إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. علي بن عمر بادحدح
  4. غزوة أحد درس التضحية والثبات

غزوة أحد درس التضحية والثباتللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ما زالت أمة الإسلام مذ وجدت الأمة الولود التي تضحي بأبنائها في مواقف الشدة، لتعلن بذلك مواقف الثبات على الدين، وتعلي راية المسلمين، وتقول للعالمين: نحن على درب الأنبياء لن نهين أو نستكين، والأمثلة على ذلك كثيرة، ويشهد بذلك التاريخ من بداية دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك ما وقع في غزوة أحد، حيث أبدى المسلمون أمثلة من التضحيات وكتبوا في صفحات التاريخ دروساً لا تنسى.

    1.   

    وقفة مع تضحية أهل الباطل وثباتهم على باطلهم

    الحمد لله، الحمد لله العزيز الغفار، المنتقم الجبار، مكور الليل على النهار، ومكور النهار على الليل؛ أحمده سبحانه وتعالى حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، نحمده جل وعلا كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً ننال به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً، نحمده جل وعلا على كل حال وفي كل آن، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله؛ اختاره الله جل وعلا ليكون خاتم الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأشهد أنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ما من خير إلا وأرشدنا إليه وكان أسبقنا إليه، وما من شر إلا وحذرنا منه وكان أبعدنا عنه، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    دروس السيرة معين لا ينضب

    أيها الإخوة المؤمنون! حنين كثير وشوق كبير يشدنا دائماً إلى السيرة النبوية العطرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، لنجلس في أفياء أحداثها مجلس التلاميذ الذين يتلقون العلوم والدروس النافعة المفيدة في أمور العقيدة والإيمان، والعبادة والأحكام، والسيادة والقيادة، والحرب والجهاد، والسلم وإدارة شئون الحياة؛ إنها مدرسة كاملة لإعمار هذه الدنيا على منهج الله عز وجل، وللسعي إلى رضوان الله سبحانه وتعالى في الآخرة.

    وإن الوقفة التي نحب أن نقفها اليوم تتصل بأحداث غزوة أحد التي كانت في شهر شوال من العام الثالث للهجرة، وقد كانت لنا وقفات كثيرة سابقة، وفي كل مرة نأخذ ومضة من ومضاتها، ونقف مع درس من دروسها؛ لأنها معين لا ينضب من هذه الدروس والعبر والفوائد والمنافع، وإن درس اليوم الذي نقف عنده هو: درس التضحية والثبات؛ فإن سنة الله جل وعلا قد مضت أن هذا الدين لا يتحقق في واقع الحياة، ولا يثبت على هذه الأرض، ولا تعلو رايته خفاقة فوق البقاع، ولا يتحقق منهجه بين الناس إلا بجهد من أبناء هذا الدين يسبقه ويرافقه ويعقبه توفيق من الله عز وجل.

    إن هذا الدين لابد له من علم ينشر، ودعوة تبذل، وأموال تنفق، ومهج وأرواح تزهق في سبيل الله عز وجل، إنه ليس أمراً هيناً؛ إنها الرسالة العظيمة الخالدة، إنها الأمانة الكبيرة الماجدة: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72]، ويخاطب الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم فيقول: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5]، إنها أمانة هذا الدين والرسالة الخاتمة من رب العالمين، الدين الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى للناس أجمعين، حتى يرث الله الأرض ومن عليها يوم يقوم الناس لرب العالمين.

    هذه الرسالة العظيمة، وهذا الدرس الكريم نقف مع ومضات منه لنرى صورته في غزوة أحد، ولست معنياً بالوقوف مع الأحداث وترتيبها، وإنما نأخذ هذا الدرس الواضح الجلي في هذه المعركة العظيمة من معارك الإسلام الخالدة التي قادها محمد صلى الله عليه وسلم برفقة الصحب الكرام الغر الميامين الأبطال الشجعان رضوان الله عليهم أجمعين.

    وقبل أن نأخذ هذا الدرس من الصحابة رضوان الله عليهم نقف وقفة مع الجانب المناوئ للمسلمين، نقف وقفة لنرى صوراً من تضحية أهل الباطل، ونماذج من ثباتهم على باطلهم لا لشيء إلا تشبثاً بحمية الجاهلية، وإعزازاً لمذاهب الكفر، وإرغاماً للإسلام وأهله، فإن الكفر أيضاً لا ينتشر إلا ووراءه جهود تبذل، وأموال تنفق، وجهود وأعمال كبيرة، أفيكون أهل الباطل أحرص على باطلهم، وأغير على كفرهم، وأبذل له من أهل الحق والإيمان؟ لم يكن ذلك أبداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.. بل كان أهل الإيمان هم السابقون في تضحياتهم، الشامخون في ثباتهم رضوان الله عليهم أجمعين.

    لما انتهت غزوة بدر كانت جراح مشركي مكة عظيمة غائرة، ونكبتهم وخسارتهم فادحة، وعظمتهم قد مرغت في التراب، ونفوسهم تشتعل نيراناً للأخذ بثأر كفارهم وقتلاهم من النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، ولم يكن الأمر مقتصراً على بدر؛ فقد كانت بين بدر وأحد وما بينهما من السرايا ما أظهر الله عز وجل به كلمة الإسلام، وكان آخرها: سرية زيد بن حارثة ، التي عرض فيها لقافلة من قوافل قريش التجارية، ورغم أنهم تجنبوا طريق المدينة إلا أن سرية زيد بن حارثة أدركتهم وسبت كل مالهم وتجارتهم وفروا هاربين، فما كانت صورة استعدادات أهل الكفر؟ وما هي تطبيقاتهم العملية في ميدان المعركة؟

    بذل أهل الباطل لأموالهم

    لما نجت قافلة قريش الأولى في بدر ولقي المشركون الهزيمة، قال زعماؤهم وكبراؤهم: يا معشر قريش! إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم؛ فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا أن ندرك منه ثأراً.

    هذه القافلة التجارية التي كانت سبب غزوة بدر نريد أن تنفق لتجهيز الجيوش، وقيام الحملات الإعلامية، وتكتيل الصفوف لحرب محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام.. تجارة موسمية كاملة، وخاطب قريش كبار تجارهم: إن هذه الأموال نريد أن تحول لتكون وقوداً للتعبئة العسكرية علنا أن ندرك من محمد صلى الله عليه وسلم ثأراً، فأجابوا إلى ذلك؛ فباعوها كلها وأنفقوها في حرب الإسلام والمسلمين، وكانت تلك القافلة كما ذكر أصحاب السير: ألف بعير كاملة، وخمسين ألف دينار؛ أنفقت كلها لحرب الإسلام والمسلمين، ونزل في ذلك كما ذكر بعض أهل السير والتفسير قول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ [الأنفال:36].

    المهم أنهم ينفقون ويبذلون ونراهم اليوم يجددون تلك السيرة، ونراهم اليوم وهم يتنادون من كل مكان، لسان حالهم كما أخبر الله عز وجل في كتابه المحكم الكريم في شأن الكافرين وندائهم لبعضهم البعض: أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ [ص:6]، ولذلك تنادوا فأنفقوا الأموال لتجهيز الجيوش وحرب الإسلام والمسلمين، وهم اليوم يتنادون لذلك، وتصب الأموال بالملايين لتكون حرباً وقنابل وقذائف تصب على رءوس المستضعفين من إخواننا في البوسنة أو الشيشان أو فلسطين أو الهند أو في أي مكان من بلاد الإسلام والمسلمين.

    تضحية أهل الباطل بأرواحهم

    لننظر إلى صورة أخرى لنرى كيف يكون الباطل مدافعاً عن حقه وهو على باطل؛ حتى ندرك أن أهل الحق هم أولى بذلك.

    قبل أن تبدأ المعركة كان من المتعارف عليه أن الراية دائماً في بني عبد الدار من قريش، وكان النضر بن الحارث هو حامل رايتهم في يوم بدر، وقد وقع أسيراً في أيدي المسلمين، ووقوعه في الأسر دليل على الخزي والذلة والجبن والخور، فلما جاءت معركة أحد جاء أبو سفيان القائد العام لجيوش كفار مكة يخاطب بني عبد الدار حتى يثير حميتهم، ويحضهم على التضحية والثبات، فيقول لهم ويناديهم: يا بني عبد الدار! قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم إن زالت زالوا، فإما أن تكفونا لواءنا وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه.

    وما كانت العرب أبداً لترضى بالذل والصغار، فصاح بنو عبد الدار: أنسلم لك الراية؟ لترين غداً كيف نصنع؟ وقد ثبتوا ثباتاً يعجب المرء منه، ويأخذ منه في الوقت نفسه درساً وعبرة.

    كان حامل رايتهم طلحة بن أبي طلحة العبدري سيد بني عبد الدار، فلما بدأت معركة أحد خرج مختالاً يطلب المبارزة، وكان فارساً من أشجع الشجعان الأبطال عند العرب، فهاب الناس لقاءه، ثم تقدم له الزبير بن العوام رضي الله عنه وأرضاه، فلم يلبث أن وثب الزبير وثبة عظيمة حتى كان معه على جمله، ثم صرعه من جمله فألقاه في الأرض، ثم ذبحه رضي الله عنه وأرضاه، فماذا صنع بنو عبد الدار بالراية التي أعطيت لهم؟ تقدم لها أخوه أبو شيبة عثمان بن أبي طلحة ورفع الراية مرة أخرى، وصار ينادي:

    إن على أهل اللواء حقاً أن تخضب الصعدة أو تندقا

    وظل يقاتل حتى جاءه حمزة رضي الله عنه وأرضاه، أسد رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربه بسيفه البتار ضربة على كتفه خلع بها يده، حتى بلغ سيفه إلى رئته فقتله، ثم جاء بعد ذلك أخوه أبو سعد بن أبي طلحة العبدري ورفع اللواء مرة أخرى وهو ينادي ويشمخ بلسان بني عبد الدار مرة ثالثة، ثم جاءه بعد ذلك سعد بن أبي وقاص فرماه بسهم فأصاب حنجرته، فاندلقت لسانه فمات من حينه، ثم حمل اللواء بعد ذلك مسافع بن طلحة ابن أبي طلحة ثم جاءه سهم من عاصم بن ثابت رضي الله عنه فقتله، ثم حمل الراية أخوه كلاب بن طلحة بن أبي طلحة ثم قتل، ثم جاء أخوه الثالث وهو الجلاس بن طلحة ثم قتل، ستة نفر من بيت واحد ثلاثة إخوة وثلاثة أبناء لواحد من هؤلاء الإخوة، ثم تنادى بنو عبد الدار فحمل الراية منهم أرطأة بن شرحبيل ، فجاءه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقتله، فحمل الراية شريح بن قارض منهم أيضاً فقتل، ثم جاء أبو زيد عمرو بن عبد مناف العبدري فقتل، ثم جاء ولد لـشريح بن هاشم فقتل حتى فني في هذه الراية من بني عبد الدار عشرة منهم متواليين من كبارهم وزعمائهم وأشرافهم، فحمل الراية بعد ذلك غلام حبشي لبني عبد الدار يقال له: صواب ، وأبلى في حمل الراية أكثر مما أبلى أسياده من بني عبد الدار أنفسهم، حتى قطعت يداه فبرك على الراية بصدره وعضديه، حتى قطعت عنقه وهو يقول: اللهم آعززت؟ أي: هل قمت بحقها؟

    فانظر رحمك الله كيف كان أهل الباطل يتوقدون غيرة وحمية وجاهلية.. يثبتون ويضحون لأجل باطلهم وجاهليتهم الزائفة وأمجادهم الباطلة، وأهل الإسلام يريدون أن ينالوا الشرف اليوم دون أن يضحوا، أو أن يبذلوا، أو يثبتوا، ويريدونها هينة سهلة وهم ينامون ملء عيونهم، ويأكلون ملء بطونهم، ويضحكون ملء أشداقهم ما كان ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم!

    1.   

    صور من ثبات وتضحية أهل الإيمان

    سنرى صور التضحية والثبات في سيرة الأصحاب رضوان الله عليهم، وها نحن نقف هذه الوقفات الأعظم والأجل والأجلى في أخذ الدرس والعبرة من صحب النبي صلى الله عليه وسلم.

    أبو دجانة وعصابة الموت

    هذا أبو دجانة نادى النبي صلى الله عليه وسلم في يوم أحد ورفع سيفه: (من يأخذ هذا السيف بحقه؟)، فتنادى له الصحابة رضوان الله عليهم وتسابقوا إليه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (من يأخذ هذا السيف بحقه؟ قالوا: وما حقه يا رسول الله! قال: أن يقاتل مقبلاً غير مدبر)، فتراجع بعضهم لا جبناً وإنما خوفاً أن يقصروا بالوفاء، فتقدم له أبو دجانة وقال: أنا يا رسول الله! وورد في بعض روايات السيرة أن الزبير تقدم له فمنعه منه النبي وأعطاه لـسماك بن خرشة أبو دجانة رضي الله عنه، فلما أخذه عصب على رأسه عصابة حمراء فقالت الأنصار: عصب أبو دجانة عصابة الموت، وظل يمشي مشية مختالة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن هذه مشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن)؛ لأنه موطن إعزاز للإسلام والمسلمين، فماذا صنع أبو دجانة رضي الله عنه؟ عندما أخذ السيف وبدأت المعركة صار ينادي:

    أنا الذي عاهدني خليلي ونحن في السفح لدى النخيل

    أن لا أقوم الدهر في الكيول أضرب بسيف الله والرسول

    ثم فلق به هام المشركين، وشق صفوفهم، وخاض في الموت، وفي حمام الهلاك وهو يجندلهم عن يمينه وشماله، قال: حتى خلصت إلى فارس يخمش الناس خمشاً شديداً فصمدت له، فلما حملت عليه السيف ولول فإذا هو امرأة، فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تضرب به امرأة، وكانت هذه هند بنت عتبة رضي الله عنها فقد أسلمت فيما بعد وحسن إسلامها، كانت قد تلثمت وحاربت، وكانت من أشجع المحاربين في تلك المعركة، قال الزبير في بعض روايات السيرة: فرأيت فارساً لا يجد أحداً من المسلمين يزفف -أي: في آخر الرمق- إلا وأجهز عليه، فقلت: لعله يلقاه أبو دجانة ، فما زلت أنظر حتى التقيا، ثم رفع أبو دجانة سيفه ولم يمضه، فنظرت فإذا هي هند بنت عتبة . وهكذا فعل أبو دجانة رضي الله عنه.

    أسد الله حمزة

    نأتي إلى موقف آخر لـحمزة أسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذاك الذي كان الموت يتربص به في ميدان المعركة، لكنه مات غيلة وغدراً، كان رضي الله عنه قد فلق الهام، وقطع الرقاب، وشق صفوف المشركين شقاً، ثم لم يصمد له أحد، ولم يستطع أحد أن يواجهه، حتى جاء وحشي رضي الله عنه وقد أسلم فيما بعد وصار من الصحابة، لم يكن عنده مهمة في هذه المعركة إلا أن يغتال غيلة وغدراً وخسة ودناءة حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، فظل يكمن في أماكن معينة حتى أصاب منه غرة فأنفذ فيه حربته فقتله لوقته رضي الله عنه وأرضاه.

    قمة من قمم الثبات النبوي

    أما المثل الأعظم الذي سنجعل وقفتنا معه؛ فهو المثل الذي تتقاصر دونه الأمثلة، والشجاعة التي تظهر كل شجاعة دونها بمراحل، شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم، القدوة العظمى في التضحية لهذا الدين والثبات عليه والدعوة إليه.

    لما دارت الدائرة على المسلمين بعد نزول الرماة، وبعد أن كانت الجولة لهم، واشتد الاختلاط في صفوف المسلمين، وبدأت المعركة ينفرط عقدها، كان النبي عليه الصلاة والسلام في تسعة نفر من أصحابه، وكان من المتبادر إلى أذهان أهل الضعف والخور، أو إلى أذهان أهل السلامة أن من الأصلح له أن ينسحب بهذه الكوكبة حتى يرجع إلى المدينة، حتى يسلم أصحابه أو حتى يسلم هذه الأمة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان مضرب المثل والقدوة، كان علي بن أبي طالب يقول: كنا إذا احمرت الحدق، وحمي الوطيس؛ نتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم. كان دائماً هو المقدم عليه الصلاة والسلام، فماذا صنع في ذلك الموقف؟

    صاح: (يا عباد الله! هلموا إلي أنا رسول الله)، وهو يعلم أن صوته سيسمع عند المشركين قبل المسلمين، وكان الأمر كما كان، لقد سمع المشركون هذا النداء، وكان يعلم النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا سيسمع وأن الجموع ستجمع، وأن الجيوش ستتوجه نحوه عليه الصلاة والسلام، لكنه أراد أن يبين للأمة أن الثبات في الجيوش بثبات قياداتها، وأن المضي بمضي كرامها، ولذلك نادى هذا النداء العظيم ليقول كما قال بعد ذلك في يوم حنين:

    أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب

    فما كان له صلى الله عليه وسلم أن يتخلف عند مواضع التقدم، أو أن يتراجع في مواضع الثبات عليه الصلاة والسلام.

    نادى هذا النداء ثم تجمعت الجيوش من حوله، فكانت صورة رائعة من صور تضحية الصحابة وفدائهم قل أن يجود التاريخ بمثلها مطلقاً، لذلك تجمع أولئك القوم حول النبي عليه الصلاة والسلام، حتى شج وجهه الكريم، وسال دمه على جبهته، ودخلت حلقات المغفر في وجنتيه، وكسرت رباعيته صلى الله عليه وسلم، حتى قال عليه الصلاة والسلام في هذا الموقف: (كيف يفلح قوم أدموا وجه نبيهم؟).

    درس لنا كيف ضحى النبي صلى الله عليه وسلم وهو أشرف الخلق أجمعين؟ وبذل لأجل هذا الدين، وخاض غمار المعارك حتى سال دمه ولقي الموت؟ ونحن نريدها هينة سهلة، لو كانت هينة سهلة لكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان الإكرام للصلاح لكان أحق المكرمين هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان النصر يهدى لأحد لأهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه درس للأمة أنه لا يمكن أن ترفع لها راية، ولا أن تقوم لها قائمة، ولا أن ينتشر دينها، ولا أن تقوى قوتها وتعظم سيادتها إلا بالبذل والتضحية في سبيل الله عز وجل، والثبات على هذا الدين، فلذلك رسم النبي صلى الله عليه وسلم هذه الصورة المشرقة الرائعة في الثبات والتضحية في سبيل الله عز وجل حتى كان موئلاً تجمع حوله الصحابة من جديد، وانتهت المعركة نهاية مشرفة، وقد كان من الممكن أن تكون نهايتها أسوأ وأعظم شراً في الهزيمة على المسلمين، ولذلك ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل والقدوة من نفسه.

    فإذا كان الرسول قد دمي وجهه، وكسرت رباعيته؛ فما على أحد بعده أن يصيبه في سبيل الله عز وجل ما هو أشد وأعظم وأنكى من هذا.

    نسأل الله عز وجل أن يجعل لنا في رسوله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، وأن يجعلنا ممن يتأسون بأصحابه رضوان الله عليهم، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    من أجلى صور الثبات في غزوة أحد

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة الكرام! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أبواب التقوى: التضحية لأجل هذا الدين بكل غال ورخيص، بالنفس والنفيس، بالأموال، بالوقت، بالجهد، بالفكر؛ فإن لهذا الدين علينا حقاً، وإن لهذه الرسالة في عنقنا أمانة ينبغي أن نؤديها ونحرص على تبليغها.

    ونمضي أيضاً مع بعض الأمثلة الأخرى لنرى صوراً من الدروس في هذا الباب:

    أنس بن النضر مثال الإقدام والثبات

    فهذا أنس بن النضر رضي الله عنه وأرضاه يقول قبل المعركة، وهو الذي فاتته غزوة بدر، وفاته شرف تلك الغزوة العظيمة، يقول: لئن أشهدني الله عز وجل يوماً كيوم بدر ليرين ما أصنع؟ قسم عظيم يُبرز فيه هذا الصحابي الجليل أنه سيبذل وسيضحي وسيثبت ويقدم لهذا الدين ما تقر به أعين المسلمين، وما يرضى به عنه الله رب العالمين، يقول ذلك لا قولاً رخواً وهو متكئ على أريكته، ولا يقول ذلك وهو في مجلس اللهو واللعب؛ وإنما يقوله مقسماً بالله عز وجل في مواطن الجد والعز.

    فلما جاءت المعركة وجاءت هذه الدائرة، مر أنس رضي الله عنه ببعض الأنصار وقد سرت شائعة قتل النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن تجمع حوله المشركون وحصل ما حصل، فمر أنس ببعض الأنصار وقد قعدوا على هامش المعركة، وسألهم: ما بكم؟ قالوا: أما شعرت أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد مات؟ فقال كلمات تسجل في صحائف التاريخ، وتخلد في ذاكرة المسلمين، وتنقش في قلوبهم صوراً محفورة لا تنسى من صور الثبات والتضحية، ومعرفة المنهج، ووضوح الرؤية عند الصحابة رضوان اللهم عليهم، قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم!

    لئن مات النبي عليه الصلاة والسلام فما قيمة الحياة بعده؟ ولئن أهينت المقدسات، وانتهكت الأعراض، واعتدي على الدين فما قيمة الحياة؟ هل يبقى المسلم في هذه الحياة ليأكل وينكح مثل بقية الأنعام والدواب والهوام؟ إن المسلم أجل وأرفع من أن تكون هذه غاياته، إنه صاحب مهمة ورسالة يقدم حياته كلها لأجل رسالته وإعلاء رايتها؛ فإن أصيب في دينه أو في رسالته؛ فإنه لا يمكن أن يرضى بالذل في هذه الحياة، ولا يمكن أن يبقى ساكناً وادعاً، بل ينبغي أن يتحرق قلبه، وتتحرك جوارحه، وينطق لسانه، وتنطلق أقدامه، وتنفق أمواله، ولو اقتضى الأمر أن تبذل مهجته وروحه في سبيل الله عز وجل كما فعل الصحب الكرام رضوان الله عليهم، ونداء أنس رضي الله عنه ينادي كل المسلمين: قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثم مضى أنس رضي الله عنه إلى ميدان المعركة، مضى إلى الغبار المثار، إلى السيوف التي تبرق في الضحى، إلى الأعناق التي تقطع، والدماء التي تسيل؛ فلقيه في أثناء مسيره سعد بن معاذ فقال له: إلى أين يا أبا عمرو ؟! فسطر أنس رضي الله عنه أيضاً الجواب بكلمات عظيمة: واهاً لريح الجنة، والله إني لأجدها دون أحد.

    قوم أيقنوا بما أخبر الله عز وجل به، واستيقنوا بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلموا أن طريق مرضاة الله إنما تكون من طريق إعزاز دين الله عز وجل، ونصر عباد الله، وعدم رضى الذل لدين الله عز وجل.

    واهاً لريح الجنة، والله إني لأجد ريحها دون أحد، ثم انطلق رضي الله عنه، قال سعد : فما استطعت أن أمضي مضيه، ولا أن أفري فريه، فمضى يقتل ويضرب حتى استشهد رضي الله عنه وفي جسمه بضع وثمانون ما بين ضربة سيف أو طعنة رمح أو موضع سهم، حتى ما عرف وجهه، وإنما عرفته أخت له ببنانة أو شامة. لم يعرف من شدة ما أصابه من ضرب.

    قال بعض الصحابة: فأحصيت ما به من ضربات فلم أجد في ظهره منها ضربة قط. كان مقبلاً غير مدبر، ولم تأته الضربات من ظهره؛ لأنه لم يول ولم يهرب، وإنما كان مضحياً ثابتاً، ولذلك ضرب مثلاً عظيماً من أمثلة التضحية والثبات على دين الله عز وجل.

    أمثلة وصور متفرقة للثبات

    وعن ثابت بن الدحداح رضي الله عنه: أنه مر بفئة من الصحابة الأنصار من قومه، ورأى بعضهم وقد تردد وتذبذب وحار وتبلبل، فقال: يا معشر الأنصار! إن كان محمد قد مات فإن الله عز وجل حي لا يموت، قاتلوا على دينكم فإن الله مظهركم وناصركم.

    هكذا كانوا يعرفون أن المسألة مسألة منهج ومبدأ، وإن كان الرسول صلى الله عليه وسلم في نفوسهم عظيماً فدين الله عز وجل أعظم، وإن كان ارتباطهم بالرسول عليه الصلاة والسلام وثيقاً فارتباطهم بالله عز وجل أوثق؛ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكما أخبر ثابت أيضاً في هذه المقالة: قاتلوا على دينكم فإن الله مظهركم وناصركم. ثم مضى ثابت رضي الله عنه، ولم يكن هذا الكلام منهم كلاماً عابراً، بل مضى وقاتل حتى استشهد رضي الله عنه وأرضاه.

    وهذه صورة ثالثة: مر مهاجري بأحد الأنصار وهو يتشحط في دمه وقد أصيب إصابة قاتلة، مر به وقال متسائلاً ومستغرباً: يا فلان! أشعرت أن محمداً قد قتل؟ فقال هذا الذي يفارق الحياة ويستقبل الموت: إن كان محمد قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم.

    صحابة يتواردون على معنىً واحد، مما يدلنا على أن تربيتهم وإيمانهم ومنهجهم كان واضحاً وضوح الشمس في رابعة النهار، ولذا لم يتذبذبوا ولم يتراجعوا ولم ينخذلوا، وإنما كانت فترة من فترات الاضطراب والفوضى، ثم جاء نداء النبي صلى الله عليه وسلم، وجاءت القدوة المثلى لتجمع الصحابة رضوان الله عليهم، ولست بصدد ذكر الفداء والتضحية التي كانت من الصحب الكرام حول النبي صلى الله عليه وسلم، سبعة من الأنصار واحداً إثر آخر يقفون حول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، يفتدونه بصدورهم وظهورهم، يهلكون واحداً إثر واحد، وكان معه سبعة من الأنصار واثنان من المهاجرين فقضى الأنصار واحداً إثر الآخر حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أنصفنا أصحابنا)؛ لأنهم تقدموا وكان الآخرون لم يكتب الله عز وجل لهم الشهادة في ذلك الوقت، كانوا ينضحون عنه النبل، ويتلقون عنه السيوف، ويذبون عنه الأعداء، وضحوا وثبتوا ثباتاً عجيباً في وقت كان الأصل أن يكون حالهم الفرار والهرب؛ فقد انفرط عقدهم ودارت الدائرة عليهم.

    حنظلة الغسيل وشوقه إلى الجهاد

    مثل أخير أقف عنده؛ لأنه مثل يبين لنا الصورة التي تعيقنا عن الانطلاق لرضوان الله عز وجل، والمضي لنصرة دين الله سبحانه وتعالى، والعمل لأجل نصرة هذا الدين في كل مكان.

    هذا حنظلة بن أبي عامر ، كان أبوه يسمى أبا عامر الراهب، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم أبا عامر الفاسق ؛ لأنه كان من أشد أعداء الإسلام، أما ابنه حنظلة فقد كان صحابياً جليلاً من خيار الصحابة، كان عرسه في ليلة أحد، ودخل على زوجته وهو حديث عهد بعرس -في يوم الدخلة التي نسميها اليوم- وإذا به يسمع المنادي يقول: يا خيل الله اركبي!

    يسمع النداء إلى الجهاد، يسمع الانتقال من أحضان المرأة إلى الانتقال إلى أحضان الموت، يسمع الانتقال من العيش الرغيد إلى العيش الشظف الشاق، فإذا به لا يفكر ولا يتردد ولا يضعف ولا يركن إلى الأرض، ولا تلفته الزوجة الحسناء، ولا البيت المهيأ، ولا العطر والطيب.. بل يشتاق شوقاً عظيماً، ويتحرك حركة هائلة، وينخلع من بيته وزوجته، ويمتطي فرسه ويمضي مع المجاهدين إلى سبيل الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [التوبة:38]، رسمها الصحابة صوراً حية. ما متاع الآخرة في الدنيا إلا قليل! عرفوا ذلك فاشتاقت له نفوسهم.

    ومضى حنظلة مقاتلاً ومجاهداً يشق الصفوف، كان يقصد أبا سفيان رضي الله عنه؛ لأنه كان قائداً لجيش المشركين في تلك المعركة حتى أوشك أن يصل إليه ويقتله، فإذا بـشداد بن الأسود يأتيه من جنبه أو من خلفه فيضربه ضربة فيستشهد، فيخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن شأن حنظلة أنه كان لم يغتسل من الجنابة بعد، فإذا بالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (إن الملائكة تغسل صاحبكم ما بين السماء والأرض) وتطهره لينتقل إلى الجنان وإلى الحور العين التي وعد الله عز وجل بها الشهداء.

    التضحية والثبات درب السلف الأوائل

    إن كل صور التضحية بالأهل والديار والأموال والأنفس ظهرت في هذه المواقف التي كانت للصحب الكرام رضوان الله عليهم، وخطوا لنا بكلماتهم في سمع الزمان كلمات تدوي لا تنسى، وخطوا لنا بأفعالهم صوراً تحتذى وأمثلة يقتدى بها، نسوقها لنا، نحن الذين شغلنا بالدنيا، وأخلدنا إلى الأرض، وانصرفنا إلى مصالحنا وذواتنا، ونسينا أمتنا، وديننا، ودعوتنا، ورسالتنا، إلا من رحم الله.

    ونبث هذه المواقف أيضاً إلى إخواننا المسلمين في البوسنة والشيشان وفلسطين وكشمير وكل مكان ليروا كيف كان النبي عليه الصلاة والسلام، فقد لقي مثل ما يلقون؟ وكيف كان موقفه وموقف الصحابة رضوان الله عليهم؟

    إنها صور تبعث القوة في نفوس المؤمنين، وتعيد الحياة إلى القلوب التي ذوت فيها الحياة، وإلى السواعد التي صارت كالأيدي الشلاء؛ ينبغي لنا أن نجدد هذا المعنى في نفوسنا، إنه لا يمكن لنا أن نحيي معاني هذا الدين، وأن نعلي رايته دون أن نضحي في سبيل الله عز وجل، فإذا لم نستطع أن نضحي بشيء من أوقاتنا، وقليل من أموالنا، وبعض من جهودنا فكيف سنضحي يوماً ما بأنفسنا في الجهاد في سبيل الله عز وجل، لابد أن نوطن أنفسنا على أن نكون على سنن الصحابة رضوان الله عليهم، أن نأخذ من هذه المدرسة النبوية هذه المعاني التربوية الإيمانية، وأن نحقق بعضاً من الشعور أننا من أبناء هذه الأمة، ومنتسبون لهذا الدين، ونحظى بشرف اتباع محمد صلى الله عليه وسلم: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108].

    أتباع محمد حملة رسالة، وناشرو دعوة، ومجاهدون في سبيل الله عز وجل. أتباع محمد ليسوا من أهل الدنيا، ولا من أهل الانشغال عن الآخرة، ولا العمل لذوات أنفسهم والانشغال بمصالحهم الذاتية الأنانية؛ هذه لها حدها وقدرها ومشروعيتها، لكن النفوس العظيمة والإيمان العظيم يدعو صاحبه إلى ما دعا إليه أنس بن النضر ، وحنظلة بن أبي عامر رضي الله عنهما، وإلى ما فعله الصحابة رضوان الله عليهم يوم أحد.

    ينبغي أن نحيي هذه المعاني حتى نعالج هذا الفتور والخور والضعف والتعلق بالدنيا الذي في أنفسنا، فلئن كانت هذه صورة شامخة سامقة في حياة الصحابة ونحن في سفح سحيق فينبغي أن نحرك أنفسنا، نعم نحن بحمد الله اليوم في خير كثير، نعم قد دب الإيمان في القلوب، وشاع الإسلام في الصفوف، وتنادى المسلمون باسم الإسلام.. بوادر خير تحتاج إلى أن نرويها بتضحياتنا، ونغذيها بأرواحنا، ونحييها بكلماتنا ومواقفنا.

    نسأل الله عز وجل أن يسخرنا لخدمة هذا الدين، وأن يجعلنا من نصرائه في كل مكان، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يسخرون أموالهم وجهودهم وأوقاتهم وأرواحهم في سبيل نصرة هذا الدين، وإعلاء راية الله في كل مكان.

    اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، وأن تجعلنا هداة مهديين، اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم أبدل أمتنا من بعد ضعفها قوة، ومن بعد ذلتها عزة، ومن بعد فرقتها وحدة.

    اللهم رد المسلمين إلى دينك رداً جميلاً، اللهم خذ بنواصيهم إلى طريق الحق والسداد، وألهمهم الرشد والصواب، اللهم اجعلهم بكتابك مستمسكين، ولسنة نبيك صلى الله عليه وسلم متبعين، وفي آثار الصحابة سائرين، نسألك اللهم أن تبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء! اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم استأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، اللهم اجعل بأسهم بينهم، وفرق كلمتهم، واجعلهم غنيمة للمسلمين، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم أبطل كيدهم، وأحبط مكرهم، واجعل الدائرة عليهم يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار! يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء!

    اللهم إنا نسألك رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين! اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، عراة فاكسهم، خائفون فأمنهم، جائعون فأطعمهم، مشردون فسكنهم، اللهم ارزقهم الصبر والثبات واليقين، اللهم اجعلهم من أهل الصبر على البلاء والرضا بالقضاء، اللهم اجعل ما قضيت لهم زيادة في الإيمان واليقين ولا تجعله فتنة لهم في الدين، اللهم قرب نصرهم، وعجل فرجهم، اللهم إنا نسألك أن تثبتهم على الحق يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تخفف عنهم وأن ترفع عنهم يا أرحم الراحمين!

    اللهم واجعلنا في نصرة دينك وسخرنا في الدعوة إلى دينك، نسألك اللهم أن توفقنا لكل ما تحب وترضى، وأن تصرف عنا ما لا تحب ولا ترضى.

    اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم اجعل عمل ولاتنا في هداك، واجعلهم مسخرين في رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! عباد الله صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي أبا بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين!

    وأقم الصلاة! إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.