اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [62] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


تفسير آيات الأحكام [62] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
من الأمور التي كانت الجاهلية تسقط بها الميراث عن الزوجة أن تأتي المرأة بفاحشة. فذكر الله أمر الفاحشة بعد الميراث وذكر عقوبتها ولم يذكر أنها تؤثر على الميراث. ثم ذكر الله تعالى تحريم أخذ أموال الزوجة سواء كان بالعضل أو غيره، لكن إذا أرادت فراق زوجها بمال تفتدي به فلا حرج. ثم أمر الله بحسن العشرة، وإن رأى الزوج ما يكره فعسى أن يكون ما يكرهه فيه خير كثير، وفي هذا الحث على إمساك النساء وعدم التسرع في مفارقتهن.
الأحكام المتعلقة بأبواب المواريث مما كان عليه أهل الجاهلية
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:ففي هذا المجلس في العاشر من شهر جمادى الأولى من عام خمسة وثلاثين بعد الأربعمائة والألف، نتكلم على بعض الأحكام المتعلقة بأبواب المواريث مما كان عليه أهل الجاهلية.بعدما ذكر الله سبحانه وتعالى المواريث مما يتعلق بإرث الأولاد وكذلك الأبوين وإرث الإخوة للأم، وكذلك ذكر الله عز وجل ميراث الزوجين من بعضهما، وذكر الله سبحانه وتعالى أمر الوصية والدين، وذكر الله عز وجل أحكام الإضرار بأنواعه سواء كان في الوصية أو كان في الدين أو كان ذلك في التركة, وهو من الأمور المحرمة على ما تقدم الكلام عليه.ثم ذكر الله سبحانه وتعالى أمر الفاحشة وهي الزنا، وتقدم أن الله سبحانه وتعالى إنما شدد فيها في ابتداء الأمر ثم تحول ذلك إلى شيء من التخفيف، وأن العلة في ذلك: أن الله سبحانه وتعالى أراد بيان قبح هذا الفعل وهو الفاحشة وجرمها، وأراد تهديد فاعلها، وكذلك تنفير أصحابها منها. ‏
 سقوط الإرث بإتيان المرأة الفاحشة
ذكر الله سبحانه وتعالى أمر الفاحشة بعدما ذكر أمر المواريث، ذكر أمر المواريث وجعل آخر المواريث ما يتعلق بالصلة بين الزوجين من جهة الميراث، ثم ذكر الله عز وجل هذا الأمر الذي يكون بين أحد الزوجين وأمر آخر خارج الميثاق الذي جعله الله عز وجل بينهما، وهو أمر الفاحشة، وهل موجب لإسقاط الإرث كما كان بعض الجاهلية يفعلونه ويرون أن المرأة إذا وقعت في فاحشة أن ذلك مسقط للإرث وموجب للإضرار بها، فكان ذلك تسلسلاً حكيماً في ترتيب معاني القرآن، فذكر الله سبحانه وتعالى أمر الفاحشة والعقوبة، وما ذكر الله جل وعلا أثر ذلك على الميراث.ثم ذكر الله سبحانه وتعالى بعدما ذكر أمر الزنا, وأن العقوبة التي جعلها الله عز وجل للزانيين على هذا المقدار، ذكر الله سبحانه وتعالى بعد ذلك ما يجب بين الزوجين عند ورود الفاحشة، هل تؤثر؟ فدخل إلى هذا المعنى تخصيصاً، ونبه الله سبحانه وتعالى إلى حرمة الإضرار بالزوجة لأخذ مالها، فيقول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا [النساء:19] .والمراد بذلك: أن الميراث السابق ميراث مشروع, أراد الله عز وجل أن يبين الميراث الممنوع الذي كان عليه أهل الجاهلية حتى لا يلتبس الأمر المشروع بالأمر الممنوع، وكان أهل الجاهلية في ابتداء الأمر أن الرجل إذا أراد أن يرث زوجته قام بإضرارها، فيكسب من مالها من جهتين:إما أن يستعجل موتها بأذية أو بحبس أو نحو ذلك. أو أن يضر بها فتريد الطلاق فتفدي نفسها بمالها، فإن فدت نفسها بمالها استعجل من المال شيئاً، وإن ماتت قبل ذلك ورثها، فنهى الله سبحانه وتعالى عن أخذ المال الذي يكون بين أيدي النساء بهذه السبل المحرمة، سواء كان ذلك في حياة المرأة أو بعد مماتها، ووصف الله عز وجل الإرث ذلك بكونه كرهاً، يعني: من غير طيب نفس منهن.
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنو لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً)

 المقصود بالكراهة في قوله: (فإن كرهتموهن فعسى...)
قال: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء:19]. وهنا في ذكر الكراهة: أن المراد بالكراهة إما الكراهة النفسية التي تقع من الإنسان من كره الزوج لزوجه، فإذا كان الكره نفسياً من غير وجود شيء شرعي، وذلك بعض الناس ينفر من زوجه أو ينفر من أحد من الناس من غير أن يجد سبباً شرعياً، في هذا نفي للاحتجاج والاعتبار بهذا أن نفور الطبائع لا يدل على وجود موجب لها، ولهذا قال: فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء:19] ، يعني: على خلاف ما تريدون. وإما أن تكون الكراهة في ذلك هي كراهة شرعية لا كراهة نفسية، أن كرهتها لسبب من الأسباب, فالله عز وجل قد يجعل فيها خيراً لك إذا صبرت عليها، أو خيراً لغيرك إذا طلقتها. وهذا فيه إشارة إلى أن الشريعة تتشوف إلى الإمساك بعصمة المرأة واستصلاحها, وذلك كما جاء في حديث الضلع الأعوج، وكذلك في حديث الرجل الذي جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: ( إن امرأتي لا ترد يد لامس، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: استمتع بها )، إلى غير ذلك من الأحاديث التي تدعو إلى استصلاح المرأة وعدم المفارقة إلا بأمر بين.ومن هذا إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى ربما يجعل المرأة عند أحد على وجه لا يصلح بها، وعند غيره يصلح بها، وفي هذا إشارة إلى معنى وتنبيه: أن الرجل إذا كره المرأة أن لا يسيء إليها عند الناس، فربما ما صلحت معه، ولكنها مع غيره تصلح وتسعد ويسعد بها، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر ) .يعني: لا يبغض الرجل المرأة لخلق واحد، فربما لا تصلحه، وهذا من الناس من طبعه الصبر على تحمل الأقوال أو نحو ذلك، والمرأة قد أوتيت حدة في الطبع مع دين واستقامة أو صبر وحسن تبعل أو نحو ذلك، فيتحمل منها ذلك الأمر، ولكنها لو كانت عند غيره ما أطاق ذلك، فالله عز وجل يفطر الناس ويركبهم سبحانه وتعالى على ما يصلح شخصاً ويفسد به الآخر، فإذا كره الإنسان من امرأة خلقاً فلا يسيء إليها عند غيره، فربما كانت صالحة لغيره، قال: وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء:19].
قوله تعالى: (وإن أردتم استبدال زوج..)
الآية الثانية: في قوله سبحانه وتعالى: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [النساء:20-21] . في هذه الآية إشارة إلى الطلاق، قال: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ [النساء:20].هذا فيه دليل على أن الأصل في الطلاق الإباحة، وأن تعليق الإرادة بالاستبدال مباح، أن يفارق الرجل زوجه لأجل أن يبدلها بغيرها، والإبدال في ذلك إما أن الرجل ليس بقادر على الإنفاق ويريد زوجاً غيره ليحصن نفسه بغيرها، فهذا جائز، أو يكون الرجل عنده أربع, ويريد أن يطلق الرابعة ليأخذ بدل الرابعة أخرى، فهذا الأصل فيه الجواز. ‏
 أخذ مهر المرأة عند الرغبة عنها
وهنا في قوله: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا [النساء:20]، يعني: عند الطلاق، ليس للإنسان أن يأخذ من مال زوجته شيئاً، وهذا ما تقدم الإشارة إليه، أنه إذا رغب الرجل من ذاته أن يطلق زوجه فكان النشوز منه والرغبة منه أن يأخذ من مال زوجته مما آتاها ولو درهماً واحداً، ولهذا قال: فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [النساء:20].ولهذا قال غير واحد من العلماء: إن أخذ مهر المرأة عند نشوز الرجل وحده مع رغبتها البقاء عنده، أن ذلك من السحت وهو من كبائر الذنوب, وهو من أكل أموال الناس بالباطل، ولهذا قال: أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا [النساء:20]، والبهتان هو الذنب العظيم، قال: وَإِثْمًا مُبِينًا [النساء:20]. قال: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ [النساء:21] .يعني: أنك أخذت منها وأخذت منك، وعاشرتك وعاشرتها. وأخذ المهر لا يكون إلا عند رغبتها هي؛ لأن المهر في حوزتها, فتريد أن تسترده، قال: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ [النساء:21]، وهنا هذا استفهام استنكاري، وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [النساء:21]، ما هو الميثاق الغليظ؟ الميثاق الغليظ هو قول الله جل وعلا: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَة [النساء:4] ، يعني: فرضاً، فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [النساء:4] ، يعني: ملكتها مالها بميثاق عند عقدها فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، فلا تظن أنه مالك لمجرد أنك أخذت ذلك. كذلك ما كان بين الزوج والزوجة من أمر المعاشرة، والإحسان. ويدخل في هذا الباب ما كان بعد المهر من الهدية والنفقة وغير ذلك, فليس له أن يأخذ منها شيئاً، قال: وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [النساء:21].نتوقف عند هذا القدر، والمحرمات من النكاح مترابطة, ونؤجل الكلام على النكاح إلى المجلس القادم.وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [62] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net