اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , التبرج والسفور والحجاب للشيخ : سعيد بن مسفر


التبرج والسفور والحجاب - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
بدأ الشيخ بالحديث عن الحكمة من وجودنا في هذه الدار الدنيا، ومن ثم تكلم عن مصير الإنسان بعد الموت.ثم تحدث بعد ذلك عن المخالفات التي تقع فيها كثير من النساء -سواءً عن إصرار أو جهل- ذاكراً من هذه المخالفات كثرة اللعن والتهاون في أداء العبادات وترك المنهيات عامة. ومن ثم حذر المرأة من إدخال بيتها من لا يرضى الزوج دخولهم، متناولاً العواقب المترتبة على التبرج وطرح الحجاب والعواقب الوخيمة المتحققة بسبب ذلك.
حكمة وجودنا في الحياة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.أما بعد:فنسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يبقي فينا ولا منا شقياً ولا محروماً؛ فإن الشقي المحروم هو من حرم طاعة الله عز وجل في هذه الدنيا. شقيٌ في هذه الدار بالمعصية، ومحروم في الدار الأخرى من الجنة، يقول عليه الصلاة والسلام وهو يدعو: (اللهم لا تبق فينا شقياً ولا محروماً، ثم قال: أتدرون من الشقي المحروم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قاطع الصلاة أو تارك الصلاة).
 طلب نعيم لا موت فيه
إن الإنسان في أول الحياة يتعب، ويكد ويكدح ويدرس السنين الطوال، فإذا ما كبر أولاده وأصبحت الأموال في قبضته، والأولاد في خدمته، والمجتمع كله يقدره ويجله؛ إذا بالموت يهدم عليه كل شيء.لهوت وغرتك الأماني وعندما أتمت لك الأفراح فوجئت بالقبر تزينت له الدنيا من كل ناحية ثم فجأة يأتي الموت. يقول الحسن البصري رحمه الله: [أبى الموت إلا أن ينغص على أهل النعيم نعيمهم، فاطلبوا نعيماً لا موت فيه! قالوا: أين يرحمك الله؟ قال: في الجنة!] قال تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:108] أي: غير منقوص.فعلى المسلم العاقل الحازم أن ينتبه! لماذا أتى إلى هذه الدنيا؟ وما الذي أراده الله من خلقه؟ أخلقك الله -أيها المسلم- من أجل أن تأكل وتشرب كما يأكل الحيوان ويشرب؟! أم من أجل أن تمسي وتصبح، تنكح، وتأكل وتشرب، وتنام وتستيقظ، ويكون همك محصوراً في هذا؟ إذا كنت كذلك فاعلم أن الأنعام أيضاً همها محصور في هذا، قال عز وجل وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ [محمد:12]. أما المؤمنون فإنهم يدركون أن الله خلقهم لشيء غير هذا، يعرفون أن الله أوجدهم لطاعته، وخلقهم لعبادته، فهم يبذلون الليل والنهار، والسر والجهار، والأموال الطائلة، والأعمار الطويلة كلها في طاعة الله تبارك وتعالى، حتى إذا ما جاء الرحيل من هذه الدنيا؛ إذا بهم ينتقلون إلى دار الآخرة، وقد ملئوها بالعمل الصالح، يقول ابن القيم رحمه الله:فحي على جنات عدنٍ فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيمُ ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونُسلمُ وقد زعموا أن الغريب إذا نأى وشطت به أوطانه فهو مغرمُ وأي اغترابٍ فوق غربتنا التي لها أضحت الأعداءُ فينا تحكمُ فيا خاطب الحسناء إن كنت راغباً فهذا زمان المهر فهو المقدمُ فكن أيّماً عمن سوها فإنها لمثلك في جنات عدنٍ تأيمُ وكن مبغضاً للخائنات بحبها لتحظى بها من دونهن وتكلمُ إذا أردت الجنة -يا أخي المسلم- فأعد لها من الآن، ولا تغفل عن طاعة الله تبارك وتعالى حتى إذا نزل الموت إذا بك مفلس من العمل الصالح. إذا جاء الموت، ورأيت الحقيقة، وقامت عليك الحجة، ورأيت مقعدك من الجنة أو من النار، ونظرت إلى الأولاد وهم يتبرءون منك، ونظرت إلى الأموال وهي لا تدفع عنك شيئاً، ونظرت إلى الأقارب وهم يمسكونك بأيديهم ويقلبونك على فراش الموت، ما يملكون حيلة في تلك اللحظات، ويتمنى الإنسان أنه يرجع إلى الدنيا، يقول الله تبارك وتعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ [المؤمنون:99-101].
يوم يلقى الإنسان ما قدمت يداه
وإن البرزخ: حياة القبر، والحياة البرزخية منذ أن يموت الإنسان إلى أن يبعث من في القبور يوم القيامة.لأن الحياة تنقسم إلى ثلاث مراحل: حياة الدنيا، وحياة البرزخ، وحياة الآخرة. فالحياة الدنيا نقضيها نحن وإياكم كما تعرفون، والحياة البرزخية يقضيها أهل القبور في قبورهم منذ أن ماتوا وحتى يقوموا يوم القيامة، والحياة الآخرة من يوم القيامة حين يرث الله الأرض ومن عليها إلى مالا نهاية، وليس هناك وقت محدد بل هم فيها خالدون، أي: في النار أو الجنة.
 العمل الصالح خير زاد في الآخرة
يا أخي المسلم! عليك أن تعلم أن المصير محقق وقريب، وليس بينك وبينه إلا أن تموت، وما ذلك ببعيد مني ولا منك.. انظر إلى الأموات وقل كما قال الأول:أمر على المقابر كل حينٍ ولا أدري بأي الأرض قبري فأفرح بالغنى إن زاد مالي ولا أبكي على نقصان عمري يمر علي رضي الله عنه على أهل المقابر ويقول لهم: [السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين، أنتم السابقون ونحن اللاحقون، أما الديار فقد سكنت، وأما الأموال فقد قسمت، وأما النساء فقد تزوجت، هذه أخبارنا فما أخباركم؟] وما عندنا شيء تغير، الليل هو الليل، والنهار هو النهار، والأكل الذي كنا نأكله هو أكلنا، ولا شيء جديد، وتقطعت الأرحام، وظهر العلم، وقل العمل، وتباغض الناس بالقلوب، وتلاعنوا بالألسن -والعياذ بالله-.يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا أظهر الناس العلم، وضيعوا العمل، وتحابوا بالألسن، وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا الأرحام، عند ذلك لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم) ويقول: (إذا ظهر في أمة خمس عشرة خصلة حلَّ بها البلاء: إذا كانت الأمانة مغنماً، والزكاة مغرماً، وأطاع الرجل زوجته، وعق أمه وأباه، وتُعلم العلم لغير الدين، وظهرت الأصوات في المساجد -بالخصومات، والبيع والشراء، وإنشاد الضالة، والمحاكمات- وظهرت القينات -يعني: المغنيات- والمعازف، وشربت الخمور، وسميت بغير اسمها -والعياذ بالله- ولعن آخر هذه الأمة أولها، فلينتظروا زلزلة وريحاً حمراء وخسفاً ومسخاً) وهذا حصل كله، فيقول: [هذه أخبارنا -ما من شيء جديد- ثم قال: أما -والله- لو نطقوا لقالوا: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197]]. تزود -يا أخي- من العمل الصالح، فإن خير الزاد التقوى، لن ينفع زادك من المال والعلم إلا إذا كان العلم مقروناً بالعمل، لن ينفعك زادك من الجاه، والسلطة، ومن العضلات والقوة، وإنما زادك من التقوى هو ما ينفعك في ذلك المكان الذي يتخلى فيه عنك كل قريب حبيب، ولا ينفعك إلا ما قدمت يداك، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
حال المؤمن والكافر بعد الموت
ويقص علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما يحدث للإنسان بعد الموت، نحن في غفلة عن الموت، يقول البراء بن عازب رضي الله عنه: (خرجنا في جنازة لرجل من الأنصار، ومعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ وهو على شفير القبر عوداً ينكت به الأرض، وقال: إن العبد المؤمن) جعلنا الله وإياكم من أهل الإيمان، ليس ادعاء وإنما عملاً، فلا يكفي أن تدعي أنك مؤمن، ثم لا تأتي على هذا الإيمان بدليل من عملك الصالح. مؤمن في عينك فلا تقع على حرام، مؤمن في سمعك فلا تستمع لحرام، مؤمن في لسانك فلا يتكلم بفحش، مؤمن في بطنك فلا تأكل الحرام، مؤمن في فرجك فلا يقترب من حرام، مؤمن في يدك فلا تمدها إلى حرام، مؤمن في قدمك فلا تأتي بها إلى حرام، مؤمن في عقلك وفكرك وبيتك وزوجتك وجماعتك وفي وظيفتك، مؤمن في كل تصرفاتك، آمنت بالله وسلمت أمرك لله، أما مؤمن وهو لا يصلي في المسجد.. يتكاسل عن صلاة الفجر.. يستأنس بالجلوس مع غير المحارم من النساء اللائي حرم الله عليه الجلوس معهن.. يطرب لسماع الغناء.. ويرتاح بتمعين ناظريه في الزنا والحرام -والعياذ بالله- .. يأكل الحرام والحلال ولا يفكر.. عاق لوالديه.. قاطع لرحمه.. مؤذٍ لجيرانه.. نقمة على جماعته وقريته، يبغضه كل شيء، أين يكون هذا الإيمان؟! (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال على الآخرة -يعني: انتهت أيامه في هذه الدار، وبدأت أيام الآخرة -نزلت له من الجنة ملائكة معهم حنوط من الجنة، وكفن من الجنة، ثم يجلسون له على مد البصر، ثم يأتي ملك الموت فيقول: يا أيتها النفس المطمئنة كانت في الجسد الطيب الطاهر- النظيف، الذي لا يقع ولا يمكن أن يقع في معصية، ولا يلطخ نفسه بجريمة- اخرجي إلى رحمة من الله ورضوان، وإلى رب غير غضبان) انظر الدعاء واللطف في العبارة، نفس زكية، نفس مؤمنة، كانت تخاف الله وتتقيه، كانت تسرع إلى طاعة الله، قال: (فتنسل روحه من جسده كما تنسل القطرة من فم القربة، فلا يدعوها في يده طرفة عين حتى تأخذها الملائكة، ثم تضعها في ذلك الحنوط، وفي ذلك الكفن، ثم يصعد بها إلى السماء، فيخرج منها كأطيب ريحٍ وجد على وجه الأرض، ثم يصعدون بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون لها أبواب السماء، فتقول الملائكة: من؟ فتقول الملائكة التي معها الروح: روح فلان بن فلان بأحسن الأسماء التي كان يسمى بها في الدنيا، فيقولون: نعم العبد نعرفه، كان يأتينا منه عمل) يتبين أن هذا العبد كان يحول على الآخرة، كان بينه وبين أعمال الآخرة صك، كل يوم يحول خيرات وصلوات ودعاء وبر وصدقات وإحسان ومعروف وكل خير عنده، الخير عنده مأمول، والشر من جانبه مأمون، لا يمكن أن يتوقع أحد عند مؤمن شراً، ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم) لا يخافون منه؛ لأنه مؤمن رادعه خوفه من الله وإيمانه. فتقول الملائكة: (نعم العبد نعرفه كان يأتينا منه عمل، فتفتح له أبواب السماء، فتستقبله الملائكة التي في السماء الدنيا، ثم يشيعه من كل سماءٍ مقربوها، إلى الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة.. إلى السابعة، فإذا بلغوا به السابعة قال الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين) السجل حولوه لعليين، وعليين هذه درجة من درجات الجنة العالية، يقول الله تبارك وتعالى فيها: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ [المطففين:18-20] موقع، من الذي يشهده؟ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [المطففين:21] الملائكة في السماء، وما في هذا الكتاب؟ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [المطففين:21-28] هذا الكتاب. (اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوا روحه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه إلى بين الجلد والكفن) وهو لا زال يغسل، ويحمل على الرقاب، توضع روحه بين كفنه وجلده، وإذا هي تقول وهي على الرقاب: (قدموني قدموني) تقول: أسرعوا بي إلى الجنة، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (أسرعوا بها؛ فإنها إن تك صالحة فخيراً تقدمونها إليه، وإن تك غير ذلك -يعني فاسدة والعياذ بالله- فشراً تضعونه عن رقابكم) دعوه يذهب، دعوه يقدم على ما قدم، دعوه قد قلنا له ولكنه أبى، الله أكبر! قال: (فإذا وضع في قبره ووضع عليه اللحود) وجعلوا التراب عليه، من هو؟ أنا -يا أخي- وأنت، ليس ببعيد هذا -يا أخي- عنك ولا عني، أنا الآن سأعود ولا أعلم أأبلت في بيتي أو لا؟ وأنت كذلك لا تعلم، توقع أنها الليلة الأخير -يا أخي- توقع أن الفراش الليلة ليس إسفنجاً ولا بطانية ولا سجادة، توقع أن الفراش هو الثرى، وأن الدفاء هو الثرى، وأمامك التراب، وليس عندك كهرباء، ولا معاش، ولا راتب، ولا زوجة ولا شيء، توقع هذا في كل لحظة -يا أخي- توقعه في كل حين، حتى يتقوى إيمانك ويتحرك قلبك، وتذكر الآخرة.(فإذا وضع في قبره) وولى الناس عنه، حتى إنه ليسمع قرع نعالهم. (أتاه ملكان فيقعدانه) يأتي منكر ونكير، وهما الملكان اللذان لا بد أن نمر عليهما أنا وأنتم، ما من كبير أو صغير إلا ولابد أن يأتي عليه الدور عندهما. (أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟) ثلاثة أسئلة لكنها صعبة الجواب، هنا يمكن أن أقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد، لكن هناك يختم على اللسان، يقول الله عز وجل: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ [يس:65] هل يدك هذه عرفت الله وهي تستلم الرشوة؟ هل عرفت الله وهي تدفع الزكاة الكذابة المغلوطة؟ هل عرفت الله وهي تذهب للمالية لتستلم المال الحرام؟ هل عرفت الله وهي تدفع أو تمتد إلى الحرام؟ هل عرفت الله وهي تقع وتلمس امرأة غير محرم لها؟! هي التي تتكلم ذاك اليوم، تقول: ربي الله، ولا تقول: ربي الشيطان الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:65] لا يتكلم اللسان في تلك اللحظة؛ لأنه مختوم عليه (من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول المؤمن: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم) وفي هذا التثبيت العظيم، يقول الله: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [إبراهيم:27] يعني: في الدنيا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [إبراهيم:27] يعني: في القبر وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27] يضله الله ولو كان أكبر عالم، ولو كان اسمه (محمد) ما استطاع أن يقول: (محمد) في ذلك اليوم. يقول: لا أعلم من هو نبيي. (فتقول الملائكة: على هذا عشت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله، ثم ينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي، فافرشوا له من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة -من عند قدميه إلى الجنة- ومهدوا قبره إلى الجنة، فلا يزال في روحٍ وريحان ونعيم عظيم، ثم يأتيه عمله على أحسن هيئة -أحسن صورة- شاب جميل المنظر، طيب الرائحة، أبيض الثياب، فيقول له: أبشر أبشر، قال: من أنت فوجهك الذي يبشر بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، حفظتني حفظك الله، فلا يزال معه في سرور وهو يقول: رب أقم الساعة.. رب أقم الساعة -يريدها أن تقوم لكي ينتقل إلى أهله وماله في الجنة- أما لعبد الفاجر-أعاذنا الله وإياكم أن نكون من الأشقياء- فإنه إن كان في انقطاع من الآخرة، وإقبال على الدنيا، نزلت إليه ملائكة معهم مسوح من النار، وكفنٌ من النار، سود الوجوه، فيقعدون منه مد البصر) فإذا رآهم حزن؛ فهو يراهم قبل أن يموت، أما المؤمن فيراهم فيبتسم، والمنافق والعاصي والفاجر إذا رآهم يحزن ويقول: ماذا يريد هؤلاء؟ الآن إذا أتاك العسكر يدقون بابك ستخاف، وستقول: من الذي اشتكاني؟ (فيقعدون له على مد البصر، ثم يأتي ملك الموت إلى هذه النفس الخبيثة فيقول: يا أيتها النفس الخبيثة! -كانت في الجسد الخبيث- اخرجي إلى سخط من الله وغضب -اخرجي الآن- قال: فتتفرق في جسده فلا يبقى عرق ولا شعرة ولا عصب ولا ظفر ولا عظم إلا وتدخل فيه -تهرب من ملك الموت- قال: فينزعها بقوة كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، ثم تخرج روحه من كل عرق، ومن كل شعرة، فيجد من ألم الموت ما لو وزع على أهل الدنيا لماتوا كلهم. قال: فلا يدعوها في يده طرفة عين -إذا أخذها الملك- حتى يضعوها في ذلك المسوح الخبيث الذي من النار، ثم يلفونها، فيصعد لها من الريح كأنتن ريح جيفة على وجه الأرض) لأنه جيفة وداخله خراب، باطنه خبيث -والعياذ بالله- فاسد مجرم منافق عدو لله ولرسوله، كان مستوراً في الدنيا بستر الله، والآن انكشف الغطاء، لا يوجد أمل للستر، فضحه الله في ذلك اليوم. (ثم يصعدون بها إلى السماء، فإذا بلغوا بها السماء استفتحوا فتقول الملائكة: من؟ فيقال: روح فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، فتقول الملائكة: بئس العبد لا نعرفه) ما كانوا يجدون له من عمل، كان مقطوعاً ما له عمل صالح، كان عمله تحت الأرض قال: (ثم قرأ قول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ * لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأعراف:40-41] قال: فتعود، فيقول الله: اكتبوا كتاب عبدي في سجين) في الأرض السابعة، والله يقول: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [المطففين:7-10] هذا كتابهم الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [المطففين:11-17]. (اكتبوا كتابه في سجين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه إلى بين كفنه وجلده، ثم -وهي على الرقاب- تقول: يا ويلها! أين تذهبون بها؟) يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (المؤمن يقول: قدموني قدموني، والفاجر يقول: يا ويلها! أين تذهبون بها؟) يقول: أين تذهبون بها؟ أين تذهبون الآن؟ ردوني إلى بيتي، ردوني إلى زوجتي وإلى أولادي. (فإذا وضع في قبره، وجاءه منكر ونكير، وأجلساه وأقعداه وقيل له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: هاه.. هاه.. لا أدري! فتقول له الملائكة: لا دريت ولا تليت، فينادي منادٍ من السماء: أن كذب عبدي، فافرشوا له من النار، وافتحوا له باباً إلى النار) ثم أول شيء يضربه ملك من الملائكة -هذه مقدمة العذاب- بمرزبة من حديد فيتركه طحيناً من لدن قرنه إلى قدمه، ثم يُبعث مرة أخرى، ثم يسلط الله عليه فتان القبر؛ فتان القبر ملك من الملائكة يعذبه، أعمى أبكم أصم، أعمى لا ينظر له فيرحمه، وأصم فلا يسمع كلام ذاك ولا بكاءه فيرحمه، فتان لا يرحمه أبداً، ووظيفة هذا أنه يضربه على تضييع الصلوات. (ثم يأتيه -والعياذ بالله- عمله على أقبح صورة، وعلى أنتن ريح، فيقول: أبشر أبشر، فيقول: من أنت لا بشرك الله بخير فوجهك الذي يأتي بالشر؟ قال: أنا عملك الخبيث ضيعتني ضيعك الله) ولا يزال -أيها الإخوان- في عذاب وفي سخط والعياذ بالله. فيا إخوتي! اتقوا الله تبارك وتعالى في أنفسكم، ولا تغرنكم هذه الحياة الدنيا، وهذه الأموال التي فتحت، وهذه الدنيا التي مكنت، اذكروا المصير، والقبور، والانتقال من هذه الدار، ومن كان معكم في هذه الدنيا من آبائكم وأمهاتكم وأولادكم، الذين انتقلوا إلى تلك القبور، فهم السابقون وأنتم اللاحقون، فعليكم أن تأخذوا من الموت عبرة، وأن تتقوا الله تبارك وتعالى في أنفسكم.
 العمل الصالح خير زاد في الآخرة
يا أخي المسلم! عليك أن تعلم أن المصير محقق وقريب، وليس بينك وبينه إلا أن تموت، وما ذلك ببعيد مني ولا منك.. انظر إلى الأموات وقل كما قال الأول:أمر على المقابر كل حينٍ ولا أدري بأي الأرض قبري فأفرح بالغنى إن زاد مالي ولا أبكي على نقصان عمري يمر علي رضي الله عنه على أهل المقابر ويقول لهم: [السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين، أنتم السابقون ونحن اللاحقون، أما الديار فقد سكنت، وأما الأموال فقد قسمت، وأما النساء فقد تزوجت، هذه أخبارنا فما أخباركم؟] وما عندنا شيء تغير، الليل هو الليل، والنهار هو النهار، والأكل الذي كنا نأكله هو أكلنا، ولا شيء جديد، وتقطعت الأرحام، وظهر العلم، وقل العمل، وتباغض الناس بالقلوب، وتلاعنوا بالألسن -والعياذ بالله-.يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا أظهر الناس العلم، وضيعوا العمل، وتحابوا بالألسن، وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا الأرحام، عند ذلك لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم) ويقول: (إذا ظهر في أمة خمس عشرة خصلة حلَّ بها البلاء: إذا كانت الأمانة مغنماً، والزكاة مغرماً، وأطاع الرجل زوجته، وعق أمه وأباه، وتُعلم العلم لغير الدين، وظهرت الأصوات في المساجد -بالخصومات، والبيع والشراء، وإنشاد الضالة، والمحاكمات- وظهرت القينات -يعني: المغنيات- والمعازف، وشربت الخمور، وسميت بغير اسمها -والعياذ بالله- ولعن آخر هذه الأمة أولها، فلينتظروا زلزلة وريحاً حمراء وخسفاً ومسخاً) وهذا حصل كله، فيقول: [هذه أخبارنا -ما من شيء جديد- ثم قال: أما -والله- لو نطقوا لقالوا: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197]]. تزود -يا أخي- من العمل الصالح، فإن خير الزاد التقوى، لن ينفع زادك من المال والعلم إلا إذا كان العلم مقروناً بالعمل، لن ينفعك زادك من الجاه، والسلطة، ومن العضلات والقوة، وإنما زادك من التقوى هو ما ينفعك في ذلك المكان الذي يتخلى فيه عنك كل قريب حبيب، ولا ينفعك إلا ما قدمت يداك، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
مخالفات تقع فيها النساء
هناك -أيها الإخوة- أمر مهم يتعلق بالنساء؛ لأن النساء شقائق الرجال.
 وجوب احتجاب كلا الجنسين من الآخر
نسمع الكثير من الناس يقول: أما بالنسبة للجماعة فيما بينهم سهل، أم الكلام فهو على الأجنبي الذي يأتي من بعيد.. إنهم الجماعة وربي غفور رحيم! حتى لو كان أخاك من أمك وأبيك؛ لا يجوز له أن ينظر لزوجتك، لماذا؟ لأن أخاك أجنبي عن امرأتك، هو ابن ناس وهي بنت ناس، ولو طلقتَ زوجتَك لجاز لأخيك أن ينكح زوجتك من بعدك، فـ(الحمو هو الموت)، وليس معنى هذا: أن تقاطع إخوانك وجماعتك لا، فقط حجّب المرأة، والذي لا يصحابك إلا من أجل المرأة لا يحبك، بعض الناس ما يحب الرجل إلا إن كان يرى امرأته، فإن حجبها عنه قال: يحجب امرأته عني؟! قل له: أحجبها.. أتحبني من أجل المرأة؟ هذه محبة فاسدة. وبعضهم يذهب إلى رجل أخرج له زوجته، ثم إذا أتاه ذلك الرجل قال لامرأته: اخرجي حيي الضيوف، قالت: إني أستحي، ولا أحب أن أدخل على الرجال، قال: اسكتي، أنا ذهبت عنده وامرأته رحبت بي ودعتني للغداء، فيدعو امرأته للتجمل لصاحبه، ويعتبره رداً على حسن الضيافة، ويقول لها: اذهبي وتجملي لضيوفي وقابليهم بوجه حسن، فمسكينة تذهب تلبس وتغسل وجهها بالصابون وتنظف نفسها وتنظر في المرآة وتقوم بتحية الرجال في المجلس والرسول يقول: (لأن يمس أحدكم جلد خنزير أولى من أن يمس جلد امرأة لا تحل له) يظن أنه إن لمسها في يدها فالأمر هين، ولكنه نار، وصعقة كهربائية.الآن السلك الكهربائي سلك أحمر وآخر أسود، إذا التقى الأسود والأحمر ما الذي يحصل؟ (التماس كهرباء) وحريق، لكن إذا وصلنا السلك الأحمر والسلك الأسود إلى (الفيش) أيحصل حريق؟ لا. هذا (الفيش) هو الزواج، يلتقي فيه الرجل السلك الأحمر بالمرأة (السلك الثاني)، يلتقون داخل الزواج، فلا يحصل حريق، يصبح وئام ولطف ورحمة، وينتج عنه ذرية صالحة، إما ولد أو بنت، أما إذا التقوا قبل الزواج كانت فتنةً وفساداً كبيراً لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى، وكذلك السلك العاري كيف تأمنه؟ تقوم بعزل السلك العاري ويقال: لف عليه حجاباً، فزوجتك هذا -يا أخي- سلك عار! تؤثر في قلوب الناس، ضع عليه مادة عازلة، والمادة هذه هي الحجاب، حجب هذه الزوجة، إن كانت جميلة فخلها لك -يا أخي- لا ينظر إليها الناس، وإن كانت قبيحة فاجعلها قسمك حتى لا يضحك منك الناس ويترحموا عليك ويقولون: (مسكين مع هذه الجنية)، وإن كانت جميلة قالوا: لا يستحقها! لا -يا أخي- إن كانت جميلة فقد قدرها الله لك، وإن كانت قبيحة فقد قدرها الله عليك، لأن المرأة كما يقول الناظم:إن الرجال الناظرين إلى النسا مثل الكلاب تطوف باللحمان إن لم تصن تلك الأسود لحومها أكلت بلا عوضٍ ولا أثمانِ فإذا عدا كلب على لحمة آخر، فيكون هناك من يعدو على لحمته دون أن يعلم، ومن يزنِ يزنَ بأهله، يقول: عفوا تعف نساؤكم في المحرمِ وتجنبوا ما لا يليق بمسلم إن الزنا دينٌ فإن أقرضته كان القضا من أهل بيتك فاعلمِ من يزن بامرأة بألفي درهمٍ في بيته يُزنى بغير الدرهمِ إذا نظرت بعينك إلى الحرام جاء من ينظر لمحارمك من الحرام، وإذا غضضت بصرك عن الحرام صرف الله الأنظار عن محارمك، فاتق الله في محارم الناس يحفظ الله محارمك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احفظ الله يحفظك) لكن إذا كان الرجل غيوراً على محارمه، ويريد من المرأة أن تتحجب، لكنه لا يحفظ حرمات الآخرين فإذا دخل على النساء القعود سلم عليهن وجلس معهن، وإذا ذهب إلى البيت قال: لا تكشفي على الرجال؟ لا يمكن أن تلتزم زوجتك بالحجاب إذا لم تلتزم به أنت، الزم نفسك أولاً بالاحتجاب عن النساء، إذا دخلت على النساء وهن أمام الرجال كاشفات فانهرهن، وقل لهن: اتقين الله، ارجعن وتحجبن، استحي يا امرأة!! تقولها هكذا بصوت قوي، فإذا رفضت النساء الاحتجاب عنك فتحجب أنت، غض بصرك؛ لأن الله يقول: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30] استجب لله إذا عصت هي، حتى بعد ذلك تخجل هي، وزوجتك إذا علمت أنك ألزمت نفسك بالحجاب لا يمكن أن تتفرج على غيرك، لماذا؟ لأنها أمنت جانبك، فهذا المنكر -أيها الإخوان- منكر مستطير، وفسادٌ كبير واقع فيه أكثر الناس، ولكن لا يصعب تجنبه، المؤمن يحمل هذا ويتوكل على الله ويجتهد والله معه، أما ضعيف الإيمان مهزوز العقيدة فإنه يسمع ولكن يقول: والله! إني لا أستطيع، لماذا لا تستطيع الامتثال لأمر الله؟ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:85]. أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا وإياكم من عباده الصالحين، وأن يرزقنا وإياكم إيماناً صادقاً، وعملاً صالحاً، ويقيناً خالصاً، حتى نعلم أنه لا يضرنا ولا ينفعنا إلا هو، إنه على كل شيء قدير.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , التبرج والسفور والحجاب للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net