين.

    اللياذ بما قاله طبيب القلوب صلى الله عليه وسلم طريق إلى عافيتها

    قال رحمه الله تعالى: [ وتجد أحد هؤلاء عند الموت يرجع إلى مذهب العجائز، فيقر بما أقروا به، ويعرض عن تلك الدقائق المخالفة لذلك التي كان يقطع بها، ثم تبين له فسادها أو لم يتبين له صحتها، فيكونون في نهاياتهم إذا سلموا من العذاب بمنزلة أتباع أهل العلم من الصبيان والنساء والأعراب.

    والدواء النافع لمثل هذا المرض ما كان طبيبُ القلوب صلوات الله عليه وسلامه يقوله إذا قام من الليل يفتتح صلاته: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)، خرجه مسلم .

    توسل صلى الله عليه وسلم إلى ربه بربوبية جبريل وميكائيل وإسرافيل أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، إذ حياة القلب بالهداية، وقد وكل الله سبحانه هؤلاء الثلاثة بالحياة، فجبريل موكل بالوحي الذي هو سبب حياة القلوب، وميكائيل بالقطر الذي هو سبب حياة الأبدان وسائر الحيوان، وإسرافيل بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة العالم، وعود الأرواح إلى أجسادها، فالتوسل إلى الله سبحانه بربوبية هذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة له تأثير عظيم في حصول المطلوب، والله المستعان ].

    ينبغي أن يحرص المسلم دائماً على التمسك بمثل هذا الدعاء، فأدعية النبي صلى الله عليه وسلم هي أفضل الأدعية لمناسباتها، ولذلك نجد أن أكثر ألفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم في الأدعية تناسب ما جاءت له، كدعاء الاستغاثة، واستنزال المطر، ودعاء الكرب، والأوراد التي كان يقولها النبي صلى الله عليه وسلم صباحاً ومساءً من القرآن وغيره، والأدعية التي يرقي بها بعض الأمراض أو عامة الأمراض، ومثل هذا الدعاء الذي يتعلق بما يختلف فيه الناس أو ما يشكل على المسلم في دينه وأمور العقيدة، فلذلك ينبغي على كل مسلم وكل طالب علم أن يتعلم ويعلم الناس تعلق قلوبهم بمثل هذه الأدعية الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم لمناسباتها، فإنها أفضل من الأدعية التي تنشأ على غير فقه، ولا يعني هذا أن الأدعية الأخرى لا تجوز، بل باب الدعاء مفتوح، وكل يدعو بما يتيسر له، ما لم يعتد في الدعاء، وما لم يدع بألفاظ مشتبهة أو بدعية.

    لكن أقول: إن الأدعية المأثورة بمناسباتها لا شك في أنها أعظم وأبلغ، بل إن التمسك بها سنة، ولذا فإن مثل هذا الدعاء من أعظم الأدعية التي تناسب الأحوال التي يكثر فيها اختلاف الناس واختلاف المسلمين في الفتن والخلافات التي تعصف بالناس أحياناً أو يضطرب فيها المسلمون، أو يشكل الأمر والخلاف فيها على الكثير منهم أو على شبابهم، فلذلك في مثل هذا الوقت الذي طرأت فيه بعض الخلافات حول كثير من مسائل الدين ينبغي التمسك بمثل هذا الدعاء والإكثار منه؛ لأنه -بإذن الله- وسيلة إلى الوصول إلى الحق وإلى الطريق المستقيم كما ورد في هذا الحديث.

    1.   

    امتناع صحة الإيمان برؤية الله وسائر صفاته حال تأويلها

    قال رحمه الله تعالى: [ قوله: (ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم أو تأولها بفهم؛ إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية ترك التأويل ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين، ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه) ].

    قبل أن نبدأ بالشرح نعطي بياناً مجملاً لمعاني هذه الكلمات أو هذه العبارات؛ لأنه سيشرحها الشيخ شرحاً متفرقاً.

    يقول: (ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم أو تأولها بفهم)، أي: يخشى على الذين ينكرون الرؤية ألا يروا ربهم؛ لأنهم يحرمون من الجنة بسبب كفرهم بإنكار هذا الأمر القطعي، فهو يقصد أنه يخشى الحرمان على من أنكر الرؤية من دخول الجنة ومن أن يرى ربه سبحانه.

    قوله: (إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف للربوبية ترك التأويل).

    يقول: التأويل الشرعي أو التفسير الحقيقي لهذه المعاني -مثل الرؤية وأسماء الله وصفاته وسائر معاني الربوبية- تفسيرها ترك التأويل، يقصد أن التفسير الحقيقي الذي عليه السلف هو ترك التأويل الممنوع، فهو هنا أتى بعبارة موهمة، كأنه يقول: التأويل ترك التأويل، ويقصد بذلك أن التأويل الحقيقي هو أن أترك التأويل البدعي، بأن نؤمن بها على حقائقها دون أن نلجأ إلى تفسيرها تفسيراً غير سليم.

    و(لزوم التسليم) أي: التصديق بأنها حق.

    وقوله: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه)، يقول: من لم يحاذر أن ينفي ما أثبته الله عز وجل من الرؤية والصفات وغيرها؛ فإنه يزل عن الحق، وكذلك من حاول التشبيه، أي: من لم يحاذر من تشبيه الله تعالى بالخلق، فإنه أيضاً يزل ولا يصيب التنزيه.

    1.   

    الدلائل القطعية على ثبوت رؤية الله في الجنة

    قال رحمه الله تعالى: [ يشير الشيخ رحمه الله إلى الرد على المعتزلة ومن يقول بقولهم في نفي الرؤية، وعلى من يشبه الله بشيء من مخلوقاته، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر)، الحديث، أدخل كاف التشبيه على (ما) المصدرية الموصولة بـ(ترون) التي تنحل إلى المصدر الذي هو الرؤية، فيكون التشبيه في الرؤية لا في المرئي ].

    أي أن المعنى: رؤيتكم لله عز وجل يوم القيامة، نسأل الله أن يمتعنا جميعاً بذلك، يقول: رؤيتكم لله عز وجل في الجنة يوم القيامة كرؤيتكم -من حيث الوضوح- للشمس في رابعة النهار، وللقمر ليلة البدر ليس دونهما سحاب، إذاً: (ما) المصدرية ترجع إلى الرؤية، فقوله: (كما ترون) يعني: كرؤيتكم.

    قال رحمه الله تعالى: [ وهذا بين واضح في أن المراد إثبات الرؤية وتحقيقها ودفع الاحتمالات عنها، وماذا بعد هذا البيان وهذا الإيضاح؟! ].

    نصوص الرؤية -كما ذكرت من قبل- واضحة، واحتمالات التأويل -كما ذكر الشيخ- غير واردة، وأشير إلى شيء من نماذج استحالة احتمال التأويل.

    فمثلاً: الذين أنكروا الرؤية بعضهم صرفوا الإنكار إلى كلمة: (ترون)، فقالوا: يمكن أن تكون الرؤية بالقلب؛ لأن الإنسان يرى في المنام رؤيا فيقول: رأيت، ويرى رأياً من الآراء فيقول: رأيت أن الأمر كذا. يعني: هذا رأيي، إذاً: الرؤية قلبية.

    وفعلاً لبسوا على الناس بذلك، لكن ترد عليهم نصوص أخرى، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (عياناً) فهل العيان منام؟! وهل العيان بالقلب؟! وكلمة (عيان) محكمة ثابتة بالنصوص القطعية، هذا شيء.

    الشيء الآخر: أن الله عز وجل ذكر في القرآن -والقرآن مفسر للسنة، والسنة مفسرة للقرآن- ذكر الرؤية بالنظر، إذاً: النظر غير الرؤية من حيث كثرة المدلولات اللغوية وتفريعها، فـ(نظر إلى) تعني: بالعين الباصرة، وكذلك كلمة (رأى) تعني: نظر، فلو قدر أن يؤولوا كلمة (ترون) و(رأيت) ونحو ذلك، فإنهم يرد عليهم بقول الله عز وجل: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، فلا يستطيع من يقول: (رأيت في المنام) أن يقول: (نظرت في المنام)؛ لأن هذه تختلف.

    إذاً: نصوص الرؤية وردت متواترة، كما أن الصحابة سألوا سؤالاً بيناً واضحاً، حينما تحدث النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور تتعلق بالله عز وجل وعظمته وجلاله من أمور يوم القيامة، فقالوا: (يا رسول الله! هل نرى ربنا؟) ولو كانت مسألة حلم أو رؤيا منامية أو كان المقصود أنهم يرون ربهم بقلوبهم، لما كان لهذا السؤال فائدة؛ لأن مسألة رؤية القلب أمر لا يعد رؤية حقيقية.

    فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بـ(نعم)، ومثل لهم بهذا المثل الواضح، وهذا التمثيل برؤية الشمس والقمر ينطبق على رؤية العيون الباصرة لا رؤية القلب؛ لأن القلب ليس لرؤيته للأمور مزية لا في الليل ولا في النهار، بل القلب لا يرى رؤية حقيقية، فالقلب رؤياه إما منامية وإما من باب المعاني التي لا تقبل الحس ولا التفسير بالحس.

    1.   

    فساد طريقة مؤولي الرؤية ونفاتها

    قال رحمه الله تعالى: [ فإذا سلط التأويل على مثل هذا النص؛ كيف يستدل بنص من النصوص؟! وهل يحتمل هذا النص أن يكون معناه: إنكم تعلمون ربكم كما تعلمون القمر ليلة البدر، ويستشهد لهذا التأويل الفاسد بقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [الفيل:1]، ونحو ذلك مما استعمل فيه (رأى) التي من أفعال القلوب؟! ولا شك أن (رأى) تارة تكون بصرية، وتارة قلبية، وتارة تكون من رؤيا الحلم وغير ذلك، ولكن ما يخلو الكلام من قرينة تخلص أحد معانيه من الباقي، وإلا لو أخلى المتكلم كلامه من القرينة المخلصة لأحد المعاني؛ لكان مجملاً ملغزاً لا مبيناً موضحاً، وأي بيان وقرينة فوق قوله: (ترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب)؟! فهل مثل هذا مما يتعلق برؤية البصر أو برؤية القلب؟! وهل يخفى مثل هذا إلا على من أعمى الله قلبه؟!

    فإن قالوا: ألجأنا إلى هذا التأويل حكم العقل بأن رؤيته تعالى محال لا يتصور إمكانها؛ فالجواب: أن هذه دعوى منكم خالفكم فيها أكثر العقلاء، وليس في العقل ما يحيلها، بل لو عرض على العقل موجود قائم بنفسه لا يمكن رؤيته لحكم بأن هذا محال ].

    يشير هنا إلى التعبير عند المتكلمين، وأراد أن يرد عليهم بمصطلحاتهم، والسلف أحياناً يلجئون لمثل هذه الردود من باب إقامة الحجة وإلزام الخصم بالحق، فقوله: [ هذه دعوى منكم خالفكم فيها أكثر العقلاء وليس في العقل ما يحيلها ] يعني: أن رؤية المؤمنين ربهم في الجنة بأبصارهم ليس هناك في العقل ما يحيلها.

    يقول: [ بل لو عرض على العقل موجود قائم بنفسه لا يمكن رؤيته لحكم بأن هذا محال ]، يقصد بذلك أنه لو عرضنا على أي عقل سليم أنه يمكن أن يكون هناك موجود له وجود ذاتي، أو وجود في الأذهان أو وجود في الخيال أو وجود في العقول أو وجود معنوي -لأن الوجود المعنوي أمر افتراضي ليس حقيقياً- وهو قائم بنفسه، يعني: وجوده ذاتي لا يحتاج إلى غيره، ولكن لا تمكن رؤيته لحكم باستحالة ذلك.

    وقوله: [ لا تمكن رؤيته ] يقصد به أنه لا تمكن حتى ولو وجدت الأسباب وامتنعت الموانع، ونحن نعتقد أن الله عز وجل لا تمكن رؤيته في الدنيا؛ لأن الله بين لنا ذلك، وإلا فما عندنا دليل آخر، لكن لو أن الموانع التي تحجب عن النظر إلى الموجود انتفت والأسباب التي تقدر البشر على النظر وجدت؛ فهل هناك من مانع عقلاً من النظر إلى هذا الموجود القائم بنفسه؟!

    مثلاً: الملائكة نعلم أنها موجودة مخلوقة قائمة بنفسها، بمعنى: أن لها وجوداً ذاتياً مستقلاً، ليس وجوداً معنوياً أو عقلياً أو خيالياً، فهل أحد من البشر غير من استثنى الله عز وجل رأى الملائكة؟!

    لكن هل يحيل العقل أن نراهم؟ لا يحيل ذلك، فلو أقدرنا الله على ذلك أو هيأ لنا ذلك لرأيناهم، والنبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل، والله عز وجل هيأ له ذلك فرآه، ولكن نحن لا نستطيع أن نرى الملائكة؛ لأن هناك موانع.

    فإذا وجدت الأسباب للرؤية وارتفعت الموانع؛ فإنه ليس هناك ما يمنع أن ترى الأبصار ما يمكن رؤيته، هذا أمر.

    وأمر آخر بالمناسبة أذكره وهو بدهي، وهو أن الأمر راجع إلى قدرة الله عز وجل، فلماذا يخوضون في أمر أثبته الله عز وجل وهو راجع إلى قدرته، أليس الله سبحانه هو الذي سيقدر عباده على رؤيته على ما يليق بجلاله سبحانه؟! وليس في ذلك نقص له عز وجل، ولا يحيطون به علماً ولا يحيطون به رؤية.

    إذاً: ما المانع إذا أقدرهم الله؟! فالمسألة راجعة إلى قدرة الله وينتهي الجدال، فلا داعي لأن يقال: ذلك مستحيل أو غير مستحيل، بل إذا جاءنا خبر عن الله آمنا به وصدقنا، والله على كل شيء قدير سبحانه.

    1.   

    بيان معنى قول الطحاوي: (لمن اعتبرها بوهم أو تأولها بفهم)

    قال رحمه الله تعالى: [ وقوله: (لمن اعتبرها منهم بوهم) أي: توهم أن الله تعالى يرى على صفة كذا فيتوهم تشبيهاً، ثم بعد هذا التوهم إن أثبت ما توهمه من الوصف فهو مشبه، وإن نفى الرؤية من أصلها لأجل ذلك الوهم فهو جاحد معطل، بل الواجب دفع ذلك الوهم وحده، ولا يعم بنفيه الحق والباطل فينفيهما رداً على من أثبت الباطل، بل الواجب رد الباطل وإثبات الحق.

    وإلى هذا المعنى أشار الشيخ رحمه الله تعالى بقوله: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه)؛ فإن هؤلاء المعتزلة يزعمون أنهم ينزهون الله بهذا النفي، وهل يكون التنزيه بنفي صفة الكمال؟! فإن نفي الرؤية ليس بصفة كمال؛ إذ المعدوم لا يرى، وإنما الكمال في إثبات الرؤية ونفي إدراك الرائي له إدراك إحاطة، كما في العلم؛ فإن نفي العلم به ليس بكمال، وإنما الكمال في إثبات العلم ونفي الإحاطة به علماً، فهو سبحانه لا يحاط به رؤية كما لا يحاط به علماً.

    وقوله: (أو تأولها بفهم): أي: ادعى أنه فهم لها تأويلاً يخالف ظاهرها وما يفهمه كل عربي من معناها، فإنه قد صار اصطلاح المتأخرين في معنى التأويل: أنه صرف اللفظ عن ظاهره، وبهذا تسلط المحرفون على النصوص وقالوا: نحن نؤول ما يخالف قولنا، فسموا التحريف تأويلاً تزيينا له وزخرفة ليقبل، وقد ذم الله الذين زخرفوا الباطل، قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [الأنعام:112]، والعبرة للمعاني لا للألفاظ، فكم من باطل قد أقيم عليه دليل مزخرف عورض به دليل الحق؟! وكلامه هنا نظير قوله فيما تقدم: (لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا)، ثم أكد هذا المعنى بقوله: (إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية: ترك التأويل ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين)، ومراده: ترك التأويل الذي يسمونه تأويلاً وهو تحريف.

    ولكن الشيخ رحمه الله تعالى تأدب وجادل بالتي هي أحسن، كما أمر الله تعالى بقوله: وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125]، وليس مراده ترك كل ما يسمى تأويلاً، ولا ترك شيء من الظواهر لبعض الناس لدليل راجح من الكتاب والسنة، وإنما مراده ترك التأويلات الفاسدة المبتدعة المخالفة لمذهب السلف التي يدل الكتاب والسنة على فسادها، وترك القول على الله بلا علم، فمن التأويلات الفاسدة تأويل أدلة الرؤية وأدلة العلو وأنه لم يكلم موسى تكليماً ولم يتخذ إبراهيم خليلاً ].