إسلام ويب

شمول الرسالة لكل زمان ومكانللشيخ : سفر الحوالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ حفظه الله عن الرسالة والمرسلين بشكل عام، وعن الرسالة المحمدية بشكل خاص، وتطرق في أثناء حديثه إلى ما تتميز به الأحكام في شريعة الإسلام، ثم عرض الشبهة التي ردت بها الأمم السابقة رسالة رسلها زاعمة أنها ذات حضارة وعلم وبين الرد على هذه الشبهة، ثم تحدث عن أهمية الشرع كميزان توزن به الأعمال، وأن من حكم الشرع سعد في دنياه وأخراه، ومن عصى ربه وترك شرعه ذل وهان على الله في الدنيا واستحق عذابه في الآخرة. ثم ختم حديثه مبيناً أن شرع الله ثابت لا يتغير بتغير الأزمان والأشخاص.

    1.   

    عموم الرسالة المحمدية

    إن الحمد لله نحمده ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، سبحانك اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

    وبعــد:

    الموضوع الذي نريد أن نتحدث عنه، ليس بفريد ولا بجديد عليكم، وكما تعلمون جميعاً أننا أمة تنتخب، وتتبع أفضل رسول وهو رسول الله محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    هذا النبي فضَّله الله تبارك وتعالى -كما أخبر هو عن نفسه- فقال: (فُضلت على الأنبياء بست، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة)، وفي بعض الروايات: (بخمس) فهذه من أعظم الخصائص والمميزات التي تميزت بها رسالة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما ذكرها الله تبارك وتعالى وأمر بها في كتابه الكريم، حيث قال: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، وقال جل شأنه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً [سبأ:28]، فرسالته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودينه وشرعه عام، وهذا العموم من جهتين:

    الجهة الأولى: من جهة عموم من أُرسل إليهم، فقد كان الأنبياء ممن قبله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبعثون إلى قومهم خاصة، وبعث صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الناس عامة، فهذا من جهة المرسل إليهم والمبعوث فيهم.

    الجهة الأخرى: من جهة الزمان، فإن شريعته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأما شريعة من قبله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فإن النبي كان يُبعث وشريعته مؤجلة ومؤقتة إلى أمد معين.

    فبهذا العموم يتبين لنا: أنه لا يمكن ولا يصح أن نتصور أن أمرًا من أمور الحياة يخرج عما جاء به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا نتصور -أيضًا- أن فردًا من الأفراد -كائنًا من كان- يخرج عن شريعته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فالظروف تتغير، والأحوال تتجدد، والأمم تحيا وتبيد، والحضارات تنشأ وتضمحل.

    ولكن المنهاج الواضح والشريعة الواجبة على الجميع، الملزمة لكل واحد منهم، باقية وخالدة إلى أن يرث الله تبارك وتعالى الأرض ومن عليها؛ فلا يخرج أحد عن شرعه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كائنًا من كان، ولا تخرج قضية من قضايا الزمان عما جاء به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كائنةً من كانت هذه القضية، وقد ظهر أثر هذا العموم في التشريعات التفصيلية التي جاءت بها هذه الشريعة العامة الشاملة الكاملة.

    شمول أحكام الشريعة

    فإن من الأحكام ما يتعلق بالإنسان من حيث هو إنسان، بغض النظر عن كونه متحضرًا أو مبتدياً في بادية، يعيش في غابة أو يعيش في مدينة، متعلمًا كان أو جاهلاً، فبغض النظر عن هذا كله، فإن هنالك أحكاماً تتعلق به من حيث كونه إنسانًا، والإنسان من حيث إنه إنسان له مشاعره وله أخلاقه، وله أسرته التي لا تتبدل ولا تتغير، مهما كان وضعه ومهما كانت حياته، ومهما كان عصره؛ ولهذا نجد في ديننا وفي شريعة نبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن الأحكام التي تتعلق بهذا الجانب ثابتة راسخة محددة.

    فمثلاً: فإن أعظم الواجبات، وأعظم ما دعا إليه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والأنبياء جميعًا هو: توحيد الله تبارك وتعالى؛ فالإنسان أينما كان، في أي عصر وفي أي مصر، في أرقى المدن الصناعية أو في الغابات البدائية أو في الصحراء البدوية أو في أي مكان، هو عبد يجب أن يُوحد الله تبارك وتعالى ويفرده بالعبادة، ولا يخرج عن ذلك قيد أنملة ولا قيد شعرة.

    ومن هنا جاءت أمور العقيدة مفصلة مبينة لكل إنسان وفي كل زمان؛ فأنواع الكفر واضحة، والشرك الأصغر، والأكبر، الكبائر والصغائر، وكل ما يتعلق بأمر العقيدة، وكل ما يتعلق بأمور الغيب التي يجب على الإنسان أن يؤمن بها قد جاءت محددة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها؛ لأنها تتعلق بك أيها العبد.

    فمن حيث أنك إنسان، فأنت بذلك عبد، وكل عبد فإنه لابد أن يعبد الله تبارك وتعالى، وإنه إن خرج عن ذلك؛ فإنه سيعبد غير الله، فالإنسان عبد لا محالة؛ ولكن يجب عليه أن يصرف العبودية لله تبارك وتعالى وحده لا شريك له، وكذلك في التشريعات أيضاً.

    نجد أن أحكام الأسرة، أحكام الطلاق، وأحكام العدة، والظهار، والإيلاء، وكل الأحكام -حتى في الإرث- قد فصَّلها الله تبارك وتعالى، فالإنسان أينما كان يحتاج إلى الزواج، ويحتاج إلى الأسرة -في أية بيئة عاش، وفي أي زمان عاش- ومن هنا جاءت هذه الأحكام مفصلة منذ أن يبدأ الإنسان بخطبة المرأة، ثم العشرة بين الزوجين، ثم تربية الزوجة والأبناء على طاعة الله تبارك وتعالى.. إلى أحكام الميراث، والطلاق، والمظاهرة، والإيلاء.

    فكل هذه الأحكام جاءت مفصلة، فلا يخرج عنها عبد؛ لأن هذا الإنسان العبد المخلوق بمقتضى إنسانيته.. سوف يصير من هذا النوع، فسوف تحصل له هذه الرغبة، ويتزوج ويكون ذا أسرة؛ فيجب أن تكون أموره منضبطة وسائرة وفق ما شرع الله تبارك وتعالى، فهذه الأمور لا مجال فيها لأن يقال: هي في عصر كذا تختلف عنها في عصر كذا؛ لأنها متعلقة بكل عصر وبكل إنسان وبكل زمان ومكان.

    اختلاف الأحكام من حكمة الله تعالى

    وأما الأحكام الأخرى فمن حكمة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن الأحوال والظروف تختلف فيها؛ فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى شرع لها من الأحكام قواعد عامة، تندرج تحتها كل أمور وأحوال الناس، فأمر الله تبارك وتعالى بالعدل، ونهى عن الظلم والبغي والعدوان، وأمر بالتعاون على البر والتقوى، وأمر بالخير وبالبر وبحسن الخلق، ونهى عن أكل المال الحرام وأمثال ذلك.

    والإنسان يجد أنه مهما تغيرت أنواع المال أو أنواع الممتلكات؛ فهي إما من حلال، وإما من حرام، فهذه القواعد العامة تحكم وتضبط هذه الأمور، وتندرج تحتها مهما تغيرت الأزمان، ومهما تغيرت الأحوال.

    1.   

    شبهات المكذبين بالرسل

    أولاً: دعوى رد الرسالة

    إن كثيراً من الناس يغره الزمن الذي يعيش فيه، وقد وقع ذلك في الأمم التي من قبلنا، فكانوا يظنون أنهم بلغوا غاية الحضارة وغاية العلم كما بيَّن ذلك سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فقال: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [غافر:83] وهكذا كانت حالة الأمم.

    فكانت كل أمة تأتيها دعوة الله تبارك وتعالى إلى التوحيد وإخلاص العبودية لله، تقول: نحن لدينا العلم... لدينا ما يكفينا... لدينا حضارة... لدينا وسائل للحياة وللترفيه وللسعادة؛ فلا حاجة لنا بما تدعونا إليه... ومما يطبع على قلوب العباد، ومما يسبب لهم الإعراض عن ذكر الله تبارك وتعالى، ويصدهم عن دعوة الأنبياء وعن دعوة الدعاة، وعن دعوة المصلحين في كل زمان ومكان.

    فالتعلق بهذه الحياة الدنيا إيثار الحياة الدنيا على الآخرة، وعلى ما عند الله تبارك وتعالى، فيظن الإنسان أنه في هذا العصر قد بلغ الحضارة التي لا غاية بعدها، وهو بذلك ليس بحاجة إلى الدين؛ فكأن الدين جاء لعصر متأخر، أما نحن في عصر الحضارة هذه، فلا حاجة بنا إلى العبودية، والكبر الموجود في النفوس يرتفع بها عن أن تخضع لعبودية الله تبارك وتعالى.

    وهذا جواب قديم أجاب به قوم فرعون، وأجابت به عاد وثمود وقوم نوح، وكل من سبقنا من الأمم التي ذكر الله تبارك وتعالى؛ أنهم أثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمرها من بعث فيهم محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الذين ما بلغوا معشار ما آتى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى تلك الأمم.

    وما تزال آثارهم باقية شاهدة، كالآبار المعطلة، والقصور المشيدة، والسدود المنيعة، والحصون، والأهرامات، ومدائن صالح، وهي الأماكن التي تقصد للسياحة.

    سبحان الله العظيم! النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرنا -وهو مفهوم كتاب الله عز وجل ومنطوقه- إذا مررنا بهذه الديار أن نمر بها مستعبرين، أي: باكين مسرعين، وألاَّ نقيم فيها؛ فهي ليست للتفرج ولا للتنـزهه، لا الأهرام ولا مدائن صالح ولا سد مأرب ولا كذا ولا كذا، إنما هي للعبرة والاتعاظ.

    ولكن أين المعتبرون؟!

    وأين المتعظون؟!

    فالله تعالى جعلها علامات شاخصة ناطقة، تشهد بما فعلت الأمم التي قبلنا، حيث قال سبحانه: الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ [الفجر:11-13] ثم قال بعد ذلك: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14]، أي: فمن عمل مثل عملهم جوزي بمثل جزائهم وعوقب بمثل عقوبتهم، قال سبحانه: فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا [العنكبوت:40]، أي: هكذا الأمم، فكل أمة أخذت بذنبها، وإن اختلفت وتنوعت العقوبات.

    فبقيت هذه الآثار شاهدة على أن الحضارات مهما تطورت، ومهما تقدمت، وتفننت بأساليب العيش، أو بالقصور المشيدة، أو بالمزارع الفخمة، أو بوسائل الترفيه، أو بوسائل التسلية؛ فإنها لابد أن يكون مصيرها إلى الدمار والخراب إذا عصت الله عز وجل وفسقت عن أمره تبارك وتعالى.

    فالمسارح الرومانية ما تزال إلى اليوم وهي مسارح كان يجتمع فيها الرجال والنساء ويرقصون ويمرحون، وكانت فيها حلبات للمصارعات الحرة بين الرجال والوحوش... وكل هذا كان في القديم، فالدورات الأولمبية التي نسمع عنها اليوم، كانت موجودة عند اليونان بجميع أنواع الألعاب المختلفة، وكانت معروفة لديهم.

    إن كل أمة أخذت في هذا الجانب كانت تظن أنها في غاية الحضارة وقمتها، وأن أي داعية يدعوها إلى الله وإلى الدار الآخرة؛ فإنه لا استجابة له ولا إذعان ولا قبول؛ لأنه يدعونا لأن نترك هذه الوسائل وهذه الحضارة وننسلخ منها، ونطلب المتاع الذي لا يريدون أن يطلبوه، ويؤثرونه على ما عندهم من المتاع، ثم خلف الله تبارك وتعالى من بعدهم بالخلوف، وجئنا نحن في هذا العصر، واستجدت في هذا العصر أحداث وأحداث، حتى ظن الناس -بما أنهم اليوم قد ركبوا الطائرة أو السيارة، أو أن بعضًا منهم قد غزا الفضاء وما أشبه ذلك- أن أمر الدين وأمر الله تبارك وتعالى كله أو بعضه لا ينبغي أن يقال أو أن يقدم في هذا العصر... عصر الحرية... عصر الانطلاق... عصر كذا.. وكذا.

    ثانياً: الجواب على الدعوى

    إن الجواب على ذلك -كما سبق أن أوضحنا هذه الشبهة الشيطانية- أن الإنسان هو الإنسان، سواءً كان على الأرض، أو كان في الفضاء، أو كان في أي مكان؛ فهو عبدٌ لله تبارك وتعالى، ويجب أن يعبد الله وأن يوحد الله تبارك وتعالى.

    أما أن الإنسان يطلب زيادة في الترفيه والتنعم؛ فهذا من فضل الله عز وجل، ولا ضير في ذلك؛ بل إن من أعظم ما ميَّز الله تبارك وتعالى به الإنسان عن الحيوان أن الإنسان يعمر الأرض؛ لكن يجب أن يعمرها بما أمر الله تبارك وتعالى؛ وهذا قولهم بأنفسهم، يقولون: إنهم نظروا، فوجدوا أن أذكى الحيوانات وهي القردة أو الثعالب التي في القرن العشرين، تسكن في البيت الذي كان يسكن فيه القرد أو الثعلب منذ أمد الآماد، والبيت هو نفس البيت -من حيث الشكل- بدون أن يحدث أي تجديد؛ لكن الإنسان يسكن في العشب... في الخيمة وأحيانًا في كهف... ثم يبني ثم يتطور البناء ثم يتجدد، وكل ذلك لا ضير فيه في ذاته.

    1.   

    الشرع هو ميزان الأعمال

    إن الله تعالى قد ميَّز الإنسان، وأذن له، وجعل له الأرض ذلولاً، وأمره أن يمشي في مناكبها، وأن يأكل من رزقه، قال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك:15].

    أي: أنه يجب أن يكون السعي في هذه الأرض موافقًا لأمر الله؛ فلتتجدد هذه الوسائل ما شاءت.

    المهم أن الإنسان يكون قلبًا وقالبًا خاضعًا لأوامر الله تبارك وتعالى.

    فلا تُذَمُّ اللذة أو حب الخير أو حب النفع؛ بل أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نحرص على ما ينفعنا، ونحمد الله تبارك وتعالى أن ديننا كذلك، فما من خير إلا ودلنا عليه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وما من طيبة إلا وأحلها الله تبارك وتعالى في كتابه، أو على لسان رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    إذًا: ما الذي حرم علينا؟

    وما الذي منع عنا؟

    وما الذي نهينا عنه مهما تغيرت الأزمان والعصور؟

    إنه ما حرم الله تبارك وتعالى، فلا يعني ذلك أنه: إذا كانت الخمر تشرب من العنب أو من الشعير، وتصنع منه بطريقة بدائية في أواني من الفخار فهي حرام، فإذا صنعت في زجاجات فاخرة، وختمت بالشمع أصبحت حلالاً! لا والله!

    أو أن المرأة إذا كانت بدوية، أو متنقبة في البادية، أو في الخلاء، أو في القرية، فحرام أن ننظر إليها، وحرام أن يخلو بها إلا ذو محرم؛ فإذا كانت متعلمة أو مثقفة في المدينة، أو في أية وسيلة من وسائل الإعلام... أصبح النظر إليها حلالاً لا والله! فالوسائل تتغير، وتتجدد، ولكن الحكم لا يتغير ولا يتبدل؛ واللذة أو المنفعة لا تأتي في هذا الجانب.

    فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فطر الإنسان على طلب الخير ولذة الخير؛ ولكن ما الضابط؟

    وما المرجع؟

    وما المعيار الذي نعرف به هذه اللذة النافعة من اللذة الضارة؟

    شرع الله لا يتغير

    إن الأشجار وهي أشبه بالجماد، تتجه عروق الشجرة إلى جهة الماء، وتتجه -أيضاً- أغصانها إلى جهة الضوء، لماذا؟!

    تريد أن تحيا، وتريد أن تنمو؛ فهل هذا يضير؟

    لا ضير في ذلك، وكذلك الإنسان يريد أن يتغذى، فهل حرَّم الله تعالى عليه ذلك؟

    لا! الإنسان يريد أن يتزوج، يريد هذه الرغبة الجنسية، فهل حرمها الله؟

    ليس في ديننا رهبانية.

    الإنسان يريد أن يُمتِّع ناظريه ويرى، فهل حرم الله ذلك؟

    فأية طيبة لم يحرمها الله تبارك وتعالى في أي عصر وفي أي وقت.

    والذي جعله الله تعالى معيارًا للتمييز بين النافع وبين الضار من هذه الملذات ومن هذه الشهوات، هو أن نتبع ما شرع الله تبارك وتعالى، فإذا اتبعنا أمر الله، ووقفنا عند حدود الله، وتمتعنا بالطيبات التي أحلها الله؛ ففي ذلك الغنية كل الغنية عما حرم الله، وفي ذلك السعادة والطمأنينة والأمن والراحة والرخاء للمجتمع، وللأمة بأسرها، وللعالمين أجمعين.

    الشرع به يحيا العباد

    إننا إذا خرجنا عن حدود الله عز وجل، ورأينا أن ذلك يحقق لنا مصلحة أو دنيا أيًا كانت؛ فهو الشر وهو الوبال -كما ضرب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك المثل في القوم الذي ركبوا السفينة واستهموا، فكان قوم في أسفلها وقوم في أعلاها، فقال الذين هم في أسفلها: إذا أردنا الماء نصعد إلى الأعلى ثم نستقي، لماذا والماء قريب منا؟

    هلاَّ خرقنا من هاهنا وأخذنا الماء! فيرجع الأمر إلى الذين في أعلاها، فإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا، وإن تركوهم هلكوا وهلكوا جميعًا، عافانا الله وإياكم من الهلاك.

    فالإنسان كونه يطلب الشيء لا مانع، لكن يطلبه من الطريق المشروعة؛ فلا تقل: أنا أريد أن أمتع ناظري بما أشاء من هذه الوسائل الجديدة.

    ولا تقل: أريد أن أمتع سمعي بما أشاء من هذه الوسائل الجديدة.

    لا تقل: العصر قد تغير! نعم العصر يتغير، والزمان يمر ويمر؛ ولكن دين الله تبارك وتعالى باقٍ، وأنت عبد؛ عبدٌ إن خلقت قبل قرون أو إن وجدت بعد قرون أو في هذا الزمن، فأنت عبد له تبارك وتعالى، ولا تخرج عن طاعة الله تبارك وتعالى، ولا تخرج عن شرع نبيه محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والله تبارك وتعالى إنما جعل هذا الدين وهذا العقل ليميز الإنسان به في حياته، جعل له نبراساً ومنهاجًا، فلو وكل الله تعالى الأمر لعقولنا لما اتفقنا على شيءٍ أبداً.

    انظروا إلى العالم الغربي الذي يتخبط! تجدون التخبط العجيب في حياتهم!

    لأنهم لا يملكون الميزان، ولا يملكون المنهاج الذي يسيرون عليه، وكلما تغير الزمن؛ تنمو العقول... فهذه أخلاق العصر الزراعي، وهذه أخلاق العصر الصناعي، فالمرأة في العصر الزراعي تعمل مع الرجل في المزرعة، ويملكها رجل واحد فقط، والمرأة في العصر الصناعي من أخلاقها أنها تخالط الرجال، وتسهر كما تشاء، وتظهر كما تشاء، وتتبرج كما تشاء! لماذا؟!

    قالوا: العصر تغير! فالأول عصر زراعة، وهذا عصر صناعة؛ فجعلوا الذي يغير الأخلاق ويغير ما تعارف عليه الناس من قديم، بل ما نزلت به الشرائع من عند الله تبارك وتعالى هو: حالة الإنسان الدنيوية، ونحن الآن كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لتتبعن سنن من قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه}، وفي رواية للإمام مالك رحمه الله قال: {لو أن أحدهم أتى امرأته على قارعة الطريق لفعلتموه} عياذًا بالله.

    أي: أن ذلك من شدة اتباعنا لهم؛ وهذا ما يحصل الآن أو ما يراد أن يحصل أن نتبع الغرب وأن نغير ما شرع الله، أو نعرض عما أنزل الله، بحجة أن الزمن قد تغير، وأن العصر قد تبدل.

    فلنحرص جميعًا على أن نزن أمورنا وأعمالنا ومعتقداتنا وأحكامنا وآراءنا ومناهجنا وطرائقنا ووسائلنا وغاياتنا؛ نزنها جميعًا بما أنزل الله تبارك وتعالى؛ ففي ذلك الهدى كل الهدى، وهذا هو الاتباع الذي بغيره لا نكون مؤمنين أبداً.

    يقول الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65].

    فهذا هو الذي يحقق لنا الإيمان والانقياد والإذعان لأمر الله من غير منازعة ولا معارضة ولا مدافعة؛ وإنما هو التسليم والانقياد فورًا، كما كانت الخمر حلالاً، فأنزل الله تبارك وتعالى تحريمها، ثم قال: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة:91]، قالوا: انتهينا انتهينا! وجرت أزقة تظلل بالخمر من دون رقابة ولا هيئة ولا تفتيش، إلا رقابة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى التي في القلوب، وكما كان الرجال والنساء يختلطون، وينظر بعضهم إلى بعض، فلما نزلت آية الحجاب، فإذا بنساء الصحابة يخرجن كأنهن الغربان، لا يرى من الواحدة منهن قيد أنملة؛ حتى أن عمر رضي الله تعالى عنه رأى إحدى أمهات المؤمنين فقال: قد عرفناكِ يا سودة.

    يقول: قد عرفناك، أي: ما دمنا عرفناك؛ فإذًا لست متحجبة -مع أنه لم يرَ منها شيئاً- ولكن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقره على ذلك؛ وإنما أخبر أنه إذا استترت المرأة فإنه يجوز لها أن تخرج لحاجتها -كما كانت أم المؤمنين خارجة لقضاء حاجتها- فنجد أنه ما من أمر ينزل من أوامر الله إلا ويلتزم به فورًا، وهذا هو الإيمان حقيقة.

    ذلة المخالفين للشرع

    ولقد منَّ الله تبارك وتعالى على ذلك الجيل من أولئك الصحابة، ففتح لهم الأرض وسخَّر لهم خزائن كسرى وقيصر، حتى أنفقوها في سبيل الله تبارك وتعالى، كما أخبر بذلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله عز وجل) وأنفقت، لأن من حقق العبودية لله جعل الله تبارك وتعالى عباده الآخرين عبيدًا له، فجاءوا بأبناء الملوك مصفدين بالحديد، وهم لهم حضارات ولهم وسائل ولهم.. ولهم من التطور والتقدم ما لهم، ولكن!

    إذا عصينا الله عز وجل؛ فإننا نهون عليه تعالى، حتى يسلط علينا أولئك، فنكون عبيدًا لهم عافنا الله وإياكم.

    ولهذا لما جيء إلى أحد أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ببعض الأسرى -وكانوا من قبرص أو من بعض بلاد الروم- فرآهم عظاماً ضخام الجثة ومن الروم والعرب كانوا يهابونهم، فلما رآهم بكى.

    قيل: لِمَ تبك؟!

    أتبكي وقد أعز الله الإسلام وجاء بهؤلاء القوم عبيدًا مقرنين بالسلاسل؟!

    قال: إني لا أبكي أن الله تعالى أعز الإسلام، ولكني أبكي أنني رأيت قومًا عصوا الله عز وجل فهانوا عليه، فجيء بهم هكذا بعد العزة والمنعة، وإنني أخشى أن نعصي الله عز وجل فنكون عليه أهون من الجعلان! نعوذ بالله!

    وهذا هو الذي وقع في هذه الأمة فيما بعد، هانت على الله عز وجل، فسلَّط عليها التتار والصليبيين، وسلَّط عليها المستعمرين من كل حدب وصوب، حتى ترجع إلى دينها.

    فالذل مرتبط بالمعصية، والعزة مقترنة ومرتبطة بالطاعة، نسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يجعلنا وإياكم ممن يعزه الله تعالى بطاعته، ولا يذله بمعصيته، إنه سميع مجيب.

    1.   

    قاعدة في التغير

    إن القاعدة التي يجب أن نضعها في الاعتبار، مهما تغيرت الأمصار والأعصار، أن الله تبارك وتعالى يقول: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36].

    فالإنسان مهما تغيَّر الزمن، فله هذه العين، وله هذا السمع، والتفكير.

    انظروا! هل تتغير هذه مهما تغيرت الأزمان؟

    لا تتغير أبدًا، فهذه أعضاء ومنافع جعلها الله تبارك وتعالى لك، وهذه الأعضاء -السمع والبصر وأيضًا الحواس الخارجية- بالنسبة للقلب هي مثل الموارد التي تصب جميعًا في حوض واحد.

    أرأيتم إذا كان حوض أو بركة يصب فيها هذا المجرى النظيف؛ فكيف تكون نظافة هذه البركة؟!

    فكذلك تكون نظافة القلب؛ لكن إذا نظر الإنسان إلى الحرام أيًا كان هذا النظر -في صورة حقيقية أو مصورة أو قراءة أو أيًا كان هذا الحرام- وكذلك إذا سمع الحرام بأي نوع من أنواع السماع من الأغاني أو الملاهي أو النميمة أو قول الزور أو غيره، أو نطق بذلك، أو بأية حاسة من الحواس الأخرى -مهما تغيرت وسائل الإعلام والإحساس- فإن ذلك يكون مثل أن يكون أحد هذه المجاري التي تصب في القلب هي من الماء النجس أو القذارة! أين تجتمع هذه القذارات؟

    تجتمع في هذا القلب.

    أفيكون هذا القلب حينئذٍ أهلاً لطاعة الله؟!

    أيكون ذلك القلب مرتبطًا بالله؟!

    أيكون ذلك القلب خاشعًا لله، وهذه المنافذ تصب فيه؟!

    لا والله! فهذه مع الدوام ومع الاستمرار، لا تبقي في القلب أي جزء وأي قدر من النظافة، فإذا طمس وطبع عليه، لا تنفعه موعظة، ولا ينتصح بنصيحة.

    فإذًا: إذا راقب الإنسان هذه الأعضاء، وحفظ الرأس وما وعوى، والبطن وما حوى، وعَلِمَ أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سائله عن هذه الأعضاء عضوًا عضواً، وسائله عما عمل، وسوف يستنطق الله تبارك وتعالى عليه جوارحه، كما قال تعالى: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [فصلت:19-23]، نعوذ بالله من الخسارة! فهذه الخسارة الكبرى.

    فهل تغير الأزمان وتغير وسائل اللهو أو الفساد أو وسائل الحياة أيًا كانت، أي: أن جلدك تغير؟

    أو أن يدك تغيرت؟

    لا! لم يتغير جلدك ولا عينك ولا سمعك ولا بصرك، من حيث إنها وظائف جعلها الله تبارك وتعالى أعضاء لوظائف أساسية تستخدمها.

    فإن استخدمتها في الطاعة مع أية وسيلة من هذه الوسائل، كانت شاهدة لك يوم القيامة، ولم تشهد عليك، وإن استخدمتها في المعصية أيًا كانت الوسيلة الذي استخدمتها، سواء نظرت في منظر بدائي أو نظرت في منظر مما يسمى بالمناظر المتقدمة، ولا تقدم في الشر، وإنما الانحطاط والسفور... أيًا كان.

    فالعضو عضو، والشهادة يوم القيامة قائمة، وسوف تنطق هذه الأعضاء، وسوف تشهد، فمن كان ظنه بربه أنه لا يطّلع عليه، ولا يعلم خافيته -عياذًا بالله- فهذه نتيجته الخسارة الكبرى، ستشهد عليه هذه الأعضاء بما ينطقها الله تبارك وتعالى به.

    ومن كان ظنه بربه أنه مُطّلع عليه، وأنه رقيب وحفيظ، فعليه أن يتوب إلى الله وأن يستغفر الله تبارك وتعالى، وأن يراجع نفسه، ابتداءً من إصلاح قلبه وإيمانه وتوحيده وإخلاصه ويقينه، ثم المحافظة على أوامر الله تبارك وتعالى، وأعظمها هذه الصلوات الخمس أداءً وجماعةً في المساجد، ثم المحافظة على هذه الأعضاء التي سوف يُسأل عنها يوم القيامة، فلا يجول فكره إلا في حلال أو فيما أمر الله، ولا يمد عينه إلا إلى ما أحل الله تبارك وتعالى، ولا يبطش بيده أو برجله إلا إلى ما أحل الله تبارك وتعالى، ولا يقارب سمعه إلا ما أحل الله تبارك وتعالى؛ فحينئذٍ تكون له الصفحات البيضاء، وتكون له يوم القيامة النجاة، ويكون له الفوز.

    ونسأل الله تبارك وتعالى أن يُعمَّر أوقاتنا جميعًا بطاعته وما يرضيه، وجزاكم الله خيراً..

    والحمد لله رب العالمين.