اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , المعروف والمنكر بين التشريع والتطبيع للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


المعروف والمنكر بين التشريع والتطبيع - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
جعل الله سبحانه وتعالى دينه محفوظاً بوسائل متنوعة، من أظهرها شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد أناط الله جل وعلا خيرية هذه الأمة بهذه الشعيرة العظيمة، والأمر بالمعروف متضمن من جهة الحقيقة للنهي عن المنكر، وفي ذلك آداب، من أهمها: ألا ينكر المنكر نكاية بأحد، ولا يأمر بالمعروف حباً بأحد، وإنما حباً بالمشرع وحده، وتلبيةً لداعي الله.
اهتمام الدين بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:فإن الله جل وعلا حينما بيّن لهذه الأمة الشرائع بجميع أنواعها فيما يدور في دائرة التكليف، سواء كان من المتأكدات وعلى سبيل العزم في أبواب الوجوب وأبواب التحريم، قد حمى الله جل وعلا هذه الشريعة وهذه الشرائع بوسائل متعددة تبقيها، وتكون محفوظة إلى أن يأذن الله جل وعلا بقبض العلماء.وقد جعل الله سبحانه وتعالى دينه محفوظاً بوسائل متنوعة، ومن أظهر هذه الوسائل هي شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي جعلها الله سبحانه وتعالى مع كونها وسيلة لحفظ الدين جعلها ركناً ودعيمة من دعائم الإسلام، وقد جاء هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خبر حذيفة عند البزار في مسنده، وعند أبي يعلى، ويأتي الكلام عليه بإذن الله.والمراد من ذلك أن الله جل وعلا ما يرشد إلى عمل من الأعمال إلا ويحوط ذلك العمل بعدة أمور: أولها وآكدها مسألة البيان والتوضيح حتى يكون الناس على بينة ومحجة بيضاء، فلا يكونوا حينئذٍ في ريبة وشك، حتى إذا تبع ذلك ما يتبعه من عمل ودعوة إليه، وكذلك إنكار في حال المخالف يكون الناس حينئذٍ على بينة وهدى.ويجعل العلماء عليهم رحمة الله مما ينبغي للإنسان أن يسلكه في أبواب المعروف والنهي عن المنكر أن يكون الإنسان عارفاً بذات المعروف وذات المنكر، عارفاً بحقيقة كونه منكراً وبحقيقة كونه معروفاً، وكذلك أن يكون من العارفين في قدر ذلك المعروف، هل هو من المتحتمات الواجبات، أم هي مما حث الشارع عليه من غير إلزام وتأكيد؟ كذلك إذا كان في دائرة المحظور هل هو مما أكد الشارع عليه على سبيل الإلزام والتأكيد؟ أو كان ذلك على سبيل الأدب والتنزيه؟فإن هذه مراتب يكون الإنسان عارفاً بها إذا تحقق ذلك الوصف في أصل التشريع وهو الأصل، وذلك أن الله سبحانه وتعالى لا يأمر بأمر إلا والناس على بينة منه، من جهة معرفة حدوده بحيث لا يدخل عليه شيء من بقية الشرائع، فيمتزج بغيره، فيكون حينئذٍ قد خلط عملاً صالحاً بآخر سيئاً، فيكون حينئذٍ العامل والداعي إلى ذلك على محجة بيضاء، ولهذا كانت سائر الشريعة بأنواع التكاليف هي على هذا النوع.وشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحوطها كثير من المسائل المتعددة التي لا تخلو من بيان ووضوح وجلاء في كلام الله سبحانه وتعالى، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن ربما يجهل كثير من القائمين بأمر الله فضلاً عن عامة الناس وسوادهم ودهمائهم يجهلون كثيراً من مسائل الدين المتعلقة بهذا الباب، فيقع حينئذٍ قصور فيه حتى عند من ينتسب إلى الدعوة والعلم أو مسائل الإصلاح.وجعل الله سبحانه وتعالى ثلث القرآن في بيان حال أنبياء الله جل وعلا في هذه الشعيرة في بيان الخير وتمييزها عن الشر وطرائق الدعوة إليه، وكذلك طرائق الأنبياء في مواجهة القائمين والداعين إلى المنكر المنابذين والمحذرين من المعروف؛ وذلك لكي يكون إسوة واقتداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسلية له، وكذلك من كان بعده ممن يقتفي أثره، كما قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108]، ومن اتبع النبي عليه الصلاة والسلام هم أصحابه ومن كان معهم على ذلك المسلك من أتباعهم وإن تقادم العهد وطال الزمن، فإن هؤلاء من الاتباع وهم أولى الناس بالنبي عليه الصلاة والسلام.ولما قطع الله جل وعلا الصلة بمن يريد الانتساب إلى إبراهيم الخليل ممن كان من ذريته ممن حاد عن الصراط المستقيم من بني إسرائيل، فنفى الله جل وعلا عنهم أحقية الولاية والتبعية، إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ[آل عمران:68]، وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.وكان التابعون أولى بالولاية، وكذلك بالنسبة لأسلافهم ممن حاد عن ذلك النهج وذلك الصراط المستقيم، ولهذا بيّن الله سبحانه وتعالى هذه الطريقة بأوضح حجة وأيسر عبارة، فجعل الناس على صراط مستقيم ليس بمعوج؛ حتى يصلوا إلى الغاية المنشودة بأخصر طريق، وأوضح سبيل.
 

دلالة الأمر بالاقتداء بمن سلف من الخلفاء الراشدين
والكلام على مسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي لا تخرج عن نصوص القرآن الكريم من كلام الله، وكذلك ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما جاء عن من أمر الله جل وعلا بالاقتداء بهم ممن سلف من الأمم السالفة الغابرة من أتباع أنبياء الله جل وعلا، وقبل ذلك أنبياء الله جل وعلا، وكذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أمرنا بالاتباع لهم في العمل والقول، وخاصة الخلفاء الراشدين، وقد جاء في ذلك جملة من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما جاء في المسند والسنن من حديث العرباض بن سارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور ).وفي قوله عليه الصلاة والسلام: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي )، يقول الأصوليون وكذلك أهل الكلام: إن من صيغ الوجوب (على)، فحينما أمر الله جل وعلا بالتمسك بسنته لم يجعل ذلك منفرداً؛ لأنه قد يند عن هذه القاعدة مما يند مما يكون الإنسان مأموراً به على الاتباع على غير إلزام، مما أمر الله جل وعلا به كمسألة صلاة الضحى، فإنها جاءت على قول الإنسان: (على) كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسند والسنن: (يصبح على كل سلامى منكم صدقة)، والمراد بالسلامة هي مفاصل الإنسان، وذكر بآخر الخبر: (ويجزئ عن ذلك ركعتان يصليهما الإنسان من الضحى)، وقد تكلم غير واحد من العلماء في هذا الخبر، ولكن في هذا إشارة إلى أن كلمة (على) ليست على الإطلاق أنها تفيد الوجوب، فأكد الله جل وعلا ذلك بجملة من المتأكدات مما لا يمكن أن يصرف بأي نوع من أنواع الصوارف، من ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام حذر من ضده، وهذا غاية البيان أن يأمر الله جل وعلا بشيء، وينهى عن ضده في سياق واحد، وهذا أعلى درجات البيان.ومعلوم أن البيان على مراتب متنوعة، وهي ثلاثة:المرتبة الأولى: أن يؤمر بالشيء، وينهى عن ضده في سياق ونص واحد.المرتبة الثانية: أن يؤمر بالشيء بذاته من غير بيان ضده.المرتبة الثالثة: أن يبين ضد الشيء، ومعلوم كما يقال: وبضدها تتبين الأشياء، فالله جل وعلا قد بيّن توحيده ببيان التوحيد بذاته، والنهي عن الشرك في كثير من مواضع القرآن لأهميته، وكذلك بين الله جل وعلا التوحيد من غير بيان ضده في بعض المواضع، وبين جل وعلا الشرك من غير بيان للتوحيد في نفس السياق، وهذه المرتبة الثالثة، وهذا التنوع يدل على أهمية المأمور به.وهذه المراتب قد ظهرت في هذا الموضع حينما أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالتمسك بسنته بقوله عليه الصلاة والسلام: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور )، وأكد الأمر بقوله: (علا) وبعدة مؤكدات منها: (تمسكوا بها)، وهذا أمر مستقل يستوجب الأمر على الإلزام، (تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ)، وهذا تأكيد يتبع تأكيدات ماضية مما يدل على أن المراد بذلك الوجوب.وكذلك كلما دل الدليل على التأكيد على أمر بعينه، فإن الدليل ذاته يدل على النهي عن ضده بنفس المقدار، وهذا مطرد في كل ما أمر الله جل وعلا به، فحينما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بسنته في هذه الأنواع المتأكدة، وأمر بالاقتداء بهدي أصحابه عليهم رضوان الله تعالى، وخص بذلك الخلفاء الراشدين على هذه الأنواع والصيغ من التأكيدات دل على أنه يقابلها التحذير من الاقتداء بغيرهم ممن يسلك غير مسلكهم، ممن يدعو إلى الضلال والغواية والشر والفساد والإبداع والإحداث في دين الله سبحانه وتعالى، ويلحق في حكمهم من كان تابعاً لهم، ولو كان في الأزمنة المتأخرة، فإن الإنسان يقوم مقام من دعا على أثره.وقال غير واحد من العلماء في قوله جل وعلا: لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2]، قالوا: إن هذا ليس بخاص في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بشيء من الوحي، بل هو على سبيل العموم، ولو تكلم بكلامه غيره ممن اهتدى بهديه، فرفع صوته عنده، كان ذلك إيذان بإحباط عمله، وهذا المعنى إذا قصد الرفع عند ذات المعاني وتلك الألفاظ التي كانت من جهة الأصل من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم هي مشابهة للكلام في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 

التنازع في مصطلح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
إن أصل التشريع الذي أمر الله سبحانه وتعالى بتفحصه واستخراج مكامن ومواضع المعروف، وكذلك المنكر من كلام الله سبحانه وتعالى، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ما أمرت بالتحاكم إليه الأمة في سائر العصور والأمكنة، مهما تغير الحال، وتبدل الزمان، أمرت الأمة بالرجوع إلى هذا المصدر من الوحي؛ لأن الأمة إذا كانت تدعي أنها على الإسلام وجب عليها أن تأخذ من المصدر الأصلي، ووجب عليها حينئذٍ أن تعرف المعروف على هذا المعنى، وأن تعرف المنكر على هذا المعنى، وأن تحذر من أي مصطلحات أخرى تقلب المعروف إلى المنكر، وتقلب المنكر إلى المعروف.ولهذا من نظر إلى أحوال الأمم السابقة من بني إسرائيل، ومن سبقهم وجد أن التنازع بين الطوائف طوائف الحق، وبين طوائف الباطل هو تنازع مصطلحات وحقائق، فإن الإنسان إذا أراد أن ينظر إلى دعوة فرعون حينما دعا قومه من بني إسرائيل وجد أنه يستعمل ذات العبارات التي يستعملها موسى عليه السلام من الدعوة إلى الحق والرشاد، وكذلك موسى عليه السلام استعمل هذه العبارات، فينخدع من عامة الناس ودهمائهم بالانسياق خلف هذه المصطلحات إذا كان الإنسان لا ينظر إلى معاني تلك المصطلحات، ويتفحص تلك المعاني، ويزنها بميزان الشرع، فإنه إن وزنها بميزان الشرع تبين له الخير من الشر، وتبين له المعروف من المنكر، وعلم أن هذه المصطلحات وإن استعملها الإنسان لا تقتضي عذراً لمن وصل إليه ذلك المصطلح أن هذا هو الحق، وذاك هو الباطل، ولو كان منكوساً، فإن الإنسان لا يعذر بذلك، ولهذا عذب الله جل وعلا الأمم السابقة، وإن كانت تدعي أنها دعيت إلى الحق.وبيّن الله سبحانه وتعالى حال الضعفاء الذين يأتون يوم القيامة وبرزوا لله جميعاً، ((فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا)) الضعفاء قالوا: للذين استكبروا ماذا قالوا: إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا [إبراهيم:21] يعني: في الدنيا، بتلك المصطلحات وتلك الدعوات التي دعوتمونا إليها، ولكن من جهة الحقيقة عاقبهم الله سبحانه وتعالى بهذا العقاب الذي توعدهم الله جل وعلا به في النار يوم القيامة، فزحزحوا عن الجنة، وأدخلوا النار، وما نفعهم حينما برزوا على السواء الضعفاء، والذين استكبروا، فكانوا حينئذٍ في موضع واحد، ولم يعذرهم الله جل وعلا بذلك العذر.
 

ركنية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ومن الأمور المهمة قبل الولوج في جملة من المسائل المراد الكلام عليها في أمر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التقدم بين يدي هذا الموضوع بمقدمة مهمة تتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأهميته، وجملة من الأصول التي يتفق عليها أهل العقل، وهي ظاهرة في جملة من نصوص النقل لمن كان له أدنى نظر في كلام الله جل وعلا، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.ومن المهمات في ذلك أن يعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ركن من أركان الإسلام، وقد دل الدليل في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في إثبات الركنية للإسلام، وأنه كالبناء، وشبهه بذلك كما جاء في حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين وغيرهما، قال عليه الصلاة والسلام: ( بني الإسلام على خمس)، وذكرها عليه الصلاة والسلام، فقوله هنا: (بني) دليل على أن الإسلام شبيه بالبناء، فله أركان، فإذا اختل شيء من هذه الأركان اختل ذلك البناء وربما سقط.ومن هذه الأركان ما جاء في حديث عبد الله بن عمر على سبيل الاختصار، وقد جاء مفصلاً في حديث حذيفة بن اليمان كما عند البزار وعند أبي يعلى من حديث أبي إسحاق عن صلة عن حذيفة بن اليمان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( الإسلام ثمانية أسهم )، وجاء في بعض الألفاظ: ( ثمانية أركان )، ( الصلاة سهم والصيام سهم، والزكاة سهم والحج سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، والجهاد في سبيل الله سهم )، وجاء في بعض الروايات: ( وشهادة أن لا إله إلا الله سهم، وقد خاب من لا سهم له ). وجاء الخبر مرفوعاً وموقوفاً، وصوب غير واحد من العلماء الوقف، وله حكم الرفع كما نص على ذلك الحافظ ابن رجب عليه رحمة الله تعالى وغيره، بقوله هنا عليه الصلاة والسلام: ( ثمانية أسهم ).يعني: وقد أشار إلى جملة من الأركان التي جاءت في حديث عبد الله بن عمر وهي الصلاة والزكاة والصيام والحج، وهي من أركان الإسلام.والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا تأمله الإنسان وجد أنه من أركان الدين؛ إذ أنه لا يقوم شيء من أمور الدين إلا بهذه الشعيرة، ولكن تأخر، فكان ركناً سادساً من أركان الإسلام؛ لأن الأصل في معرفة فضل الأعمال بمعرفة حقيقة العمل، ومعرفة فضل العلم بمعرفة المعلوم وشرفه، فأعظم معلوم هو ما يتعلق بتوحيد الله سبحانه وتعالى، ما يتعلق بتوحيد الله جل وعلا بأسمائه وصفاته وألوهيته، وربوبيته، فكان التوحيد من جهة الذات ومن جهة الحقيقة أعظم معلوم على الإطلاق، وتبعه بعد ذلك ما يلحق فيه من جهة المعاني، ويدل عليه من ثمار العمل من بقية الأركان العملية من الصلاة والزكاة والصيام والحج، وتبع ذلك ما كان داعماً لهذه الأركان، وما كان دليلاً لها، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.وفي قوله: (الأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم) إشارة إلى أن هذه الشعيرة يمكن أن تتجزأ بخلاف بقية الشرائع التي أشار إليها في أول الخبر في قوله: (الإسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، والصيام سهم، والحج سهم)، فهي من جهة الأصل هي سهام ينبغي أن يأتي بها الإنسان بتمامها.أما الأمر بالمعروف فإنه يأتي به الإنسان ولو لم يكن مستطيعاً بالإتيان بالنهي عن المنكر، فإذا أتى بالمعروف، ولم يكن قادراً على النهي عن المنكر كان ممن أقام العذر، وعذر حينئذٍ، وإذا كان قادراً على النهي عن المنكر في موضع، ولم يكن ثمة حينئذٍ دلالة على الأمر بالمعروف كان حينئذٍ ممن أسقط عن كاهله التكليف وأقام الحجة.
 

تضمن الأمر بالمعروف للنهي عن المنكر
ومن المعاني أن الفصل بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن الأمر بالمعروف هو متضمن من جهة الحقيقة النهي عن المنكر، فإذا أمر الإنسان بالمعروف صراحة كان دليلاً على النهي عن المنكر، فالأمر بالتوحيد هو دليل عن النهي عن المنكر، والنهي عن الزنا هو دليل وإرشاد إلى النكاح والإحصان بالطرق المشروعة، والنهي عن الربا دليل أيضاً على البيع الحلال، والأمر بالبيع الحلال والمطعم الحلال دليل على تجنب سبل وصور البيع الحرام من بيع الغرر والربا بجميع أنواعه وصنوفه، فهذا يدل على أن بينها تناوباً بخلاف بقية الأركان.والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يمكن أن يقوم المعروف إلا عليه، فإذا نقص وقل في أمة من الأمم، أو في زمن من الأزمنة، أو في بلد من البلدان ظهر الشر وفشا في الناس؛ ولهذا كان بيان هذه الشعيرة في كلام الله جل وعلا، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم من أظهر البيان، والحث عليها من أظهر الحث.
 

خيرية الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وقد أناط الله جل وعلا الخيرية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روى الإمام مسلم من حديث طارق بن شهاب عن أبي سعيد الخدري: ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وما وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ).وهذه المراتب دليل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا بد أن يوجد في الأمة، فإذا خليت الأمة من هذه الشعيرة ولو بأدنى مراتبها، فإنه قد انتفت منها الخيرية، وبه نعلم أن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتمسك بهدي السلف الصالح وخاصة الخلفاء الراشدين الأربعة هو ذات المعنى الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث عمران وعائشة وغيرهما: ( خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ).وهذه الخيرية إشارة إلى قيام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [آل عمران:110]، أي: كنتم خير أمة أخرجت للناس على الإطلاق، فلم يكن ثمة أمة بقيت بها هذه الشعيرة يؤمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، فتكون ثمة أمة قائمة ظاهرة على أمر الله، لا يضرها من خذلها، ولا من كذبها إلى أن تقوم الساعة إلا هذه الأمة، وهذه من خصائص هذه الأمة أن يبقى الدين ظاهراً لا يضره الخذلان، والإشارة إلى معنى الخذلان إلى وجود من يظن فيه الخير، فبدر منه الخذلان من أهل الإسلام ممن يكون من أهل الجلدة، ممن يتكلم باللسان ممن يكون من الدعاة على أبواب جهنم الذين حذر منهم النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح من حديث حذيفة بن اليمان، ويأتي سياقه بإذن الله.
 

الحرص على معرفة فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ومن المهمات في هذا الباب أن يكون الإنسان حريصاً على معرفة فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه من أعظم الدوافع، وقد جعل النبي عليه الصلاة والسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من سبل التوفيق للإنسان، ومن أعظم الطاعات، بل أنه من المكفرات للمحرمات والفتن التي تلحق الإنسان، فهو عاصم للفتنة وإن قل عمل الإنسان الآخر، والنبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث حذيفة بن اليمان قال: ( فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره يكفرها الصلاة والزكاة والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر )، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام من قرائن عظيم الأعمال ما يكفر تلك السيئات وتلك الفتنة التي تلحق الإنسان في أهله وماله وولده جملة من عظيم المكفرات التي هي من أركان الإسلام، وذكر منها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.وهذا مما يشير إلى دلالة الاقتران التي يشير إليها جماعة من العلماء من الأصوليين وغيرهم مما يدل على التشابه في هذا، أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لما اقترن بأركان الإسلام وهي الصلاة والصيام والصدقة، وذكرت في حديث حذيفة، مما يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من أركان الإسلام، كما جاء مفصلاً في حديث حذيفة بن اليمان عليه رضوان الله، كما جاء عند البزار وأبي يعلى وغيرهما.وفي هذا إشارة إلى أن التكفير الذي يلحق السيئات لا يكون إلا من عظائم الأعمال التي تأتي على الذنوب، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114]، فلما كانت الصلاة في هذا المقام تكفر سيئات الليل والنهار، واقترنت في حديث حذيفة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دل على الاشتراك في هذا التكفير، مما ينبغي للإنسان أن يكون آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر.
 

التعاضد والتعاون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ومن الأمور المهمة في هذا أن يعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو مما يتعلق فيه التعاضد بين أولياء الله من أهل الإيمان، وقد جعل الله سبحانه وتعالى المنافقات والمنافقين مقابلين للمؤمنين والمؤمنات، فقال الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [التوبة:71]، فقوله: (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) أي: أنهم يعتضدون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى يصلوا إلى تحقيق المراد؛ مما ينبغي أن يلتفت إلى أهمية العمل الجماعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو ما يسمى في زمننا هذا بالعمل المؤسسي، وهذا ظاهر في كثير من الأحوال التي كان النبي عليه الصلاة والسلام يقصدها، وقصدها الخلفاء الراشدين في الدعوة إلى الله، وصد الشر بأنواعه سواء ما يتعلق في أمور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يتعلق كذلك في أمور الجهاد.وقد جعل الله سبحانه وتعالى المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، لماذا؟ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فلما كانوا أولياء لبعض دل على أنهم اعتضدوا، فكانوا كاليد الواحدة، وهذا يظهر في قول الله سبحانه وتعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103].فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقتضي العمل جماعة من جهة الأصل لا عمل الأفراد، مع وجود أهمية عمل الأفراد؛ لأن الإنسان مكلف بنفسه وبذاته، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري: ( من رأى منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه )، فقوله عليه الصلاة والسلام: ( من رأى منكم منكراً ) هذه تفيد العموم، سواءً في سبيل المنكر، (من رأى منكم منكراً)، والنكرة في سياق الإثبات تفيد العموم، وكذلك في حال الرائي أياً كان ولو كان منفرداً، وإن كانوا كذلك جماعة فإن التكليف يلحق الأفراد، فإذا قام بذلك شخص سقط عن البقية، وهذا يدل على أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سواءً كان على سبيل الأفراد، أو كان على سبيل الجماعة. وكذلك يتعلق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الجماعة؛ لأن الشر الذي يلحق بالأمة إن عطلت هذه الشعيرة يلحقها بتمامها، وقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25]، فالفتنة والشر الذي يلحقه الله جل وعلا بالأمة تلحق الأمة بسائرها، بخلاف لو كان الإنسان مذنباً بنفسه فإن الإنسان تلحقه سيئة ذنبه بذاته، وأما إذا انتشر الشر وعطلت شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن العقاب يعم الأمة بأسرها.والنبي عليه الصلاة والسلام ممثلاً لحال الأمة والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، كما جاء في البخاري من حديث زكريا عن عامر الشعبي عن النعمان بن بشير قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( مثل القائم على حدود الله، والمعطل لها كمثل قوم ركبوا سفينة فاستهموا، فكان قوم في أسفلها، وقوم في أعلاها، فكان الذين في أسفلها إذا سقوا قالوا: لو ثقبنا ثقباً فاستقينا، فلا يضر من علانا )، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( لو أخذوا على أيديهم نجا ونجوا، وإن تركوهم هلكوا وهلكوا معهم )، مما يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متعلق بالمجتمع بأسره؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يستشعر أن الشر يلحقه، وكذلك يلحق المجتمع بأسره.وقال النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين وغيرهما عن عروة عليه رضوان الله تعالى قال: ( سمعت أم سلمة تحدث عن أم حبيبة عن زينب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في ليلة من الليالي وقال: ويل للعرب من شر قد اقترب، اليوم قد فتح من ردم أو سد يأجوج هكذا، وحلق بين أصبعه السبابة والإبهام، قالت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث ). وفي هذا الحديث المختصر من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، وسؤال أم المؤمنين له: ( أنهلك وفينا الصالحون )، إشارة إلى أنه قد يكون الإنسان من أهل الخيرية والقرب من العلم والدعوة، ويجهل حقيقة عاقبة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما جهلته هنا أم المؤمنين عليها رضوان الله تعالى، فقالت: (أنهلك وفينا الصالحون؟)، وهذا السؤال يقتضي عدم العلم السابق، مع العلم بأهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا من الأمور الدقيقة التي يعرضها العالمون، ولهذا نجد أن كثيراً من سواد الناس وعامتهم يقولون: إن الإنسان إذا وقع في المنكر لا شأن لك به، وهذا من الخطأ والوهم الذي يطرأ على الخاصة فضلاً عن العامة.وفي سؤالها هنا: ( أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث )، في قولها: (الصالحون) إشارة إلى أن الناس يتعلقون بالصالحين إن وجدوا، وإذا كانوا لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر أن هذا من سبل الصد عن دين الله، فإن وجود الصالح بالمجتمع قد يكون وبالاً على الأمة إذا كان لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، ولهذا أشارت إلى ذكر الصالحين، ولم تقل: وفينا الشيوخ، وفينا الأطفال، وفينا البهائم، لا، وإنما أشار في حال وجود الشر في الناس إلى الصالحين؛ لأن الصالح صلاحه لنفسه، والمصلح أمره متعدٍ إلى غيره، والأصل في المصلح أنه صالح في نفسه وقد أصلح غيره، ودرجة التمام في ذلك أن يكون الإنسان صالحاً في نفسه، وصالحاً في حق غيره من أهله.والمرتبة الثانية: أن يكون الإنسان صالحاً في حق غيره، ومقصراً في حق نفسه.والمرتبة الثالثة وهي أدنى المراتب: أن يكون الإنسان صالحاً في نفسه، وليس بصالح في حق غيره، ولا يلي ذلك إلا النفاق الخالص والكفر المخرج من الملة، وذلك بانتفاء الخيرية التي أخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الأمة، وذلك أن وجود الصالح فيه نوع أمر بالمعروف والنهي عن المنكر بإظهار الشعائر والشرائع في دين الله جل وعلا، وإن لم يأمر بالمعروف، ولكن عد النبي عليه الصلاة والسلام هذا تقصيراً؛ لأنه ما تعمد تعدية ذلك إلى غيره، فقال: (نعم إذا كثر الخبث)، وفي قوله: ( إذا كثر الخبث ) إشارة إلى أن ما تركه ذلك هو نوع خبث وشر يجب أن يغير وينكر، وأنه ليس من الخير في شيء.
 

حقيقة المعروف والمنكر
ومن المسائل المهمة في هذا الباب، والتي تتعلق بمسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: حقيقة المعروف وحقيقة المنكر، فالمعروف هو ما عرفه الشارع، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:104]، المعروف هنا (ال) للعهد هو ما عرفه الشارع وبين حاله، لا ما عرفه الأسلاف والآباء والأجداد، وما عرفته الأذواق معارضة في ذلك للنص الظاهر من كلام الله جل وعلا وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.ومن نظر إلى التنازع في تحقيق مصطلح المعروف بين أهل الحق وأهل الباطل وجد كما تقدم أن حرب الألفاظ وحرب المصطلحات وجدت في الصدر الأول من البشرية، فما من نبي بعثه الله سبحانه وتعالى إلى قومه إلا وقومه يدعون إلى الحق، والحق من جهة الاصطلاح، لكن من جهة المعاني يدعون إلى الباطل، وأنبياء الله جل وعلا يدعون إلى الحق المتمحض من جهة المعنى ومن جهة اللفظ؛ لأنه عن رب العالمين سبحانه وتعالى.إذاً: مسألة المنازعة في تحقيق المعروف، وتحقيق المنكر، هي موجودة منذ أن خلق الله جل وعلا البشرية، ويتأكد ذلك مع تقادم العصور. ‏
 حصول التغير في العمل من الصدر الأول
وإذا كان الصدر الأول من التابعين يتغير لديهم العمل حتى يضمحل فيهجرون السنة، وهم من التابعين، بل من متأخري أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هذا يتباين من بلد إلى بلد، وقد روى البخاري عليه رحمة الله في كتابه الصحيح من حديث أنس بن مالك، يقول ابن شهاب الزهري: دخلت على أنس بن مالك وقد قدم الشام وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قال: لم أعهد شيئاً مما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمركم إلا الصلاة، وضيعتم ما ضيعتم منها.وأخرج البخاري عنه حديثاً آخر، وهو من أواخر من توفي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( قدم النبي عليه الصلاة والسلام إلينا المدينة ) انظروا ذاك في الشام والعراق، وهذا في المدينة، ( قدم إلينا في المدينة فقلنا: هل تنكر من أمرنا مما كان عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء؟ قال: لا، إلا تسوية الصفوف )، وهذه إشارة إلى مسألة معينة، أما بالنسبة لأهل الشام والعراق، فقال: (لم أعهد شيئاً مما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أمر الصلاة وضيعتم ما ضيعتم)، فأشار إلى مسألة أداء الصلاة وتضييع أوقاتها، لماذا؟ لأنه كان على العراق في تلك الولاية الحجاج بن يوسف الثقفي، فبدل من بدل، مع وجود هذا التغيير الذي بدل فيه وجد من كان يتبع الأسياد ممن كان في زمن الحجاج ممن أضله الله جل وعلا حتى من الصالحين، وقد ترجم ابن حبان في كتابه الثقات لأحد الرواة فقال: وكان حجاجياً، يقول: من كان مع الحجاج فهو على الإسلام، ومن لم يكن مع الحجاج فليس على الإسلام، مع ظهور بغيه وعدوانه وقتله للصالحين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وللصالحين أيضاً من التابعين، مما يدل على أن القلوب تتشوف، وتذوب مع ما حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام، وحذر الله جل وعلا منه في كتابه العظيم، وجعله سبباً للطغيان.
فساد الحق وتغييبه

 فساد الحق بسبب علماء السوء
والأمر الآخر: يكون بسبب علماء السوء الذين أفسدوا الحق بأي نوع من أنواع الإفساد، وذلك من وجوه:الوجه الأول: أن يجعل الحق باطلاً والباطل حقاً، وهذا غاية في الضلال، يقول ابن المبارك عليه رحمة الله:وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانهاوذلك أنهم يقلبون الحق والباطل، فيجعلون هذا حقاً وهذا باطلاً.الوجه الثاني: التقليل من قيمة المعروف، والتقليل من قيمة المنكر، فإذا كان عظيماً هون منه، وهذا نوع من أنواع التلبيس والتدليس، فإن الله جل وعلا حينما جعل الأمر متأكداً في كلامه سبحانه وتعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينبغي أن يحفظ على هذا القدر، وكذلك في المنكر، فإذا حرمه الله جل وعلا وجعله من الموبقات، أو من المهلكات، أو جعله الله جل وعلا من الشرك ينبغي أن يبقى هذا الأمر على وصفه الشرعي من غير صد.ومن نظر إلى أحوال الأمة على اختلاف الأصول وجد أن الخير يزيد فيها وينقص بحسب بقاء العلماء، وكذلك الشر ينتشر فيها بحسب انتشار الجهل واضمحلال العلم.والنبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو يقول: ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء )، وفي قوله عليه الصلاة والسلام هنا: ( إن الله لا يقبض العلم ) القابض هو الله، فلما جاء العلم جعل القبض من الله، ولما كان الجهل اتخذ الناس رءوساً جهالاً، المتخذ من؟ المتخذ الناس، ومن هم الناس؟ صنفان، إما سواد الناس ودهماؤهم، وإما السلاطين والحكام الذين ينصبون علماء يفتون لهم بحسب أهوائهم، فيشرعون من دون الله جلا وعلا ما لا يرضاه الله، فيضل الناس حينئذٍ ويغوون، ولهذا ذكر الله سبحانه وتعالى مسألة القبض للعلماء، فإذا كان الله هو القابض للعلماء فهو الرافع، وأما بالنسبة للجهال لا ينصبهم إلا سواد الناس.وقد عانت الأمة في هذا الزمن، وفي أزمنة متأخرة وفي كثير من الأزمنة من جهال تصدروا، إما أن يكون هؤلاء الجهال عرفوا بالقصص والحكاية ووعظ الناس، فصدروا على أنهم من العلماء العارفين بكلام الله عز وجل، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفوا الأصول والفروع، فصدروا للناس وجعلوا يحكمون في كثير من النوازل.ومن أعظم ما يفسد على العالم دينه، وكذلك على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، أو يفسد على الناس دينهم، أعظم ما يفسد عليهم هو المال والشرف، يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث كعب بن مالك كما جاء عند الترمذي وكذلك في المسند: ( ما ذئبان جائعان في غنم بأفسد على الإنسان في دينه من حب المال والشرف )، وجاء في رواية: ( حب المال والشرف لدينه )، أي: أن الذئب حينما ينغمس في الإبل ولا يحال بينه وبينها ويظهر في ذلك المفسدة، أن حب المال والشرف إذا انغمس فيه العالم والمراد بالشرف هو الجاه والسيادة في الناس، أو الظهور والبروز.والأمر الثاني هو المناصب والرئاسة، وهذا جاء ظاهراً في حديث شداد بن أوس كما تقدم الكلام عليه، فهذه أفسد لدين الإنسان من الذئب حينما ينطلق في غنم، ولا يحال بينه وبينها فما يبقي منها شيئاً، ومن أعظم ما يفسد دين الإنسان ويعرف فيه أيضاً المقبل على الحق، وكذلك المنصرف عنه، ينظر عنه في مقامي هذا فمستقل ومستكثر.يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في السياسة الشرعية فيما معناه: إنه لا يعرف شخص قد أقبل على المال والجاه والرئاسة إلا وهو مثبط في أمور الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب استزادته، وبحسب نقصانه، وذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يفوت في ذلك حظاً كثيراً من أمر المال، وكذلك من أمر الجاه والشرف، وهذا هو المشاهد في أعين الناس في هذا الزمن.ونحن نشاهد في زمننا هذا خاصة ظهور كثير ممن ينتسب إلى الدعوة والصلاح في كثير من أقطار العالم، سواءً في القنوات أو في الساحات العلمية وغير ذلك، ويجاملون في كثير من المسلمات والقطعيات في أمور الدين، وكثير منهم من يقلب الحلال إلى حرام، والحرام إلى حلال، وهذا تشوف إلى ما يسمى بالحفاظ على الجاه والشرف، وهذا شيء كامن في النفس لا يدركه الإنسان بنفسه، بل ربما أصبح على قلب ذلك الشخص من الغشاوة ما لا يستطيع الإنسان أن يصرفه عنه، فهو يسير معه يمنة ويسرة، وفي هذا الزمن على وجه الخصوص وفي هذه الأيام على وجه الخصوص نشاهد أمراً جلياً في مواجهة الحق، وكذلك الجلبة بالباطل في مقابل الحق قدر الإمكان، وظهر أيضاً جلياً محاولة إبراز عينات معينة ممن ينتسب إلى الدعوة والصلاح، على أن هؤلاء وإن لم يكونوا هم المرادين على سبيل التمام والكمال إلا أنهم خير من يمثل ما يريدون في مثل هذا الزمن.والشريعة الإسلامية إذا تجردت من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجردت من الدين، وكثير من الدعاة إلى الله في هذا الزمن خاصة يتكلمون بالأمر بالمعروف، ولا يتكلمون بالنهي عن المنكر، لماذا؟ لأن النهي عن المنكر يفوت حظوظ آخرين، وحظوظ الآخرين تصادم شهوة النفس من الشرف والجاه والمال، فإذا تكلم الإنسان بالمنكر فوت شيئاً عظيماً، فينخدع العامة في ظهور كثير من أمثال هؤلاء في دائرة الأمر بالمعروف فقط، والشريعة متكاملة، هي أمر بمعروف ونهي عن المنكر، بيان للحلال وبيان للحرام، رضي من رضي، وأبى من أبى، هذه شريعة الله سبحانه وتعالى.ورسول الله صلى الله عليه وسلم أقام دين الله جل وعلا، وما جامل وما حابى، سلك جميع وأنواع الطرق إيصال الحق للناس من غير محاباة، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام يتخير الزمان، ويتخير المكان، الأمة إذا أرادت، أو العالم أو القائم بالمعروف والنهي عن المنكر إذا أراد السلامة والطريق المورد في سبيل الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه يطلب محالاً، فلا بد من الوقيعة في العرض، كما وقع في عرض النبي عليه الصلاة والسلام، ولا بد من الأذية في الجسد والأذية في المال، فقد هجر النبي عليه الصلاة والسلام من مكة وفقد ماله، وفقد أرضه، وفقد عشيرته وناصريه عليه الصلاة والسلام، فقدهم عليه الصلاة والسلام، وأوذي النبي عليه الصلاة والسلام في جسده، فشج رأسه وأدميت قدميه، وكسرت رباعيته عليه الصلاة والسلام، وسم عليه الصلاة والسلام في طعامه، عدوان متنوع في سبيل إظهار الحق، وهذه لا بد أن توجد في كل داع سواءً على سبيل المجموع، أو على سبيل الإفراد.ومن أراد السلامة من أي نوع من هذه الأنواع فإنه يطلب محالاً؛ وقد تقرر عند أهل العقل قاطبة أن الإنسان يبتلى بقدر عقله وصوابه، وأن الإنسان إذا لم يكن له أعداء فليعلم أنه ليس له عقل، وإذا علم أن له أعداء أنه بقدر ما يوهب الإنسان من الحق والصواب بقدر ما يكون لديه من الحق، ونحن نجد الضعفاء والبلداء والمجانين الذين لم يهبهم الله عز وجل من العقل والتفكير أن الناس يرحمونهم على شتى مذاهبهم، فإن ما لديهم العقل وقعت الخصومة، ولهذا الطفل والصبي ينشأ في قومه وهو يرحم، ويرحمه حتى أعداء والده، ولكن حينما يكبر وينضج كان من ضمن قومه؛ لأنه في السابق ليس بصاحب عقل، ولما نما عقله، وإن لم يظهر خصومة ظهر له الأعداء.ومن أراد أن يدعو إلى الله من غير خصومة ولا عداوة ولا تأنيب ولا طعن في عرض وجد هذا معدوماً على مر العصور، وقد سئل الإمام الشافعي عليه رحمة الله: أيهما خير الرجل يبتلى ويمكن أم يمكن ولا يبتلى؟ قال: لا يمكن حتى يبتلى، والسؤال هذا غير وجيه، أي: أن الإنسان لا يمكن أن يمكن في الأرض حتى يبتليه الله عز وجل بأي نوع من أنواع الابتلاء.
حضور العالم في زمنه ومعرفته بحال الطوائف فيه
ومن المسائل التي ينبغي أن يتنبه لها أن يكون العالم حاضراً في زمنه، عارفاً بالطوائف التي ينبغي أن تعرى، وأن يبين خطرها، وكذلك أن يكون الناس على حذر منها، وأن يكون العلماء من العارفين بسبل وطرق أهل الغواية والشر، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام، وأصحابه من العارفين بطرق أعدائهم.ومن نظر إلى حال بعض العلماء وجد أنهم من العارفين بأصول الشريعة، لكنهم من أجهل الناس بنوازل الشرع، ومعرفة الطوائف والفرق المعاصرة، ويعرفون الطوائف والطرق البائدة التي وجدت أو تحولت في الأزمنة المتأخرة، ولكنه من أجهل الناس بالطوائف المعاصرة، وهذا نوع عظيم وشؤم كبير على الأمر في مواجهة الباطل.والأمة الإسلامية إذا لم يقم العلماء فيها بقيام حق، وأن يكون العالم ابناً للحظته وساعته، وابناً لمجتمعه، وعارفاً بما يفسد المجتمع وما يصلحه فإنه عليه حينئذٍ على المجتمع السلام من وجوه متعددة:أولها: إذا لم يوجد العالم الذي يعرف مواضع الخير من الشر سددت سهام العدو بأسهل سبيل إلى نحور الإسلام، وكذلك وجدت منافذ في صدور وعقول العامة إذا لم يجد من يصدها، فانساقت دهماء إلى دعوات أهل الضلال من أرباب الأفكار المتنوعة التي نشاهدها خاصة في زمننا هذا.وشيخ الإسلام ابن تيمية والإمام أحمد رحمه الله من نظر حينما يتكلمون عن مسائل الفرق والضلال وجد أنهم يتكلمون عليهم وكأنهم معنيون بهم تاماً وهم كذلك، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام معنياً بكفار قريش.ومن نظر إلى حال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله وجد أنه جالد الطوائف بأنواعها، وتجرد من النظر إلى غير أهل عصره، فكتب فيهم وعرف، وعراهم وبين حال الطوائف.ومن نظر إلى كثير من أهل العلم من المعاصرين وجد أنه يتكلم على كثير من الطوائف السابقة التي ربما تكون تغيرت في الأزمنة المتأخرة، تغيرت من جهة الاعتقاد، كما هو الكلام في مسألة الأشاعرة والزيدية وغيرهما، ووجد أيضاً من الطوائف من لا يعلمها بعض من يحسن العلم الشرعي، وهم من العارفين في كلام الله عز وجل، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون حينئذٍ هذا ضرب من ضروب التقصير. والأمة أعظم ما تعانيه الآن من العداوة وظهور المنكر وإن كان له أصل في كلام الأمم السابقة، هي الدعوات المعاصرة ما يسمى بالعلمانية واللبرالية، وهذه الدعوات هي دعوات حديثة، ينبغي لأهل العلم والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكونوا متبصرين بها، وبحقيقتها، ومصادرها ومعرفة رموزها وطريقة صدها، وألا يعيش العلماء بمنأى عن أهل عصرهم، فإن عاشوا بمنأى عن أهل عصرهم سددت سهام التضليل والغواية، وتدليس المعروف بالمنكر، وخلط الحق بالباطل، فيصل ذلك إلى قلوب عامة الناس فينساقون وراءهم. وأعظم خطر تواجهه الأمة هو خطر من داخلها من المنافقين، فقد جعل الله عز وجل لهم صوتاً في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة تصد عن الصدق، والدعوة إلى الباطل، والتحذير من سبل الخير، فأصبحوا يرفعون سياط الإعلام رغبة ورهبة، ومن أراد ما أرادوا رفعوه وأبرزوه، فكان هو العالم بحق، وكان هو الفاتح، وهو الداعية وهو المصلح، وهو الوسطي، وهو العالم.. إلى غير ذلك من الألقاب التي ظاهرها الرحمة وباطنها من قبلها العذاب حتى ينساق الناس خلف هذه الدعوات، ومن خالفهم فيصفونه بأنواع الأوصاف كما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم.وكثير من الدعوات أو الأصول التي يدعون أنهم يسلكونها من مسألة الحرية ومسألة الرأي وغير ذلك من عباراتهم هذه كلها من الأوهام التي ينبغي ألا تنطلي على أحد، فلا صوت للحق يعلو مع باطلهم إلا من النزر اليسير الذي هو شبيه بذر الرماد في العيون، فينبغي أن يعلم أن المصلحين أعظم المهمات لديهم في هذا العصر هو مواجهة هذا الفكر الذي بدأ ينخر في جسد الأمة، بل ضرب بأطنابه، وخيم في كثير من وسائل الإعلام.
 فساد الحق بسبب علماء السوء
والأمر الآخر: يكون بسبب علماء السوء الذين أفسدوا الحق بأي نوع من أنواع الإفساد، وذلك من وجوه:الوجه الأول: أن يجعل الحق باطلاً والباطل حقاً، وهذا غاية في الضلال، يقول ابن المبارك عليه رحمة الله:وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانهاوذلك أنهم يقلبون الحق والباطل، فيجعلون هذا حقاً وهذا باطلاً.الوجه الثاني: التقليل من قيمة المعروف، والتقليل من قيمة المنكر، فإذا كان عظيماً هون منه، وهذا نوع من أنواع التلبيس والتدليس، فإن الله جل وعلا حينما جعل الأمر متأكداً في كلامه سبحانه وتعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينبغي أن يحفظ على هذا القدر، وكذلك في المنكر، فإذا حرمه الله جل وعلا وجعله من الموبقات، أو من المهلكات، أو جعله الله جل وعلا من الشرك ينبغي أن يبقى هذا الأمر على وصفه الشرعي من غير صد.ومن نظر إلى أحوال الأمة على اختلاف الأصول وجد أن الخير يزيد فيها وينقص بحسب بقاء العلماء، وكذلك الشر ينتشر فيها بحسب انتشار الجهل واضمحلال العلم.والنبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو يقول: ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء )، وفي قوله عليه الصلاة والسلام هنا: ( إن الله لا يقبض العلم ) القابض هو الله، فلما جاء العلم جعل القبض من الله، ولما كان الجهل اتخذ الناس رءوساً جهالاً، المتخذ من؟ المتخذ الناس، ومن هم الناس؟ صنفان، إما سواد الناس ودهماؤهم، وإما السلاطين والحكام الذين ينصبون علماء يفتون لهم بحسب أهوائهم، فيشرعون من دون الله جلا وعلا ما لا يرضاه الله، فيضل الناس حينئذٍ ويغوون، ولهذا ذكر الله سبحانه وتعالى مسألة القبض للعلماء، فإذا كان الله هو القابض للعلماء فهو الرافع، وأما بالنسبة للجهال لا ينصبهم إلا سواد الناس.وقد عانت الأمة في هذا الزمن، وفي أزمنة متأخرة وفي كثير من الأزمنة من جهال تصدروا، إما أن يكون هؤلاء الجهال عرفوا بالقصص والحكاية ووعظ الناس، فصدروا على أنهم من العلماء العارفين بكلام الله عز وجل، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفوا الأصول والفروع، فصدروا للناس وجعلوا يحكمون في كثير من النوازل.ومن أعظم ما يفسد على العالم دينه، وكذلك على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، أو يفسد على الناس دينهم، أعظم ما يفسد عليهم هو المال والشرف، يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث كعب بن مالك كما جاء عند الترمذي وكذلك في المسند: ( ما ذئبان جائعان في غنم بأفسد على الإنسان في دينه من حب المال والشرف )، وجاء في رواية: ( حب المال والشرف لدينه )، أي: أن الذئب حينما ينغمس في الإبل ولا يحال بينه وبينها ويظهر في ذلك المفسدة، أن حب المال والشرف إذا انغمس فيه العالم والمراد بالشرف هو الجاه والسيادة في الناس، أو الظهور والبروز.والأمر الثاني هو المناصب والرئاسة، وهذا جاء ظاهراً في حديث شداد بن أوس كما تقدم الكلام عليه، فهذه أفسد لدين الإنسان من الذئب حينما ينطلق في غنم، ولا يحال بينه وبينها فما يبقي منها شيئاً، ومن أعظم ما يفسد دين الإنسان ويعرف فيه أيضاً المقبل على الحق، وكذلك المنصرف عنه، ينظر عنه في مقامي هذا فمستقل ومستكثر.يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في السياسة الشرعية فيما معناه: إنه لا يعرف شخص قد أقبل على المال والجاه والرئاسة إلا وهو مثبط في أمور الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب استزادته، وبحسب نقصانه، وذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يفوت في ذلك حظاً كثيراً من أمر المال، وكذلك من أمر الجاه والشرف، وهذا هو المشاهد في أعين الناس في هذا الزمن.ونحن نشاهد في زمننا هذا خاصة ظهور كثير ممن ينتسب إلى الدعوة والصلاح في كثير من أقطار العالم، سواءً في القنوات أو في الساحات العلمية وغير ذلك، ويجاملون في كثير من المسلمات والقطعيات في أمور الدين، وكثير منهم من يقلب الحلال إلى حرام، والحرام إلى حلال، وهذا تشوف إلى ما يسمى بالحفاظ على الجاه والشرف، وهذا شيء كامن في النفس لا يدركه الإنسان بنفسه، بل ربما أصبح على قلب ذلك الشخص من الغشاوة ما لا يستطيع الإنسان أن يصرفه عنه، فهو يسير معه يمنة ويسرة، وفي هذا الزمن على وجه الخصوص وفي هذه الأيام على وجه الخصوص نشاهد أمراً جلياً في مواجهة الحق، وكذلك الجلبة بالباطل في مقابل الحق قدر الإمكان، وظهر أيضاً جلياً محاولة إبراز عينات معينة ممن ينتسب إلى الدعوة والصلاح، على أن هؤلاء وإن لم يكونوا هم المرادين على سبيل التمام والكمال إلا أنهم خير من يمثل ما يريدون في مثل هذا الزمن.والشريعة الإسلامية إذا تجردت من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجردت من الدين، وكثير من الدعاة إلى الله في هذا الزمن خاصة يتكلمون بالأمر بالمعروف، ولا يتكلمون بالنهي عن المنكر، لماذا؟ لأن النهي عن المنكر يفوت حظوظ آخرين، وحظوظ الآخرين تصادم شهوة النفس من الشرف والجاه والمال، فإذا تكلم الإنسان بالمنكر فوت شيئاً عظيماً، فينخدع العامة في ظهور كثير من أمثال هؤلاء في دائرة الأمر بالمعروف فقط، والشريعة متكاملة، هي أمر بمعروف ونهي عن المنكر، بيان للحلال وبيان للحرام، رضي من رضي، وأبى من أبى، هذه شريعة الله سبحانه وتعالى.ورسول الله صلى الله عليه وسلم أقام دين الله جل وعلا، وما جامل وما حابى، سلك جميع وأنواع الطرق إيصال الحق للناس من غير محاباة، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام يتخير الزمان، ويتخير المكان، الأمة إذا أرادت، أو العالم أو القائم بالمعروف والنهي عن المنكر إذا أراد السلامة والطريق المورد في سبيل الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه يطلب محالاً، فلا بد من الوقيعة في العرض، كما وقع في عرض النبي عليه الصلاة والسلام، ولا بد من الأذية في الجسد والأذية في المال، فقد هجر النبي عليه الصلاة والسلام من مكة وفقد ماله، وفقد أرضه، وفقد عشيرته وناصريه عليه الصلاة والسلام، فقدهم عليه الصلاة والسلام، وأوذي النبي عليه الصلاة والسلام في جسده، فشج رأسه وأدميت قدميه، وكسرت رباعيته عليه الصلاة والسلام، وسم عليه الصلاة والسلام في طعامه، عدوان متنوع في سبيل إظهار الحق، وهذه لا بد أن توجد في كل داع سواءً على سبيل المجموع، أو على سبيل الإفراد.ومن أراد السلامة من أي نوع من هذه الأنواع فإنه يطلب محالاً؛ وقد تقرر عند أهل العقل قاطبة أن الإنسان يبتلى بقدر عقله وصوابه، وأن الإنسان إذا لم يكن له أعداء فليعلم أنه ليس له عقل، وإذا علم أن له أعداء أنه بقدر ما يوهب الإنسان من الحق والصواب بقدر ما يكون لديه من الحق، ونحن نجد الضعفاء والبلداء والمجانين الذين لم يهبهم الله عز وجل من العقل والتفكير أن الناس يرحمونهم على شتى مذاهبهم، فإن ما لديهم العقل وقعت الخصومة، ولهذا الطفل والصبي ينشأ في قومه وهو يرحم، ويرحمه حتى أعداء والده، ولكن حينما يكبر وينضج كان من ضمن قومه؛ لأنه في السابق ليس بصاحب عقل، ولما نما عقله، وإن لم يظهر خصومة ظهر له الأعداء.ومن أراد أن يدعو إلى الله من غير خصومة ولا عداوة ولا تأنيب ولا طعن في عرض وجد هذا معدوماً على مر العصور، وقد سئل الإمام الشافعي عليه رحمة الله: أيهما خير الرجل يبتلى ويمكن أم يمكن ولا يبتلى؟ قال: لا يمكن حتى يبتلى، والسؤال هذا غير وجيه، أي: أن الإنسان لا يمكن أن يمكن في الأرض حتى يبتليه الله عز وجل بأي نوع من أنواع الابتلاء.
اختلاف الغزو الفكري المعاصر عن الغزو الفكري فيما سبق
وينبغي أن يعلم أن الغزو الفكري الذي بدأ يجتاح جزيرة العرب يختلف عن الغزو الفكري الذي اجتاح كثيراً من بلدان المسلمين في العقود والقرون الماضية، وذلك من وجوه متعددة، أهمها وأظهرها أن الغزو حينما طمس الإسلام في كثير من بلدان المسلمين وبالأخص المغرب العربي بجميع دوله، وكذلك كثير من بعض بلدان المشرق التي وقع وطالها الاستعمار لم يكن الإعلام بأيدي المصلحين على الإطلاق، بل كانت المنابر وهي منابر الجمع لا يؤذن فيها إلا بكلام الوعظ والتذكير بأمر الآخرة، والحث على أداء شعائر الإسلام الظاهرة التي لا تخالف تلك المبادئ التي يدعو إليها المستعمر، فيختلف هذا الأمر عن زمننا؛ لأن هذا الزمن أصبح أقل الناس علماً ومعرفة يستطيع أن يوصل قوله بأيسر سبيل، وأن يوصل نكيره، وكذلك بيان الحق للناس في كثير من وسائل الإعلام؛ ولهذا كان الأمر متغيراً، والعبء على المصلحين أعظم، والعبء كذلك على العلماء أعظم وأظهر.
 فساد الحق بسبب علماء السوء
والأمر الآخر: يكون بسبب علماء السوء الذين أفسدوا الحق بأي نوع من أنواع الإفساد، وذلك من وجوه:الوجه الأول: أن يجعل الحق باطلاً والباطل حقاً، وهذا غاية في الضلال، يقول ابن المبارك عليه رحمة الله:وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانهاوذلك أنهم يقلبون الحق والباطل، فيجعلون هذا حقاً وهذا باطلاً.الوجه الثاني: التقليل من قيمة المعروف، والتقليل من قيمة المنكر، فإذا كان عظيماً هون منه، وهذا نوع من أنواع التلبيس والتدليس، فإن الله جل وعلا حينما جعل الأمر متأكداً في كلامه سبحانه وتعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينبغي أن يحفظ على هذا القدر، وكذلك في المنكر، فإذا حرمه الله جل وعلا وجعله من الموبقات، أو من المهلكات، أو جعله الله جل وعلا من الشرك ينبغي أن يبقى هذا الأمر على وصفه الشرعي من غير صد.ومن نظر إلى أحوال الأمة على اختلاف الأصول وجد أن الخير يزيد فيها وينقص بحسب بقاء العلماء، وكذلك الشر ينتشر فيها بحسب انتشار الجهل واضمحلال العلم.والنبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو يقول: ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء )، وفي قوله عليه الصلاة والسلام هنا: ( إن الله لا يقبض العلم ) القابض هو الله، فلما جاء العلم جعل القبض من الله، ولما كان الجهل اتخذ الناس رءوساً جهالاً، المتخذ من؟ المتخذ الناس، ومن هم الناس؟ صنفان، إما سواد الناس ودهماؤهم، وإما السلاطين والحكام الذين ينصبون علماء يفتون لهم بحسب أهوائهم، فيشرعون من دون الله جلا وعلا ما لا يرضاه الله، فيضل الناس حينئذٍ ويغوون، ولهذا ذكر الله سبحانه وتعالى مسألة القبض للعلماء، فإذا كان الله هو القابض للعلماء فهو الرافع، وأما بالنسبة للجهال لا ينصبهم إلا سواد الناس.وقد عانت الأمة في هذا الزمن، وفي أزمنة متأخرة وفي كثير من الأزمنة من جهال تصدروا، إما أن يكون هؤلاء الجهال عرفوا بالقصص والحكاية ووعظ الناس، فصدروا على أنهم من العلماء العارفين بكلام الله عز وجل، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفوا الأصول والفروع، فصدروا للناس وجعلوا يحكمون في كثير من النوازل.ومن أعظم ما يفسد على العالم دينه، وكذلك على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، أو يفسد على الناس دينهم، أعظم ما يفسد عليهم هو المال والشرف، يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث كعب بن مالك كما جاء عند الترمذي وكذلك في المسند: ( ما ذئبان جائعان في غنم بأفسد على الإنسان في دينه من حب المال والشرف )، وجاء في رواية: ( حب المال والشرف لدينه )، أي: أن الذئب حينما ينغمس في الإبل ولا يحال بينه وبينها ويظهر في ذلك المفسدة، أن حب المال والشرف إذا انغمس فيه العالم والمراد بالشرف هو الجاه والسيادة في الناس، أو الظهور والبروز.والأمر الثاني هو المناصب والرئاسة، وهذا جاء ظاهراً في حديث شداد بن أوس كما تقدم الكلام عليه، فهذه أفسد لدين الإنسان من الذئب حينما ينطلق في غنم، ولا يحال بينه وبينها فما يبقي منها شيئاً، ومن أعظم ما يفسد دين الإنسان ويعرف فيه أيضاً المقبل على الحق، وكذلك المنصرف عنه، ينظر عنه في مقامي هذا فمستقل ومستكثر.يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في السياسة الشرعية فيما معناه: إنه لا يعرف شخص قد أقبل على المال والجاه والرئاسة إلا وهو مثبط في أمور الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب استزادته، وبحسب نقصانه، وذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يفوت في ذلك حظاً كثيراً من أمر المال، وكذلك من أمر الجاه والشرف، وهذا هو المشاهد في أعين الناس في هذا الزمن.ونحن نشاهد في زمننا هذا خاصة ظهور كثير ممن ينتسب إلى الدعوة والصلاح في كثير من أقطار العالم، سواءً في القنوات أو في الساحات العلمية وغير ذلك، ويجاملون في كثير من المسلمات والقطعيات في أمور الدين، وكثير منهم من يقلب الحلال إلى حرام، والحرام إلى حلال، وهذا تشوف إلى ما يسمى بالحفاظ على الجاه والشرف، وهذا شيء كامن في النفس لا يدركه الإنسان بنفسه، بل ربما أصبح على قلب ذلك الشخص من الغشاوة ما لا يستطيع الإنسان أن يصرفه عنه، فهو يسير معه يمنة ويسرة، وفي هذا الزمن على وجه الخصوص وفي هذه الأيام على وجه الخصوص نشاهد أمراً جلياً في مواجهة الحق، وكذلك الجلبة بالباطل في مقابل الحق قدر الإمكان، وظهر أيضاً جلياً محاولة إبراز عينات معينة ممن ينتسب إلى الدعوة والصلاح، على أن هؤلاء وإن لم يكونوا هم المرادين على سبيل التمام والكمال إلا أنهم خير من يمثل ما يريدون في مثل هذا الزمن.والشريعة الإسلامية إذا تجردت من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجردت من الدين، وكثير من الدعاة إلى الله في هذا الزمن خاصة يتكلمون بالأمر بالمعروف، ولا يتكلمون بالنهي عن المنكر، لماذا؟ لأن النهي عن المنكر يفوت حظوظ آخرين، وحظوظ الآخرين تصادم شهوة النفس من الشرف والجاه والمال، فإذا تكلم الإنسان بالمنكر فوت شيئاً عظيماً، فينخدع العامة في ظهور كثير من أمثال هؤلاء في دائرة الأمر بالمعروف فقط، والشريعة متكاملة، هي أمر بمعروف ونهي عن المنكر، بيان للحلال وبيان للحرام، رضي من رضي، وأبى من أبى، هذه شريعة الله سبحانه وتعالى.ورسول الله صلى الله عليه وسلم أقام دين الله جل وعلا، وما جامل وما حابى، سلك جميع وأنواع الطرق إيصال الحق للناس من غير محاباة، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام يتخير الزمان، ويتخير المكان، الأمة إذا أرادت، أو العالم أو القائم بالمعروف والنهي عن المنكر إذا أراد السلامة والطريق المورد في سبيل الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه يطلب محالاً، فلا بد من الوقيعة في العرض، كما وقع في عرض النبي عليه الصلاة والسلام، ولا بد من الأذية في الجسد والأذية في المال، فقد هجر النبي عليه الصلاة والسلام من مكة وفقد ماله، وفقد أرضه، وفقد عشيرته وناصريه عليه الصلاة والسلام، فقدهم عليه الصلاة والسلام، وأوذي النبي عليه الصلاة والسلام في جسده، فشج رأسه وأدميت قدميه، وكسرت رباعيته عليه الصلاة والسلام، وسم عليه الصلاة والسلام في طعامه، عدوان متنوع في سبيل إظهار الحق، وهذه لا بد أن توجد في كل داع سواءً على سبيل المجموع، أو على سبيل الإفراد.ومن أراد السلامة من أي نوع من هذه الأنواع فإنه يطلب محالاً؛ وقد تقرر عند أهل العقل قاطبة أن الإنسان يبتلى بقدر عقله وصوابه، وأن الإنسان إذا لم يكن له أعداء فليعلم أنه ليس له عقل، وإذا علم أن له أعداء أنه بقدر ما يوهب الإنسان من الحق والصواب بقدر ما يكون لديه من الحق، ونحن نجد الضعفاء والبلداء والمجانين الذين لم يهبهم الله عز وجل من العقل والتفكير أن الناس يرحمونهم على شتى مذاهبهم، فإن ما لديهم العقل وقعت الخصومة، ولهذا الطفل والصبي ينشأ في قومه وهو يرحم، ويرحمه حتى أعداء والده، ولكن حينما يكبر وينضج كان من ضمن قومه؛ لأنه في السابق ليس بصاحب عقل، ولما نما عقله، وإن لم يظهر خصومة ظهر له الأعداء.ومن أراد أن يدعو إلى الله من غير خصومة ولا عداوة ولا تأنيب ولا طعن في عرض وجد هذا معدوماً على مر العصور، وقد سئل الإمام الشافعي عليه رحمة الله: أيهما خير الرجل يبتلى ويمكن أم يمكن ولا يبتلى؟ قال: لا يمكن حتى يبتلى، والسؤال هذا غير وجيه، أي: أن الإنسان لا يمكن أن يمكن في الأرض حتى يبتليه الله عز وجل بأي نوع من أنواع الابتلاء.
بيان النبي لحال الأمة من جهة الخير والشر
وينبغي أن يعلم أيضاً أن الله سبحانه وتعالى لم يدع هذه الأمة في تيه من أمرها، بل بين لها حالها من جهة الشر والخير، جاء في الصحيح من حديث أبي إدريس الخولاني قال حذيفة بن اليمان: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني: فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: وما هو؟ قال: قوم يهتدون بغير هديي، ويستنون بغير سنتي، تعرف منهم وتنكر )، ففي قوله عليه الصلاة والسلام: ( تعرف منهم وتنكر ) أن الذين يقومون بأمر الله لديهم من السنة ولديهم من الباطل، يعرف الإنسان منهم معروفاً، وينكر منهم منكراً، وهذا إن قلد الإنسان في دينه عالماً، وظن أنه وكل الأمر إليه كحال الأمم السالفة التي تقتدي بكبرائها ورؤسائها، فإذا كان يوم القيامة جعلهم الله عز وجل يتحاجون فيما بينهم، ثم يقال لهم: ادخلوا النار مع الداخلين.والإنسان قد وهبه الله جل وعلا فينبغي أن يميز، وقد روى ابن أبي شيبة في المصنف من حديث الأعمش عن خيثمة عن عبد الله بن عمرو قال: (يأتي على الناس زمان يجتمع الناس في المسجد ليس فيهم مؤمن)، مما يدل على أن هناك من يدعوهم إلى بعض المعروف، ولكن لا يدعوهم إلى الإيمان الحق وإلى الطريق المستقيم، مما يدل على أن المساجد تعمر، ولكنها لا تعمر بحق، وإنما تعمر بباطل.ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لـحذيفة بن اليمان لما سأله: ( وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم. ولكن فيه دخن. قال: وما دخنه؟ قال عليه الصلاة والسلام: دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها )، فقوله عليه الصلاة والسلام هنا: ( دعاة على أبواب جهنم ) هذا المصطلح وهو الدعاة المرتبط بالدعوة هو من المصطلحات الشرعية، ولكن أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يشير إلى أن هذا المعنى استعمل في الغي والباطل وإن كان ظاهره الخير، ومن أجاب هؤلاء إلى ما أرادوا دخل في النار والعياذ بالله.
 فساد الحق بسبب علماء السوء
والأمر الآخر: يكون بسبب علماء السوء الذين أفسدوا الحق بأي نوع من أنواع الإفساد، وذلك من وجوه:الوجه الأول: أن يجعل الحق باطلاً والباطل حقاً، وهذا غاية في الضلال، يقول ابن المبارك عليه رحمة الله:وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانهاوذلك أنهم يقلبون الحق والباطل، فيجعلون هذا حقاً وهذا باطلاً.الوجه الثاني: التقليل من قيمة المعروف، والتقليل من قيمة المنكر، فإذا كان عظيماً هون منه، وهذا نوع من أنواع التلبيس والتدليس، فإن الله جل وعلا حينما جعل الأمر متأكداً في كلامه سبحانه وتعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينبغي أن يحفظ على هذا القدر، وكذلك في المنكر، فإذا حرمه الله جل وعلا وجعله من الموبقات، أو من المهلكات، أو جعله الله جل وعلا من الشرك ينبغي أن يبقى هذا الأمر على وصفه الشرعي من غير صد.ومن نظر إلى أحوال الأمة على اختلاف الأصول وجد أن الخير يزيد فيها وينقص بحسب بقاء العلماء، وكذلك الشر ينتشر فيها بحسب انتشار الجهل واضمحلال العلم.والنبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو يقول: ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء )، وفي قوله عليه الصلاة والسلام هنا: ( إن الله لا يقبض العلم ) القابض هو الله، فلما جاء العلم جعل القبض من الله، ولما كان الجهل اتخذ الناس رءوساً جهالاً، المتخذ من؟ المتخذ الناس، ومن هم الناس؟ صنفان، إما سواد الناس ودهماؤهم، وإما السلاطين والحكام الذين ينصبون علماء يفتون لهم بحسب أهوائهم، فيشرعون من دون الله جلا وعلا ما لا يرضاه الله، فيضل الناس حينئذٍ ويغوون، ولهذا ذكر الله سبحانه وتعالى مسألة القبض للعلماء، فإذا كان الله هو القابض للعلماء فهو الرافع، وأما بالنسبة للجهال لا ينصبهم إلا سواد الناس.وقد عانت الأمة في هذا الزمن، وفي أزمنة متأخرة وفي كثير من الأزمنة من جهال تصدروا، إما أن يكون هؤلاء الجهال عرفوا بالقصص والحكاية ووعظ الناس، فصدروا على أنهم من العلماء العارفين بكلام الله عز وجل، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفوا الأصول والفروع، فصدروا للناس وجعلوا يحكمون في كثير من النوازل.ومن أعظم ما يفسد على العالم دينه، وكذلك على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، أو يفسد على الناس دينهم، أعظم ما يفسد عليهم هو المال والشرف، يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث كعب بن مالك كما جاء عند الترمذي وكذلك في المسند: ( ما ذئبان جائعان في غنم بأفسد على الإنسان في دينه من حب المال والشرف )، وجاء في رواية: ( حب المال والشرف لدينه )، أي: أن الذئب حينما ينغمس في الإبل ولا يحال بينه وبينها ويظهر في ذلك المفسدة، أن حب المال والشرف إذا انغمس فيه العالم والمراد بالشرف هو الجاه والسيادة في الناس، أو الظهور والبروز.والأمر الثاني هو المناصب والرئاسة، وهذا جاء ظاهراً في حديث شداد بن أوس كما تقدم الكلام عليه، فهذه أفسد لدين الإنسان من الذئب حينما ينطلق في غنم، ولا يحال بينه وبينها فما يبقي منها شيئاً، ومن أعظم ما يفسد دين الإنسان ويعرف فيه أيضاً المقبل على الحق، وكذلك المنصرف عنه، ينظر عنه في مقامي هذا فمستقل ومستكثر.يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في السياسة الشرعية فيما معناه: إنه لا يعرف شخص قد أقبل على المال والجاه والرئاسة إلا وهو مثبط في أمور الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب استزادته، وبحسب نقصانه، وذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يفوت في ذلك حظاً كثيراً من أمر المال، وكذلك من أمر الجاه والشرف، وهذا هو المشاهد في أعين الناس في هذا الزمن.ونحن نشاهد في زمننا هذا خاصة ظهور كثير ممن ينتسب إلى الدعوة والصلاح في كثير من أقطار العالم، سواءً في القنوات أو في الساحات العلمية وغير ذلك، ويجاملون في كثير من المسلمات والقطعيات في أمور الدين، وكثير منهم من يقلب الحلال إلى حرام، والحرام إلى حلال، وهذا تشوف إلى ما يسمى بالحفاظ على الجاه والشرف، وهذا شيء كامن في النفس لا يدركه الإنسان بنفسه، بل ربما أصبح على قلب ذلك الشخص من الغشاوة ما لا يستطيع الإنسان أن يصرفه عنه، فهو يسير معه يمنة ويسرة، وفي هذا الزمن على وجه الخصوص وفي هذه الأيام على وجه الخصوص نشاهد أمراً جلياً في مواجهة الحق، وكذلك الجلبة بالباطل في مقابل الحق قدر الإمكان، وظهر أيضاً جلياً محاولة إبراز عينات معينة ممن ينتسب إلى الدعوة والصلاح، على أن هؤلاء وإن لم يكونوا هم المرادين على سبيل التمام والكمال إلا أنهم خير من يمثل ما يريدون في مثل هذا الزمن.والشريعة الإسلامية إذا تجردت من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجردت من الدين، وكثير من الدعاة إلى الله في هذا الزمن خاصة يتكلمون بالأمر بالمعروف، ولا يتكلمون بالنهي عن المنكر، لماذا؟ لأن النهي عن المنكر يفوت حظوظ آخرين، وحظوظ الآخرين تصادم شهوة النفس من الشرف والجاه والمال، فإذا تكلم الإنسان بالمنكر فوت شيئاً عظيماً، فينخدع العامة في ظهور كثير من أمثال هؤلاء في دائرة الأمر بالمعروف فقط، والشريعة متكاملة، هي أمر بمعروف ونهي عن المنكر، بيان للحلال وبيان للحرام، رضي من رضي، وأبى من أبى، هذه شريعة الله سبحانه وتعالى.ورسول الله صلى الله عليه وسلم أقام دين الله جل وعلا، وما جامل وما حابى، سلك جميع وأنواع الطرق إيصال الحق للناس من غير محاباة، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام يتخير الزمان، ويتخير المكان، الأمة إذا أرادت، أو العالم أو القائم بالمعروف والنهي عن المنكر إذا أراد السلامة والطريق المورد في سبيل الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه يطلب محالاً، فلا بد من الوقيعة في العرض، كما وقع في عرض النبي عليه الصلاة والسلام، ولا بد من الأذية في الجسد والأذية في المال، فقد هجر النبي عليه الصلاة والسلام من مكة وفقد ماله، وفقد أرضه، وفقد عشيرته وناصريه عليه الصلاة والسلام، فقدهم عليه الصلاة والسلام، وأوذي النبي عليه الصلاة والسلام في جسده، فشج رأسه وأدميت قدميه، وكسرت رباعيته عليه الصلاة والسلام، وسم عليه الصلاة والسلام في طعامه، عدوان متنوع في سبيل إظهار الحق، وهذه لا بد أن توجد في كل داع سواءً على سبيل المجموع، أو على سبيل الإفراد.ومن أراد السلامة من أي نوع من هذه الأنواع فإنه يطلب محالاً؛ وقد تقرر عند أهل العقل قاطبة أن الإنسان يبتلى بقدر عقله وصوابه، وأن الإنسان إذا لم يكن له أعداء فليعلم أنه ليس له عقل، وإذا علم أن له أعداء أنه بقدر ما يوهب الإنسان من الحق والصواب بقدر ما يكون لديه من الحق، ونحن نجد الضعفاء والبلداء والمجانين الذين لم يهبهم الله عز وجل من العقل والتفكير أن الناس يرحمونهم على شتى مذاهبهم، فإن ما لديهم العقل وقعت الخصومة، ولهذا الطفل والصبي ينشأ في قومه وهو يرحم، ويرحمه حتى أعداء والده، ولكن حينما يكبر وينضج كان من ضمن قومه؛ لأنه في السابق ليس بصاحب عقل، ولما نما عقله، وإن لم يظهر خصومة ظهر له الأعداء.ومن أراد أن يدعو إلى الله من غير خصومة ولا عداوة ولا تأنيب ولا طعن في عرض وجد هذا معدوماً على مر العصور، وقد سئل الإمام الشافعي عليه رحمة الله: أيهما خير الرجل يبتلى ويمكن أم يمكن ولا يبتلى؟ قال: لا يمكن حتى يبتلى، والسؤال هذا غير وجيه، أي: أن الإنسان لا يمكن أن يمكن في الأرض حتى يبتليه الله عز وجل بأي نوع من أنواع الابتلاء.
من مظان العالم الصالح
وينبغي أن يعلم أن من مظان العالم الصالح البعد عن الانسياق خلف المال مما حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام، وحذر النبي عليه الصلاة والسلام من الانسياق خلف الجاه، والتربص بمواضعه قدر الإمكان، وهذا إذا وجد في عالم أهلك نفسه وضيع دينه، وضيع الأمة التي يدعوها إلى الحق، وهذا من الأمارات التي يعرف فيها الناس العالم الصالح المصلح من العالم الذي يدعي الإصلاح والصلاح، وهو أبعد ما يكون منها.وإذا وجد هذا في القرون الأولى فهو فيما يأتي من قرون أظهر، وإذا عرف الإنسان أنه مخاطب بكلام الله عز وجل، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أنه ليس بمخاطب بفهوم أي أحد من الناس.
 فساد الحق بسبب علماء السوء
والأمر الآخر: يكون بسبب علماء السوء الذين أفسدوا الحق بأي نوع من أنواع الإفساد، وذلك من وجوه:الوجه الأول: أن يجعل الحق باطلاً والباطل حقاً، وهذا غاية في الضلال، يقول ابن المبارك عليه رحمة الله:وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانهاوذلك أنهم يقلبون الحق والباطل، فيجعلون هذا حقاً وهذا باطلاً.الوجه الثاني: التقليل من قيمة المعروف، والتقليل من قيمة المنكر، فإذا كان عظيماً هون منه، وهذا نوع من أنواع التلبيس والتدليس، فإن الله جل وعلا حينما جعل الأمر متأكداً في كلامه سبحانه وتعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينبغي أن يحفظ على هذا القدر، وكذلك في المنكر، فإذا حرمه الله جل وعلا وجعله من الموبقات، أو من المهلكات، أو جعله الله جل وعلا من الشرك ينبغي أن يبقى هذا الأمر على وصفه الشرعي من غير صد.ومن نظر إلى أحوال الأمة على اختلاف الأصول وجد أن الخير يزيد فيها وينقص بحسب بقاء العلماء، وكذلك الشر ينتشر فيها بحسب انتشار الجهل واضمحلال العلم.والنبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو يقول: ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء )، وفي قوله عليه الصلاة والسلام هنا: ( إن الله لا يقبض العلم ) القابض هو الله، فلما جاء العلم جعل القبض من الله، ولما كان الجهل اتخذ الناس رءوساً جهالاً، المتخذ من؟ المتخذ الناس، ومن هم الناس؟ صنفان، إما سواد الناس ودهماؤهم، وإما السلاطين والحكام الذين ينصبون علماء يفتون لهم بحسب أهوائهم، فيشرعون من دون الله جلا وعلا ما لا يرضاه الله، فيضل الناس حينئذٍ ويغوون، ولهذا ذكر الله سبحانه وتعالى مسألة القبض للعلماء، فإذا كان الله هو القابض للعلماء فهو الرافع، وأما بالنسبة للجهال لا ينصبهم إلا سواد الناس.وقد عانت الأمة في هذا الزمن، وفي أزمنة متأخرة وفي كثير من الأزمنة من جهال تصدروا، إما أن يكون هؤلاء الجهال عرفوا بالقصص والحكاية ووعظ الناس، فصدروا على أنهم من العلماء العارفين بكلام الله عز وجل، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفوا الأصول والفروع، فصدروا للناس وجعلوا يحكمون في كثير من النوازل.ومن أعظم ما يفسد على العالم دينه، وكذلك على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، أو يفسد على الناس دينهم، أعظم ما يفسد عليهم هو المال والشرف، يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث كعب بن مالك كما جاء عند الترمذي وكذلك في المسند: ( ما ذئبان جائعان في غنم بأفسد على الإنسان في دينه من حب المال والشرف )، وجاء في رواية: ( حب المال والشرف لدينه )، أي: أن الذئب حينما ينغمس في الإبل ولا يحال بينه وبينها ويظهر في ذلك المفسدة، أن حب المال والشرف إذا انغمس فيه العالم والمراد بالشرف هو الجاه والسيادة في الناس، أو الظهور والبروز.والأمر الثاني هو المناصب والرئاسة، وهذا جاء ظاهراً في حديث شداد بن أوس كما تقدم الكلام عليه، فهذه أفسد لدين الإنسان من الذئب حينما ينطلق في غنم، ولا يحال بينه وبينها فما يبقي منها شيئاً، ومن أعظم ما يفسد دين الإنسان ويعرف فيه أيضاً المقبل على الحق، وكذلك المنصرف عنه، ينظر عنه في مقامي هذا فمستقل ومستكثر.يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في السياسة الشرعية فيما معناه: إنه لا يعرف شخص قد أقبل على المال والجاه والرئاسة إلا وهو مثبط في أمور الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب استزادته، وبحسب نقصانه، وذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يفوت في ذلك حظاً كثيراً من أمر المال، وكذلك من أمر الجاه والشرف، وهذا هو المشاهد في أعين الناس في هذا الزمن.ونحن نشاهد في زمننا هذا خاصة ظهور كثير ممن ينتسب إلى الدعوة والصلاح في كثير من أقطار العالم، سواءً في القنوات أو في الساحات العلمية وغير ذلك، ويجاملون في كثير من المسلمات والقطعيات في أمور الدين، وكثير منهم من يقلب الحلال إلى حرام، والحرام إلى حلال، وهذا تشوف إلى ما يسمى بالحفاظ على الجاه والشرف، وهذا شيء كامن في النفس لا يدركه الإنسان بنفسه، بل ربما أصبح على قلب ذلك الشخص من الغشاوة ما لا يستطيع الإنسان أن يصرفه عنه، فهو يسير معه يمنة ويسرة، وفي هذا الزمن على وجه الخصوص وفي هذه الأيام على وجه الخصوص نشاهد أمراً جلياً في مواجهة الحق، وكذلك الجلبة بالباطل في مقابل الحق قدر الإمكان، وظهر أيضاً جلياً محاولة إبراز عينات معينة ممن ينتسب إلى الدعوة والصلاح، على أن هؤلاء وإن لم يكونوا هم المرادين على سبيل التمام والكمال إلا أنهم خير من يمثل ما يريدون في مثل هذا الزمن.والشريعة الإسلامية إذا تجردت من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجردت من الدين، وكثير من الدعاة إلى الله في هذا الزمن خاصة يتكلمون بالأمر بالمعروف، ولا يتكلمون بالنهي عن المنكر، لماذا؟ لأن النهي عن المنكر يفوت حظوظ آخرين، وحظوظ الآخرين تصادم شهوة النفس من الشرف والجاه والمال، فإذا تكلم الإنسان بالمنكر فوت شيئاً عظيماً، فينخدع العامة في ظهور كثير من أمثال هؤلاء في دائرة الأمر بالمعروف فقط، والشريعة متكاملة، هي أمر بمعروف ونهي عن المنكر، بيان للحلال وبيان للحرام، رضي من رضي، وأبى من أبى، هذه شريعة الله سبحانه وتعالى.ورسول الله صلى الله عليه وسلم أقام دين الله جل وعلا، وما جامل وما حابى، سلك جميع وأنواع الطرق إيصال الحق للناس من غير محاباة، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام يتخير الزمان، ويتخير المكان، الأمة إذا أرادت، أو العالم أو القائم بالمعروف والنهي عن المنكر إذا أراد السلامة والطريق المورد في سبيل الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه يطلب محالاً، فلا بد من الوقيعة في العرض، كما وقع في عرض النبي عليه الصلاة والسلام، ولا بد من الأذية في الجسد والأذية في المال، فقد هجر النبي عليه الصلاة والسلام من مكة وفقد ماله، وفقد أرضه، وفقد عشيرته وناصريه عليه الصلاة والسلام، فقدهم عليه الصلاة والسلام، وأوذي النبي عليه الصلاة والسلام في جسده، فشج رأسه وأدميت قدميه، وكسرت رباعيته عليه الصلاة والسلام، وسم عليه الصلاة والسلام في طعامه، عدوان متنوع في سبيل إظهار الحق، وهذه لا بد أن توجد في كل داع سواءً على سبيل المجموع، أو على سبيل الإفراد.ومن أراد السلامة من أي نوع من هذه الأنواع فإنه يطلب محالاً؛ وقد تقرر عند أهل العقل قاطبة أن الإنسان يبتلى بقدر عقله وصوابه، وأن الإنسان إذا لم يكن له أعداء فليعلم أنه ليس له عقل، وإذا علم أن له أعداء أنه بقدر ما يوهب الإنسان من الحق والصواب بقدر ما يكون لديه من الحق، ونحن نجد الضعفاء والبلداء والمجانين الذين لم يهبهم الله عز وجل من العقل والتفكير أن الناس يرحمونهم على شتى مذاهبهم، فإن ما لديهم العقل وقعت الخصومة، ولهذا الطفل والصبي ينشأ في قومه وهو يرحم، ويرحمه حتى أعداء والده، ولكن حينما يكبر وينضج كان من ضمن قومه؛ لأنه في السابق ليس بصاحب عقل، ولما نما عقله، وإن لم يظهر خصومة ظهر له الأعداء.ومن أراد أن يدعو إلى الله من غير خصومة ولا عداوة ولا تأنيب ولا طعن في عرض وجد هذا معدوماً على مر العصور، وقد سئل الإمام الشافعي عليه رحمة الله: أيهما خير الرجل يبتلى ويمكن أم يمكن ولا يبتلى؟ قال: لا يمكن حتى يبتلى، والسؤال هذا غير وجيه، أي: أن الإنسان لا يمكن أن يمكن في الأرض حتى يبتليه الله عز وجل بأي نوع من أنواع الابتلاء.
فضل وجود الصالحين
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا اتكل الإنسان على غيره ضل الإنسان وضل الناس، وليعلم أن الله سبحانه وتعالى قد حمى الأمة بالمصلحين، وأن الصالح إذا وجد في الأمة أن وجوده ربما يكون شؤماً وشراً، وذلك أن العامة والدهماء يقولون: وجد ذلك الصالح فلم ينكر فلان؟ ووجد فلان الصالح الدين أو الخير ونحو ذلك، ولم ينكر ذلك الأمر، أو هون من أمره، وهذا وجد في الناس، يتكلون على قول فلان، وسكوت فلان؛ لأنه من الصالحين، ولم يسمعوا إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما سألته أم المؤمنين: ( أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث ).إن الصلاح والإصلاح من المهمات العظيمة التي يدفع الله عز وجل بها الشر عن الناس، وأن الله جل وعلا لا يغير ما بالأمة من حالها من جهل وضلال وبعد عن الدين إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
 فساد الحق بسبب علماء السوء
والأمر الآخر: يكون بسبب علماء السوء الذين أفسدوا الحق بأي نوع من أنواع الإفساد، وذلك من وجوه:الوجه الأول: أن يجعل الحق باطلاً والباطل حقاً، وهذا غاية في الضلال، يقول ابن المبارك عليه رحمة الله:وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانهاوذلك أنهم يقلبون الحق والباطل، فيجعلون هذا حقاً وهذا باطلاً.الوجه الثاني: التقليل من قيمة المعروف، والتقليل من قيمة المنكر، فإذا كان عظيماً هون منه، وهذا نوع من أنواع التلبيس والتدليس، فإن الله جل وعلا حينما جعل الأمر متأكداً في كلامه سبحانه وتعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينبغي أن يحفظ على هذا القدر، وكذلك في المنكر، فإذا حرمه الله جل وعلا وجعله من الموبقات، أو من المهلكات، أو جعله الله جل وعلا من الشرك ينبغي أن يبقى هذا الأمر على وصفه الشرعي من غير صد.ومن نظر إلى أحوال الأمة على اختلاف الأصول وجد أن الخير يزيد فيها وينقص بحسب بقاء العلماء، وكذلك الشر ينتشر فيها بحسب انتشار الجهل واضمحلال العلم.والنبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو يقول: ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء )، وفي قوله عليه الصلاة والسلام هنا: ( إن الله لا يقبض العلم ) القابض هو الله، فلما جاء العلم جعل القبض من الله، ولما كان الجهل اتخذ الناس رءوساً جهالاً، المتخذ من؟ المتخذ الناس، ومن هم الناس؟ صنفان، إما سواد الناس ودهماؤهم، وإما السلاطين والحكام الذين ينصبون علماء يفتون لهم بحسب أهوائهم، فيشرعون من دون الله جلا وعلا ما لا يرضاه الله، فيضل الناس حينئذٍ ويغوون، ولهذا ذكر الله سبحانه وتعالى مسألة القبض للعلماء، فإذا كان الله هو القابض للعلماء فهو الرافع، وأما بالنسبة للجهال لا ينصبهم إلا سواد الناس.وقد عانت الأمة في هذا الزمن، وفي أزمنة متأخرة وفي كثير من الأزمنة من جهال تصدروا، إما أن يكون هؤلاء الجهال عرفوا بالقصص والحكاية ووعظ الناس، فصدروا على أنهم من العلماء العارفين بكلام الله عز وجل، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفوا الأصول والفروع، فصدروا للناس وجعلوا يحكمون في كثير من النوازل.ومن أعظم ما يفسد على العالم دينه، وكذلك على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، أو يفسد على الناس دينهم، أعظم ما يفسد عليهم هو المال والشرف، يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث كعب بن مالك كما جاء عند الترمذي وكذلك في المسند: ( ما ذئبان جائعان في غنم بأفسد على الإنسان في دينه من حب المال والشرف )، وجاء في رواية: ( حب المال والشرف لدينه )، أي: أن الذئب حينما ينغمس في الإبل ولا يحال بينه وبينها ويظهر في ذلك المفسدة، أن حب المال والشرف إذا انغمس فيه العالم والمراد بالشرف هو الجاه والسيادة في الناس، أو الظهور والبروز.والأمر الثاني هو المناصب والرئاسة، وهذا جاء ظاهراً في حديث شداد بن أوس كما تقدم الكلام عليه، فهذه أفسد لدين الإنسان من الذئب حينما ينطلق في غنم، ولا يحال بينه وبينها فما يبقي منها شيئاً، ومن أعظم ما يفسد دين الإنسان ويعرف فيه أيضاً المقبل على الحق، وكذلك المنصرف عنه، ينظر عنه في مقامي هذا فمستقل ومستكثر.يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في السياسة الشرعية فيما معناه: إنه لا يعرف شخص قد أقبل على المال والجاه والرئاسة إلا وهو مثبط في أمور الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب استزادته، وبحسب نقصانه، وذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يفوت في ذلك حظاً كثيراً من أمر المال، وكذلك من أمر الجاه والشرف، وهذا هو المشاهد في أعين الناس في هذا الزمن.ونحن نشاهد في زمننا هذا خاصة ظهور كثير ممن ينتسب إلى الدعوة والصلاح في كثير من أقطار العالم، سواءً في القنوات أو في الساحات العلمية وغير ذلك، ويجاملون في كثير من المسلمات والقطعيات في أمور الدين، وكثير منهم من يقلب الحلال إلى حرام، والحرام إلى حلال، وهذا تشوف إلى ما يسمى بالحفاظ على الجاه والشرف، وهذا شيء كامن في النفس لا يدركه الإنسان بنفسه، بل ربما أصبح على قلب ذلك الشخص من الغشاوة ما لا يستطيع الإنسان أن يصرفه عنه، فهو يسير معه يمنة ويسرة، وفي هذا الزمن على وجه الخصوص وفي هذه الأيام على وجه الخصوص نشاهد أمراً جلياً في مواجهة الحق، وكذلك الجلبة بالباطل في مقابل الحق قدر الإمكان، وظهر أيضاً جلياً محاولة إبراز عينات معينة ممن ينتسب إلى الدعوة والصلاح، على أن هؤلاء وإن لم يكونوا هم المرادين على سبيل التمام والكمال إلا أنهم خير من يمثل ما يريدون في مثل هذا الزمن.والشريعة الإسلامية إذا تجردت من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجردت من الدين، وكثير من الدعاة إلى الله في هذا الزمن خاصة يتكلمون بالأمر بالمعروف، ولا يتكلمون بالنهي عن المنكر، لماذا؟ لأن النهي عن المنكر يفوت حظوظ آخرين، وحظوظ الآخرين تصادم شهوة النفس من الشرف والجاه والمال، فإذا تكلم الإنسان بالمنكر فوت شيئاً عظيماً، فينخدع العامة في ظهور كثير من أمثال هؤلاء في دائرة الأمر بالمعروف فقط، والشريعة متكاملة، هي أمر بمعروف ونهي عن المنكر، بيان للحلال وبيان للحرام، رضي من رضي، وأبى من أبى، هذه شريعة الله سبحانه وتعالى.ورسول الله صلى الله عليه وسلم أقام دين الله جل وعلا، وما جامل وما حابى، سلك جميع وأنواع الطرق إيصال الحق للناس من غير محاباة، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام يتخير الزمان، ويتخير المكان، الأمة إذا أرادت، أو العالم أو القائم بالمعروف والنهي عن المنكر إذا أراد السلامة والطريق المورد في سبيل الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه يطلب محالاً، فلا بد من الوقيعة في العرض، كما وقع في عرض النبي عليه الصلاة والسلام، ولا بد من الأذية في الجسد والأذية في المال، فقد هجر النبي عليه الصلاة والسلام من مكة وفقد ماله، وفقد أرضه، وفقد عشيرته وناصريه عليه الصلاة والسلام، فقدهم عليه الصلاة والسلام، وأوذي النبي عليه الصلاة والسلام في جسده، فشج رأسه وأدميت قدميه، وكسرت رباعيته عليه الصلاة والسلام، وسم عليه الصلاة والسلام في طعامه، عدوان متنوع في سبيل إظهار الحق، وهذه لا بد أن توجد في كل داع سواءً على سبيل المجموع، أو على سبيل الإفراد.ومن أراد السلامة من أي نوع من هذه الأنواع فإنه يطلب محالاً؛ وقد تقرر عند أهل العقل قاطبة أن الإنسان يبتلى بقدر عقله وصوابه، وأن الإنسان إذا لم يكن له أعداء فليعلم أنه ليس له عقل، وإذا علم أن له أعداء أنه بقدر ما يوهب الإنسان من الحق والصواب بقدر ما يكون لديه من الحق، ونحن نجد الضعفاء والبلداء والمجانين الذين لم يهبهم الله عز وجل من العقل والتفكير أن الناس يرحمونهم على شتى مذاهبهم، فإن ما لديهم العقل وقعت الخصومة، ولهذا الطفل والصبي ينشأ في قومه وهو يرحم، ويرحمه حتى أعداء والده، ولكن حينما يكبر وينضج كان من ضمن قومه؛ لأنه في السابق ليس بصاحب عقل، ولما نما عقله، وإن لم يظهر خصومة ظهر له الأعداء.ومن أراد أن يدعو إلى الله من غير خصومة ولا عداوة ولا تأنيب ولا طعن في عرض وجد هذا معدوماً على مر العصور، وقد سئل الإمام الشافعي عليه رحمة الله: أيهما خير الرجل يبتلى ويمكن أم يمكن ولا يبتلى؟ قال: لا يمكن حتى يبتلى، والسؤال هذا غير وجيه، أي: أن الإنسان لا يمكن أن يمكن في الأرض حتى يبتليه الله عز وجل بأي نوع من أنواع الابتلاء.
معرفة قدر المعروف وقدر المنكر
ومن المهمات العظيمة التي ينبغي للإنسان أن يكون عارفاً بها قبل سلوكه لهذه الشعيرة أن يعلم أن الله جل وعلا حينما يأمره بالمعروف يأمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه يجب عليه أن يكون عارفاً بقدر المعروف.وكثير من الناس يدعو إلى المعروف ولا يعرف قيمته، وكثير من الناس ربما عادى أشخاصاً للتقصير في بعض صغائر المعروف، ويجعل بعض الناس أولياءه؛ لأنهم يفعلون ما يحب من المعروف، ولا ينظر إلى ميزان الشرع.والنظر من جهة الحقيقة إلى المعروف والمنكر ينبغي أن يقدر بحسب قيمته في الشريعة، وكذلك ينظر إلى الأعداء والذين يدعون إلى المنكر بحسب ما يدعون إليه من شر، وكذلك أن يكون حاضراً في ذهن الإنسان المنكر في حال وقوعه، وأن ينظر إلى مآله، فربما كان المنكر في زمن فعله صغيراً، ولكنه يئول إلى منكر كبير، وهذا أعظم من الكبير الذي يفعل في زمنه كبيراً، لكن يكون مآله صغيراً، ومرد هذا إلى أهل العلم والمعرفة، وربما ينكر بعض بسطاء الناس إنكار عالم على بعض دقائق المنكر وصغائرها؛ لأنه ينظر إلى مآلات الأمور مع تركه لبعض المنكرات الكبيرة التي تكون من جملة المنكر العارض الذي لا يمكن أن يدوم.وينبغي للقائمين والعاملين على هذه الشعيرة العظيمة أن يفرقوا بين المنكر الدائم ولو كان صغيراً، وبين المنكر الكبير ولو كان عارضاً، فالمنكر إذا كان يقنن ويثبت في الناس أعظم عند الله عز وجل من منكر عارض كبير يزول، وهذا ينبغي أن يكون حاضراً في معرفة تقييم المنكر والمعروف.وبسبب الجهل بهذا الأمر يوجد خلط عند كثير من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر في مواجهة الباطل والدعوة إلى الحق، فتجد كثيراً من الناس يتواصون على منكر من المنكرات هو من جهة الحقيقة عارض، وهو من الصغائر، ويدعون منكراً صغيراً لكنه يقنن ويدوم، وهذا أولى بالإنكار، فالمنكر الصغير الدائم ينكر ويشدد في أمره أعظم من المنكر الكبير العارض ما لم يكن شركاً.وكذلك المنكر يختلف بحسب حاله كما أنه يختلف بحسب مآله، والمنكر يختلف بحسب فاعله، فإن فعله من اقتدى به يختلف عمن يفعله ممن لا يقتدى به من سواد الناس ودهمائهم، مع كونه منكراً، لكنه قد تعلق به شيء آخر خارج عنه، وعن ماهيته وحقيقته، فاستحق قياماً يختلف عن غيره من الأحوال.
 فساد الحق بسبب علماء السوء
والأمر الآخر: يكون بسبب علماء السوء الذين أفسدوا الحق بأي نوع من أنواع الإفساد، وذلك من وجوه:الوجه الأول: أن يجعل الحق باطلاً والباطل حقاً، وهذا غاية في الضلال، يقول ابن المبارك عليه رحمة الله:وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانهاوذلك أنهم يقلبون الحق والباطل، فيجعلون هذا حقاً وهذا باطلاً.الوجه الثاني: التقليل من قيمة المعروف، والتقليل من قيمة المنكر، فإذا كان عظيماً هون منه، وهذا نوع من أنواع التلبيس والتدليس، فإن الله جل وعلا حينما جعل الأمر متأكداً في كلامه سبحانه وتعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينبغي أن يحفظ على هذا القدر، وكذلك في المنكر، فإذا حرمه الله جل وعلا وجعله من الموبقات، أو من المهلكات، أو جعله الله جل وعلا من الشرك ينبغي أن يبقى هذا الأمر على وصفه الشرعي من غير صد.ومن نظر إلى أحوال الأمة على اختلاف الأصول وجد أن الخير يزيد فيها وينقص بحسب بقاء العلماء، وكذلك الشر ينتشر فيها بحسب انتشار الجهل واضمحلال العلم.والنبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو يقول: ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء )، وفي قوله عليه الصلاة والسلام هنا: ( إن الله لا يقبض العلم ) القابض هو الله، فلما جاء العلم جعل القبض من الله، ولما كان الجهل اتخذ الناس رءوساً جهالاً، المتخذ من؟ المتخذ الناس، ومن هم الناس؟ صنفان، إما سواد الناس ودهماؤهم، وإما السلاطين والحكام الذين ينصبون علماء يفتون لهم بحسب أهوائهم، فيشرعون من دون الله جلا وعلا ما لا يرضاه الله، فيضل الناس حينئذٍ ويغوون، ولهذا ذكر الله سبحانه وتعالى مسألة القبض للعلماء، فإذا كان الله هو القابض للعلماء فهو الرافع، وأما بالنسبة للجهال لا ينصبهم إلا سواد الناس.وقد عانت الأمة في هذا الزمن، وفي أزمنة متأخرة وفي كثير من الأزمنة من جهال تصدروا، إما أن يكون هؤلاء الجهال عرفوا بالقصص والحكاية ووعظ الناس، فصدروا على أنهم من العلماء العارفين بكلام الله عز وجل، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفوا الأصول والفروع، فصدروا للناس وجعلوا يحكمون في كثير من النوازل.ومن أعظم ما يفسد على العالم دينه، وكذلك على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، أو يفسد على الناس دينهم، أعظم ما يفسد عليهم هو المال والشرف، يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث كعب بن مالك كما جاء عند الترمذي وكذلك في المسند: ( ما ذئبان جائعان في غنم بأفسد على الإنسان في دينه من حب المال والشرف )، وجاء في رواية: ( حب المال والشرف لدينه )، أي: أن الذئب حينما ينغمس في الإبل ولا يحال بينه وبينها ويظهر في ذلك المفسدة، أن حب المال والشرف إذا انغمس فيه العالم والمراد بالشرف هو الجاه والسيادة في الناس، أو الظهور والبروز.والأمر الثاني هو المناصب والرئاسة، وهذا جاء ظاهراً في حديث شداد بن أوس كما تقدم الكلام عليه، فهذه أفسد لدين الإنسان من الذئب حينما ينطلق في غنم، ولا يحال بينه وبينها فما يبقي منها شيئاً، ومن أعظم ما يفسد دين الإنسان ويعرف فيه أيضاً المقبل على الحق، وكذلك المنصرف عنه، ينظر عنه في مقامي هذا فمستقل ومستكثر.يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في السياسة الشرعية فيما معناه: إنه لا يعرف شخص قد أقبل على المال والجاه والرئاسة إلا وهو مثبط في أمور الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب استزادته، وبحسب نقصانه، وذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يفوت في ذلك حظاً كثيراً من أمر المال، وكذلك من أمر الجاه والشرف، وهذا هو المشاهد في أعين الناس في هذا الزمن.ونحن نشاهد في زمننا هذا خاصة ظهور كثير ممن ينتسب إلى الدعوة والصلاح في كثير من أقطار العالم، سواءً في القنوات أو في الساحات العلمية وغير ذلك، ويجاملون في كثير من المسلمات والقطعيات في أمور الدين، وكثير منهم من يقلب الحلال إلى حرام، والحرام إلى حلال، وهذا تشوف إلى ما يسمى بالحفاظ على الجاه والشرف، وهذا شيء كامن في النفس لا يدركه الإنسان بنفسه، بل ربما أصبح على قلب ذلك الشخص من الغشاوة ما لا يستطيع الإنسان أن يصرفه عنه، فهو يسير معه يمنة ويسرة، وفي هذا الزمن على وجه الخصوص وفي هذه الأيام على وجه الخصوص نشاهد أمراً جلياً في مواجهة الحق، وكذلك الجلبة بالباطل في مقابل الحق قدر الإمكان، وظهر أيضاً جلياً محاولة إبراز عينات معينة ممن ينتسب إلى الدعوة والصلاح، على أن هؤلاء وإن لم يكونوا هم المرادين على سبيل التمام والكمال إلا أنهم خير من يمثل ما يريدون في مثل هذا الزمن.والشريعة الإسلامية إذا تجردت من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجردت من الدين، وكثير من الدعاة إلى الله في هذا الزمن خاصة يتكلمون بالأمر بالمعروف، ولا يتكلمون بالنهي عن المنكر، لماذا؟ لأن النهي عن المنكر يفوت حظوظ آخرين، وحظوظ الآخرين تصادم شهوة النفس من الشرف والجاه والمال، فإذا تكلم الإنسان بالمنكر فوت شيئاً عظيماً، فينخدع العامة في ظهور كثير من أمثال هؤلاء في دائرة الأمر بالمعروف فقط، والشريعة متكاملة، هي أمر بمعروف ونهي عن المنكر، بيان للحلال وبيان للحرام، رضي من رضي، وأبى من أبى، هذه شريعة الله سبحانه وتعالى.ورسول الله صلى الله عليه وسلم أقام دين الله جل وعلا، وما جامل وما حابى، سلك جميع وأنواع الطرق إيصال الحق للناس من غير محاباة، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام يتخير الزمان، ويتخير المكان، الأمة إذا أرادت، أو العالم أو القائم بالمعروف والنهي عن المنكر إذا أراد السلامة والطريق المورد في سبيل الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه يطلب محالاً، فلا بد من الوقيعة في العرض، كما وقع في عرض النبي عليه الصلاة والسلام، ولا بد من الأذية في الجسد والأذية في المال، فقد هجر النبي عليه الصلاة والسلام من مكة وفقد ماله، وفقد أرضه، وفقد عشيرته وناصريه عليه الصلاة والسلام، فقدهم عليه الصلاة والسلام، وأوذي النبي عليه الصلاة والسلام في جسده، فشج رأسه وأدميت قدميه، وكسرت رباعيته عليه الصلاة والسلام، وسم عليه الصلاة والسلام في طعامه، عدوان متنوع في سبيل إظهار الحق، وهذه لا بد أن توجد في كل داع سواءً على سبيل المجموع، أو على سبيل الإفراد.ومن أراد السلامة من أي نوع من هذه الأنواع فإنه يطلب محالاً؛ وقد تقرر عند أهل العقل قاطبة أن الإنسان يبتلى بقدر عقله وصوابه، وأن الإنسان إذا لم يكن له أعداء فليعلم أنه ليس له عقل، وإذا علم أن له أعداء أنه بقدر ما يوهب الإنسان من الحق والصواب بقدر ما يكون لديه من الحق، ونحن نجد الضعفاء والبلداء والمجانين الذين لم يهبهم الله عز وجل من العقل والتفكير أن الناس يرحمونهم على شتى مذاهبهم، فإن ما لديهم العقل وقعت الخصومة، ولهذا الطفل والصبي ينشأ في قومه وهو يرحم، ويرحمه حتى أعداء والده، ولكن حينما يكبر وينضج كان من ضمن قومه؛ لأنه في السابق ليس بصاحب عقل، ولما نما عقله، وإن لم يظهر خصومة ظهر له الأعداء.ومن أراد أن يدعو إلى الله من غير خصومة ولا عداوة ولا تأنيب ولا طعن في عرض وجد هذا معدوماً على مر العصور، وقد سئل الإمام الشافعي عليه رحمة الله: أيهما خير الرجل يبتلى ويمكن أم يمكن ولا يبتلى؟ قال: لا يمكن حتى يبتلى، والسؤال هذا غير وجيه، أي: أن الإنسان لا يمكن أن يمكن في الأرض حتى يبتليه الله عز وجل بأي نوع من أنواع الابتلاء.
معرفة مآلات المنكر
ومن المهمات الجليلة في هذا الباب: أن يعلم أن المنكر إذا كان يجلب أو يدعو إلى منكر أعظم منه ينبغي أن يحذر منه الإنسان، وهذا يعرفه الإنسان بالمآلات، وألا يكون الإنسان مقدماً لرغبات النفس وحظوظها على مصالح الشريعة، ومصالح الأمة، وقيام المعروف، وصد المنكر، وأن يكون مقيماً للحال ومقيماً للمآل بنظرة ثاقبة وفاحصة، ويعرف ذلك خاصة من عرف التاريخ، وقرأ أحوال الأمم والمجتمعات والدول، وتقلباتها ومعرفة حالها، وتغير أحوال العلماء والمجتمعات والسلاطين، ومعاش الناس وتجارتهم ورزقهم، ونحو هذا يعرفه أهل الخبرة، وأهل الخبرة في ذلك من عمر وكان عارفاً إذا اقترن بعلم، ويعرف كذلك من كان عارفاً ومكثراً من القراءة في التاريخ، فإن القراءة في التاريخ من جهة الحقيقة هي عمر الإنسان، فإن الإنسان ربما يكون صغيراً، ولكنه إذا قرأ التاريخ وتفحصه وكان بصيراً به، وعارفاً بتقلب الدول وأحوالها، وقيام العلماء فيها، وما حصل من مآلات ونحو ذلك، يكون حينئذٍ من العارفين بمآلات كثير من الأمور، ويوفق ويسدد، خاصة إذا اقترن عمله بإيمان صادق وعمل خالص، فإن الله جل وعلا يسدده، فإن النية إذا وجدت في قلب الإنسان وفقه الله سبحانه وتعالى للخير.
 فساد الحق بسبب علماء السوء
والأمر الآخر: يكون بسبب علماء السوء الذين أفسدوا الحق بأي نوع من أنواع الإفساد، وذلك من وجوه:الوجه الأول: أن يجعل الحق باطلاً والباطل حقاً، وهذا غاية في الضلال، يقول ابن المبارك عليه رحمة الله:وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانهاوذلك أنهم يقلبون الحق والباطل، فيجعلون هذا حقاً وهذا باطلاً.الوجه الثاني: التقليل من قيمة المعروف، والتقليل من قيمة المنكر، فإذا كان عظيماً هون منه، وهذا نوع من أنواع التلبيس والتدليس، فإن الله جل وعلا حينما جعل الأمر متأكداً في كلامه سبحانه وتعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينبغي أن يحفظ على هذا القدر، وكذلك في المنكر، فإذا حرمه الله جل وعلا وجعله من الموبقات، أو من المهلكات، أو جعله الله جل وعلا من الشرك ينبغي أن يبقى هذا الأمر على وصفه الشرعي من غير صد.ومن نظر إلى أحوال الأمة على اختلاف الأصول وجد أن الخير يزيد فيها وينقص بحسب بقاء العلماء، وكذلك الشر ينتشر فيها بحسب انتشار الجهل واضمحلال العلم.والنبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو يقول: ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء )، وفي قوله عليه الصلاة والسلام هنا: ( إن الله لا يقبض العلم ) القابض هو الله، فلما جاء العلم جعل القبض من الله، ولما كان الجهل اتخذ الناس رءوساً جهالاً، المتخذ من؟ المتخذ الناس، ومن هم الناس؟ صنفان، إما سواد الناس ودهماؤهم، وإما السلاطين والحكام الذين ينصبون علماء يفتون لهم بحسب أهوائهم، فيشرعون من دون الله جلا وعلا ما لا يرضاه الله، فيضل الناس حينئذٍ ويغوون، ولهذا ذكر الله سبحانه وتعالى مسألة القبض للعلماء، فإذا كان الله هو القابض للعلماء فهو الرافع، وأما بالنسبة للجهال لا ينصبهم إلا سواد الناس.وقد عانت الأمة في هذا الزمن، وفي أزمنة متأخرة وفي كثير من الأزمنة من جهال تصدروا، إما أن يكون هؤلاء الجهال عرفوا بالقصص والحكاية ووعظ الناس، فصدروا على أنهم من العلماء العارفين بكلام الله عز وجل، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفوا الأصول والفروع، فصدروا للناس وجعلوا يحكمون في كثير من النوازل.ومن أعظم ما يفسد على العالم دينه، وكذلك على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، أو يفسد على الناس دينهم، أعظم ما يفسد عليهم هو المال والشرف، يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث كعب بن مالك كما جاء عند الترمذي وكذلك في المسند: ( ما ذئبان جائعان في غنم بأفسد على الإنسان في دينه من حب المال والشرف )، وجاء في رواية: ( حب المال والشرف لدينه )، أي: أن الذئب حينما ينغمس في الإبل ولا يحال بينه وبينها ويظهر في ذلك المفسدة، أن حب المال والشرف إذا انغمس فيه العالم والمراد بالشرف هو الجاه والسيادة في الناس، أو الظهور والبروز.والأمر الثاني هو المناصب والرئاسة، وهذا جاء ظاهراً في حديث شداد بن أوس كما تقدم الكلام عليه، فهذه أفسد لدين الإنسان من الذئب حينما ينطلق في غنم، ولا يحال بينه وبينها فما يبقي منها شيئاً، ومن أعظم ما يفسد دين الإنسان ويعرف فيه أيضاً المقبل على الحق، وكذلك المنصرف عنه، ينظر عنه في مقامي هذا فمستقل ومستكثر.يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في السياسة الشرعية فيما معناه: إنه لا يعرف شخص قد أقبل على المال والجاه والرئاسة إلا وهو مثبط في أمور الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب استزادته، وبحسب نقصانه، وذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يفوت في ذلك حظاً كثيراً من أمر المال، وكذلك من أمر الجاه والشرف، وهذا هو المشاهد في أعين الناس في هذا الزمن.ونحن نشاهد في زمننا هذا خاصة ظهور كثير ممن ينتسب إلى الدعوة والصلاح في كثير من أقطار العالم، سواءً في القنوات أو في الساحات العلمية وغير ذلك، ويجاملون في كثير من المسلمات والقطعيات في أمور الدين، وكثير منهم من يقلب الحلال إلى حرام، والحرام إلى حلال، وهذا تشوف إلى ما يسمى بالحفاظ على الجاه والشرف، وهذا شيء كامن في النفس لا يدركه الإنسان بنفسه، بل ربما أصبح على قلب ذلك الشخص من الغشاوة ما لا يستطيع الإنسان أن يصرفه عنه، فهو يسير معه يمنة ويسرة، وفي هذا الزمن على وجه الخصوص وفي هذه الأيام على وجه الخصوص نشاهد أمراً جلياً في مواجهة الحق، وكذلك الجلبة بالباطل في مقابل الحق قدر الإمكان، وظهر أيضاً جلياً محاولة إبراز عينات معينة ممن ينتسب إلى الدعوة والصلاح، على أن هؤلاء وإن لم يكونوا هم المرادين على سبيل التمام والكمال إلا أنهم خير من يمثل ما يريدون في مثل هذا الزمن.والشريعة الإسلامية إذا تجردت من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجردت من الدين، وكثير من الدعاة إلى الله في هذا الزمن خاصة يتكلمون بالأمر بالمعروف، ولا يتكلمون بالنهي عن المنكر، لماذا؟ لأن النهي عن المنكر يفوت حظوظ آخرين، وحظوظ الآخرين تصادم شهوة النفس من الشرف والجاه والمال، فإذا تكلم الإنسان بالمنكر فوت شيئاً عظيماً، فينخدع العامة في ظهور كثير من أمثال هؤلاء في دائرة الأمر بالمعروف فقط، والشريعة متكاملة، هي أمر بمعروف ونهي عن المنكر، بيان للحلال وبيان للحرام، رضي من رضي، وأبى من أبى، هذه شريعة الله سبحانه وتعالى.ورسول الله صلى الله عليه وسلم أقام دين الله جل وعلا، وما جامل وما حابى، سلك جميع وأنواع الطرق إيصال الحق للناس من غير محاباة، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام يتخير الزمان، ويتخير المكان، الأمة إذا أرادت، أو العالم أو القائم بالمعروف والنهي عن المنكر إذا أراد السلامة والطريق المورد في سبيل الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه يطلب محالاً، فلا بد من الوقيعة في العرض، كما وقع في عرض النبي عليه الصلاة والسلام، ولا بد من الأذية في الجسد والأذية في المال، فقد هجر النبي عليه الصلاة والسلام من مكة وفقد ماله، وفقد أرضه، وفقد عشيرته وناصريه عليه الصلاة والسلام، فقدهم عليه الصلاة والسلام، وأوذي النبي عليه الصلاة والسلام في جسده، فشج رأسه وأدميت قدميه، وكسرت رباعيته عليه الصلاة والسلام، وسم عليه الصلاة والسلام في طعامه، عدوان متنوع في سبيل إظهار الحق، وهذه لا بد أن توجد في كل داع سواءً على سبيل المجموع، أو على سبيل الإفراد.ومن أراد السلامة من أي نوع من هذه الأنواع فإنه يطلب محالاً؛ وقد تقرر عند أهل العقل قاطبة أن الإنسان يبتلى بقدر عقله وصوابه، وأن الإنسان إذا لم يكن له أعداء فليعلم أنه ليس له عقل، وإذا علم أن له أعداء أنه بقدر ما يوهب الإنسان من الحق والصواب بقدر ما يكون لديه من الحق، ونحن نجد الضعفاء والبلداء والمجانين الذين لم يهبهم الله عز وجل من العقل والتفكير أن الناس يرحمونهم على شتى مذاهبهم، فإن ما لديهم العقل وقعت الخصومة، ولهذا الطفل والصبي ينشأ في قومه وهو يرحم، ويرحمه حتى أعداء والده، ولكن حينما يكبر وينضج كان من ضمن قومه؛ لأنه في السابق ليس بصاحب عقل، ولما نما عقله، وإن لم يظهر خصومة ظهر له الأعداء.ومن أراد أن يدعو إلى الله من غير خصومة ولا عداوة ولا تأنيب ولا طعن في عرض وجد هذا معدوماً على مر العصور، وقد سئل الإمام الشافعي عليه رحمة الله: أيهما خير الرجل يبتلى ويمكن أم يمكن ولا يبتلى؟ قال: لا يمكن حتى يبتلى، والسؤال هذا غير وجيه، أي: أن الإنسان لا يمكن أن يمكن في الأرض حتى يبتليه الله عز وجل بأي نوع من أنواع الابتلاء.
الإخلاص في الإنكار
ويجب على العالم والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ألا ينكر المنكر لحظ النفس، وألا يأمر بالمعروف لأجل حظوظ النفس وشهواتها، فلا ينكر المنكر نكاية بأحد، ولا يأمر بالمعروف حباً بأحد، وإنما حباً بالمشرع وحده، وينهى عن المنكر بغضاً له، وتلبيةً لداعي الله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.وكثير من الناس إذا رأى أهواء الناس تدعو إلى إنكار منكر بعينه قام وأنكر، وإذا رأى أهواء الناس منصرفة عن إنكار هذا المنكر انصرف عنه، وكأنه يريد أن ينساق خلف سواد الناس ودهمائهم، وهذا لا شك أنه من طرائق العوام، وليس من طرائق أهل الإيمان والإخلاص الذين يراقبون الله سبحانه وتعالى في كل عمل وفي كل قول.وينبغي أن يعلم أن الإنسان إذا استحضر أحداً غير الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من سائر الناس، فإنه لا يوفق ولا يسدد في قوله وفعله على الأغلب، وإن وفق في إزالة المنكر لا يكتب له في إزالته قبول، ولا يكتب له من ذلك حظ من جهة الثواب والجزاء عند الله سبحانه وتعالى.
 فساد الحق بسبب علماء السوء
والأمر الآخر: يكون بسبب علماء السوء الذين أفسدوا الحق بأي نوع من أنواع الإفساد، وذلك من وجوه:الوجه الأول: أن يجعل الحق باطلاً والباطل حقاً، وهذا غاية في الضلال، يقول ابن المبارك عليه رحمة الله:وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانهاوذلك أنهم يقلبون الحق والباطل، فيجعلون هذا حقاً وهذا باطلاً.الوجه الثاني: التقليل من قيمة المعروف، والتقليل من قيمة المنكر، فإذا كان عظيماً هون منه، وهذا نوع من أنواع التلبيس والتدليس، فإن الله جل وعلا حينما جعل الأمر متأكداً في كلامه سبحانه وتعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينبغي أن يحفظ على هذا القدر، وكذلك في المنكر، فإذا حرمه الله جل وعلا وجعله من الموبقات، أو من المهلكات، أو جعله الله جل وعلا من الشرك ينبغي أن يبقى هذا الأمر على وصفه الشرعي من غير صد.ومن نظر إلى أحوال الأمة على اختلاف الأصول وجد أن الخير يزيد فيها وينقص بحسب بقاء العلماء، وكذلك الشر ينتشر فيها بحسب انتشار الجهل واضمحلال العلم.والنبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو يقول: ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء )، وفي قوله عليه الصلاة والسلام هنا: ( إن الله لا يقبض العلم ) القابض هو الله، فلما جاء العلم جعل القبض من الله، ولما كان الجهل اتخذ الناس رءوساً جهالاً، المتخذ من؟ المتخذ الناس، ومن هم الناس؟ صنفان، إما سواد الناس ودهماؤهم، وإما السلاطين والحكام الذين ينصبون علماء يفتون لهم بحسب أهوائهم، فيشرعون من دون الله جلا وعلا ما لا يرضاه الله، فيضل الناس حينئذٍ ويغوون، ولهذا ذكر الله سبحانه وتعالى مسألة القبض للعلماء، فإذا كان الله هو القابض للعلماء فهو الرافع، وأما بالنسبة للجهال لا ينصبهم إلا سواد الناس.وقد عانت الأمة في هذا الزمن، وفي أزمنة متأخرة وفي كثير من الأزمنة من جهال تصدروا، إما أن يكون هؤلاء الجهال عرفوا بالقصص والحكاية ووعظ الناس، فصدروا على أنهم من العلماء العارفين بكلام الله عز وجل، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفوا الأصول والفروع، فصدروا للناس وجعلوا يحكمون في كثير من النوازل.ومن أعظم ما يفسد على العالم دينه، وكذلك على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، أو يفسد على الناس دينهم، أعظم ما يفسد عليهم هو المال والشرف، يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث كعب بن مالك كما جاء عند الترمذي وكذلك في المسند: ( ما ذئبان جائعان في غنم بأفسد على الإنسان في دينه من حب المال والشرف )، وجاء في رواية: ( حب المال والشرف لدينه )، أي: أن الذئب حينما ينغمس في الإبل ولا يحال بينه وبينها ويظهر في ذلك المفسدة، أن حب المال والشرف إذا انغمس فيه العالم والمراد بالشرف هو الجاه والسيادة في الناس، أو الظهور والبروز.والأمر الثاني هو المناصب والرئاسة، وهذا جاء ظاهراً في حديث شداد بن أوس كما تقدم الكلام عليه، فهذه أفسد لدين الإنسان من الذئب حينما ينطلق في غنم، ولا يحال بينه وبينها فما يبقي منها شيئاً، ومن أعظم ما يفسد دين الإنسان ويعرف فيه أيضاً المقبل على الحق، وكذلك المنصرف عنه، ينظر عنه في مقامي هذا فمستقل ومستكثر.يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في السياسة الشرعية فيما معناه: إنه لا يعرف شخص قد أقبل على المال والجاه والرئاسة إلا وهو مثبط في أمور الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب استزادته، وبحسب نقصانه، وذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يفوت في ذلك حظاً كثيراً من أمر المال، وكذلك من أمر الجاه والشرف، وهذا هو المشاهد في أعين الناس في هذا الزمن.ونحن نشاهد في زمننا هذا خاصة ظهور كثير ممن ينتسب إلى الدعوة والصلاح في كثير من أقطار العالم، سواءً في القنوات أو في الساحات العلمية وغير ذلك، ويجاملون في كثير من المسلمات والقطعيات في أمور الدين، وكثير منهم من يقلب الحلال إلى حرام، والحرام إلى حلال، وهذا تشوف إلى ما يسمى بالحفاظ على الجاه والشرف، وهذا شيء كامن في النفس لا يدركه الإنسان بنفسه، بل ربما أصبح على قلب ذلك الشخص من الغشاوة ما لا يستطيع الإنسان أن يصرفه عنه، فهو يسير معه يمنة ويسرة، وفي هذا الزمن على وجه الخصوص وفي هذه الأيام على وجه الخصوص نشاهد أمراً جلياً في مواجهة الحق، وكذلك الجلبة بالباطل في مقابل الحق قدر الإمكان، وظهر أيضاً جلياً محاولة إبراز عينات معينة ممن ينتسب إلى الدعوة والصلاح، على أن هؤلاء وإن لم يكونوا هم المرادين على سبيل التمام والكمال إلا أنهم خير من يمثل ما يريدون في مثل هذا الزمن.والشريعة الإسلامية إذا تجردت من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجردت من الدين، وكثير من الدعاة إلى الله في هذا الزمن خاصة يتكلمون بالأمر بالمعروف، ولا يتكلمون بالنهي عن المنكر، لماذا؟ لأن النهي عن المنكر يفوت حظوظ آخرين، وحظوظ الآخرين تصادم شهوة النفس من الشرف والجاه والمال، فإذا تكلم الإنسان بالمنكر فوت شيئاً عظيماً، فينخدع العامة في ظهور كثير من أمثال هؤلاء في دائرة الأمر بالمعروف فقط، والشريعة متكاملة، هي أمر بمعروف ونهي عن المنكر، بيان للحلال وبيان للحرام، رضي من رضي، وأبى من أبى، هذه شريعة الله سبحانه وتعالى.ورسول الله صلى الله عليه وسلم أقام دين الله جل وعلا، وما جامل وما حابى، سلك جميع وأنواع الطرق إيصال الحق للناس من غير محاباة، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام يتخير الزمان، ويتخير المكان، الأمة إذا أرادت، أو العالم أو القائم بالمعروف والنهي عن المنكر إذا أراد السلامة والطريق المورد في سبيل الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه يطلب محالاً، فلا بد من الوقيعة في العرض، كما وقع في عرض النبي عليه الصلاة والسلام، ولا بد من الأذية في الجسد والأذية في المال، فقد هجر النبي عليه الصلاة والسلام من مكة وفقد ماله، وفقد أرضه، وفقد عشيرته وناصريه عليه الصلاة والسلام، فقدهم عليه الصلاة والسلام، وأوذي النبي عليه الصلاة والسلام في جسده، فشج رأسه وأدميت قدميه، وكسرت رباعيته عليه الصلاة والسلام، وسم عليه الصلاة والسلام في طعامه، عدوان متنوع في سبيل إظهار الحق، وهذه لا بد أن توجد في كل داع سواءً على سبيل المجموع، أو على سبيل الإفراد.ومن أراد السلامة من أي نوع من هذه الأنواع فإنه يطلب محالاً؛ وقد تقرر عند أهل العقل قاطبة أن الإنسان يبتلى بقدر عقله وصوابه، وأن الإنسان إذا لم يكن له أعداء فليعلم أنه ليس له عقل، وإذا علم أن له أعداء أنه بقدر ما يوهب الإنسان من الحق والصواب بقدر ما يكون لديه من الحق، ونحن نجد الضعفاء والبلداء والمجانين الذين لم يهبهم الله عز وجل من العقل والتفكير أن الناس يرحمونهم على شتى مذاهبهم، فإن ما لديهم العقل وقعت الخصومة، ولهذا الطفل والصبي ينشأ في قومه وهو يرحم، ويرحمه حتى أعداء والده، ولكن حينما يكبر وينضج كان من ضمن قومه؛ لأنه في السابق ليس بصاحب عقل، ولما نما عقله، وإن لم يظهر خصومة ظهر له الأعداء.ومن أراد أن يدعو إلى الله من غير خصومة ولا عداوة ولا تأنيب ولا طعن في عرض وجد هذا معدوماً على مر العصور، وقد سئل الإمام الشافعي عليه رحمة الله: أيهما خير الرجل يبتلى ويمكن أم يمكن ولا يبتلى؟ قال: لا يمكن حتى يبتلى، والسؤال هذا غير وجيه، أي: أن الإنسان لا يمكن أن يمكن في الأرض حتى يبتليه الله عز وجل بأي نوع من أنواع الابتلاء.
المعوقات التي تعيق الإنسان عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وينبغي أن يعلم أن الإنسان إن استحضر غير الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضعفت نفسه في حال رؤيته للمنكر وحده، وهذا من أعظم المعوقات في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن عظيم المعوقات التي تعيق الإنسان عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يقوم الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر بهذه الشعيرة وهو مستحضر للناصر حال نزول البلاء فيه، فإذا استحضر الإنسان وعلق قلبه أنه إذا وجدت له عداوة وجد الناصر، فإن علق قلبه بذلك فوجد ونزل به بلاء تبعاً لهذه الشعيرة انتكس ونكس على عقبيه، وضل عما كان عليه.وقد وجد في الأمة في سائر عصورها من ينتكس عن الحق إذا نزل به البلاء، والسبب هذا أن الإنسان يقوم بهذه الشعيرة وهو مستحضر للناصرين في حال نزول البلاء أنهم يعينونه، فإذا أوذي في ماله أو في عرضه أو في نفسه أو في ولده، أوذي بأي نوع من أنواع الأذى، ولم يجد ناصراً ومعيناً نكس على عقبيه، وغير أمره وإن كان يجزم من جهة اليقين أنه على الحق، لكنه يأتيه ويسول له أن الطريقة ليست على الحق، وهذه تغلب في حال من لم يجمع مع العلم والدعوة الإيمان، فإن الإنسان إذا جمع مع العلم إيماناً عصمه الله جل وعلا، والمراد بالإيمان حضور القلب مع أوامر الله جل وعلا مع غير التفات إلى حضور الخلق، فإن الله سبحانه وتعالى يثبت الإنسان ويعينه، وإذا التفت الإنسان إلى العمل وتجرد عن الإيمان انتكس على عقبيه.يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: من جمع الإيمان والعلم لا يمكن أن يرتد وينتكس، ومن لم يجمع مع العلم الإيمان انتكس، فمن كان صاحب قرآن وإيمان بلا علم ربما انتكس وارتد، ومن كان صاحب علم بلا إيمان وقرآن فربما انتكس وارتد، ومن كان صاحب علم وإيمان وقرآن ثبت على ذلك.والمراد بالعلم أن يكون الإنسان على بينة فيما يأتي ويذر، فيعرف أن هذا المنكر ويعرف الدليل، ويعرف أن هذا المعروف، ويعرف قيمته وقدره، ويعرف أن يرد على خصومه، ويصاحب ذلك إيماناً في قلب الإنسان، ولهذا لا يمكن أن تجد إنساناً قد حاد عن طريقه الذي كان عليه ونكس على عقبيه إلا وهو معروف بقلة علم، هذه واحدة، وإن لم يكن كذلك فهو معروف بقلة العبادة والإيمان، فإن الإنسان العابد لله إذا جمع مع عبادته علماً شرعياً، وكان من أهل المكنة في ذلك لا يمكن أن يرتد وينتكس بحال، وهذا التاريخ عريض ولا أمثلة في ذلك، وإنما الأمثلة فيمن فقد أحد هذين الشيئين.والكلام على كثير من المعوقات في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يطول جداً، وفي هذا القدر كفاية، ونسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن يستمع القول ويتبع أحسنه، وأن يسلك بي وبكم منهجاً قويماً وصراطاً مستقيماً، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
 فساد الحق بسبب علماء السوء
والأمر الآخر: يكون بسبب علماء السوء الذين أفسدوا الحق بأي نوع من أنواع الإفساد، وذلك من وجوه:الوجه الأول: أن يجعل الحق باطلاً والباطل حقاً، وهذا غاية في الضلال، يقول ابن المبارك عليه رحمة الله:وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانهاوذلك أنهم يقلبون الحق والباطل، فيجعلون هذا حقاً وهذا باطلاً.الوجه الثاني: التقليل من قيمة المعروف، والتقليل من قيمة المنكر، فإذا كان عظيماً هون منه، وهذا نوع من أنواع التلبيس والتدليس، فإن الله جل وعلا حينما جعل الأمر متأكداً في كلامه سبحانه وتعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينبغي أن يحفظ على هذا القدر، وكذلك في المنكر، فإذا حرمه الله جل وعلا وجعله من الموبقات، أو من المهلكات، أو جعله الله جل وعلا من الشرك ينبغي أن يبقى هذا الأمر على وصفه الشرعي من غير صد.ومن نظر إلى أحوال الأمة على اختلاف الأصول وجد أن الخير يزيد فيها وينقص بحسب بقاء العلماء، وكذلك الشر ينتشر فيها بحسب انتشار الجهل واضمحلال العلم.والنبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو يقول: ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء )، وفي قوله عليه الصلاة والسلام هنا: ( إن الله لا يقبض العلم ) القابض هو الله، فلما جاء العلم جعل القبض من الله، ولما كان الجهل اتخذ الناس رءوساً جهالاً، المتخذ من؟ المتخذ الناس، ومن هم الناس؟ صنفان، إما سواد الناس ودهماؤهم، وإما السلاطين والحكام الذين ينصبون علماء يفتون لهم بحسب أهوائهم، فيشرعون من دون الله جلا وعلا ما لا يرضاه الله، فيضل الناس حينئذٍ ويغوون، ولهذا ذكر الله سبحانه وتعالى مسألة القبض للعلماء، فإذا كان الله هو القابض للعلماء فهو الرافع، وأما بالنسبة للجهال لا ينصبهم إلا سواد الناس.وقد عانت الأمة في هذا الزمن، وفي أزمنة متأخرة وفي كثير من الأزمنة من جهال تصدروا، إما أن يكون هؤلاء الجهال عرفوا بالقصص والحكاية ووعظ الناس، فصدروا على أنهم من العلماء العارفين بكلام الله عز وجل، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفوا الأصول والفروع، فصدروا للناس وجعلوا يحكمون في كثير من النوازل.ومن أعظم ما يفسد على العالم دينه، وكذلك على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، أو يفسد على الناس دينهم، أعظم ما يفسد عليهم هو المال والشرف، يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث كعب بن مالك كما جاء عند الترمذي وكذلك في المسند: ( ما ذئبان جائعان في غنم بأفسد على الإنسان في دينه من حب المال والشرف )، وجاء في رواية: ( حب المال والشرف لدينه )، أي: أن الذئب حينما ينغمس في الإبل ولا يحال بينه وبينها ويظهر في ذلك المفسدة، أن حب المال والشرف إذا انغمس فيه العالم والمراد بالشرف هو الجاه والسيادة في الناس، أو الظهور والبروز.والأمر الثاني هو المناصب والرئاسة، وهذا جاء ظاهراً في حديث شداد بن أوس كما تقدم الكلام عليه، فهذه أفسد لدين الإنسان من الذئب حينما ينطلق في غنم، ولا يحال بينه وبينها فما يبقي منها شيئاً، ومن أعظم ما يفسد دين الإنسان ويعرف فيه أيضاً المقبل على الحق، وكذلك المنصرف عنه، ينظر عنه في مقامي هذا فمستقل ومستكثر.يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في السياسة الشرعية فيما معناه: إنه لا يعرف شخص قد أقبل على المال والجاه والرئاسة إلا وهو مثبط في أمور الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب استزادته، وبحسب نقصانه، وذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يفوت في ذلك حظاً كثيراً من أمر المال، وكذلك من أمر الجاه والشرف، وهذا هو المشاهد في أعين الناس في هذا الزمن.ونحن نشاهد في زمننا هذا خاصة ظهور كثير ممن ينتسب إلى الدعوة والصلاح في كثير من أقطار العالم، سواءً في القنوات أو في الساحات العلمية وغير ذلك، ويجاملون في كثير من المسلمات والقطعيات في أمور الدين، وكثير منهم من يقلب الحلال إلى حرام، والحرام إلى حلال، وهذا تشوف إلى ما يسمى بالحفاظ على الجاه والشرف، وهذا شيء كامن في النفس لا يدركه الإنسان بنفسه، بل ربما أصبح على قلب ذلك الشخص من الغشاوة ما لا يستطيع الإنسان أن يصرفه عنه، فهو يسير معه يمنة ويسرة، وفي هذا الزمن على وجه الخصوص وفي هذه الأيام على وجه الخصوص نشاهد أمراً جلياً في مواجهة الحق، وكذلك الجلبة بالباطل في مقابل الحق قدر الإمكان، وظهر أيضاً جلياً محاولة إبراز عينات معينة ممن ينتسب إلى الدعوة والصلاح، على أن هؤلاء وإن لم يكونوا هم المرادين على سبيل التمام والكمال إلا أنهم خير من يمثل ما يريدون في مثل هذا الزمن.والشريعة الإسلامية إذا تجردت من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجردت من الدين، وكثير من الدعاة إلى الله في هذا الزمن خاصة يتكلمون بالأمر بالمعروف، ولا يتكلمون بالنهي عن المنكر، لماذا؟ لأن النهي عن المنكر يفوت حظوظ آخرين، وحظوظ الآخرين تصادم شهوة النفس من الشرف والجاه والمال، فإذا تكلم الإنسان بالمنكر فوت شيئاً عظيماً، فينخدع العامة في ظهور كثير من أمثال هؤلاء في دائرة الأمر بالمعروف فقط، والشريعة متكاملة، هي أمر بمعروف ونهي عن المنكر، بيان للحلال وبيان للحرام، رضي من رضي، وأبى من أبى، هذه شريعة الله سبحانه وتعالى.ورسول الله صلى الله عليه وسلم أقام دين الله جل وعلا، وما جامل وما حابى، سلك جميع وأنواع الطرق إيصال الحق للناس من غير محاباة، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام يتخير الزمان، ويتخير المكان، الأمة إذا أرادت، أو العالم أو القائم بالمعروف والنهي عن المنكر إذا أراد السلامة والطريق المورد في سبيل الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه يطلب محالاً، فلا بد من الوقيعة في العرض، كما وقع في عرض النبي عليه الصلاة والسلام، ولا بد من الأذية في الجسد والأذية في المال، فقد هجر النبي عليه الصلاة والسلام من مكة وفقد ماله، وفقد أرضه، وفقد عشيرته وناصريه عليه الصلاة والسلام، فقدهم عليه الصلاة والسلام، وأوذي النبي عليه الصلاة والسلام في جسده، فشج رأسه وأدميت قدميه، وكسرت رباعيته عليه الصلاة والسلام، وسم عليه الصلاة والسلام في طعامه، عدوان متنوع في سبيل إظهار الحق، وهذه لا بد أن توجد في كل داع سواءً على سبيل المجموع، أو على سبيل الإفراد.ومن أراد السلامة من أي نوع من هذه الأنواع فإنه يطلب محالاً؛ وقد تقرر عند أهل العقل قاطبة أن الإنسان يبتلى بقدر عقله وصوابه، وأن الإنسان إذا لم يكن له أعداء فليعلم أنه ليس له عقل، وإذا علم أن له أعداء أنه بقدر ما يوهب الإنسان من الحق والصواب بقدر ما يكون لديه من الحق، ونحن نجد الضعفاء والبلداء والمجانين الذين لم يهبهم الله عز وجل من العقل والتفكير أن الناس يرحمونهم على شتى مذاهبهم، فإن ما لديهم العقل وقعت الخصومة، ولهذا الطفل والصبي ينشأ في قومه وهو يرحم، ويرحمه حتى أعداء والده، ولكن حينما يكبر وينضج كان من ضمن قومه؛ لأنه في السابق ليس بصاحب عقل، ولما نما عقله، وإن لم يظهر خصومة ظهر له الأعداء.ومن أراد أن يدعو إلى الله من غير خصومة ولا عداوة ولا تأنيب ولا طعن في عرض وجد هذا معدوماً على مر العصور، وقد سئل الإمام الشافعي عليه رحمة الله: أيهما خير الرجل يبتلى ويمكن أم يمكن ولا يبتلى؟ قال: لا يمكن حتى يبتلى، والسؤال هذا غير وجيه، أي: أن الإنسان لا يمكن أن يمكن في الأرض حتى يبتليه الله عز وجل بأي نوع من أنواع الابتلاء.
الأسئلة

 الإنكار باليد
السؤال: يقال: إن الإنكار باليد هو خاص بفئة معينة مع أن النص جاء عاماً، فما هو الصحيح؟الجواب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام على سبيل العموم: ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ). واستعمال اليد في إنكار المنكر باقية على عمومها مع وجوب النظر إلى المفسدة، فمسألة الإنكار باليد قد تشمل اللطم أو تشمل الصد كما صد النبي عليه الصلاة والسلام نظر الفضل في حديث الحج، وقد يشمل الإنكار باليد مثلاً تمزيق الصور الفاسدة حينما يقع عليها الإنسان ولو في طريق، وقد يكون من الإنكار باليد الإنكار على الأبناء وتربيتهم بالضرب لترك الصلاة أو فعل المنكرات، أو من ولاه الله جل وعلا أمره من زوجة وإخوان دونه وعليهم ولايته ونحو ذلك، أو من يرتدع بضربه إذا كان لا يحدث ذلك منكراً فهذا أيضاً يقوم به من يستطيعه من الناس.في هذا القدر كفاية، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , المعروف والمنكر بين التشريع والتطبيع للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net