اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث [12] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث [12] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
الإيمان بالقدر خيره وشره من الأمور الواجبة التي لا يصح إيمان العبد إلا بها, فعلى المسلم أن يؤمن بأن الله عز وجل قدر المقادير، وأن تقديره لا يعطل على العبد اختياره ومشيئته. وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم لكثير من أصحابه أنهم من أهل الجنة, وأفضل أولئك هم العشرة المبشرون بالجنة, وأفضل العشرة هم الخلفاء الراشدون الأربعة.
خلق أفعال العباد
بسم الله الرحمن الرحيم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:قال المصنف رحمه الله: [ ومن قول أهل السنة والجماعة في أكساب العباد أنها مخلوقة لله تعالى، لا يمترون فيه، ولا يعدون من أهل الهدى ودين الحق من ينكر هذا القول وينفيه.ويشهدون أن الله تعالى يهدي من يشاء لدينه, ويضل من يشاء عنه، لا حجة لمن أضله الله عليه، ولا عذر له لديه، قال الله عز وجل: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام:149], وقال: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي [السجدة:13], الآية, وقال: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ [الأعراف:179], الآية, سبحانه خلق الخلق بلا حاجة إليهم، فجعلهم فرقتين: فريقاً للنعيم فضلاً، وفريقاً للجحيم عدلاً، وجعل منهم غوياً ورشيداً، وشقياً وسعيداً، وقريباً من رحمته وبعيداً، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23]، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54], وقال عز وجل: كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [الأعراف:29-30], وقال: أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ [الأعراف:37], قال ابن عباس : هو ما سبق لهم من السعادة والشقاوة.أخبرنا أبو محمد المجلدي أخبرنا أبو محمد العباس السراج حدثنا يوسف عن موسى أخبرنا جرير عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: ( إن خفق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات، رزقه وعمله وأجله، وشقي أو سعيد، فوالذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، ثم يدركه ما سبق له في الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخله, وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، ثم يدركه ما سبق له من كتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ) ]. ‏
 عدل الله في ختم حياة الإنسان على الخير أو الشر
هذا يحتاج إلى بيان أن ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب ), هل هذا المعنى على إطلاقه أو هو مقيد؟ باعتبار أن الإنسان يعمل بعمل أهل الجنة حتى إذا بقي على وفاته نحو الذراع سبق عليه الكتاب فعمل بعمل أهل النار. هو مقيد فيما يبدو للناس, يعني: أنه نفاق, وهذا جاء في الصحيح من حديث سهل عليه رضوان الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يعمل بعمل أهل الحنة فيما يبدو للناس )؛ لأن الله أعدل من أن يقوم الإنسان بطاعته سبحانه وتعالى سنين طويلة، حتى إذا بقي من وفاته ساعة أو ساعتان عمل بعمل أهل النار، ثم مات على هذا.وكذلك في مسألة أهل النار, قال: ( يعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس ), يظنون أنه من أهل النار، وله خبيئة من عمل وخبيئة من عذر, فسبق عليه الكتاب فكانت خاتمته حسنة.ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى أعدل من أن يجعل عمل الإنسان لسنين طويلة هباء منثوراً، فيضرب عليه الأمر، فيكتب له بساعة السوء، ولهذا نقول: إن الله عز وجل يعلم باطن الإنسان وظاهره, وإذا أظهر شراً أو أظهر خيراً يعلم بإيمانه ودافعه إلى ذلك, فالعبرة بالخواتيم, كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إنما الأعمال بالخواتيم ), يعني: ما وجد من عمل الإنسان ظاهراً وباطناً فيما يعلمه الله يختم عليه الإنسان, ولهذا الشخص الذي يخالف أمر الله عز وجل بالزنا والسرقة وغير ذلك من الموبقات أن الغالب أن يختم له بسوء إذا كان على هذا الأمر زمناً طويلاً, فلا تكون ميتته ميتة حسنة, فيموت ساجداً أو نحو هذا, كذلك من كان طائعاً لله, صواماً, قواماً, لسنين طويلة, لا يختم الله عز وجل له بآخر ساعة من عمره أن يموت على شرب الخمر, أو يموت على السرقة أو على الزنا أو نحو ذلك, والله عز وجل عدل في هذا الأمر.وأما ما يتعلق بجانب العمل السيئ سواء كان كفراً أو كان ذنباً يفعله الإنسان؛ نقول: قد يستمر الإنسان على ذلك دهوراً، ويختم الله عز وجل للإنسان بعمل الخير, كما جاء أن أحد الصحابة أسلم في المعركة, وكان قبل ذلك كافراً, ثم قتل ولم يعمل خيراً قط إلا ما مات عليه من الجهاد والشهادتين وما لحقها من عمل يسير, نقول في مثل هذا: هذا أغلب ظهوراً من الثاني؛ أن يكون الإنسان طائعاً لله عز وجل مدى الدهر, ثم يجعل الله عز وجل ميتته ميتة سوء في آخر ساعة من عمره, أما الثاني لأن الله عز وجل رحمته سبقت غضبه جل وعلا يختم لعباده الذين كانوا على سوء على عمل صالح في آخر حياته أكثر من الأول وأظهر؛ لأن رحمة الله عز وجل ولطفه تسبق غضبه سبحانه وتعالى.والغالب في الأمرين أن الله عز وجل يجعل أمر الإنسان على ما كان عليه قبل ذلك, ولكن يظهر ميتته وخاتمته على ما كان عليه من عمل الباطن وعمل الظاهر, والله عز وجل لا ينظر إلى العمل الظاهر مجرداً, بل إذا صح الظاهر جزي الإنسان على عمله الظاهر بالإحسان, وإذا فسد باطنه ولو عمل وأحسن بالظاهر, فإن عمله الظاهر لن يكون إلا فساداً ووبالاً عليه بسوء باطنه؛ لأنه فعل ذلك نفاقاً.
الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره
قال المصنف رحمه الله: [ويشهد أهل السنة ويعتقدون أن الخير والشر والنفع والضر بقضاء الله وقدره، لا مرد لها، ولا محيص ولا محيد عنها، ولا يصيب المرء إلا ما كتبه له ربه، ولو جهد الخلق أن ينفعوا المرء بما لم يكتبه الله له لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يضروه بما لم يقضه الله لم يقدروا, على ما ورد به الخبر عن عبد الله بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( قال الله عز وجل: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس:107], الآية )].الإيمان بقضاء الله عز وجل وقدره واجب؛ كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله جبريل عن الإيمان قال: ( الإيمان أن تؤمن بالله, وملائكته, وكتبه, ورسله, وبالبعث بعد الموت, وبالقدر خيره وشره ). ‏
 عدم إضافة ما يتوهم منه النقص بالنسبة لله
قال المصنف رحمه الله: [ومن مذهب أهل السنة وطريقتهم مع قولهم بأن الخير والشر من الله وبقضائه، أنه لا يضاف إلى الله ما يتوهم منه نقص على الانفراد، فيقال: يا خالق القردة والخنازير والخنافس والجعلان، وإن كان لا مخلوق إلا والرب خالقه، وفي ذلك ورد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستفتاح: ( تباركت وتعاليت ). ومعناه والله أعلم: والشر ليس مما يضاف إليك إفراداً وقصداً، حتى يقال لك في المناداة: يا خالق الشر! ويا مقدر الشر! وإن كان هو الخالق والمقدر لهما جميعاً، لذلك أضاف الخضر عليه السلام إرادة العيب إلى نفسه، فقال فيما أخبر الله عنه في قوله: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا [الكهف:79], فلما ذكر الخير والبر والرحمة أضاف إرادتها إلى الله عز وجل، فقال: فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الكهف:82], ولذلك قال مخبراً عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80], فأضاف المرض إلى نفسه، والشفاء إلى ربه، وإن كان الجميع منه].وهذا على ما تقدم؛ أن ما يتضمن لفظ نقص نثبته بالإجمال, وأما ما يتضمن نسبته لله عز وجل مدحاً لا حرج في إثباته بالتفصيل؛ كقولنا: خالق السمع, والبصر, ومصور الإنسان, ومدور الكواكب والأفلاك, ومجري السحاب والرياح, والفلك التي تجري في البحر, وغير ذلك من الأمور التي يستعظمها الإنسان, والدخول في مسائل التفصيل هذا لا حرج فيه.أما ذكر ما يوجد في الكون من مخلوقات الله عز وجل التي يستقبحها الإنسان نسبتها على سبيل التفصيل، وإن كانت صحيحة المعنى إلا أنها لا تجوز؛ لأنها تتضمن نقصاً على سبيل الانفراد, وإنما نثبتها؛ خلق الله عز وجل المخلوقات, وإذا جاء من ينفيها, من خلق العذرة؟ نقول: الله, إذا جاء من ينفيها أو يسأل عنها نثبتها بهذا الأمر، ونثبت الجميع لله سبحانه وتعالى خلقه.
الكلام حول الإرادة والمشيئة
قال المصنف رحمه الله: [ومن مذهب أهل السنة والجماعة أن الله عز وجل مريد لجميع أعمال العباد خيرها وشرها، ولم يؤمن أحد إلا بمشيئته, ولم يكفر أحد إلا بمشيئته، ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة, ولو شاء ألا يعصى ما خلق إبليس, فكفر الكافرين وإيمان المؤمنين بقضائه سبحانه وتعالى وقدره وتقديره وإرادته ومشيئته، أراد كل ذلك وشاءه وقضاه، ويرضى الإيمان والطاعة، ويسخط الكفر والمعصية، قال الله عز وجل: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [الزمر:7]]. ‏
 منهج أهل السنة في باب المشيئة والإرادة
أهل السنة في هذا الباب يقولون: إن الله عز وجل قدر المقادير، ويعلم ما كان، ويعلم ما سيكون ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون, وأن تقدير الله عز وجل لا يعطل على العبد اختياره, وله مشيئة, وهداه الله عز وجل النجدين, عرف طريق الحق وطريق الباطل, طريق الخير وطريق الشر, وله اختيار يحاسبه الله عز وجل على اختياره.ولهذا يقول الله عز وجل: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15], في هذا إشارة إلى أن بالرسول أثر على العمل, على اختيار الإنسان, وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30], فللإنسان مشيئة، ولكنها بعد مشيئة الله سبحانه وتعالى، وهذا هو عمل القلب.أما ما يأتي في ذهن الإنسان من بعض الأمور التي تغيب عن ذهنه كقوله: ( إن الله عز وجل يقدر على العباد, وخلق للنار خلقاً وهم في بطون أمهاتهم, وخلق للجنة خلقاً وهم في بطون أمهاتهم، ففيم يكون العمل؟ ), مثل هذا الأمر والتوقف عنده والتسليم بما جاء به الله سبحانه وتعالى من الإيمان بالقدر, وعدم البحث فيما وقع من ذلك؛ لماذا؟ لأن عقل الإنسان لا يدركه, ولهذا لما قال أبو حنيفة يقول: هذه مسألة مقفلة ضاع مفتاحها, ومقفلة على الأذهان، واستيعابها هو أبعد من ذلك, لحكم الله عز وجل، والموضوع صعب.ولهذا نقول: هذه المسألة تتكئ على قدر التسليم, وهذا يدرك أنه يوجد في نفوس بعض الناس من عدم استيعاب كثير من العلل, وهنا يتبين أهل الإيمان الحق والصدق, ولهذا ابن تيمية على ما تقدم الكلام عنه يقول: ما من أحد إلا وفي قلبه حسكة من هذه المسألة.وقد زلت في هذه المسألة الأقدام وضلت فيها الأفهام, وكفر بها بسببها أقوام كثر.ولهذا نقول: إن كثيراً من الحكم لا يدركها الإنسان لضعف عقله؛ كما الإنسان في مسألة نظره للشمس في الظهيرة, ينظر إليها الإنسان ثم يرجع, كأن بصره حينما لسعته الشمس انقبض عنه, وما يدري الإنسان أيضاً في عقله إذا تأمل بعض القضايا كأنها ضربة شمس أدى إلى انكماشها؛ لماذا؟ لأنه ما استوعبها, ولن تستطيع أن تستوعب, وإذا أدمت النظر احترقت, ولو أردت أن تدرك كل علل الكون فما الفرق بين الخالق والمخلوق؟ ما الفرق بينك وبين الله؟ أين التسليم والطاعة؟ إذا أردت أن يعلمك الله عز وجل بما أوجده الله عز وجل بالكون كله وأن تعلم علته فما الفضل في مسألة الإيمان لك, وما الفرق حينئذٍ بين علم الخالق والمخلوق سبحانه وتعالى؟ والعجب ممن ينفي علم الله عز وجل بالقدر أنه يدعو الله أن يقدر له الخير ويكفيه الشر, فأي شيء يقدره الله عز وجل لك في المستقبل وأنت تنفي قدر الله سبحانه وتعالى أصلاً؟ ولهذا نقول: إن الإيمان بالقضاء والقدر متلازم مع جميع أجزاء الإيمان, ومع القربات, والتعلق بالله سبحانه وتعالى.
الشهادة بالجنة والنار
قال المصنف رحمه الله: [ ويعتقد ويشهد أصحاب الحديث أن عواقب العباد مبهمة، لا يدري أحد بما يختم له، ولا يحكون لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، ولا يحكون على أحد بعينه أنه من أهل النار؛ لأن ذلك مغيب عنهم، لا يعرفون على ما يموت عليه الإنسان, ولذلك يقولون: إنا مؤمنون إن شاء الله ].وهذا على ما تقدم الكلام عليه في مسألة الإيمان؛ هو قول وعمل واعتقاد, قد يذهب واحد منها ولا يذهب الإيمان لعذر قائم فيه, وهذا العذر يعلمه الله عز وجل, وقد يوجد واحد منها، ولا يقبله الله عز جل من العبد لانتفاء الباطن، ولهذا لا يشهد لأحد بالجنة ولا بالنار بعينه إلا من شهد له الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم, وإنما نكل أمره إلى الله ونحسن الظن بالله سبحانه وتعالى أن يجعل عاقبته إلى خير.وكذلك من شهادة الناس للإنسان في الخير والإحسان والفضل, فهذا أيضاً من إحسان الظن والبال, وشهادة الناس للإنسان بالشر والذم ونحو ذلك أيضاً فيها من شهادة له بالسوء, ولا يقطع في ذلك, ولكن يؤخذ من ذلك تفاؤلاً وسوء عاقبة الإنسان بحسب ما يشتهر ويظهره ويستفيض عنه.ولكن هذا لا ينفي أن نشهد لكل كافر بالنار, ولكل مؤمن بالجنة, إما ابتداء أو انتهاء بعد ما يقدره الله عز وجل عليه من حساب وعقاب.وأما هذه المسألة فتتكلم على قضية الأعيان, ولهذا الرجل الذي قاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح, وقال أحد الصحابة عليهم رضوان الله: ( إنه رجل من أهل الجنة, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل من أهل النار ), هذا وهم الصحابة! وهم في القتال, والسبب في ذلك أنه في علم الله عز وجل أنه يقتل نفسه, ولهذا نقول: لا يدري الإنسان ما يختم للإنسان عليه، وكذلك ما يبطنه الإنسان من أمور ترى خيراً، وكانت نيته لغير الله عز وجل، والله عز وجل ينظر إلى الظواهر والبواطن على حد سواء.قال رحمه الله: [ ويشهدون لمن مات على الإسلام أن عاقبته الجنة, فإن الذين سبق القضاء عليهم من الله أنهم يعذبون بالنار مدة لذنوبهم التي اكتسبوها، ولم يتوبوا منها، فإنهم يردون أخيراً إلى الجنة، ولا يبقى أحد في النار من المسلمين. فضلاً من الله ومنة، ومن مات والعياذ بالله على الكفر فمرده إلى النار لا ينجو منها، ولا يكون لمقامه فيها منتهى].
 منهج أهل السنة في باب المشيئة والإرادة
أهل السنة في هذا الباب يقولون: إن الله عز وجل قدر المقادير، ويعلم ما كان، ويعلم ما سيكون ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون, وأن تقدير الله عز وجل لا يعطل على العبد اختياره, وله مشيئة, وهداه الله عز وجل النجدين, عرف طريق الحق وطريق الباطل, طريق الخير وطريق الشر, وله اختيار يحاسبه الله عز وجل على اختياره.ولهذا يقول الله عز وجل: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15], في هذا إشارة إلى أن بالرسول أثر على العمل, على اختيار الإنسان, وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30], فللإنسان مشيئة، ولكنها بعد مشيئة الله سبحانه وتعالى، وهذا هو عمل القلب.أما ما يأتي في ذهن الإنسان من بعض الأمور التي تغيب عن ذهنه كقوله: ( إن الله عز وجل يقدر على العباد, وخلق للنار خلقاً وهم في بطون أمهاتهم, وخلق للجنة خلقاً وهم في بطون أمهاتهم، ففيم يكون العمل؟ ), مثل هذا الأمر والتوقف عنده والتسليم بما جاء به الله سبحانه وتعالى من الإيمان بالقدر, وعدم البحث فيما وقع من ذلك؛ لماذا؟ لأن عقل الإنسان لا يدركه, ولهذا لما قال أبو حنيفة يقول: هذه مسألة مقفلة ضاع مفتاحها, ومقفلة على الأذهان، واستيعابها هو أبعد من ذلك, لحكم الله عز وجل، والموضوع صعب.ولهذا نقول: هذه المسألة تتكئ على قدر التسليم, وهذا يدرك أنه يوجد في نفوس بعض الناس من عدم استيعاب كثير من العلل, وهنا يتبين أهل الإيمان الحق والصدق, ولهذا ابن تيمية على ما تقدم الكلام عنه يقول: ما من أحد إلا وفي قلبه حسكة من هذه المسألة.وقد زلت في هذه المسألة الأقدام وضلت فيها الأفهام, وكفر بها بسببها أقوام كثر.ولهذا نقول: إن كثيراً من الحكم لا يدركها الإنسان لضعف عقله؛ كما الإنسان في مسألة نظره للشمس في الظهيرة, ينظر إليها الإنسان ثم يرجع, كأن بصره حينما لسعته الشمس انقبض عنه, وما يدري الإنسان أيضاً في عقله إذا تأمل بعض القضايا كأنها ضربة شمس أدى إلى انكماشها؛ لماذا؟ لأنه ما استوعبها, ولن تستطيع أن تستوعب, وإذا أدمت النظر احترقت, ولو أردت أن تدرك كل علل الكون فما الفرق بين الخالق والمخلوق؟ ما الفرق بينك وبين الله؟ أين التسليم والطاعة؟ إذا أردت أن يعلمك الله عز وجل بما أوجده الله عز وجل بالكون كله وأن تعلم علته فما الفضل في مسألة الإيمان لك, وما الفرق حينئذٍ بين علم الخالق والمخلوق سبحانه وتعالى؟ والعجب ممن ينفي علم الله عز وجل بالقدر أنه يدعو الله أن يقدر له الخير ويكفيه الشر, فأي شيء يقدره الله عز وجل لك في المستقبل وأنت تنفي قدر الله سبحانه وتعالى أصلاً؟ ولهذا نقول: إن الإيمان بالقضاء والقدر متلازم مع جميع أجزاء الإيمان, ومع القربات, والتعلق بالله سبحانه وتعالى.
المبشرون بالجنة
قال المصنف رحمه الله: [فأما الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه بأعيانهم فإن أصحاب الحديث يشهدون لهم بذلك، تصديقاً للرسول صلى الله عليه وسلم فيما ذكره ووعده لهم، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يشهد لهم بها إلا بعد أن عرف ذلك، والله تعالى أطلع رسوله صلى الله عليه وسلم على ما شاء من غيبه، وبيان ذلك في قوله تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [الجن:26-27], وقد بشر صلى الله عليه وسلم عشرة من أصحابه بالجنة؛ وهم: أبو بكر و عمر و عثمان و علي و طلحة و الزبير و عبد الرحمن بن عوف و سعد و سعيد و أبو عبيدة بن الجراح , وكذلك قال لـثابت بن قيس بن شماس : ( إنه من أهل الجنة, قال أنس بن مالك : فلقد كان يمشي بين أظهرنا ونحن نقول: إنه من أهل الجنة ) ].وشهد النبي صلى الله عليه وسلم لكثير من الرجال والنساء من أصحابه أنهم من أهل الجنة, شهد النبي صلى الله عليه وسلم لـخديجة ولـفاطمة و للحسن و الحسين و عكاشة و بلال وغيرهم من أصحابه ممن ليسوا من العشرة, ونشهد لمن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة بعينه.ومن شهد النبي صلى الله عليه وسلم لجمهورهم نشهد لجمهورهم, وذلك لحال من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة عليهم رضوان الله نشهد لهم بالخير على سبيل الإجمال, فنقول: الصحابة في الجنة, ولا نخصص أحداً بعينه إلا من خصه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لماذا قلنا الصحابة؟ لأن الله عز وجل رضي عنهم ورضوا عنه, فمن تحققت فيه الصحبة وهذا اللفظ انحدر فيه فإنه إن شاء الله من أهل الجنة, ومن انتفى عنه ذلك الوصف فإنه حينئذٍ خارج ذلك الإطلاق.
 منهج أهل السنة في باب المشيئة والإرادة
أهل السنة في هذا الباب يقولون: إن الله عز وجل قدر المقادير، ويعلم ما كان، ويعلم ما سيكون ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون, وأن تقدير الله عز وجل لا يعطل على العبد اختياره, وله مشيئة, وهداه الله عز وجل النجدين, عرف طريق الحق وطريق الباطل, طريق الخير وطريق الشر, وله اختيار يحاسبه الله عز وجل على اختياره.ولهذا يقول الله عز وجل: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15], في هذا إشارة إلى أن بالرسول أثر على العمل, على اختيار الإنسان, وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30], فللإنسان مشيئة، ولكنها بعد مشيئة الله سبحانه وتعالى، وهذا هو عمل القلب.أما ما يأتي في ذهن الإنسان من بعض الأمور التي تغيب عن ذهنه كقوله: ( إن الله عز وجل يقدر على العباد, وخلق للنار خلقاً وهم في بطون أمهاتهم, وخلق للجنة خلقاً وهم في بطون أمهاتهم، ففيم يكون العمل؟ ), مثل هذا الأمر والتوقف عنده والتسليم بما جاء به الله سبحانه وتعالى من الإيمان بالقدر, وعدم البحث فيما وقع من ذلك؛ لماذا؟ لأن عقل الإنسان لا يدركه, ولهذا لما قال أبو حنيفة يقول: هذه مسألة مقفلة ضاع مفتاحها, ومقفلة على الأذهان، واستيعابها هو أبعد من ذلك, لحكم الله عز وجل، والموضوع صعب.ولهذا نقول: هذه المسألة تتكئ على قدر التسليم, وهذا يدرك أنه يوجد في نفوس بعض الناس من عدم استيعاب كثير من العلل, وهنا يتبين أهل الإيمان الحق والصدق, ولهذا ابن تيمية على ما تقدم الكلام عنه يقول: ما من أحد إلا وفي قلبه حسكة من هذه المسألة.وقد زلت في هذه المسألة الأقدام وضلت فيها الأفهام, وكفر بها بسببها أقوام كثر.ولهذا نقول: إن كثيراً من الحكم لا يدركها الإنسان لضعف عقله؛ كما الإنسان في مسألة نظره للشمس في الظهيرة, ينظر إليها الإنسان ثم يرجع, كأن بصره حينما لسعته الشمس انقبض عنه, وما يدري الإنسان أيضاً في عقله إذا تأمل بعض القضايا كأنها ضربة شمس أدى إلى انكماشها؛ لماذا؟ لأنه ما استوعبها, ولن تستطيع أن تستوعب, وإذا أدمت النظر احترقت, ولو أردت أن تدرك كل علل الكون فما الفرق بين الخالق والمخلوق؟ ما الفرق بينك وبين الله؟ أين التسليم والطاعة؟ إذا أردت أن يعلمك الله عز وجل بما أوجده الله عز وجل بالكون كله وأن تعلم علته فما الفضل في مسألة الإيمان لك, وما الفرق حينئذٍ بين علم الخالق والمخلوق سبحانه وتعالى؟ والعجب ممن ينفي علم الله عز وجل بالقدر أنه يدعو الله أن يقدر له الخير ويكفيه الشر, فأي شيء يقدره الله عز وجل لك في المستقبل وأنت تنفي قدر الله سبحانه وتعالى أصلاً؟ ولهذا نقول: إن الإيمان بالقضاء والقدر متلازم مع جميع أجزاء الإيمان, ومع القربات, والتعلق بالله سبحانه وتعالى.
فضل الصحابة ومنزلتهم والطعن فيهم
قال المصنف رحمه الله: [ ويشهدون ويعتقدون أن أفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ، وأنهم الخلفاء الراشدون, الذين ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافتهم بقوله فيما رواه سعيد بن نبهان عن سفينة قال: ( الخلافة بعدي ثلاثون سنة ), وبعد انقضاء أيامهم عاد الأمر إلى الملك العضوض على ما أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ]. ‏
 دعوى وجود المنافقين في الصحابة
وأما من يقول: إن في الصحابة عليهم رضوان الله تعالى منافقين, نقول: إن من كان من أهل النفاق ليس له أثر في نصرة الإسلام أصلاً, ثم أيضاً أنهم نفر يسير, والنفر اليسير لا يأتي على العدد القائم من الألوف من الصحابة عليهم رضوان الله, وقد ذكر أبو زرعة أن عدد الصحابة عليهم رضوان الله الذين مات عنهم النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة وعشرين ألفاً, وقيل: مائة وأربعة عشر ألف, وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث حذيفة بن اليمان قال: ( في أصحابي اثنا عشر منافقاً, ثمانية منهم لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ), والمنافقون هم دون هذا العدد.ولا ينبغي أن يطعن بالصحابة عليهم رضوان الله تعالى على سبيل العموم أو التغليب أو يطعن في أعيانهم؛ لوجود أفراد المنافقين, والمنافقون الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأعيانهم, وقد سماهم لـحذيفة بن اليمان , وكان عمر بن الخطاب والصحابة ينظرون إلى حال حذيفة بن اليمان عليه رضوان الله بتعظيمه لأحد أو عدم تعظيمه, أو صلاته على أحد أو عدم صلاته عليه, فكانوا لا يصدقون ولا يقربون, وليس لهم أثر على الأمة.ولهذا نقول: إنه ينبغي للمؤمن أن يعظم الصحابة عليهم رضوان الله, وأن يترضى عنهم, وألا تذكر مثالبهم ولا يذكرون إلا بخير. وما وقع بينهم من نزاع وخصومة كحال الخصومة التي تقع بين الأخوين, لا يقضي الإنسان بينهما بشدة أو دم أو قدح أو نحو ذلك, وإنما إن خاض في ذلك ووجد نفسه مضطراً للخوض في ذلك في مسألة من المسائل يكون معهم بأدب ولين ورفق, وكذلك بخفض جناح الذل لهم عليهم رضوان الله تعالى, وهذا في كل المسائل, وما وقع بينهم أيضاً من الخصومة وقع بين أناس فاضلين لا يقضي بينهم فيمن جاء بعدهم ممن كان دون ذلك.
خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة

 فضل حب الخلفاء الأربعة وحرمة سبهم
قال المصنف رحمه الله: [ فكان هؤلاء الأربعة الخلفاء الراشدين الذين نصر الله بهم الدين، وقهر وقسر بمكانهم الملحدين، وقوى بمكانهم الإسلام، ورفع في أيامهم للحق الأعلام، ونور بضيائهم ونورهم وبهائهم الظلام، وحقق بخلافتهم وعده السابق في قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [النور:55], وفي قوله: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ [الفتح:29]الآية, فمن أحبهم وتولاهم، ودعا لهم، ورعى حقهم، وعرف فضلهم فاز في الفائزين، ومن أبغضهم وسبهم، ونسبهم إلى ما تنسبهم الروافض والخوارج لعنهم الله, فقد هلك في الهالكين, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تسبوا أصحابي، فمن سبهم فعليه لعنة الله ), وقال: ( من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن سبهم فعليه لعنة الله ) ].لأنهم ما اجتمعوا إلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم, ما اجتمعوا على غيره, حباً للنبي عليه الصلاة والسلام واتباعاً له, فإذا طعن فيهم طعن بما اجتمعوا عليه ورضوه واقتدوا به وتأسوا به عليه الصلاة والسلام.نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث [12] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net