إسلام ويب

الإيمان والكفر [10]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن لكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) لوازم ومقتضيات، فمن أتى بها كمل إيمانه، واستقام إسلامه، ومن اكتفى بمجرد المعرفة للكلمة، أو النطق باللسان فقط، أو معرفة القلب كما هي مذاهب المرجئة والجهمية فقد خرج بفهمه السقيم عن فهم السلف الصحيح الجامع لأطراف النصوص المستلزمة للإتيان باللوازم والمقتضيات.

    1.   

    طبقات عصاة الموحدين وشفاعة الشافعين فيهم يوم القيامة

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد النبي الأمي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، أما بعد.

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    تقدم الكلام على المبحث الثالث من مباحث أصول الدين، التي ذكرها الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله في كتابه معارج القبول في الجزء الثاني، فشرح فيها قوله:

    والفاسق الملي ذي العصيان لم ينف عنه مطلق الإيمان

    لكن بقدر الفسق والمعاصي إيمانه ما زال في انتقاص

    ولا نقول إنه في النار مخلد بل أمره للباري

    تحت مشيئة الإله النافذه إن شا عفا عنها وإن شا آخذه

    بقدر ذنبه وإلى الجنان يخرج إن مات على الإيمان

    والعرض تيسير الحساب في النبا ومن يناقش الحساب عذبا

    تقدم الكلام في هذه المسألة، وهي: أن العاصي لا يخلد في النار، وأن أمره إلى الله، وأن العاصي إذا مات على التوحيد لا يخلد في النار، وإنما هو تحت مشيئة الله تبارك وتعالى، والعاصي يحمل على من لم يتب؛ لأنه التوبة إذا استوفت شروطها فهي مقبولة، أما إذا مات ولم يتب من ذنبه، فهذا تحت مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء أخذه وعذبه، لكن إن مات على التوحيد فإنه لا يخلد في النار.

    فقوله: (ولا نقول إنه)، أي: العاصي، الذي ارتكب من المعاصي التي ليست كفراً تخرج من الملة، إنه في النار مخلد، بل أمره للباري.

    والقاعدة: أنه متى ما دخل الإنسان بعد الموت في المشيئة فهذا دليل على أنه لا يخلد في النار؛ لأن الذي يكون تحت المشيئة هو الذي يموت على التوحيد، فإن شاء الله عذبه بذنوبه، وإن شاء عفا عنه ولم يؤاخذه.

    تحت مشيئة الإله النافذة إن شا عفا عنه وإن شا آخذه

    بقدر ذنبه وإلى الجنان يخرج إن مات على الإيمان

    يؤاخذه بقدر ذنبه، ثم بعد ذلك يأول أمره إلى الجنة.

    والعرض تيسير الحساب في النبا ومن يناقش الحساب عذبا

    فيكنى عن هذا إشارة إلى تفسير قوله تبارك وتعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ [الانشقاق:7] * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق:8]، وثبت في صحيح البخاري ، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس أحد يحاسب إلا هلك، قالت: قلت: يا رسول الله! جعلني الله فداك! أليس يقول الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ [الانشقاق:7] * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق:8] ؟! قال: ذلك العرض، ومن نوقش الحساب هلك) ، وفي رواية: (ومن نوقش الحساب عذب)؛ فمجرد أن يعرض الله على العبد جميع أفعاله التي فعلها، فهذا العرض هو الحساب اليسير، حتى أن الإنسان حين يذكره الله تبارك وتعالى بكل ذنوبه، ويقول: أتذكر يوم كذا؟ وفعلت كذا وكذا، فيذكر له كل شيء من أفعاله، حتى يظن العبد أنه هالك لا محالة أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة:6]، فإذا انتهى عرض أعماله عليه، ثم يقول الله تبارك وتعالى له: (فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أسترها عليك اليوم) أو كما قال عليه الصلاة والسلام، أما من يناقش: لماذا فعلت كذا؟ ويرد وتحصل المناقشة في الحساب فهذا علامة على أنه سوف يعذب، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: ( من نوقش الحساب عذب ) ، فإذاً يجب تفسير قوله تبارك وتعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ [الانشقاق:7] * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق:8]، بأنه سوف تعرض عليه أعماله فقط. هذا هو الحساب اليسير العرض، أما إذا نوقش زيادة على هذا العرض فلهذا لا بد أنه معذب والله أعلم.

    وقد قسم السلف الصالح رحمهم الله وأئمة العلم والحديث العصاة من أهل التوحيد إلى ثلاث طبقات، حتى أن أعلى طبقة من أهل التوحيد هم من المذنبين؛ لأنه ليس أحد معصوم إلا الأنبياء عليهم السلام، أما ما عدا ذلك فيدخل تحت قوله صلى الله عليه وسلم: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) .

    فالطبقة الأولى من العصاة من أهل التوحيد: قوم رجحت حسناتهم بسيئاتهم، فأولئك يدخلون الجنة من أول وهلة، ولا تمسهم النار أبداً.

    الطبقة الثانية: هم أصحاب الأعراف، وهم قوم تساوت حسناتهم مع سيئاتهم وتكافأت فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، فهؤلاء يوقفون بين الجنة والنار ما شاء الله أن يوقفوا، ثم بعد ذلك يؤمر بهم إلى الجنة برحمة الله تبارك وتعالى، والآيات معروفة في سورة الأعراف.

    أما الطبقة الثالثة: فهم قوم لقوا الله تبارك وتعالى مصرين على كبائر الإثم والفواحش، أي: أن من أتى بهذه المعاصي ولم يتب منها حتى مات، ومات من غير توبة، فهؤلاء هم الطبقة الثالثة، فهؤلاء معهم أصل التوحيد، لكن لقوا الله مصرين على بعض الكبائر والفواحش والمعاصي، فرجحت سيئاتهم بحسناتهم، فهؤلاء هم الذين يدخلون النار بقدر ذنوبهم، فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى حقويه، ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حقويه، ومنهم من هو فوق ذلك، حتى أن منهم من لم يحرم الله تبارك وتعالى من جسده على النار إلا موضوع السجود، فهذا القسم هم الذين يأذن الله تبارك وتعالى للنبي عليه والصلاة والسلام ولغيره من الشفعاء في الشفاعة فيهم، وأحاديث الشفاعة متواترة.

    أما أهل البدع فهم يضعون أصولاً، ثم يتحاكمون بها في النصوص الأخرى، وقد أمروا أن يتحاكموا إليها، فالخوارج لما اخترعوا بدعتهم بتكفير هذا القسم، وأنه كافر كفراً أكبر مخرج من الملة في المعاصي إن لم يتب منها، كانت أحاديث الشفاعة تزعجهم وتقلقهم كعادة أهل البدع، فردوها بالكلية وكذبوا بحديث الشفاعة، لماذا؟ لأن أحاديث الشفاعة تبطل مناهجهم، هل يمكن أن يقال في أحاديث الشفاعة: أخرجوا من النار من ليس فيها، يعني هم يقولون: إن من يدخل النار لا بد أن يكون كافراً، ولا يخرج منها أبداً، فأحاديث الشفاعة تثبت أن أهل التوحيد العصاة، وهم هذه الطبقة الثالثة، الذين ماتوا وهم مصرون على بعض المعاصي، هؤلاء يمكن أن يشفع فيهم الأنبياء، ويشفع فيهم النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الأحاديث: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)، يعني: الذين لم يتوبوا، أما من تاب، واستوفت توبته الشروط فهي مقبولة كما دلت على ذلك النصوص، فمن تاب إلى الله تاب الله عليه، فالشاهد أنهم أزعجتهم هذه النصوص، وتعارضت مع بدعتهم فردوا النصوص، وأثبتوا بدعتهم، ولذلك أولوها.

    فأحاديث الشفاعة تبطل وتهدم مذاهبهم؛ لأنه لا يعقل أبداً أن يقال: أخرجوا من النار من ليس في النار، إنما يقال: أخرجوا من النار من دخل في النار، فهذا يثبت أن العصاة خلافاً للمرجئة يستحقون النار، وخلافاً للخوارج يخرجون من النار إن ماتوا على أصل التوحيد، فهذا من الأصول المتقررة عند أهل السنة والجماعة.

    ومن أعجب الأشياء أن يبرز في مثل هذا الزمان أناس غرقوا في الضلال إلى أذانهم، فيخرج أيضاً كتاباً فيه فكر الخوارج بمنتهى الحماس والقوة والصراحة، ويدعي أن من دخل النار لا يخرج منها، وأن أي معصية تخرج فاعلها من الملة، كما سنبين بإذن الله فيما بعد.

    الشفاعة من أهم أقسامها في هذا القسم الثالث من أوساط الموحدين في إخراجهم من النار، والشافع هو النبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة العظمى، أو غيره من الأنبياء من بعده، ثم شفاعة الأولياء فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ [الشعراء:100] * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء:101]، دل على أن غير الأنبياء يشفعون، ويقول عليه الصلاة والسلام: ( إن اللعانين ليسوا بشفعاء ولا شهداء يوم القيامة )، الشخص الذي يكثر اللعن لا يصلح للشفاعة لغيره يوم القيامة، كما أن الأحاديث تثبت أن الشهيد يشفع في سبعين إنساناً من أقاربه، فيحد لهؤلاء الشفعاء حداً فيخرجونهم، ثم يحد لهم حداً فيخرجونهم، ثم هكذا فيخرجون من كان في قلبه وزن دينار من خير، ثم من كان في قلبه نصف دينار من خير، ثم بره، ثم خردلة، ثم ذرة، ثم أدنى من ذلك إلى أن يقول الشفعاء: ربنا لم نذر فيها خيراً، فيخرج الله تعالى من النار أقواماً لا يعلم عدتهم إلا هو بدون شفاعة الشافعين، ولا يخلد في النار أبداً أحداً من الموحدين، ولو عمل أي عمل، ولكن كل من كان منهم أعظم إيماناً، وأخف ذنباً كانوا أخف عذاباً في النار وأقل مكثاً فيها، وأسرع خروجاً منها، وكل من كان أضعف إيماناً، وأعظم ذنباً كان بضد ذلك والعياذ بالله تعالى.

    والأحاديث في هذه الباب لا تحصى كثرة، وقد ذكرنا بعضها، وإلى هذا المعنى أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (من قال: لا إله إلا الله نفعته يوماً من الدهر، يصيبه قبل ذلك ما أصابه)، فهذا يشير إلى أن الذي يموت على التوحيد تنفعه كلمة التوحيد يوماً من الدهر، لابد هي نافعته، حتى ولو أصابه قبل ذلك ما أصابه من عذاب النار أو ما دون ذلك، فهذا مقام ضلت فيه الأفهام، وزلت فيه الأقدام، فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة:213].

    1.   

    مناقشة أهل الضلال في تعريفهم للإيمان وأدلة ذلك

    نذكر الآن فصلاً عقده الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة رحمه الله تعالى الملقب بإمام الأئمة رحمه الله، في كتاب التوحيد، وإثبات صفة الرب عز وجل بعد أن سرد أحاديث الشفاعة بأسانيدها، قال: قد روينا أخباراً عن النبي صلى الله عليه وسلم يحسب كثير من أهل الجهل والعناد أنها خلاف هذه الأخبار التي ذكرناها مع كثرتها، وصحة سندها، وعدالة ناقليها في الشفاعة، وفي إخراج بعض أهل التوحيد من النار بعدما دخلوها بذنوبهم وخطاياهم، وليست بخلاف تلك الأخبار عندنا، بحمد الله ونعمته.

    والإمام ابن خزيمة هنا يشير إلى بعض الناس ممن تفسد أفهامهم ويأخذون بأطراف الأحاديث، يعني: فريق يأخذ بطرف من الأحاديث، والآخر يأخذ بالطرف الآخر، ولا يجمعون بين النصوص ويؤلفون بينها، فتنتشر البدع والضلالة. هذا هو منشأ انحراف كثير من الخلق، الإسراف أو التفريط، الغلو أو الجفاء، ودائماً الجماعة الوسط هم جماعة أهل السنة والجماعة الذين سلكوا مسلك السلف الصالح، لذلك نحن حينما نقول: الكتاب والسنة لا نتركها بدون قيد، فلا تقل: الطريقة الصحيحة هي الكتاب والسنة وتسكت، بل لا بد أن تضع قيداً حتى تسد الطريق على أهل البدع، فتقول: نأخذ بالكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، بفهم أهل السنة والجماعة؛ لأنه ممكن أن يكون في الكتاب والسنة بعض العمومات، يستدل بها بعض أهل الضلال لتأييد بدعتهم، كما يقول بعض الشعراء:

    وكم من فقيه خابط في ضلالة وحجته فيها الكتاب المنزل

    بل يصل الأمر أحياناً إلى بعض الملاحدة والزنادقة، أن يستدلوا بآيات من الكتاب على ما هم عليه من الضلال والفاسد، كما قال ذلك الزنديق:

    ما قال ربك ويل للأولى سكروا ولكن قال ويل للمصلينا

    يعني: أنه يدعو لشرب الخمر وترك الصلاة.

    فالضال الذي يريد أن يستدل بعمومات النصوص سيجد متسعاً في ذلك، ولكن أنت إذا قيدته بقولك: نأخذ بالقرآن والسنة بفهم السلف الصالح، تسد عليه طريق البدع، فإذا رفض تناقشه في مسألة وجوب التحاكم إلى فهم السلف الصالح والمؤهلات التي أهله الله بها، إلى آخره.

    المقصود: أن إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة يناقش هؤلاء المرجئة أو الوعيدية الخوارج، وكيف أن كل فريق يستدل بالنصوص على بدعته والآخر أيضاً يستدل بالنصوص، ولكن مع انحرافهم عن فهم السلف، فهؤلاء يسيرون إلى أقصى اليمين، والآخرون يسيرون إلى أقصى اليسار، وأهل الحق بينهما، أمة وسط كما وصاهم الله تبارك وتعالى.

    يقول: وأهل الجهل الذين ذكرتهم في هذا الفصل صنفان: صنف منهم الخوارج والمعتزلة، أنكرت إخراج أحد من النار ممن يدخل النار.

    أي أنهم قالوا: إن كل من يدخل النار لا يخرج منها أبداً، إذ لا يمكن أنه يدخل النار ثم يخرج منها.

    وأنكرت هذه الأخبار التي ذكرناها في الشفاعة.

    الصنف الثاني: الغالية من المرجئة، التي تزعم أن النار حرمت على من قال: لا إله إلا الله.

    فهذا الطرف الذي يقول: من يدخل النار لا يخرج منها، يستدلون بالأحاديث التي فيها وصف بعض المعاصي بالكفر، وما خالفهم ينكرونه، والطرف الآخر من المرجئة الغلاة يستدلون بالنصوص التي حرمت النار على من قال لا إله إلا الله، أو (من قال: لا إله إلا الله حرم الله جسده على النار) إلى آخر هذه الأحاديث وأشباهها، فهؤلاء جفوا، وأولئك غلو.

    فيقول: أول ما نبدأ بذكر الأخبار بأسانيدها وألفاظ متونها، ثم نبين معانيها بعون الله ومشيئته، ونشرح ونوضح أنها ليست بمخالفة للأخبار التي ذكرناها في الشفاعة، وفي إخراج من قضى الله إخراجهم من أهل التوحيد من النار.

    ثم ساق منها حديث ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيما).

    وحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقاً من قلبه فيموت على ذلك إلا حرم على النار، لا إله إلا الله) .

    وحديث عتبان بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لن يوافي عبد يوم القيامة وهو يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله إلا حرم على النار)، وفي رواية: (فإن الله قد حرم على النار أن تأكل من قال: لا إله إلا الله).

    وحديث عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة).

    وحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صادقاً من قلبه دخل الجنة)، يعني: وهذا يقوي الحديث الذي قبله، و(من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة؟ وهل كل الإيمان أن تقول: لا إله إلا الله؟ كلا. لكن لا شك أنه ينضم إليه من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، لو واحد مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله، لكن تأبى ورفض أن يقول: محمد رسول الله، هل ينطبق عليه هذا الحديث؟ الجواب: لا، إذاً: لابد أن تجمع النصوص بعضها إلى بعض، وتفهم النصوص في ضوء بعضها البعض، ولا تأخذ بالعمومات، وإنما عليك أن تربط النصوص بعضها ببعض، وفهمها في ضوء جمع أطرفها، مما شابهها وقاربها.

    فإن قيل: في هذا الحديث: (من لقي الله يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله دخل الجنة)، فإن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وكذب بوجود الملائكة، هل يكون مؤمناً؟ لا. ما ينفعه هذا الحديث.

    إذاً الإيمان مجموعة من الحقائق متلازمة لا ينفصل بعضها عن بعض، والقدح في شيء منها يهدم كل الإيمان، وينقض كل الإيمان كما سنبين ذلك إن شاء الله تعالى فيما بعد، فمثلاً لو شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وصلى وصام وزكى وحج وفعل كل أشياء الإيمان، لكن كذب مثلاً بأن عيسى رسول الله وأنكر نبوة المسيح عليه السلام، أو قال: لم ينزل الله كتاباً اسمه التوراة، أو كذب بأي نبي من الأنبياء أو ملك من الملائكة، هل ينفعه هذا؟ لا. بل يصبح مرتداً خارجاً من الملة، يستوي مع من لم يقل هذه الكلمة، إذاً لابد من جمع أطراف النصوص وفهمها في ضوء بعضها الآخر.

    أيضاً حديث جابر رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه فقال: اذهب فنادي في الناس: أن من شهد أن لا إله إلا الله موقناً أو مخلصاً دخل الجنة) .

    وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (قال رجل: يا رسول الله! ما تركت من حاجة ولا داجة إلا أتيت عليها)، يعني: ما تركت أي شيء من المعاصي أو الآثام إلا وقد أتى عليها وارتكبها، قال: (أو تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: فإن هذا يأتي على ذلك كله) .

    أيضاً حديث عمر رضي الله عنه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يؤذن الناس: أن من يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مخلصاً فله الجنة، قال عمر : يا رسول الله! إذاً يتكلوا، قال: فدعهم)، يعني: إذا خشيت من الناس أن تقصر أفاهمهم عن فهم حقيقة هذه النصوص ويتكلوا على ذلك فيدعون العمل، فلا تبلغهم هذا العلم الذي يسيئون فهمه.

    وحديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وجبت له الجنة) .

    وحديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال لي جبريل : من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ولم يدخل النار، قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: وإن زنا وإن سرق) .

    وحديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم : (أنه قرأ: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46] قلت: وإن زنا وإن سرق يا رسول الله؟ قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46]، قلت: وإن زنا وإن سرق يا رسول الله؟ قال: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46]، قلت: يا رسول الله! وإن زنا وإن سرق يا رسول الله؟ قال: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46]، قلت: يا رسول الله! وإن زنا وإن سرق؟ قال: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46] وإن زنا وسرق ورغم أنف أبي الدرداء ، فلا أزال أقرأها كذلك حتى ألقاه) ، رواه ابن خزيمة في التوحيد، وابن أبي شيبة في المصنف، والإمام أحمد في المسند، والنسائي في سننه الكبرى، وفي عمل اليوم والليلة، والبزار وأبو يعلي وابن جرير .

    وقال محقق الكتاب: وهو حديث صحيح يشهد له ما تقدم، وهو غير حديث أبي ذر المعروف في الصحيحين.

    وحديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة وأنا أقول أخرى، قال: من مات وهو يجعل لله نداً دخل النار، قال: وأقول: ومن مات وهو لا يجعل لله نداً دخل الجنة) ، إشارة إلى التوحيد.

    قال أبو بكر بن خزيمة رحمه الله: قد كنت أمليت أكثر هذا الباب من كتاب الإيمان، وبينت في ذلك الموضع معنى هذه الأخبار، وأن معناها ليس كما يتوهمه المرجئة، فالمرجئة يستدلون بمثل هذه الأحاديث على أن الإيمان يثبت بمجرد الكلمة، وذلك بأن يشهد أن لا إله إلا الله. وكما ذكرنا من قبل ليس هذا هو فقط الإيمان.

    يقول: وبيقين يعلم كل عالم من أهل الإسلام أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد بهذه الأخبار أن من قال: لا إله إلا الله، أو زاد مع شهادة أن محمداً رسول الله، ولم يؤمن بأحد من الأنبياء غير محمد صلى الله عليه وسلم، ولا آمن بشيء من كتاب الله ولا بجنة ولا نار ولا بعث ولا حساب أنه من أهل الجنة لا يعذب بالنار، فهل يقول هذا أحد من علماء الإسلام؟ لا يمكن أن واحداً يأخذ بظاهر هذه الأحاديث، فإذا قال واحد: أشهد أن لا إله إلا لله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله فقط، فهل يكفي هذا في دخول الجنة، وإن كان هذا الشخص الذي أتى بالشهادتين لا يؤمن بكتاب الله، ولا بالجنة ولا بالنار ولا بالبعث ولا بالنشور، ولا بأي شيء من هذه الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، هل هذا يبقى مؤمناً؟ مع أنه أتى بلا إله إلا الله محمداً رسول الله؟! إذاً ليست هي وحدها الإيمان.

    ولئن جاز للمرجئة الاحتجاج بهذه الأخبار، وإن كانت هذه الأخبار ظاهرها خلاف أصلهم، وخلاف كتاب الله، وخلاف سنن النبي صلى الله عليه وسلم، لجاز للجهمية الاحتجاج بأخبار رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا تؤولت على ظاهرها، استحق من يعلم أن الله ربه، وأن محمداً نبيه الجنة، وإن لم ينطق بذلك لسانه، ولا يزال يسمع أهل الجهل والعناد يحتجون بأخبار مختصرة غير متقصاه، ذكرنا أن الجهمية الإيمان عندهم مجرد المعرفة، يعرف بقلبه حتى ولو لم ينطق بها لسانه، كان المرجئة يقولون: الإيمان هو الكلمة فالجهمية يقولون أيضاً: الإيمان يمكن أن يكون مجرد المعرفة بالقلب، فعلى هذا يكون إبليس مؤمناً، ويكون هنا حجة لمن يستدلون ببعض هذه النصوص على أن الشهادة بالقلب، ويطرحون الشهادة أيضاً باللسان.

    يقول: ولا زال يسمع أهل الجهل والعناد يحتجون بأخبار مختصرة غير متقصاة، وبأخبار مجملة غير مفصلة، لا يفهمون أصول العلم، فيستدلون بالمتقصى من الأخبار على مختصرها، وبالمفسر منها على مجملها، قد ثبتت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظة لو حملت على ظاهرها كما حملت المرجئة الأخبار التي ذكرناها في شهادة أن لا إله إلا الله على ظاهرها لكان العالم بقلبه أن لا إله إلا الله مستحقاً للجنة. وهناك نصوص أخرى ممكن يفهم منها: أن من يعلم بقلبه أن لا إله إلا الله يدخل الجنة، وإن لم ينطق بذلك لسانه، ولا أقر بشيء مما أمر الله تعالى بالإقرار به، ولا آمن قلبه بشيء مما أمر الله بالإيمان به غير هذه الشهادة، ولا عمل بجوارحه شيئاً أمر الله به، ولا انزجر عن شيء حرمه الله من سفك دماء المسلمين. هذا فيه رد على المرجئة بكلام الجهمية، فهل من آمن بقلبه فقط، وأتى بالشهادة، ومع هذا لم يصدق بما أمر الله بالتصديق به غير شهادتي التوحيد، ولا فعل أي شيء من عمل الإيمان، ولا انتهى عن شيء مما نهى الله تبارك وتعالى عنه يعد مؤمناً؟ فاسمع الخبر الذي ذكرت أنه غير جائز أن يحمل على ظاهره كما حملت المرجئة الأخبار التي ذكرناها على ظاهرها.

    ثم استدل بحديث عثمان : (من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة)، فإن هذا يفهم في ضوء ما ورد من النصوص في مكونات الإيمان، (من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة)، ماذا يستفاد من هذا الحديث؟ يستفاد فضيلة لا إله إلا الله، إذاً: مثل هذه النصوص تأتي في باب فضائل كلمة لا إله إلا الله، لكن لا يصلح أيضاً أن تقول بظاهرها وحدها دون جمع بينها وبين غيرها من النصوص، فالجهمية يستدلون بها على أنه يكفي أن يعلم بقلبه، فلو علم بقلبه أن لا إله إلا الله وإن لم يعلم أن محمداً رسول الله يدخل الجنة، وهذا غير ممكن، وهل عالم من علماء المسلمين في أي زمان يقول هذا الكلام؟ فممكن أن يعلم بقلبه أن لا إله إلا الله، لكن قد يجحد في قلبه فرضية الزكاة أو الصلاة أو الحج أو ينكر أي شيء معلوم من الدين بالضرورة، ولا يأتي بأي شيء من أفعال الإيمان. ظاهر هذا الحديث أنه يدخل الجنة. وكذا إن كان لا ينزجر عن أي شيء حرمه الله، ظاهره أيضاً أنه لا يدخل النار، فهل يقول بهذا عالم؟ لا يمكن ذلك أبداً.

    وذكر أيضاً حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من علم أن الله ربه، وأني نبيه صادقاً من قلبه، وأومأ بيده إلى جلدة صدره، حرم الله لحمه على النار) .

    واستدل أيضاً بحديث معاذ رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من مات وهو يوقن بقلبه أن الله حق، وأن الساعة قائمة، وأن الله يبعث من في القبور. قال ابن سيرين : إما دخل الجنة. وإما قال: نجا من النار) .

    كيف جاز للجهمي الاحتجاج بهذه الأخبار؟ إن كان المرء يستحق الجنة بتصديق القلب أن لا إله إلا الله، وبأن الله حق، والساعة حق، وأن الساعة قائمة، وأن الله يبعث من في القبور، ويترك الجهمي يعتمد على هذه النصوص ويترك الاستدلال بما سنبينه بعد من معنى هذه الأخبار، فإذا جاز للجهمية أن يفعلوا ذلك، لم نأمن أن يحتج جاهل لم يعرف دين الله ولا أحكام الإسلام بخبر عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من علم أن الصلاة عليه حق واجب دخل الجنة) وهذا الحديث ضعيف، وبفرض صحته، هل يؤخذ من هذا: أن من لم يأت بلا إله إلا الله ولا محمد رسول الله، ولم يأت بأي شيء غير أنه آمن بقلبه أن الصلاة حق واجب عليه، فيجب له الجنة، هل هذا يقول به عالم من علماء المسلمين؟ قطعاً لا، بل لابد أن تنضم أركان الإيمان بعضها إلى بعض، فيصح بناء على هذا الحديث أن يدعي جاهل أن جميع الإيمان هو العلم بأن الصلاة عليه حق واجب حتى بدون أن يصلي؛ لأنه يعلم أن الصلاة حق واجب، لكنه لم يصل، فيدعي أن جميع الإيمان هو العلم بأن الصلاة عليه حق واجب، وإن لم يقر بلسانه بما أمر الله بالإقرار به، ولا صدق بقلبه بشيء مما أمر الله بالتصديق به، ولا أطاع في شيء مما أمر الله، ولا انزجر عن شيء حرمه الله، إذ النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن من علم أن الصلاة عليه حق واجب دخل الجنة، كما أخبر أن: (من شهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة)، ثم ذكر حديث عثمان .

    قال أبو بكر بن خزيمة رحمه الله: فإن جاز الاحتجاج بمثل هذا الخبر المختصر في الإيمان واستحقاق المرء به الجنة، وترك الاستدلال بالأخبار المفسرة المتقصاة التي فصلت حقوق كلمة التوحيد، لم يؤمن أن يحتج جاهل معاند يقول: بل الإيمان يعني: انظر كيف تدرج في إبطال مذهب هؤلاء الذين يستدلون ببعض النصوص، ويتركون البعض الآخر، فبدأ بالمرجئة، قال: إنهم يقولون الإيمان مجرد النطق، وأتى بالنصوص التي يستدلون بها دون أن يجمعوا ما عداها من النصوص التي تفسرها وتستوجب المزيد من الحقوق.

    ثم قال: لو جاز لكم أيها المرجئة أن تستدلوا بهذه الأحاديث، لم نأمن أن يأتي الجهمية فيقولون: المسألة لا تحتاج إلى نطق باللسان، بل مجرد العلم بالقلب بأن لا إله إلا الله يستوجب الجنة، وقد يأتي من يستدل بنص آخر مثل قوله: (من علم أن الصلاة عليه حق واجب دخل الجنة)، إذاً: الإيمان كله أن يعتقد بقلبه أن الصلاة حق واجب.

    ثم يقول: لا نأمن أيضاً إن جاز هذا أن يأتي أحد يقول: لا، ليس من علم أن الصلاة عليه حق واجب، هذا الإيمان هو إقامة صلاة الفجر وصلاة العصر فقط، من صلى العصر والفجر دخل الجنة، فيجدون نصاً أيضاً يؤيدون به هذا الضلال، وأن من صلى الفجر والعصر يستوجب الجنة، ويعاذ من النار، حتى ولو لم يأت بالتصديق ولا بالإقرار بما أمر الله أن يصدق به، ويقر به، ولا يعمل بشيء من الطاعات التي فرض الله على عباده، ولا انزجر عن شيء من المعاصي التي حرمها الله، ويحتج بخبر عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها حرمه الله على النار، فقال رجل من أهل البصرة: وأنا سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) فهذا حديث قد يستدل به قائل يقول: يكفي للنجاة من النار: أن تصلي العصر والفجر.

    والحقيقة هذا المنهج مطرد في أهل البدع، كما سنتناول ذلك ونناقش فكر جماعات التكفير، وأقسامها الانشطارية المعروفة، سوف نجد أن هذا المسلك هو مسلك أهل البدع في كل زمان، يأخذون بطرف من النصوص ويهملون الأطراف الأخرى، فينشأ عن ذلك الانحراف، ولذلك ما زلنا نركز على الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح رضي الله عنهم، فلذلك إذا وقفت مع أحد هؤلاء فركز أولاً قبل أن تناقشه واتفق معه على هذه القاعدة، وقل له: حينما نتنازع إلى أي المناهج نتحاكم؟ الكتاب والسنة، يقولها الصوفية، والشيعة، والخوارج، والمرجئة، بل لا تكادَ تجد فرقة ضالة إلا وتقول: منهجنا الكتاب والسنة، لكن نتيجة أن كل فئة تستقل بفهم الكتاب والسنة بطريقتها الخاصة يحصل هذا الانقسام، لو صدقوا جميعاً للزم من ذلك نسبة المستحيل إلى شرع الله تبارك وتعالى؛ لو أن كل أهل البدع متبعون حقاً لرسول الله عليه الصلاة والسلام، للزم من ذلك أن الرسول أتى ليفرق الناس ولا يجمعهم، لو كانت كل هذه الفرق المتضاربة والمتضادة صادقة في اتباعهم للرسول عليه الصلاة والسلام، وكان اتباعهم اتباعاً مستقيماً لكأن الرسول أتى ليفرق الناس، وإنما أتى هو عليه الصلاة والسلام ليجمعهم، فدل هذا على أنهم ليسوا كلهم على حق، وإنما ما هو العاصم من هذا الاختلاف؟

    أولاً: لا تستدل فقط بالقرآن كما يذهب الضالون من القرآنين، ولو كانوا قرآنين لاتبعوا سنة النبي عليه الصلاة والسلام.

    لذلك فإن المخرج من هذا: أن تكون الكتاب والسنة بفهم السلف، فناقش أولاً هذه القاعدة، فإذا اتفقت معه عليها يسهل جداً أن ترجع إلى فهم السلف في مصادرهم المعروفة، لكن الشيعة يقولون الكتاب والسنة، ثم يأتون بطريقة مغرقة في الضلال في فهم الكتاب، فقوله: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:67] يقولون -والعياذ بالله-: هي عائشة ، لحقدهم على الصحابة رضي الله عنهم، وهكذا.

    أما قوله: ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ [التوبة:40]، نحن نستدل بها على أنها فضيلة وشرف لـأبي بكر رضي الله عنه، وهم لحقدهم على أبي بكر وعدائهم له يستدلون بها على أن أبا بكر جزع ولم يكن ثابتاً، وأنه ما كان يفزع خوفاً على النبي عليه الصلاة والسلام، فهم يأتون بالعكس، وهذا شيء مطرد، ومعروف ضلال الشيعة في تفسير القرآن.

    ثم السنة عندهم ليست بالسنة التي عندنا، هو شعار، لكن ما هي السنة عند الشيعة؟! لا يحتجون بأي شيء من الروايات التي لا تأتي عن طريق أهل البيت، أو أئمة أهل البيت، فلذلك لا يحتجون بـالبخاري ولا بـمسلم ولا الترمذي ولا النسائي ولا ابن ماجة ، كل مصادر السنة التي يقوم عليها ديننا هم ينكرونها، ولا يحتجون إلا بما أتى عن طريق الأئمة المعصومين في زعمهم، وهم يقولون كتاب وسنة.

    الصوفية يقولون: كتاب وسنة، لكن أي كتاب وأي سنة! كيف يفهمون الكتاب والسنة؟!

    فإذاً هذا أصل مهم جداً قبل أي مناقشة، قبل أن تدخل في التفاصيل في الآيات والأحاديث التي وردت في المسألة، قل له: حينما نتنازع إلى من نتحاكم؟ والكتاب والسنة بفهم من؟ هذا هو لب الموضوع، فلابد من الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم من التابعين ممن شهدت لهم الأمة الوسط بالعدالة وبالإمامة.

    فالله تبارك وتعالى قال: (( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ ))، سابقون: هذا معنى كلمة السلف، ( فجعلناهم سلفاً ) أي: المتقدمون والسابقون، فكذلك وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100]، تأمل هذه الآية، حيث امتدح الله تبارك وتعالى ووعد خيراً السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، وعدهم بهذا الخير، ولم يشترط فيهم الإحسان، لم يقل: السابقون الأولون بإحسان؛ لأن الصحابة كلهم محسنون رضي الله عنهم، خير أمة أخرجت للناس على الإطلاق، فلذلك هم أصلاً محسنون، لكن من يأتي بعدهم اشترط فيهم الإحسان.

    فنقول: السلف هم الصحابة ومن تبعهم بإحسان، وهذه طائفة معروفة مشهورة، وعقيدتنا وأسانيدنا إليهم متصلة، يعني: عقيدتنا عقيدة لها جذور ضاربة في أعماق هذا التاريخ ترجع إلى المهاجرين والأنصار الذين تلقوا فهم الدين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فمن أتى بعدهم ومن اتبعهم بإحسان مشهورون ليسوا مغمورين، أئمة أهل السنة والجماعة في كل العصور معروفون ولهم مصنفاتهم، ولهم كتبهم المسندة التي نأخذها تماماً كما أخذنا البخاري ، وكما أخذنا القرآن الكريم بالأسانيد الصحيحة بل المتواترة.

    فعقيدة أهل السنة والجماعة معروفة، وليست بالشيء الخفي؛ فهذا هو الميزان الذي نزن به كلام هذه الفرق.

    يقول الإمام أبو بكر بن خزيمة رحمه الله تعالى: قد أمليت طرق هذا الخبر: (من صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها حرمه الله على النار)، بكتاب مختصر من كتاب الصلاة، مع أخبار النبي صلى الله عليه وسلم: (من صلى الصبح فهو في ذمة الله).

    يقول: وكل عالم يعلم دين الله وأحكامه يعلم أن هاتين الصلاتين لا توجبان الجنة مع ارتكاب جميع المعاصي، ماذا يؤخذ من هذا الحديث؟ مثلاً قوله عليه الصلاة والسلام: (من صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها حرمه الله على النار)، هذا بحصول شروط وبانتفاء موانع، ففي أي باب يوضع هذا الحديث، وفي أي باب يوضع قوله عليه الصلاة والسلام: (من صلى الصبح فهو في ذمة الله) ؟ في باب فضل صلاة الصبح والعصر، والحديث الثاني في فضل صلاة الفجر، يؤخذ منه فضيلة هذا العمل، ويحصل ذلك الثواب بحصول شروط أخرى وانتفاء موانع كما سنبين ذلك بإذن الله.

    يقول: وكل عالم يعلم دين الله وأحكامه يعلم أن هاتين الصلاتين لا توجبان الجنة مع ارتكاب جميع المعاصي، إنما رويت في فضيلة هذه الأعمال أخبار النبي صلى الله عليه وسلم: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة)، فضيلة لهذا القول، لا أن هذا القول كل الإيمان.

    يقول الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله تعالى: قلت: للا إله إلا الله لوازم ومقتضيات، كما قال بعض السلف لما قيل له: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟! قال: بلى، ولكن كل مفتاح له أسنان، فإذا أتيت بمفتاح له أسنان فتح لك، فمفتاح الجنة لا إله إلا الله، لكن الأعمال مثل أسنان المفتاح والحفر الذي يكون في الأسنان، فإذا أتيت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك.

    فلا إله إلا الله لها لوازم ومقتضيات وشروط مقيد دخول الجنة بالتزام قائلها لجميعها، واستكماله كما قدمنا ضبطه ولله الحمد.

    قال الإمام أبو بكر رحمه الله تعالى: ولئن جاز لجاهل أن يقول: إن شهادة أن لا إله إلا الله جميع الإيمان إذ النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن قائلها يستوجب الجنة ويعاذ من النار، لم يؤمن أن يدعي جاهل معاند أيضاً أن جميع الإيمان القتال في سبيل الله فواق ناقة -مقدار حلب الناقة- فيحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قاتل في سبيل الله فواق ناقة دخل الجنة)، معناه: أن من يقاتل في سبيل الله دقائق معدودة يدخل الجنة، هل يؤخذ من هذا أن جميع الإيمان هو أن تقاتل في سبيل الله هذه البرهة القصيرة؟ كلا، هذه فقط في فضيلة القتال في سبيل الله، لكن لا يؤخذ منه أن كل الإيمان المنجي والمستوجب عدم دخول النار هو فقط هذا الفعل، كاحتجاج المرجئة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة).

    ويقول معاند آخر جاهل: إن الإيمان بكماله المشي في سبيل الله حتى تغبر قدما الماشي، ويحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار)، ويأتي الجاهل الآخر ويقول: كل الإيمان أن تغبر قدماك في سبيل الله، وبذا استوجبت كل الإيمان وتدخل الجنة، ويحتج أيضاً ذلك الجاهل بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري رجل المسلم) .

    ويدعي جاهل آخر: أن الإيمان كله عتق رقبة مؤمنة، ويحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منه عضواً من النار) .

    ويدعي جاهل آخر: أن جميع الإيمان البكاء من خشية الله تبارك وتعالى، ويحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل النار من بكى من خشية الله تعالى) .

    ويدعي جاهل آخر: أن جميع الإيمان صوم يوم في سبيل الله، ويحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً) .

    ويدعي جاهل آخر: أن جميع الإيمان قتل كافر، ويحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبداً) ، يحمل الحديث على فضيلة قتل الكافر، لكن: هل أي كافر يقتل؟ هل النصراني أو اليهودي الذمي المستأمن في بلاد المسلمين بذمة وعهد يستوجب ذلك؟ كلا، لكن يفهم: (لا يجتمع كافر وقاتله)، المسلم الثابت على الإسلام، والكافر في أثناء الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى، كما قال القاضي : يحتمل أن يختص هذا الحديث بمن قتل كافراً في الجهاد، فيكون ذلك مكفراً بذنوبه حتى لا يعاقب عليها، وأن يكون عقابه بغير النار، أو يعاقب في غير محل عقاب الكفار، ولا يجتمعان في إدراكها.

    ثم قال الإمام أبو بكر بن خزيمة رحمه الله: وهذا الجنس من فضائل الأعمال يطول بتقصيه الكتاب.

    يعني: لو أخذنا كتاب الترغيب والترهيب، ففيه آلاف الأحاديث في فضائل الأعمال في الصالحات، ابتداءً من قول: لا إله إلا الله، وانتهاءً بإماطة الأذى عن الطريق، وسوف تجد أحاديث في فضل أعمال كثيرة، فهل يصلح أن يقال: الإيمان فقط هو واحدة من هذه الشعب؟ كلا، بل لابد من الإتيان باللوازم والشروط.

    يقول: وهذا الجنس من فضائل الأعمال يطول بتقصيه الكتاب، وفي قدر ما ذكرنا غنية وكفاية لما له قصدنا، أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخبر بفضائل هذه الأعمال التي ذكرنا، وما هو مثلها، لا أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن كل عمل ذكره أعلم أن عامله يستوجب بفعله الجنة، أو يعاذ من النار؛ أنه جميع الإيمان، وكذاك إنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، أو حرم على النار) المقصود: فضيلة هذا القول، لا أن جميع الإيمان كما ادعى من لا يفهم العلم ويعاند، فلا يتعلم هذه الصناعة من أهلها. يعني: أهل العلم الراسخين، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبداً)، يقول: هذه لفظة مختصرة، ثم أتى بالرواية الأخرى عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يجتمعان في النار اجتماعاً)، يعني: أحدهما مسلم قتل كافراً، ثم سدد المسلم وقارب.

    قال أبو بكر : فلذاك نقول في فضائل الأعمال التي ذكرنا: من عمل من المسلمين بعض تلك الأعمال ثم سدد وقارب، سدد يعني: أتى بالأعمال على وجهها مائة بالمائة، وقارب: هذا فيما عجز عن الإتيان به على الوجه الأكمل، فيقترب من السداد بقدر الاستطاعة، كما قال عليه الصلاة والسلام: (سددوا وقاربوا)، وهي مأخوذة من تسديد السهم في الرماية، فالتسديد أن تصيب القلب، والمقاربة أن تقترب منها بقدر استطاعتك، فهذا المعنى إذا عجز عن الإتيان بالتكليف الشرعي على الوجه الأكمل وهو السداد فلينتقل إلى المقاربة، ولا يترك العمل بالكلية، فالمسلم إذا سدد وقارب ومات على إيمانه دخل الجنة، فمن جاهد في سبيل الله وقتل كافراً ثم سدد وقارب أي: ثبت على الأعمال الصالحة والإيمان حتى مات على الإسلام دخل الجنة ولم يدخل النار، المقصود لم يدخل النار إن مات وهو يستحق دخول النار، هل يتعارض هذا مع هذا الحديث: (لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبداً)، (في النار) يعني: لا يجتمعان في منزلة واحدة من النار وهي المختصة بالكافرين، لكن إذا قضي له دخول النار فهو يدخل الطبقة التي هي خاصة بعصاة الموحدين.

    يقول: من عمل من المسلمين بعض تلك الأعمال ثم سدد وقارب ومات على إيمانه دخل الجنة ولم يدخل النار موضع الكفر منها، لذلك لا يجتمع قاتل الكافر إذا مات على إيمانه مع الكافر المقتول في موضع واحد من النار، لا أنه لا يدخل النار ولا موضع منها، وإن ارتكب جميع الكبائر. هل يصح الاستدلال بهذا الحديث: (لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبداً)، على أنه لا يجتمع حتى لو مات مصراً على بعض المعاصي أو الكبائر، نعم يمكن أن يدخل النار لكن لا يجتمع في نفس المنزلة إن مات ذلك على التوحيد وإن أتى بهذه المعاصي.

    حتى ولو ارتكب جميع الكبائر خلا الشرك بالله عز وجل، إذا لم يشأ الله تعالى أن يغفر له ما دون الشرك، فقد أخبر الله عز وجل أن للنار سبعة أبواب، فقال لإبليس: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر:42]، إلى قوله: لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [الحجر:44]، فأعلمنا ربنا عز وجل أنه قسم تابعي إبليس من الغاوين سبعة أجزاء، على عدد أبواب النار، فجعل لكل باب منهم جزءاً معلوماً، واستثنى عباده المخلصين من هذا القسم، فكل مرتكب معصية زجر الله عنها فقد أغواه إبليس (( إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ))، هل مرتكب الكبيرة من الغاوين أم ليس من الغاوين؟ هو ممن أغواهم إبليس، والله عز وجل قد يشاء غفرن كل معصية يرتكبها المسلم دون الشرك وإن لم يتب منها، والدليل على ذلك مثلاً قوله تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، وانظر إلى قوله: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [النساء:17]، ثم قال عز وجل بعد ذلك: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ -الغرغرة- قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [النساء:18]، فهذه الآية تدل على أيضاً على أن من مات مصراً على بعض المعاصي ولم يتب منها لا يخلد في النار، وأن بعضهم يتوب عند الموت فلا تقبل توبته، فهذا هو المصر، وهو ليس بكافر بدليل أن الله فصله عن الكافر.

    قال: لا يتوب الله على هذا وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [النساء:18]، فالذين يموتون وهم كفار قسم آخر، فدل على أن القسم الأول ليسوا من الكفار، ولكنهم في المشيئة، بدليل قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، فما دون الشرك من المعاصي داخل صاحبه في المشيئة، ودخوله في المشيئة دل على أنه موحد؛ لأنه لا يدخل تحت المشيئة إلا الموحد.

    فلذلك يقول تبارك وتعالى: (( وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ))، وأعلمنا خالقنا عز وجل أن آدم الذي خلقه الله بيده وأسكنه جنته، وأمر ملائكته بالسجود له عصاه فغوى، وأنه عز وجل برأفته ورحمته اجتباه بعد ذلك فتاب عليه وهدى، ولم يحرمه الله بارتكاب هذا الحوب بعد ارتكابه إياه، فمن لم يغفر الله له حوبته التي ارتكبها، وأوقع عليه اسم غاو فهو داخل في جزء وباب من أبواب النار السبعة.

    وفي ذكره آدم في قوله عز وجل: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه:121]، ما يبين ويوضح أن اسم الغاوي قد يقع على مرتكب خطيئة قد زجر الله عن إتيانها وإن لم تكن تلك الخطيئة كفراً ولا شركاً ولا ما يقاربهما ويجزاهما، ومحال أن يكون الموحد لله عز وجل قلبه ولسانه المطيع لخالقه في أكثر ما فرض الله عليه، وندبه إليه من أعمال البر غير المفروض عليه، والمنتهي عن أكثر المعاصي، وإن ارتكب بعض المعاصي والحوبات في قسم من كفر بالله. لا يمكن أن يستوي فاعل كل هذه الأشياء، ومن أتى بأمور وأركان الإيمان وصلى وصام وحج وفعل كل شيء لكن ارتكب بعض المعاصي هل يستوي هذا في الغواية والضلال أو الانحراف مع من استكبر عن أن يقول لا إله إلا الله؟ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ [الصافات:35]، فهل يستوي هذا المؤمن بفعل بعض هذه المعاصي مع من لم يوحد الله تبارك وتعالى أصلاً، أو من كفر بالله، أو دعا معه آلهة أخرى، أو قال: إن الله له صاحبة أو ولد؛ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فهل يستوي هذا العاصي الموحد مع من لم يؤمن بشيء مما أمر الله تعالى بالإيمان به، ولا أطاع الله في شيء مما أمر به، ولا انزجر عن شيء مما حرمه الله تعالى عليه؟ فمحال أن يجتمع هذان في درجة واحدة في النار، فهذا معنى قوله: (لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبداً)، يعني: في منزلة واحدة من النار، ليس معنى ذلك أن كل الإيمان أنك تقتل كافراً في الجهاد، فتضمن الجنة بذلك، حتى ولو أتيت بجميع المعاصي، حتى ولو ضيعت جميع الفرائض، حتى لو لم تصدق ولم تؤمن بما أوجب الله عليك من الإيمان به، لكن هذا يؤخذ منه فضيلة الجهاد في سبيل الله وقتل الكافر في سبيل الله، لكن لا يؤخذ منه أن هذا كل الإيمان، وأنه بهذا يضمن ألا يدخل النار، نعم إذا استوجب دخول النار فهو لا يجتمع فعلاً كما جاء في الحديث مع الكافر في درجة واحدة من النار، أو في دركة واحدة من النار الخاصة بالكافرين، بل يعني أن درجات الجنة تذهب علواً، ودركات النار تذهب سفلاً، فكلما كانت الدركة أسفل، كلما كان الكفر أكثر، أو كلما كان الكفر أشد كلما كان العذاب أشد، يقول تبارك وتعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:145].

    فإذاً عصاة الموحدين يدخلون النار لكن ليس في نفس المكان الذي يدخله الكافرون والمشركون.

    يقول الإمام أبو بكر بن خزيمة رحمه الله تعالى: محال أن يجتمع هذان في درجة واحدة من النار، والعقل مركب على أن يعلم أن كل من كان أعظم خطيئة وأكثر ذنوباً لم يتجاوز الله عن ذنوبه، كان أشد عذاباً في النار، كما يعلم كل عاقل أن كل من كان أكثر طاعة لله عز وجل، وتقرب إليه بفعل الخيرات، واجتناب السيئات، كان أرفع درجة في الجنان، وأعظم ثواباً وأجزل نعمة، فكيف يجوز أن يتوهم عاقل مسلم أن أهل التوحيد يجتمعون في النار في الدرجة مع من كان يفتري على الله عز وجل فيدعو له شريكاً أو شركاء، فيدعو له صاحبة وولداً ويكفر به، ويشرك ويكفر بكل ما أمر الله بالإيمان به، ويكذب جميع الرسل ويترك جميع الفرائض، ويرتكب جميع المعاصي، فيعبد النيران، ويسجد للأصنام والصلبان؟ فمن لم يفهم هذا الباب لم يجد بداً من تكذيب الأخبار الثابتة التي ذكرتها عن النبي صلى الله عليه وسلم في إخراج أهل التوحيد من النار.

    يعني: من لم يفهم هذه القاعدة أو هذا الباب الذي ذكره ابن خزيمة فلابد أن يقع في تكذيب الأخبار الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إخراج أهل التوحيد من النار، إذ محال أن يقال أخرجوا من النار من ليس فيها، وأكثر استحالة من هذا أن يقال: يخرج من النار من ليس فيها، وفي إبطال أخبار النبي صلى الله عليه وسلم اضمحلال الدين وإبطال الإسلام، والله عز وجل لم يجمع بين جميع الكفار في موضع واحد من النار، حتى الكفار أنفسهم في دركات متفاوتة، حسب شدة الكفر، فالله عز وجل لم يجمع بين جميع الكفار في موضع واحد من النار، ولا سوى بين عذاب جميعهم، قال الله عز وجل: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:145]، وقال: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]، إذاً: في عذاب وفي أشد العذاب، فالعذاب نفسه درجات متفاوتة.

    ثم لم انتهى الإمام ابن خزيمة من الكلام على ما احتج به المرجئة على باطلهم، وكفر به الخوارج وردوه بباطل آخر، شرع رحمه الله في بيان ما تشبث به الخوارج، واحتجوا به على باطلهم، وما كفر به المرجئة وردوه بباطل آخر، فذكر باباً آخر من النصوص فيها تحريم الجنة على بعض الناس بسبب بعض المعاصي، يعني ما مضى من النصوص يستدل به المرجئة على أن الإيمان هو مجرد القول مثلاً، أو ما ذكرناه بالتفصيل من كلام الجهمية وغيرهم، فبين هنا أن كل ما مضى هي عبارة عن إثبات فضائل بعض الأعمال الصالحة، لا أن كل الإيمان المنجي هو الإتيان بواحد من هذه الأعمال الصالحة، ثم بدأ يناقش الأدلة التي يستدل بها الطرف الآخر من المتطرفين، فهؤلاء هم المتطرفون، المتطرف كما قيل:

    كلا طرفي قصد الأمور ذميم.

    فهناك وسط وهناك طرفان، فالذي يذهب إلى أقصى الشرق أو أقصى الغرب هذا متطرف، أما الوسط فهو المعتدل المتزن، وهم أهل السنة والجماعة.

    فشرع الإمام ابن خزيمة يأتي بالنصوص الأخرى مثل قوله عليه الصلاة والسلام: (من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام) ، قول النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يدخل الجنة قتات)، يعني: نمام، (لا يدخل الجنة نمام ولا عاق ولا مدمن خمر) وشرع يبين له المقصود من هذه النصوص بتفصيل فجعله مستقلاً، بحيث نستوعب كلام الطرف الآخر الذي يستدل ببعض النصوص على أن المعاصي من يفعلها يكفر ويستحق الخلود في النار ولا يخرج منها، وهم يسيئون فهم هذه النصوص، والجواب عنها بالجمع بينها وبين النصوص الأخرى، التي استدل بها الفريق الأول وغيرها كما سنبين إن شاء الله تعالى.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمد، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

    رد شبهات أهل الضلال بحجج عقلية ونقلية

    قال الإمام أبو بكر رحمه الله تعالى: ولئن جاز لجاهل أن يقول: إن شهادة أن لا إله إلا الله جميع الإيمان إذ النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن قائلها يستوجب الجنة ويعاذ من النار، لم يؤمن أن يدعي جاهل معاند أيضاً أن جميع الإيمان القتال في سبيل الله فواق ناقة -أي: مقدار حلب الناقة- فيحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قاتل في سبيل الله فواق ناقة دخل الجنة)، معناه: أن من يقاتل في سبيل الله دقائق معدودة يدخل الجنة، فهل يؤخذ من هذا أن جميع الإيمان هو أن تقاتل في سبيل الله هذه البرهة القصيرة؟ كلا، هذه فقط في فضيلة القتال في سبيل الله، لكن لا يؤخذ منه أن كل الإيمان المنجي والمستوجب عدم دخول النار هو فقط هذا الفعل، كاحتجاج المرجئة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة). ويقول معاند آخر جاهل: إن الإيمان بكماله المشي في سبيل الله حتى تغبر قدما الماشي، ويحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار)، ويحتج أيضاً ذلك الجاهل بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري رجل المسلم) . ويدعي جاهل آخر: أن الإيمان كله عتق رقبة مؤمنة، ويحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه النار) . ويدعي جاهل آخر: أن جميع الإيمان البكاء من خشية الله تبارك وتعالى، ويحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل النار من بكى من خشية الله تعالى) . ويدعي جاهل آخر: أن جميع الإيمان صوم يوم في سبيل الله، ويحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً) . ويدعي جاهل آخر: أن جميع الإيمان قتل كافر، ويحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبداً) ، يحمل الحديث على فضيلة قتل الكافر، لكن: هل أي كافر يقتل؟ هل النصراني أو اليهودي الذمي المستأمن في بلاد المسلمين بذمة وعهد يستوجب ذلك؟ كلا، قال القاضي : يحتمل أن يختص هذا الحديث بمن قتل كافراً في الجهاد، فيكون ذلك مكفراً لذنوبه حتى لا يعاقب عليها، وأن يكون عقابه بغير النار، أو يعاقب في غير محل عقاب الكفار، ولا يجتمعان في أدراكها. ثم قال الإمام أبو بكر بن خزيمة رحمه الله: وهذا الجنس من فضائل الأعمال يطول بتقصيه الكتاب. يعني: لو أخذنا كتاب الترغيب والترهيب، ففيه آلاف الأحاديث في فضائل الأعمال في الصالحات، ابتداءً من قول: لا إله إلا الله، وانتهاءً بإماطة الأذى عن الطريق، وسوف تجد أحاديث في فضل أعمال كثيرة، فهل يصلح أن يقال: الإيمان فقط هو واحدة من هذه الشعب؟ كلا، بل لابد من الإتيان باللوازم والشروط. يقول: وهذا الجنس من فضائل الأعمال يطول بتقصيه الكتاب، وفي قدر ما ذكرنا غُنية وكفاية لما له قصدنا، أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخبر بفضائل هذه الأعمال التي ذكرنا، وما هو مثلها، لا أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن كل عمل ذكره أعلم أن عامله يستوجب بفعله الجنة أو يعاذ من النار؛ أنه جميع الإيمان، وكذاك إنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، أو حرم على النار). المقصود: فضيلة هذا القول، لا أنه جميع الإيمان كما ادعى من لا يفهم العلم ويعاند، فلا يتعلم هذه الصناعة من أهلها، وهم: أهل العلم الراسخين، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبداً)، يقول: هذه لفظة مختصرة، ثم أتى بالرواية الأخرى عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يجتمعان في النار اجتماعاً)، يعني: أحدهما مسلم قتل كافراً، ثم سدد المسلم وقارب. قال أبو بكر : فلذاك نقول في فضائل الأعمال التي ذكرنا: من عمل من المسلمين بعض تلك الأعمال ثم سدد وقارب.. سدد: أتى بالأعمال على وجهها مائة بالمائة، وقارب: هذا يكون فيما عجز عن الإتيان به على الوجه الأكمل، فيقترب من السداد بقدر الاستطاعة، كما قال عليه الصلاة والسلام: (سددوا وقاربوا)، وهي مأخوذة من تسديد السهم في الرماية، فالتسديد: أن تصيب القلب والمركز، والمقاربة: أن تقترب من الهدف بقدر استطاعتك. فالمعنى: إذا عجز عن الإتيان بالتكليف الشرعي على الوجه الأكمل وهو السداد فلينتقل إلى المقاربة، ولا يترك العمل بالكلية. فالمسلم إذا سدد وقارب ومات على إيمانه دخل الجنة، فمن جاهد في سبيل الله وقَتَل كافراً ثم سدد وقارب -أي: ثبت على الأعمال الصالحة والإيمان- حتى مات على الإسلام دخل الجنة ولم يدخل النار، المقصود لم يدخل النار إن مات وهو لا يستحق دخول النار، فهل يتعارض هذا مع هذا الحديث: (لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبداً)؟ الجواب: لا، فالمراد لا يجتمعان في منزلة واحدة من النار، وهي المختصة بالكافرين، لكن إذا قضي له دخول النار فهو يدخل الطبقة التي هي خاصة بعصاة الموحدين. يقول: من عمل من المسلمين بعض تلك الأعمال ثم سدد وقارب ومات على إيمانه دخل الجنة ولم يدخل النار موضع الكفر منها، لذلك لا يجتمع قاتل الكافر إذا مات على إيمانه مع الكافر المقتول في موضع واحد من النار، لا أنه لا يدخل النار ولا موضعاً منها، وإن ارتكب جميع الكبائر. هل يصح الاستدلال بهذا الحديث: (لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبداً)، على أنه لا يجتمع حتى لو مات مصراً على بعض المعاصي أو الكبائر، نعم؛ يمكن أن يدخل النار، لكن لا يجتمع في نفس المنزلة إن مات ذلك على التوحيد وإن أتى بهذه المعاصي، حتى ولو ارتكب جميع الكبائر خلا الشرك بالله عز وجل، إذا لم يشأ الله تعالى أن يغفر له ما دون الشرك، فقد أخبر الله عز وجل أن للنار سبعة أبواب، فقال لإبليس: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر:42]، إلى قوله: لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [الحجر:44]. فأعلَمَنا ربنا عز وجل أنه قسم تابعي إبليس من الغاوين سبعة أجزاء، على عدد أبواب النار، فجعل لكل باب منهم جزءاً معلوماً، واستثنى عباده المخلصين من هذا القسم، فكل مرتكب معصية زجر الله عنها فقد أغواه إبليس (( إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ))، هل مرتكب الكبيرة من الغاوين أم ليس من الغاوين؟ الجواب: هو ممن أغواهم إبليس، والله عز وجل قد يشاء غفرن كل معصية يرتكبها المسلم دون الشرك وإن لم يتب منها، والدليل على ذلك مثلاً قوله تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، وانظر إلى قوله: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [النساء:17]، ثم قال عز وجل بعد ذلك: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ -الغرغرة- قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [النساء:18]، فهذه الآية تدل على أيضاً على أن من مات مصراً على بعض المعاصي ولم يتب منها فإنه لا يخلد في النار، وأن بعضهم يتوب عند الموت فلا تقبل توبته، فهذا هو المصر، وهو ليس بكافر بدليل أن الله فصله عن الكافر. قال: لا يتوب الله على هذا وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [النساء:18]، والذين يموتون وهم كفار قسم آخر، فدل هذا على أن القسم الأول ليسوا من الكفار، ولكنهم في المشيئة، بدليل قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، فما دون الشرك من المعاصي فصاحبه داخل في المشيئة، ودخوله في المشيئة دل على أنه موحد؛ لأنه لا يدخل تحت المشيئة إلا الموحد. فلذلك يقول تبارك وتعالى: (( وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ))، وأعلمنا خالقنا عز وجل أن آدم الذي خلقه الله بيده، وأسكنه جنته، وأمر ملائكته بالسجود له عصاه فغوى، وأنه عز وجل برأفته ورحمته اجتباه بعد ذلك فتاب عليه وهدى، ولم يحرمه الله بارتكاب هذا الحوب بعد ارتكابه إياه، فمن لم يغفر الله له حوبته التي ارتكبها، وأوقع عليه اسم غاو فهو داخل في باب من أبواب النار السبعة. وفي ذكره آدم في قوله عز وجل: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه:121]، ما يبين ويوضح أن اسم الغاوي قد يقع على مرتكب خطيئة قد زجر الله عن إتيانها وإن لم تكن تلك الخطيئة كفراً ولا شركاً ولا ما يقاربهما ويجزاهما، ومحال أن يكون من وحد الله عز وجل قلبه ولسانه المطيع لخالقه في أكثر ما فرض الله عليه وندبه إليه من أعمال البر غير المفروض عليه، وانتهى عن أكثر المعاصي، وأتى بأمور وأركان الإيمان، وصلى وصام وحج وفعل كل طاعة يقدر عليها، لكن ارتكب بعض المعاصي هل يستوي هذا في الغواية والضلال أو الانحراف مع من استكبر عن أن يقول لا إله إلا الله؟ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ [الصافات:35]، فهل يستوي هذا المؤمن بفعل بعض هذه المعاصي مع من لم يوحد الله تبارك وتعالى أصلاً، أو من كفر بالله، أو دعا معه آلهة أخرى، أو قال: إن الله له صاحبة أو ولد؟! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فهل يستوي هذا العاصي الموحد مع من لم يؤمن بشي