اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث [11] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث [11] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
الإيمان قول وعمل واعتقاد, يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية, ويزول بشيء من المكفرات أو بزوال القول أو العمل أو الاعتقاد بالكلية, وكل من أذنب ذنباً أو أسرف على نفسه بمعصية من الكبائر أو الصغائر أو الموبقات، لا نحكم بكفره حتى يقع في مكفر، وتتوفر فيه الشروط، وتنتفي الموانع.
مسائل متعلقة بمسمى الإيمان
بسم الله الرحمن الرحيم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:قال المصنف رحمه الله: [ ومن مذهب أهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ومعرفة].تقدم معنا الكلام على مسألة الإيمان, وأن الإيمان قول وعمل واعتقاد, وذلك خلافاً للطوائف التي خالفت في هذا الباب من الجهمية وغيرهم, وأهل السنة يقولون: إن الإيمان هو القول والعمل والاعتقاد, وتقدم معنا أن هذه الثلاثة هي الإيمان, لا نقول: إنه يتكون من, ولا أجزاء, ولا أقسام, ولا أركان, وإن كان مؤدى بعض هذه الألفاظ صحيح، أو ربما يلزم منه بعض اللوازم التي تؤدي إلى معانٍ خاطئة.ولهذا نقول: إن الإيمان هو قول وعمل واعتقاد, فإذا فقد الإيمان شيء منها فقدها كلها. ‏
 وجود الإيمان بوجود الصلاة
ومن العلماء من يقول: إن الإيمان أصلاً لا يثبت إلا بوجود الصلاة, قالوا: لوجود الأدلة في ذلك, وبغض النظر عن بقية الأعمال, هي إيمان يثبت به إيمان الإنسان، قالوا: ولكنه لا ينتفي إلا بالصلاة, ويستدلون لذلك بجملة من الأحاديث, منها: حديث أبي الزبير عن جابر في صحيح الإمام مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة ), وكذلك حديث بريدة عن أبيه كما جاء في المسند والسنن, قال عليه الصلاة والسلام: ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة, فمن تركها فقد كفر ), وغير ذلك أيضاً كما جاء في سنن الترمذي : ( ما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون شيئاً تركه كفر إلا الصلاة ), وكذلك ما جاء عند محمد بن نصر المروزي في كتابه تعظيم فضل الصلاة عن حماد بن زيد عن أيوب بن تميمة السختياني قال: ترك الصلاة كفر لا نختلف فيه, وهذا صحيح عن الصحابة وصحيح أيضاً عن التابعين.وكذلك ما جاء عند محمد بن نصر وجاء أيضاً عند ابن جرير الطبري في تفسير قول الله عز وجل: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4-5], جاء من حديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: إذا كان تركاً كان كفراً.وهذه من المسائل التي يحكى الإجماع في كفر تاركها, وحمل بعض العلماء الإجماع المروي عن السلف في ذلك, قال: هو إجماع صحيح، ولكنه خلاف في كونه الكفر الأكبر أو الكفر الأصغر, وأشار إلى هذا المعنى محمد بن نصر وغيره.ومن العلماء من يجزم بأن مراد السلف في ذلك هو الكفر الأكبر, وهو الأرجح, باعتبار بقية الأدلة, وغير هذه الإطلاقات لا يأتي تأكيدها على الكفر الأصغر، وإنما يأتي تأكيدها على الكفر الأكبر, وكذلك جملة من القرائن والدلالات في هذا الباب.
بعض الطوائف التي خالفت في مسمى الإيمان
هنا نشير إلى بعض الطوائف التي خالفت في مسألة الإيمان, وكونه قولاً وعملاً واعتقاداً. ‏
 إخراج العمل والاعتقاد من مسمى الإيمان
ومن الطوائف من يقولون: إن الإيمان هو قول اللسان مجرداً, سواء وجد إيمان القلب أو وجد عمل الجوارح أو لم يوجد, وهؤلاء هم الكرامية، وهذا أيضاً من شر الأقوال؛ وذلك أنهم يقولون بالباطن، ولا يمكن أن يطلع عليه الإنسان، والعبرة بالظاهر, وبعضهم يقول: حتى لو انتفى الباطن, وقدر معرفة ذلك, فالعبرة بالأخذ بالظواهر, وبعضهم يجري على ذلك الحساب يوم القيامة, يقول: عليه يجاز الإنسان ولا يجازى, ولا ينظر إلى ما في قلبه, وهذا يناقض الفطرة الصحيحة بوجوب الرجوع إلى البواطن, وكذلك ظواهر النصوص والرجوع إلى باطن الإنسان, ( ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله, وإذا فسدت فسد الجسد كله ), وكذلك ما جاء في الصحيح: ( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى القلوب التي في الصدور ).والذي يقول: إن الإيمان هو المعرفة القلبية أو التصديق القلبي، والمراد بذلك اللسان هو أقرب ممن يقول: هو القول, ولو انتفى الباطن والظاهر من جهة الأعمال فإن الإيمان في ذلك صحيح, فمن يقول بوجوب الاعتقاد أقرب منه إلى الحق, مع كون هذين القولين هما من الأقوال البعيدة النائية عن الحق.والطوائف الذين يقولون بأن الإيمان هو قول وعمل واعتقاد، ويجعلونه إيماناً, ولكن يقع الخطأ لديهم في التفصيل, هل هي شروط أو هي واجبات, أو هي أركان ونحو ذلك, بحسب عباراتهم التي يصدرون عنها, يقع لديهم شيء من اللوازم في هذا الباب.ومنهم من ينفي العمل مع كونه شرطاً لصحة العمل, ويقابله أقوام يجعلونه شرط لصحة الإيمان ونحو هذه العبارات, وهذا يجري عليه طوائف كثيرة من مرجئة الفقهاء, وهم على طوائف أيضاً ومراتب في هذا الأمر, ومنهم من يكفر بالعمل, ومنهم من لا يكفر بالعمل ويرجع ذلك إلى الاستحلال القلبي.ومرجئة الفقهاء هم أيضاً على فرق متضادة ومتعارضة في هذا الباب, متقدمهم يختلف عن متأخرهم, منهم من يأخذ بظواهر منافاة ومناقضة الإيمان بالأفعال، ولا يرجع في ذلك إلى قول اللسان ولا إلى اعتقاد الإنسان في باطنه.
زيادة الإيمان ونقصانه
قال المصنف رحمه الله: [يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. قال محمد بن علي بن الحسن بن شقيق : سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله عن الإيمان بمعنى الزيادة والنقصان، فقال: حدثنا الحسن بن موسى الأشيب حدثنا حماد بن سلمة عن أبي جعفر عن أبيه عن جده عن عمر بن حبيب قال: الإيمان يزيد وينقص, فقيل: وما زيادته وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله فحمدناه سبحانه فتلك زيادته، وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه.أخبرنا أبو الحسن بن أبي إسحاق المزكي، حدثنا أبي حدثنا أبو عمرو الحيري، حدثنا محمد بن يحيى الذهلي، ومحمد بن إدريس المكي، وأحمد بن شداد الترمذي، قالوا: حدثنا الحميدي حدثنا يحيى بن سليم قال: سألت عشرة من الفقهاء عن الإيمان, فقالوا: قول وعمل, سألت هشام بن حسان فقال: قول وعمل. وسألت ابن جريج فقال: قول وعمل. وسألت سفيان الثوري فقال: قول وعمل. وسألت المثنى بن الصباح فقال: قول وعمل. وسألت محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان فقال: قول وعمل. وسألت محمد بن مسلم الطائفي فقال: قول وعمل. وسألت فضيل بن عياض , فقال: قول وعمل. وسألت نافع بن عمر الجمحي فقال: قول وعمل. وسألت سفيان بن عيينة فقال: قول وعمل. وأخبرنا أبو عمرو الحيري، حدثنا محمد بن يحيى ومحمد بن إدريس : سمعت الحميدي قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة : يا أبا محمد ! تقول: ينقص؟ فقال: اسكت يا صبي, بلى ينقص حتى لا يبقى منه شيء.وقال الوليد بن مسلم : سمعت الأوزاعي ومالكاً وسعيد بن عبد العزيز ينكرون على من يقول: إقرار بلا عمل. ويقولون: لا إيمان إلا بعمل، قلت: فمن كانت طاعاته وحسناته أكثر فإنه أكمل إيماناً ممن كان قليل الطاعة كثير المعصية والغفلة والإضاعة.وسمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن باكويه الحلاب يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: سمعت أحمد بن سعيد الرباطي يقول: قال لي عبد الله بن طاهر : يا أحمد ! إنكم تبغضون هؤلاء القوم جهلاً، وأنا أبغضهم عن معرفة, أولاً أنهم لا يرون للسلطان طاعة, والثاني: أنه ليس للإيمان عندهم قدر، والله لا أستجيز أن أقول: إيماني كإيمان يحيى بن يحيى , ولا كإيمان أحمد بن حنبل، وهم يقولون: إيماننا كإيمان جبرائيل وميكائيل ].الذي يخرج العمل من الإيمان يلزم من ذلك أن الإيمان يكتمل بوجود المعرفة القلبية وبقول اللسان, إن نطق الشهادتين فاز, وعلى هذا يستوي مع أهل الكمال بالإيمان في هذا الباب, وهذا أيضاً لا شك أنه قول باطل.نقول: إن الإيمان يزيد وينقص ويزول, يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية, فلا نكفر أحداً بذنب, ويزول بشيء من المكفرات أو بزوال القول أو العمل أو الاعتقاد بالكلية, فإذا زال واحد منها فإنه حينئذٍ يكون الإيمان قد زال من الإنسان.وزيادته في ذلك بحسب حضور القلب وكذلك حضور الإحسان بالعمل, ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث جبريل لما سئل عن الإحسان قال: ( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ), إشارة إلى تمام العمل, (فإن لم تكن تراه فإنه يراك), وهذا يكون في الإنسان لوجود الرقابة القلبية التي أثرت على إتقان العمل في الظاهر.والإنسان حينما يعمل عند شخص أجيراً عنده، وكان يراه, يجد من ضبط العمل والإتقان بخلاف لو كان غائباً عنه, فإذا كان الإيمان القلبي في قلب الإنسان بالتصديق والإيمان بأن الله عز وجل يرى الإنسان كاملاً بقلب الإنسان فإن هذا يعني كمال العمل الظاهر.والناس يتباينون في هذا لقوة الإيمان القلبي والتصديق, وكذلك نقول: وجود الكمال القلبي في ذلك يعني كمال العمل بالظاهر, وهي متلازمة, ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك ).وفي قولهم: يزيد وينقص, وكذلك في قولهم: قول وعمل, لا يعني ذلك عدم وجود الاعتقاد؛ لأنه ينقل عن الأئمة قولهم: الإيمان قول وعمل, الإيمان قول وعمل, الإيمان قول وعمل, فمن الناس من يستشكل عدم وجود الاعتقاد, نقول: إن القول والعمل داخل في هذه الثلاثة؛ لأن القلب له قول وعمل, قول القلب هو التصديق, وعمل القلب هو حب الله وحب ما يحبه الله, الإخلاص لله عز وجل في أمور الطاعة, هذه الأعمال القلبية التي تذهب وتجيء, أما التصديق فهو ثابت مستقر, وذهاب هذه الأشياء منها ما يتعلق بضعف الإنسان إما بذهول أو نحو ذلك, أو قصور في التصديق, يقول الإنسان: تصديق بالله عز وجل وبوجوده وبوحدانيته, ولكن تصديقه بذلك ضعيف؛ كضعف الأعمال الظاهرة, منهم من يأتي بأركان الإسلام، ويأتي بالسنن والرواتب ونحو ذلك كاملة, ويتطوع لله عز وجل ويقوم الليل وغير هذا, ولكن يقابله أقوام ينقص لديهم ذلك الأمر؛ كعمل القلب, فالمحبة القلبية ناقصة لديهم لما يحبه الله عز وجل, كلما يراه الله عز وجل لديه نوع من الضعف, تجده يميل إلى بعض المنافقين, أو يميل لبعض المخالفين, أو يميل قلبه إلى بعض الشهوات ونحو ذلك, لا نستطيع أن ننفي عنه الإيمان؛ كميل الإنسان إلى بعض المحرمات والأعمال الظاهرة ما لم يدل دليل على انتفاء ذلك الأمر بالكلية, وحينئذٍ نقول بكفره.قال رحمه الله: [وسمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانئ يقول: سمعت أبا بكر محمد بن شعيب يقول: سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: قدم ابن المبارك الري فقام إليه رجل من العباد، الظن به أنه يذهب مذهب الخوارج، فقال له: يا أبا عبد الرحمن ! ما تقول فيمن يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: لا أخرجه من الإيمان، فقال: يا أبا عبد الرحمن ! على كبر السن صرت مرجئاً؟ فقال: لا تقبلني المرجئة, المرجئة تقول: حسناتنا مقبولة، وسيئاتنا مغفورة، ولو علمت أني قبلت مني حسنة لشهدت أني في الجنة.ثم ذكر عن أبي شوذب عن سلمة بن كهيل عن هذيل بن شرحبيل قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح.سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريا الشيباني يقول: سمعت يحيى بن منصور القاضي يقول: سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: سمعت الحسين بن حرب أخا أحمد بن حرب يقول: أشهد أن دين أحمد بن حرب الذي يدين الله به أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص].وهذا يستدل به على أن الإيمان يتباين, وإلا ما كان أبو بكر عليه رضوان الله بهذه المنزلة, فإذا كان إيمان الإنسان المقصر الضعيف بهذا الكمال فما ميزة أبي بكر الصديق عليه رضوان الله؟ وما ميزة عمر بن الخطاب ؟ وأيضاً ما ميزة الأنبياء في كمال إيمانهم ويقينهم وتصديقهم إذا كان الناس يتساوون في هذا الأمر, فمن نطق بالشهادتين ووجد فيهم تصديق القلب وأصل عمل القلب, حينئذٍ يكون إيمانه كإيمان سائر الأنبياء, لا شك أن هذا من المعاني والألفاظ الخاطئة.
 إخراج العمل والاعتقاد من مسمى الإيمان
ومن الطوائف من يقولون: إن الإيمان هو قول اللسان مجرداً, سواء وجد إيمان القلب أو وجد عمل الجوارح أو لم يوجد, وهؤلاء هم الكرامية، وهذا أيضاً من شر الأقوال؛ وذلك أنهم يقولون بالباطن، ولا يمكن أن يطلع عليه الإنسان، والعبرة بالظاهر, وبعضهم يقول: حتى لو انتفى الباطن, وقدر معرفة ذلك, فالعبرة بالأخذ بالظواهر, وبعضهم يجري على ذلك الحساب يوم القيامة, يقول: عليه يجاز الإنسان ولا يجازى, ولا ينظر إلى ما في قلبه, وهذا يناقض الفطرة الصحيحة بوجوب الرجوع إلى البواطن, وكذلك ظواهر النصوص والرجوع إلى باطن الإنسان, ( ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله, وإذا فسدت فسد الجسد كله ), وكذلك ما جاء في الصحيح: ( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى القلوب التي في الصدور ).والذي يقول: إن الإيمان هو المعرفة القلبية أو التصديق القلبي، والمراد بذلك اللسان هو أقرب ممن يقول: هو القول, ولو انتفى الباطن والظاهر من جهة الأعمال فإن الإيمان في ذلك صحيح, فمن يقول بوجوب الاعتقاد أقرب منه إلى الحق, مع كون هذين القولين هما من الأقوال البعيدة النائية عن الحق.والطوائف الذين يقولون بأن الإيمان هو قول وعمل واعتقاد، ويجعلونه إيماناً, ولكن يقع الخطأ لديهم في التفصيل, هل هي شروط أو هي واجبات, أو هي أركان ونحو ذلك, بحسب عباراتهم التي يصدرون عنها, يقع لديهم شيء من اللوازم في هذا الباب.ومنهم من ينفي العمل مع كونه شرطاً لصحة العمل, ويقابله أقوام يجعلونه شرط لصحة الإيمان ونحو هذه العبارات, وهذا يجري عليه طوائف كثيرة من مرجئة الفقهاء, وهم على طوائف أيضاً ومراتب في هذا الأمر, ومنهم من يكفر بالعمل, ومنهم من لا يكفر بالعمل ويرجع ذلك إلى الاستحلال القلبي.ومرجئة الفقهاء هم أيضاً على فرق متضادة ومتعارضة في هذا الباب, متقدمهم يختلف عن متأخرهم, منهم من يأخذ بظواهر منافاة ومناقضة الإيمان بالأفعال، ولا يرجع في ذلك إلى قول اللسان ولا إلى اعتقاد الإنسان في باطنه.
عدم التكفير بالذنوب
قال المصنف رحمه الله: [ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوباً كثيرة صغائر وكبائر, فإنه لا يكفر بها، وإن خرج عن الدنيا غير تائب منها، ومات على التوحيد والإخلاص، فإن أمره إلى الله عز وجل إن شاء عفا عنه، وأدخله الجنة يوم القيامة سالماً غانماً، غير مبتلى بالنار، ولا معاقب على ما ارتكبه واكتسبه، ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عاقبه وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده فيها، بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار].وهذا ما تؤيده النصوص الكثيرة؛ أنه لا يكفر الإنسان, ولا تزول حسنات الإنسان إلا بالكفر, على ما تقدم الكلام عليه, فكل من أذنب ذنباً أو أسرف على نفسه بمعصية من الكبائر أو الصغائر أو الموبقات لا نحكم بكفره حتى يقع في مكفر، وتتوفر فيه الشروط، وتنتفي الموانع, فحينئذٍ يقع عليه الكفر, ويستوجب بذلك عقاب الله سبحانه وتعالى, وهو الخلود في النار, وأما إذا كان دون ذلك, وكان من أهل المعاصي والذنوب, وأسرف على نفسه في هذا ما دام يوجد معه الإيمان, وجد الاعتقاد, وجد قول اللسان, وجد العمل, فحينئذٍ نقول: إن هنالك الإيمان إذا سلم من شيء من المكفرات.قال رحمه الله: [ وكان شيخنا سهل بن محمد رحمه الله يقول: المؤمن المذنب وإن عذب بالنار فإنه لا يلقى فيها إلقاء الكفار، ولا يبقى فيها بقاء الكفار، ولا يشقى فيها شقاء الكفار. ومعنى ذلك أن الكافر يسحب على وجهه إلى النار، ويلقى فيها منكوساً في السلاسل والأغلال والأنكال الثقال، والمؤمن المذنب إذا ابتلي في النار فإنه يدخل النار كما يدخل المجرم في الدنيا السجن على الرجل من غير إلقاء وتنكيس. ومعنى قوله: (لا يلقى في النار إلقاء الكفار) أن الكافر يحرق بدنه كله، كلما نضج جلده بدل جلداً غيره؛ ليذوق العذاب كما بينه الله في كتابه في قو له تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [النساء:56], وأما المؤمنون فلا تلفح وجوههم النار، ولا تحرق أعضاء السجود منهم، إذ حرم الله على النار أعضاء السجود. ومعنى قوله: (لا يبقى في النار بقاء الكفار) أن الكافر يخلد فيها ولا يخرج منها أبداً، ولا يخلد الله من مذنبي المؤمنين في النار أحداً. ومعنى قوله: (ولا يشقى بالنار شقاء الكفار) أن الكفار ييأسون فيها من رحمة الله، ولا يرجون راحة بحال، وأما المؤمنون فلا ينقطع طمعهم من رحمة الله في كل حال، وعاقبة المؤمنين كلهم الجنة؛ لأنهم خلقوا لها، وخلقت لهم فضلاً من الله ومنة].إذاً فأوساط المؤمنين يختلفون عن الكافرين في النار بأمور: منها: نوع العذاب, أن عذاب الكفار مغلظ, وعذاب عصاة أهل الإيمان دونهم.وكذلك: يختلفون عنهم أنهم لا يخلدون, والكفار يخلدون في النار, ومدة البقاء في علم الله عز وجل ومشيئته, بقاء أهل الإيمان الذين كتب الله عز وجل عليهم العذاب ممن وقعوا في الذنوب, ولكن نقول: إن الله عز وجل لا يدخل أحداً من أهل الإيمان النار إلا وهو من أهل الكبائر؛ لماذا؟ لأن الإنسان إذا انتفت كبائره وكان من أهل الإيمان أتى الإيمان عليها, أو أتت الحسنات على الصغائر, ولم يبقَ لديه شيء, وأما الكبائر فإن الإنسان يحاسب عليها، وهي الخطر على دين الإنسان وعاقبته إذا كان من أهل الإيمان, وأما الكافر فليس بعد الكفر ذنب.
 إخراج العمل والاعتقاد من مسمى الإيمان
ومن الطوائف من يقولون: إن الإيمان هو قول اللسان مجرداً, سواء وجد إيمان القلب أو وجد عمل الجوارح أو لم يوجد, وهؤلاء هم الكرامية، وهذا أيضاً من شر الأقوال؛ وذلك أنهم يقولون بالباطن، ولا يمكن أن يطلع عليه الإنسان، والعبرة بالظاهر, وبعضهم يقول: حتى لو انتفى الباطن, وقدر معرفة ذلك, فالعبرة بالأخذ بالظواهر, وبعضهم يجري على ذلك الحساب يوم القيامة, يقول: عليه يجاز الإنسان ولا يجازى, ولا ينظر إلى ما في قلبه, وهذا يناقض الفطرة الصحيحة بوجوب الرجوع إلى البواطن, وكذلك ظواهر النصوص والرجوع إلى باطن الإنسان, ( ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله, وإذا فسدت فسد الجسد كله ), وكذلك ما جاء في الصحيح: ( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى القلوب التي في الصدور ).والذي يقول: إن الإيمان هو المعرفة القلبية أو التصديق القلبي، والمراد بذلك اللسان هو أقرب ممن يقول: هو القول, ولو انتفى الباطن والظاهر من جهة الأعمال فإن الإيمان في ذلك صحيح, فمن يقول بوجوب الاعتقاد أقرب منه إلى الحق, مع كون هذين القولين هما من الأقوال البعيدة النائية عن الحق.والطوائف الذين يقولون بأن الإيمان هو قول وعمل واعتقاد، ويجعلونه إيماناً, ولكن يقع الخطأ لديهم في التفصيل, هل هي شروط أو هي واجبات, أو هي أركان ونحو ذلك, بحسب عباراتهم التي يصدرون عنها, يقع لديهم شيء من اللوازم في هذا الباب.ومنهم من ينفي العمل مع كونه شرطاً لصحة العمل, ويقابله أقوام يجعلونه شرط لصحة الإيمان ونحو هذه العبارات, وهذا يجري عليه طوائف كثيرة من مرجئة الفقهاء, وهم على طوائف أيضاً ومراتب في هذا الأمر, ومنهم من يكفر بالعمل, ومنهم من لا يكفر بالعمل ويرجع ذلك إلى الاستحلال القلبي.ومرجئة الفقهاء هم أيضاً على فرق متضادة ومتعارضة في هذا الباب, متقدمهم يختلف عن متأخرهم, منهم من يأخذ بظواهر منافاة ومناقضة الإيمان بالأفعال، ولا يرجع في ذلك إلى قول اللسان ولا إلى اعتقاد الإنسان في باطنه.
تارك الصلاة متعمداً وأقوال أهل العلم في ذلك
قال المصنف رحمه الله: [واختلف أهل الحديث في ترك المسلم صلاة الفرض متعمداً، فكفره بذلك أحمد بن حنبل وجماعة من علماء السلف رحمهم الله، وأخرجوه به من الإسلام، للخبر الصحيح: ( بين العبد والشرك ترك الصلاة، فمن ترك الصلاة فقد كفر), وذهب الشافعي وأصحابه وجماعة من علماء السلف رحمهم الله أجمعين إلى أنه لا يكفر ما دام معتقداً لوجوبها، وإنما يستوجب القتل كما يستوجبه المرتد عن الإسلام، وتأولوا الخبر من ترك الصلاة جاحداً لها كما أخبر سبحانه عن يوسف عليه السلام أنه قال: إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [يوسف:37], ولم يك يتلبس بكفر ففارقه، ولكن تركه جاحداً لها ].تقدم معنا الأدلة في هذا الباب, الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسألة كفر تارك الصلاة.أما كلام الأئمة عليهم رحمة الله خاصة الأئمة الأربعة؛ فأما الإمام مالك رحمه الله فلا تحفظ عنه رواية في هذا الباب, لا رواية بالكفر ولا رواية بعدمه، ولم ينقل عنه أحد من أصحابه عبارة صحيحة في هذا الباب.وأما الإمام أحمد رحمه الله فالمعروف عنه المستفيض عنه القول بكفر تارك الصلاة, وثمة بعض الروايات عن الإمام أحمد رحمه الله ينقلها البعض، ويأخذ منها عدم كفر تارك الصلاة, من ذلك رواية نقلها ابنه عنه عبد الله بن السائب لما سئل عن زيادة الإيمان ونقصانه قال: يزيد الإيمان بالطاعة، وينقص بالمعصية كترك الصلاة والزكاة, لكن نقول: إن الترك هنا ليس المراد بذلك هو الإطلاق, قد يترك الإنسان الصلاة عن وقتها, أو يترك صلاة واحدة, والإمام أحمد رحمه الله لا يكفر بترك الصلاة الواحدة في ظاهر قوله.وقد أخرج في كتابه المسند من حديثه قتادة عن نصر بن عاصم ( أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يبايع النبي صلى الله عليه وسلم، واشترط ألا يصلي إلا صلاتين, فبايعه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ), وهذا لم يخرج من أهل الإيمان, واشترط بدخوله في الإيمان ألا يؤدي صلاتين, فاشترط الأداء، ما اشترط الإيمان بها, فيؤمن بها خمساً، ولكن أداؤه على الصلاتين, وحينئذٍ نقول: إن أدنى ما ينفي عن الإنسان كفر تارك الصلاة هو أداؤه للصلاتين فما زاد, وتركه للواحدة والاثنتين ونحوها لا يكفر بذلك, ولكن ينقص إيمانه, ولهذا نقول: إن الكلام المروي عن الإمام أحمد رحمه الله من المتشابه, ينبغي أن يحمل على المحكم.وكذلك نقل ابن بطة عنه بعدم كفر تارك الصلاة كما ذكره ابن قدامة رحمه الله في كتابه المغني.أما الإمام أبو حنيفة فالقول عنه بعدم كفر تارك الصلاة مشهور, وأما الإمام الشافعي فرحمه الله فله قولان في هذه المسألة, والأشهر عنه عدم التكفير.نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
 إخراج العمل والاعتقاد من مسمى الإيمان
ومن الطوائف من يقولون: إن الإيمان هو قول اللسان مجرداً, سواء وجد إيمان القلب أو وجد عمل الجوارح أو لم يوجد, وهؤلاء هم الكرامية، وهذا أيضاً من شر الأقوال؛ وذلك أنهم يقولون بالباطن، ولا يمكن أن يطلع عليه الإنسان، والعبرة بالظاهر, وبعضهم يقول: حتى لو انتفى الباطن, وقدر معرفة ذلك, فالعبرة بالأخذ بالظواهر, وبعضهم يجري على ذلك الحساب يوم القيامة, يقول: عليه يجاز الإنسان ولا يجازى, ولا ينظر إلى ما في قلبه, وهذا يناقض الفطرة الصحيحة بوجوب الرجوع إلى البواطن, وكذلك ظواهر النصوص والرجوع إلى باطن الإنسان, ( ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله, وإذا فسدت فسد الجسد كله ), وكذلك ما جاء في الصحيح: ( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى القلوب التي في الصدور ).والذي يقول: إن الإيمان هو المعرفة القلبية أو التصديق القلبي، والمراد بذلك اللسان هو أقرب ممن يقول: هو القول, ولو انتفى الباطن والظاهر من جهة الأعمال فإن الإيمان في ذلك صحيح, فمن يقول بوجوب الاعتقاد أقرب منه إلى الحق, مع كون هذين القولين هما من الأقوال البعيدة النائية عن الحق.والطوائف الذين يقولون بأن الإيمان هو قول وعمل واعتقاد، ويجعلونه إيماناً, ولكن يقع الخطأ لديهم في التفصيل, هل هي شروط أو هي واجبات, أو هي أركان ونحو ذلك, بحسب عباراتهم التي يصدرون عنها, يقع لديهم شيء من اللوازم في هذا الباب.ومنهم من ينفي العمل مع كونه شرطاً لصحة العمل, ويقابله أقوام يجعلونه شرط لصحة الإيمان ونحو هذه العبارات, وهذا يجري عليه طوائف كثيرة من مرجئة الفقهاء, وهم على طوائف أيضاً ومراتب في هذا الأمر, ومنهم من يكفر بالعمل, ومنهم من لا يكفر بالعمل ويرجع ذلك إلى الاستحلال القلبي.ومرجئة الفقهاء هم أيضاً على فرق متضادة ومتعارضة في هذا الباب, متقدمهم يختلف عن متأخرهم, منهم من يأخذ بظواهر منافاة ومناقضة الإيمان بالأفعال، ولا يرجع في ذلك إلى قول اللسان ولا إلى اعتقاد الإنسان في باطنه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث [11] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net