اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الأحاديث المعلة في الطهارة [2] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


الأحاديث المعلة في الطهارة [2] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
من الأحاديث المعلة في كتاب الطهارة حديث: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) وهو من الأحاديث المشهورة المعلومة في كتب السنة؛ لكن وقع فيه نوع من الاختلاف والاضطراب في الروايات والإسناد، واختلف فيه كذلك من حيث الوقف والرفع.ومنها حديث أبي قتادة في الهرة: (إنما هي من الطوافين عليكم) حصل فيه وهم واضطراب من سفيان وغيره، ومنها حديث: (يكفيك الماء ولا يضرك أثره)؛ لتفرد ابن لهيعة به، وكذلك حديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه) تفرد بهذا اللفظ علي بن مسهر.
حديث: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد: فتكلمنا في الدرس الماضي على جملة من المسائل والتقعيدات فيما يتعلق بأبواب العلل، وما يرد من مزيد مسائل في هذا الباب نتكلم عليه في موضعه بإذن الله عز وجل تحت كل حديث تناسب تلك العلة التي ترد في ذلك الحديث بإذن الله تعالى.ولهذا من المهم لكل طالب علم يستمع لمثل هذا الكلام أن يقيد ما يند عن ذهنه أو عن معلوماته من المسائل حتى لا يحوجنا إلى تكرارها مرة أخرى في الدروس القادمة.الحديث الذي نتكلم عنه في هذا اليوم حديث عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى وهو ما رواه الإمام أحمد و أبو داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجه , كلهم من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث ).هذا الحديث حديث عبد الله بن عمر من الأحاديث المشهورة المعلومة في كتب السنة، ودواوين الفقه عند المذاهب الأربعة، وكذلك عند الظاهرية، وهذا الحديث قد رواه حماد بن أسامة أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن رسول صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث )، وقد اختلف في هذا الخبر من عدة أوجه في راويين: الراوي الأول: هو ابن عبد الله بن عمر هل اسمه عبد الله أو عبيد الله بن عبد الله بن عمر عليهم رضوان الله تعالى؟فجاء في هذا الخبر من طريق حماد بن أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه، فجاء بهذا الوجه بـعبد الله بن عبد الله ، وجاء أيضاً عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.رواه بالتعبيد حماد بن أسامة ، وعباد بن صهيب ، كلهم عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه، وقد جاء أيضاً من هذا الوجه من حديث حماد بن أسامة ، وقد توبع على ذلك كما جاء فيما تقدم في حديث عباد بن صهيب، وقد رواه البيهقي و الدارقطني بقوله: عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، و عبيد الله و عبد الله كلهم من الثقات، وقيل في قول بعض المتأخرين: إنهما واحد، وهما اثنان إن شاء الله تعالى.وموضع الإشكال الثاني، وهو الاضطراب في هذا الإسناد: فتارة يقال: محمد بن جعفر بن الزبير وتارة يقال: محمد بن عباد بن جعفر وهو شيخ الوليد بن كثير، وكذلك ما يروي عن ابن عبد الله بن عمر , فتارة يقال: محمد بن جعفر بن الزبير وهذا الذي رواه الإمام أحمد وكذلك أهل السنن، ورجحه أبو داود عليه رحمة الله في كتابه السنن، أن الصواب في هذا، محمد بن جعفر بن الزبير وليس محمد بن عباد بن جعفر ؛ وذلك أن أبا داود عليه رحمة الله تعالى يرويه من حديث حماد بن أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه.وجاء وجه آخر أنه عن محمد بن عباد بن الزبير ، و محمد بن عباد بن جعفر ، وهذا قد رواه أيضاً الإمام أحمد وغيره من حديث الوليد بن كثير عن محمد بن عباد عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.فمن العلماء من رجح محمد بن جعفر بن الزبير كقول أبي داود ، ومنهم من رجح محمد بن عباد بن جعفر وذهب إلى هذا جماعة من الأئمة من الحفاظ من المتأخرين، ومنهم من رجح الوجهين، وأنه محمد بن جعفر بن الزبير و محمد بن عباد بن جعفر ، وذهب إلى هذا أيضاً جماعة, وهو ظاهر كلام الدارقطني و البيهقي ، وجماعة من الحفاظ المتأخرين؛ وأن الحديث صحيح على الوجهين, باعتبار أن كلا الراويين من الرواة الثقات، وكذلك أيضاً حماد بن أسامة من الرواة الثقات الكبار في أبواب الرواية، ويبعد أن يكون اضطرب مثله في مثل هذا الحديث. وهذا كله محتمل. ‏
 الحكم على حديث: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)
وأما الحكم على هذا الحديث من جهة النهاية، هل هذا الحديث معلول أم ليس بمعلول؟ نقول: هذا الحديث معلول ولا شك في ذلك، ولكن هل هو مردود, لا يحتج به؟نقول: العلة ظاهرة فيه من جهة الإسناد ومن جهة المتن. أما من جهة الإسناد فما وقع فيه من اضطراب، ثم قد يكون هذا الاضطراب مخلاً، وقد لا يكون مخلاً، ويظهر عدم إخلاله.وأما من جهة المتن، فهو أن المتن الأصل فيه أن هذا المعنى ينبغي أن يروى بأحاديث أشهر وأقوى من هذا، وينبغي أن يرويه في ذلك الكبار، فلما جاء فرداً من هذا الوجه فإنه على طريقة المحدثين يقال: بإعلاله، ولكن هل يقال برده، وعدم الاحتجاج به؟الذي يظهر -والله أعلم- أن هذا الحديث من جهة قبوله ورده يرجع فيه إلى فهم متنه، ثم يُتفرع بعد ذلك إلى الحكم.فإذا قلنا: إن هذا الحديث له دلالة منطوق ودلالة مفهوم، فإننا على طريقة المحدثين النقاد الأوائل لا بد أن نقول: بإعلاله، ولا يمكن أن يصح فنقول: إنه منكر، وإذا قلنا: إن الحديث له دلالة منطوق وليس له دلالة مفهوم، وما خالفه من الأحاديث في دلالة المفهوم التي يسميها أهل الكلام بدلالة الخطاب، فإننا نقول حينئذ: إن منصوص الأدلة يقدم على دلالة الخطاب؛ فعلى هذا فإنا نقول بقبوله، وعلى هذا -فيما يظهر- يحمل سياق التصحيح الذي جاء عن الأئمة عليهم رحمة الله تعالى كما جاء في كلام يحيى بن معين وكذلك الترمذي و الدارقطني وغيرهم, الذين قالوا بصحة الحديث وقوته. والذي يظهر والله أعلم أن حمل الحديث على معناه الثاني هو الأولى, وعلى هذا الوجه نقول: إن الحديث يحتمل، والإشكال إنما طرأ على كثير من المتأخرين بسبب دلالة المفهوم، ولما كانت دلالة المفهوم تقتضي تنجيس الماء لمجرد ورود النجاسة وأنه إذا كان دون القلتين فإنه يحمل الخبث بمجرد الملاقاة، قالوا: هذا لا بد من أن يحمله رواة كثر؛ لأنه فيصل في أمر الماء، والماء يحتاجه الناس، والناس لا يحترزون للماء في أزمنتهم كما نحترز في زماننا بأوعية وحافظات وخزانات ونحو ذلك، وإنما كانت مياه موجودة في متناول كثير مما يطرأ عليه النجاسة من السباع والبهائم والكلاب وغير ذلك. وعلى هذا قالوا: لا بد أن يحمل ذلك من الرواة الكبار، فلماذا تنكبه الرواة الكبار ورواه من هو دونهم الذين هم في عداد المتوسطين وإن كانوا من الثقات كـالوليد بن كثير و محمد بن جعفر و محمد بن عباد ؟ لكن إذا قلنا بخلاف ذلك: وهو أن الحديث له دلالة منطوق، وأما دلالة المفهوم فيشار إلى أهمية الاحتراز، وأنه ينبغي للإنسان أن يحتاط، وأنه لا يحكم على هذا الحديث بنجاسة إلا بتغير أحد أوصافه الثلاثة كما جاء ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في المسند والسنن من حديث أبي سعيد الخدري في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الماء لا ينجس )، وما جاء أيضاً في حديث أبي أمامة : ( إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه بنجاسة تحدث فيه )، وهذا محل إجماع عند العلماء. وكما تقدمت الإشارة إليه أن فهم الحديث هو فرع عن الحكم عليه، فلهذا ينبغي لطالب العلم أن يفرق بين نهج الأوائل وقوتهم في إدراك دلالات مفهوم الأحاديث، ثم ما يبنون عليه من الإعلال، وكذلك أيضاً طرائق المتأخرين وما يبنون عليه من إعلال، وهذا من المسائل المهمة التي ينبغي لطالب العلم أن يكون على عناية بها. وثمة فروع لهذه المسألة في ألفاظ القلة والذنوب أو الدلو ونحو ذلك، واختلاف الروايات في هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلها لا يصح، وأصح ما جاء في ذلك هو قلتان، وإنما جاء في بعض الروايات في فتاوى بعض الفقهاء من السلف، وتفرع عنه قول بعض من لا عناية له: إن هذا من وجوه الاضطراب وليس كذلك.
حديث أبي قتادة: (إنما هي من الطوافين عليكم)
الحديث الثاني في هذا اليوم: حديث أبي قتادة عليه رضوان الله تعالى يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الهرة: ( إنها ليست بنجس, إنما هي من الطوافين عليكم ).هذا الحديث رواه الإمام مالك في كتابه الموطأ، والإمام أحمد و أبو داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجه و الدارقطني و البيهقي و ابن خزيمة وغيرهم، وقد رووه عن مالك بن أنس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن زوجته حميدة عن خالتها كبشة عن أبي قتادة عليه رضوان الله تعالى ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الهرة: إنها ليست بنجس, إنما هي من الطوافين عليكم ).وقد توبع الإمام مالك في روايته في هذا الحديث تابعه حسين المعلم و همام , وكذلك يونس فقد تابعوه على هذا الوجه.وروي هذا الحديث عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ووقع فيه اضطراب، فقد رواه سفيان بن عيينة عن إسحاق عن امرأة عن أمها عن أبي قتادة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ورواه أيضاً عن امرأة عن أبي قتادة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ووقع في هذا نوع من الوهم؛ وذلك أن المرأة التي يروي عنها إسحاق إنما هي زوجته حُميدة ، وقد جاء في بعض روايات الموطأ حَميدة بفتح الحاء وليس بصحيح، والصواب في ذلك الضم، و حُميدة هي بنت أخت كبشة، وليست بنت كبشة، و كبشة خالتها، و كبشة هي زوجة ابن أبي قتادة عليه رضوان الله تعالى.وقد جاء هذا الحديث من هذا الطريق، وأصح الروايات رواية الإمام مالك عليه رحمة الله عن حُميدة عن كبشة عن أبي قتادة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.وإنما وقع الوهم والاضطراب في ذلك من وجوه: أولاً: ما جاء في رواية سفيان بن عيينة أنه يرويه عن إسحاق عن امرأة عن أمها عن أبي قتادة.ثانياً: ما جاء عن سفيان فيما يرويه عن إسحاق عن امرأة عن أبي قتادة فأسقط أمها, وتبين فيما سبق أنها ليست أمها، وإنما هي خالتها، عن أبي قتادة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.وجاء من وجه آخر من حديث إسحاق عن أبي قتادة ولم يذكر في ذلك الواسطة.وجاء أيضاً من حديث هشام بن عروة عن إسحاق وقد وقع فيه اضطراب أيضاً, فإنه يرويه ابن جريج عن هشام عن إسحاق عن امرأة عن أمها عن أبي قتادة , وتارة يسقط هشام الواسطة بين إسحاق و أبي قتادة , وتارة يجعله مرسلاً، وهذا الاضطراب ينبغي ألا يلتفت إليه.وأصح الروايات كما تقدم هي رواية الإمام مالك عليه رضوان الله تعالى، كما قال ذلك البخاري فيما نقله عنه الترمذي, وكذلك قاله الترمذي عليه رحمة الله، وصحح هذا الحديث جماعة من الحفاظ؛ كـابن خزيمة و ابن حبان و الدارقطني وغيرهم؛ وذلك أن الإمام مالك عليه رحمة الله تعالى هو من أعلم الناس بأحاديث المدنيين، وهذا الحديث هو إسناد مدني تام من أوله إلى آخره، وقد اعتمد عليه جماعة من الأئمة باعتبار أن الإمام مالك عليه رحمة الله لا يحدث إلا عن الثقات.ولهذا الحديث جملة من الطرق، وجملة من الشواهد، فقد جاء من حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى، مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهي طريق معلولة ولا تخلو من الضعف، ولكن لا حاجة إليها مع وجود حديث أبي قتادة عليه رضوان الله تعالى.وقد روى هذا الحديث عن أبي قتادة غير كبشة ، فرواه أسيد بن أبي أسيد عن أبيه عن قتادة ، وجاء أيضاً من حديث عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء في حديث أبي هريرة و عائشة ولا تخلو هذه الأحاديث من ضعف, وأصح ما جاء في هذا الباب هو حديث أبي قتادة عليه رضوان الله تعالى.وروي هذا الحديث مرفوعاً وموقوفاً على أبي قتادة , والصواب في ذلك الرفع، وصحح الوقف الدارقطني عليه رحمة الله تعالى مع تصحيحه للرفع، فقال: إن أبا قتادة عليه رضوان الله تعالى روي عنه ذلك في قضية عين ولم يسأل عن مستنده في ذلك، ولو سئل لأسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ما تقدمت الإشارة إليه، وأنه ينبغي لطالب العلم في مسائل الفتيا ومسائل الأحكام أن ينظر إلى المسائل التي ربما تقع من الإنسان وتنقل من فعله ونحو ذلك، ومن المسائل التي ترتجل كنقل الأخبار والحكايات ونحو ذلك التي محلها السماع، وليس الفتيا في الدين.هذا الحديث فيه جملة من الرواة ممن تكلم عليهم بعض العلماء من المتأخرين وأعل هذا الحديث بسببهم: وأولهم: حميدة , وكذلك أيضاً كبشة ، و حميدة هي مقلة في الرواية، يروي عنها إسحاق وهو زوجها، ويروي عنها يحيى وهو ابنها، وهي من الرواة الثقات فقد وثقها جماعة كـابن حبان والدارقطني كما في كتابه السنن، فإنه لما أخرج هذا الخبر قال: رواته ثقات معروفون.ثانيهم: كبشة، وهي زوجة ابن أبي قتادة عليه رضوان الله تعالى، و كبشة قد قيل: بصحبتها، وهي متقدمة، فقد قال بصحبتها جماعة من الأئمة، كـابن سعد حيث قال: أسلمت وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في كتابه الطبقات، وقال ذلك أبو موسى المديني وغير هؤلاء قالوا بصحبتها، وإن لم تكن من الصحابة فهذا الخلاف عند العلماء فيها يدل على أنها متقدمة ومن طبقة علية، وهي زوجة ابن صحابي جليل عليه رضوان الله تعالى، وبهذا نعلم أن العلل التي ترد به هذا الحديث هي علل معلولة، وذلك أن هذه العلة التي ذكرها المتأخرون في هذا الحديث وهي جهالة حميدة ، وكبشة كان اعتمادهم على ذات الجهالة. ‏
 اقتران أبواب التعليل بالفقهيات
ولهذا كما تقدمت الإشارة إليه أن أبواب التعليل مقترنة بمعرفة فقهيات السلف وفقهيات الباب، فبعض الناس يريد أن يسبر أو يريد أن يتكلم على حديث من الأحاديث كحديث الهرة على سبيل الانفراد مجرداً عن سائر أبواب الفقه ومنها أيضاً عن أحاديث المياه على سبيل المثال، فهذا لا يمكن أن يكون دقيقاً في حكمه حتى يستوعب أبواباً عريضة, من أهمها: أبواب الطهارة على سبيل العموم، فيأخذ باللازم وهو أنه لما ورد الحكم في الكلب وهو بعيد ولم يرد في الهر ونحو ذلك، ومقتضى هذا القول أنه سبر أبواب الطهارة فعرف أن الكلب قد ورد فيه دليل أو لم يرد فيه دليل، فلما سبر ذلك عرف أن ما دونه مع وجود المخالطة أكثر منه لم يرد فيه، والشريعة جاءت بحفظ الدين، وبيان أحكام العبادات، ومن مقتضيات ذلك سلامة وطهارة الأبدان، والمياه التي يتوضأ بها الإنسان فيستحل بها العبادة، وأظهرها في ذلك الركن الثاني من أركان الإسلام وهي الصلاة، فلهذا يؤخذ بهذا من هذا الأمر وأنه ينبغي لطالب العلم أن يكون محيطاً بأبواب الفقهيات، ونلمس كثيراً حتى عند الفقهاء المتأخرين من المشهورين من يتكلم على حديث من الأحاديث على سبيل الانفراد، ولا يلحق ذلك بفقهيات السلف، حتى يستنبط علة أو لا يستنبط علة.ومن المحدثين أيضاً من يقع في مثل هذا وهو أظهر من الفقهاء في هذا الأمر، حينما يتكلم في حديث على سبيل الانفراد وهو يجهل المرويات في هذا الباب، لهذا أبواب السبر في أمور مسائل الديانة من المسائل المهمة، أن يسبر أحاديث الباب في ذاته وهذا هو الأهم ثم يتوسع في ذلك، وكلما كان من أهل التوسع في أبواب الديانة استطاع أن يحكم على حديث من الأحاديث، وربما كانت القرائن في هذا أظهر وأبعد من هذا، فربما يستدل بحديث جاء في أبواب البيوع مثلاً ونحو ذلك, قد جدد فيه النبي صلى الله عليه وسلم, أو في أبواب الصيام ونحو ذلك، ومسائل الطهارة آكد من مسائل الصيام؛ لأن مسائل الوضوء أهم من مسائل الصيام، وإن كانت الركنية هي للصلاة؛ لأن شرط الركن ركن مثله، وهذا لا إشكال فيه. فمن جحد الوضوء وقال: إن الوضوء ليس بواجب، ولكن الصلاة واجبة كافر بإجماع الأمة، ومن قال: بعدم كفره كافر أيضاً؛ لأنه لا يمكن للإنسان أن يصلي إلا بطهارة، ولا تصح منه إلا بذلك وهذا بالاتفاق، وعلى هذا فهذا عبث حينما يقول الإنسان: إنه يقر بالصلاة ولكن لا أقر بالوضوء، ولا يذهب يتوضأ، وإنما يذهب يصلي، فلا يمكن أن يقال أن هذا أقر بالركن وهذا حاله، كالذي يقول: إنه يجب الصيام ولكن في شعبان أو في شوال، فأقر بالصيام لكنه ما أقر بزمنه، وكذلك الذي يقر بالصلوات لكن لا يقر بمواقيتها وهكذا مما كان شرطاً ومحل اتفاق عند العلماء كمسألة المواقيت والشروط، وهذا ما ينبغي لطالب العلم أن يكون على بينة فيه في أبواب التعليل حتى يصح له النقد.
حديث: (يكفيك الماء ولا يضرك أثره)
والحديث الثالث في هذا الباب: هو حديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى: ( أن خولة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله, إن لي ثوباً واحداً أحيض فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اغسلي عنه أثر الدم، فقالت: يا رسول الله, إن غسلته وبقي أثره؟ قال: يكفيك الماء ولا يضرك أثره ). هذا الحديث قد رواه الإمام أحمد و أبو داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجه وغيرهم، فرووه من حديث عبد الله بن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة عن خولة: ( أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم )، وهذا الحديث قد تفرد بروايته عبد الله بن لهيعة من هذا الوجه.وقد اختلف فيه على عبد الله بن لهيعة , فرواه عبد الله بن وهب و قتيبة عن عبد الله بن لهيعة بهذا السياق، وكذلك رواه موسى عند الإمام أحمد عليه رحمة الله, عن عبد الله بن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى, فأسقط يزيد بن أبي حبيب وهو الواسطة بين عبد الله بن لهيعة وبين عيسى بن طلحة عن أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى، وأبدله بــعبد الله بن أبي جعفر ، والصواب في ذلك رواية عبد الله بن وهب و قتيبة عن عبد الله بن لهيعة ؛ وذلك أن عبد الله بن وهب من أحفظ الناس وأدقهم، وكذلك قتيبة بن سعيد . وهذا الحديث من جهة لفظه وتخصيصه بأن الماء يكفي ولا يضر الأثر هو أصرح حديث في الباب، وثمة أحاديث وموقوفات تدل على أصله لكنها ليست بخاصة في أبواب العفو عن أثر النجاسة، وقد اتفق العلماء على نجاسة دم الحيض، واختلفوا في مسألة بقاء الأثر مع الغسل، هل يضر ذلك أم لا يضر؟ وهذا الحديث هو أصل في هذا الباب.وقد جاء في غسل النجاسة، ولم يأت دليل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصرح من هذا في الاغتفار عن أثر النجاسة في حال غسلها، وهذا الحديث معلول ولا يصح، لتفرد عبد الله بن لهيعة به، وبعض المتأخرين يصحح هذا الخبر باعتبار أنه قد رواه عبد الله بن وهب عن عبد الله بن لهيعة عن يزيد عن عيسى عن أبي هريرة، وأن عبد الله بن لهيعة عليه رضوان الله تعالى يروي عنه من قدماء أصحابه عبد الله بن وهب وكذلك قتيبة بن سعيد ، وقد رووا عنه هذا الخبر، وعلى هذا يكون الخبر مستقيماً.وحديث عبد الله بن لهيعة من جهة الأصل أنه معلول، وهذا على الإطلاق, سواء قبل اختلاطه أو بعد اختلاطه, فإنه كان قبل اختلاطه ضعيفاً وبعد اختلاطه أشد ضعفاً. ‏
 أهمية معرفة اختصاص الرواة
ومسألة الاختصاص ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها في أبواب الحديث.وثمة اختصاص يدفع الجهالة في حديث أبي قتادة في الهرة المتقدم، فغسل الأواني والاعتناء بشأن البيت للمرأة, إذاً: فهي تهتم به أكثر من الرجل، فنقلها للحديث من اختصاصها، وتفردها به من اختصاصها، وهذا أيضاً من القرائن التي تدفع الجهالة في هذا الباب.وكذلك بعض الرواة قد يكون ضعيفاً، ولكنه من أهل الاختصاص فيما يروي؛ كأن يكون مثلاً مؤذناً، إماماً، قاضياً, ونحو ذلك، أو يكون اختصاص في غير عمله بالعلم الذي اختص به؛ كأن يكون فرضياً، أو يكون مجاهداً، أو يكون تاجراً ديناً فيهتم بمسائل البيع والشراء ونحو ذلك، أو يكون من أهل الاختصاص بشخص، فيهتم بمرويات راو؛ كحال سعيد بن المسيب وهو من الأئمة الكبار, فإنه حيث يروي عن عمر تغتفر الجهالة بينهما، لقوة عنايته بفقه وأقضية عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى. فلهذا يقال: إن أبواب الاختصاص مهمة كما في حديث عبد الله بن لهيعة حيث قلنا: بأن أعلاها ما كان مختصاً به وهو في أبواب القضاء، ولو سبر الناقد أحاديث عبد الله بن لهيعة في أبواب القضاء لوجد أنها أمثل وأهون الضعيف في حديث عبد الله بن لهيعة , وإن كان سائر حديثه داخلاً في دائرة الضعف، ولكن هذا هو الذي يتساهل في قبوله، ويعضده أي عاضد، ولو كان موقوفاً أو مقطوعاً ونحو ذلك, فيقال: إن هذا الحكم مما يعمل به ويستأنس به الإنسان، فيجد أصلاً يعتمد عليه في هذا الباب.ولهذا يقال: إنه ينبغي لطالب العلم أن يعتني ويهتم في أبواب الاختصاص. والاختصاص لا حد له، فهناك اختصاص في الرواة، واختصاص في البلدان أن يكون من بلده، فمدني يروي عن مدني، وخالفه في ذلك بصري ونحو ذلك، والمدني من أهل ذلك البلد ومستديم فيها، وذلك لوجود قرائن عديدة أنه سمع الحديث منه أكثر من مرة، خاصة في بلدان الناس في السابق، فإنك تجد البلدة الواحدة يسكنها الألف والألفين والثلاثة، يعني: أشخاص معدودون، وربما أقل من ذلك، فيلتقي به أكثر من مرة، ويحدث عنه، وربما سمع حديثه عنه بواسطة آخرين ونحو ذلك، فرسخ في ذهنه أنه ضابط، فجاء والحديث من غير هذا الوجه, فأكد تلك الرواية الأولى ونحو ذلك، فكان ثمة قرائن تدل على ضبط أهل الاختصاص لذلك، وهو أيضاً في أبواب الشيوخ، وأبواب المتون.ومنها ما لا يمكن أن يتحصل للإنسان إلا بالسبر، وأصعب ذلك وأشده هو أبواب المتون، وهو أن بعض الرواة يكون من أهل الاختصاص بالطهارة، ولا تعرف أنه من الاختصاص في أبواب الطهارة إلا أن تكون من أهل النظر في فقهه، فتكون مثلاً ممن يعرف فقه عكرمة ، وهو يعتني بأي باب من أبواب الأحكام، فهو من أهل الفقه، لكن لماذا تجد أن ستين بالمائة أو سبعين بالمائة من فقهه في باب كذا؟ هذا لأنه اختص بهذا الباب، والنفوس إذا تشوفت إلى باب من الأبواب ضبطته؛ كالذي يعتني بالشعر وحكايات الأولين ونحو ذلك, فتجده يعتني بذلك، بخلاف غيرها من أمور الناس، وإن كانت آكد منها. ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يعتني بالمتون وتباينها من جهة قبولها وردها، فأحاديث الأحكام قوية، فينبغي أن يحترز فيها أكثر من احترازه في غيرها, وأن يعتني في اختصاص الرواة في أبواب دون غيرها. ومن أبواب الاختصاص الرجل حينما يروي شيئاً يخصه، ولكن خصيصته في ذلك من بعيد؛ فالرجل اليمني الذي يروي أحاديث في فضل اليمن، هذا من خصائصه، ولكن حينما يروي كوفي حديثاً في فضائل اليمن ولا يوجد عند اليمنيين فيقال: إن هذا من قرائن التعليل؛ لأن هذا ليس من خصائصك، وأنت متوسط الحفظ، وأما من كان في درجته وهو يمني، فيقال: إن أهل البلدان لا يهتمون بفضائل الكوفة وهو شامي، أو بفضائل مصر وهو شامي ونحو ذلك إلا على سبيل الاختصاص، كإنسان يختص في أمور البلدان ونحو ذلك وهذا أمر نادر في الناس. وعلى هذا فحديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى يقال: الأصل فيه الضعف، ولكن جاء له شواهد عديدة من غير هذا الاختصاص، أعني: في مسألة طهارة الثوب ولو بقي أثره بعد غسله، فجاء في ذلك حديث أسماء ، وحديث عائشة عليها رضوان الله تعالى في: ( أنها تغسل عنه أثر الدم ). وجاء موقوفاً ما يعضد العمل بهذا الحديث من حديث معاذة العدوية كما رواه الدارمي والبيهقي في كتابه السنن من حديث معاذة العدوية عليها رضوان الله تعالى أنها قالت: سألت عائشة عليها رضوان الله تعالى عن الحيض يصيب الثوب ويبقى أثره، فقالت: أزيليه بصفرة، وهذه الصفرة هل تريد بذلك نوع من الطيب ونحو ذلك تزيل الأثر؟ أم المراد بذلك جمال المرأة، ولكن إزالة الأثر بمثل ذلك هذا لا يعني إزالة للنجاسة، فالعين موجودة، ولكن المراد بذلك هو مزيد تجمل في هذا, فنقول: إن عائشة عليها رضوان الله تعالى جاء في رواية عنها أنها قالت: ( إن الماء طهور )، يعني: أن الماء قد طهرها، وأما ذلك الأثر فإنه لا يضر، وإسناده عن عائشة عليها رضوان الله تعالى صحيح. وبهذا نقول: إن هذا الحديث يعمل به وهو في ذاته ضعيف، لكن جاء ما يعضده من جهة المعنى العام، من غير تخصيص الأثر وإنما هو غسل ما يرى من عين النجاسة من الحيض والعذرة ونحو ذلك كما جاء في حديث أسماء وعائشة. كذلك أيضاً فإن الناظر إلى حال الأوائل يجد أن آثار الدماء لا تزول، بخلاف ما من الله عز وجل به في أحوال كثير من الناس في الزمن المتأخر؛ فإنهم يغسلون النجاسة ويزيلون أثرها، أما الدم فيشق على الأوائل، فإذا أصاب الثوب خاصة المرأة التي تبقى في حيضها سبعة أيام، سبعة أيام في حيضها ويصل الدم إلى ملابسها، وليس هو الدم العارض الذي يزال، وإنما يبقى طويلاً في ثوبها، ويعسر عليها أن تغسل كل لحظة ونحو ذلك، ولهذا يقال: إن الدم إذا بقي على ثوب الإنسان يوماً أو يومين ونحو ذلك فإن هذا يصعب في إزالة الأثر، وأما إزالة العين فإنها تزول، ولهذا يقال: هذا من قرائن الحال، باعتبار أن الأصل في ذلك دفع المشقة، والتيسير في هذا الأمر، والمشقة واردة عندهم، فيقال: حينئذ باغتفار ذلك, وهذا مما يعضده.
حديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه)
والحديث الرابع: حديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ). وهذا الحديث قد رواه الإمام مسلم في كتابه الصحيح قال: حدثنا علي بن حجر حدثنا علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي صالح و أبي رزين عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تفرد بهذه اللفظة: ( فليرقه ) علي بن مسهر , ويرويها عنه علي بن حجر عند الإمام مسلم .وقد صدر الإمام مسلم هذا الحديث في كتابه الصحيح في الباب، و علي بن مسهر وإن كان من الثقات الحفاظ إلا أنه تغير بعدما فقد كتبه كما ذكر ذلك الإمام أحمد عليه رحمة الله، قال: فإن توبع على شيء -يعني: بعد تغيره- وإلا فلا يقبل حديثه.وتفرد بهذه اللفظة: (فليرقه) وهو في طبقة متأخرة، والطبقة المتأخرة لا تحتمل منها الزيادة في الألفاظ, باعتبار البعد عن تعدد الرواية, والتي يقبل منها في الأغلب الزيادة في الألفاظ هي الطبقات المتقدمة جداً من علية التابعين، ويضعف هذا الأمر كلما تأخر، ففي الطبقات المتأخرة من التابعين وأتباع التابعين يضعف شيئاً فشيئاً حتى لا يكاد الإنسان يقبل شيئاً من زيادات المتأخرين خاصة من طبقة علي بن مسهر ، ولهذا تجد الأئمة عليهم رحمة الله ينكرون هذه الزيادة، فأنكرها الإمام النسائي وقال: علي بن مسهر لا يوافقه في روايته على هذه اللفظة أحد، وكذلك حمزة الكناني و ابن منده وجماعة من الأئمة، ولكن هذه الرواية وإن كانت من جهة المعنى مقتضاها ظاهر في الحديث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبعاً )، الإراقة هنا لا بد منها؛ لأنك لا يمكن أن تغسل الإناء إلا وقد أفرغت الماء، وإنما قلنا بالتعليل لوجوه: الوجه الأول: أن العلماء الذين يقولون بصحة هذه الرواية يستدلون بها على نجاسة الماء الذي ولغ فيه الكلب، وعلى هذا فلا يستفاد منه على سبيل المثال في غسيل لباس، أو برش أرض ونحو هذا، وسواء كان الماء قليلاً أو كان كثيراً.الوجه الثاني: أننا في تضعيف هذه الرواية وبيان حكمها ندفع لفظاً لم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا نكاد نجزم به، وإن كان قد صحح هذه اللفظة غير واحد من الأئمة، فقد أخرجها ابن خزيمة في كتابه الصحيح، ولم يتكلم عليها، وصححها أيضاً جماعة من الأئمة كـابن الملقن وغيره، والصواب في ذلك أنها منكرة، وهي زيادة قد تكون مدرجة في اللفظ، أو رواها الراوي بالمعنى، ولا تظهر أنها في رواية الحديث، أو ربما فهم من السياق أنها متضمنة للإراقة ونحو ذلك، وهذا هو الغالب من أحوال الناس، أن الناس في الأغلب لا يحتاجون إلى الماء القليل ونحو ذلك, حيث تعافه النفس ونحو هذا.وتعليل الرواية لا يعني أن الإنسان يستفيد من ذلك الماء، وإنما قد تعافه النفس فيراق هذا الماء ولا يحتاج إليه، لكن نقول: إنه لا حرج عليه أن يستفيد من الماء برش أرض أو بغسيل ونحو ذلك، والاحتياط في ذلك أولى؛ لأنه قد جاء عن جماعة من السلف الإراقة، نص عليه عطاء بن أبي رباح كما رواه عبد الرزاق في كتابه المصنف من حديث ابن جريج عن عطاء أنه قال: أريقوه، يعني: ما ولغ فيه الكلب من اللبن وغيره، وبهذا نعلم أن ما ولغ فيه الكلب سواء كان ماء أو غير ذلك فيراق, وبهذا نعلم أن هذه اللفظة إنما أعلت لسبب أنه تفرد بها علي بن مسهر ، و علي بن مسهر من طبقة متأخرة، والمتأخر لا تحتمل منه الزيادة. وهنا إشكال وهو لماذا أخرجها الإمام مسلم في كتابه الصحيح وصدرها في الباب؟والجواب أن نقول: إن الإمام مسلم له منهج في كتابه الصحيح في إخراجه للأحاديث، فتارة يخرج ألفاظاً ويريد إعلالها، ولكن الإمام مسلم لا يخرج حديثاً بكامله معلولاً، فهذا ليس منهج الإمام مسلم , بل ينافي مقصده من تأليفه الصحيح؛ لأنه ما ألف كتابه إلا لأجل جمع الأحاديث الصحيحة، ولكن الألفاظ قد يخرج لفظة ويريد إعلالها، ويعرف ذلك بقرائن، ومن هذه القرائن أن الإمام مسلم يصدر في بابه الحديث الصحيح، ثم يورد بعده الألفاظ المتباينة التي تخالفه، فتكون دونه في المرتبة، وقد تكون صحيحة وقد تكون معلولة. ومن ذلك أيضاً: أن الإمام مسلم إذا أورد لفظة وهي فرد في الباب، ولم يورد معها غيرها فإن الإمام مسلم يريد بذلك التصحيح قطعاً، وهذا ينبغي أن ينتبه إليه، فما أخرجه مسلم في كتابه الصحيح ولم يخرج معه في بابه غيره فإن هذا مقتضاه التصحيح لهذا الحديث، وهذه اللفظة.ولا يخالف هذا صنيع الإمام مسلم أنه أخرج هذا الحديث في أصل الباب، في حديث أبي هريرة قال: ( فليرقه )، ثم أورد بعد ذلك الألفاظ الكثيرة في هذا الحديث، ووضع اللفظة في أوله؛ فنقول: السبب -والله أعلم فيما يظهر- أن الإمام مسلم إنما أورد اللفظة الأولى؛ لأن الألفاظ الصحيحة في ذلك التي تبين إعلالها مناسبة إيرادها بعدها من باب أولى؛ لأن تفرد علي بن مسهر بروايته في هذا الحديث عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي رزين عن أبي هريرة يحتاج لبيان هذا العلة إلى إيراد حديث أبي هريرة من طرق متكاثرة, حتى تبين هذه العلة، ووفرة الحديث يختلط صحيحه من ضعيفه، لو أن الإمام مسلم أورد حديث مالك بن أنس عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: ( إذا شرب الكلب في إناء أحكم فليغسله سبعاً ) في الباب فثمة طرق كثيرة في هذا الباب، وقد أوردها مسلم في كتابه الصحيح فتختلط مع هذه الرواية، فلا يعلم هذا صحيح أم ضعيف، فلما كانت هذه الروية فرداً جعلها في الباب وجعل كل ما عداها صحيحاً، وهذا مسلك الإمام مسلم فإنه يفعله في الأحيان، وهذا يحتاج إلى كلام فقهي في هذا الباب في مسألة الإراقة والعمل بها، وقد يستأنس به الإنسان في مسألة التعليل، وهذا يرجع فيه إلى مظانه. أسأل الله جل وعلا لي ولكم التوفيق، والإعانة، والسداد.
 أهمية معرفة اختصاص الرواة
ومسألة الاختصاص ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها في أبواب الحديث.وثمة اختصاص يدفع الجهالة في حديث أبي قتادة في الهرة المتقدم، فغسل الأواني والاعتناء بشأن البيت للمرأة, إذاً: فهي تهتم به أكثر من الرجل، فنقلها للحديث من اختصاصها، وتفردها به من اختصاصها، وهذا أيضاً من القرائن التي تدفع الجهالة في هذا الباب.وكذلك بعض الرواة قد يكون ضعيفاً، ولكنه من أهل الاختصاص فيما يروي؛ كأن يكون مثلاً مؤذناً، إماماً، قاضياً, ونحو ذلك، أو يكون اختصاص في غير عمله بالعلم الذي اختص به؛ كأن يكون فرضياً، أو يكون مجاهداً، أو يكون تاجراً ديناً فيهتم بمسائل البيع والشراء ونحو ذلك، أو يكون من أهل الاختصاص بشخص، فيهتم بمرويات راو؛ كحال سعيد بن المسيب وهو من الأئمة الكبار, فإنه حيث يروي عن عمر تغتفر الجهالة بينهما، لقوة عنايته بفقه وأقضية عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى. فلهذا يقال: إن أبواب الاختصاص مهمة كما في حديث عبد الله بن لهيعة حيث قلنا: بأن أعلاها ما كان مختصاً به وهو في أبواب القضاء، ولو سبر الناقد أحاديث عبد الله بن لهيعة في أبواب القضاء لوجد أنها أمثل وأهون الضعيف في حديث عبد الله بن لهيعة , وإن كان سائر حديثه داخلاً في دائرة الضعف، ولكن هذا هو الذي يتساهل في قبوله، ويعضده أي عاضد، ولو كان موقوفاً أو مقطوعاً ونحو ذلك, فيقال: إن هذا الحكم مما يعمل به ويستأنس به الإنسان، فيجد أصلاً يعتمد عليه في هذا الباب.ولهذا يقال: إنه ينبغي لطالب العلم أن يعتني ويهتم في أبواب الاختصاص. والاختصاص لا حد له، فهناك اختصاص في الرواة، واختصاص في البلدان أن يكون من بلده، فمدني يروي عن مدني، وخالفه في ذلك بصري ونحو ذلك، والمدني من أهل ذلك البلد ومستديم فيها، وذلك لوجود قرائن عديدة أنه سمع الحديث منه أكثر من مرة، خاصة في بلدان الناس في السابق، فإنك تجد البلدة الواحدة يسكنها الألف والألفين والثلاثة، يعني: أشخاص معدودون، وربما أقل من ذلك، فيلتقي به أكثر من مرة، ويحدث عنه، وربما سمع حديثه عنه بواسطة آخرين ونحو ذلك، فرسخ في ذهنه أنه ضابط، فجاء والحديث من غير هذا الوجه, فأكد تلك الرواية الأولى ونحو ذلك، فكان ثمة قرائن تدل على ضبط أهل الاختصاص لذلك، وهو أيضاً في أبواب الشيوخ، وأبواب المتون.ومنها ما لا يمكن أن يتحصل للإنسان إلا بالسبر، وأصعب ذلك وأشده هو أبواب المتون، وهو أن بعض الرواة يكون من أهل الاختصاص بالطهارة، ولا تعرف أنه من الاختصاص في أبواب الطهارة إلا أن تكون من أهل النظر في فقهه، فتكون مثلاً ممن يعرف فقه عكرمة ، وهو يعتني بأي باب من أبواب الأحكام، فهو من أهل الفقه، لكن لماذا تجد أن ستين بالمائة أو سبعين بالمائة من فقهه في باب كذا؟ هذا لأنه اختص بهذا الباب، والنفوس إذا تشوفت إلى باب من الأبواب ضبطته؛ كالذي يعتني بالشعر وحكايات الأولين ونحو ذلك, فتجده يعتني بذلك، بخلاف غيرها من أمور الناس، وإن كانت آكد منها. ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يعتني بالمتون وتباينها من جهة قبولها وردها، فأحاديث الأحكام قوية، فينبغي أن يحترز فيها أكثر من احترازه في غيرها, وأن يعتني في اختصاص الرواة في أبواب دون غيرها. ومن أبواب الاختصاص الرجل حينما يروي شيئاً يخصه، ولكن خصيصته في ذلك من بعيد؛ فالرجل اليمني الذي يروي أحاديث في فضل اليمن، هذا من خصائصه، ولكن حينما يروي كوفي حديثاً في فضائل اليمن ولا يوجد عند اليمنيين فيقال: إن هذا من قرائن التعليل؛ لأن هذا ليس من خصائصك، وأنت متوسط الحفظ، وأما من كان في درجته وهو يمني، فيقال: إن أهل البلدان لا يهتمون بفضائل الكوفة وهو شامي، أو بفضائل مصر وهو شامي ونحو ذلك إلا على سبيل الاختصاص، كإنسان يختص في أمور البلدان ونحو ذلك وهذا أمر نادر في الناس. وعلى هذا فحديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى يقال: الأصل فيه الضعف، ولكن جاء له شواهد عديدة من غير هذا الاختصاص، أعني: في مسألة طهارة الثوب ولو بقي أثره بعد غسله، فجاء في ذلك حديث أسماء ، وحديث عائشة عليها رضوان الله تعالى في: ( أنها تغسل عنه أثر الدم ). وجاء موقوفاً ما يعضد العمل بهذا الحديث من حديث معاذة العدوية كما رواه الدارمي والبيهقي في كتابه السنن من حديث معاذة العدوية عليها رضوان الله تعالى أنها قالت: سألت عائشة عليها رضوان الله تعالى عن الحيض يصيب الثوب ويبقى أثره، فقالت: أزيليه بصفرة، وهذه الصفرة هل تريد بذلك نوع من الطيب ونحو ذلك تزيل الأثر؟ أم المراد بذلك جمال المرأة، ولكن إزالة الأثر بمثل ذلك هذا لا يعني إزالة للنجاسة، فالعين موجودة، ولكن المراد بذلك هو مزيد تجمل في هذا, فنقول: إن عائشة عليها رضوان الله تعالى جاء في رواية عنها أنها قالت: ( إن الماء طهور )، يعني: أن الماء قد طهرها، وأما ذلك الأثر فإنه لا يضر، وإسناده عن عائشة عليها رضوان الله تعالى صحيح. وبهذا نقول: إن هذا الحديث يعمل به وهو في ذاته ضعيف، لكن جاء ما يعضده من جهة المعنى العام، من غير تخصيص الأثر وإنما هو غسل ما يرى من عين النجاسة من الحيض والعذرة ونحو ذلك كما جاء في حديث أسماء وعائشة. كذلك أيضاً فإن الناظر إلى حال الأوائل يجد أن آثار الدماء لا تزول، بخلاف ما من الله عز وجل به في أحوال كثير من الناس في الزمن المتأخر؛ فإنهم يغسلون النجاسة ويزيلون أثرها، أما الدم فيشق على الأوائل، فإذا أصاب الثوب خاصة المرأة التي تبقى في حيضها سبعة أيام، سبعة أيام في حيضها ويصل الدم إلى ملابسها، وليس هو الدم العارض الذي يزال، وإنما يبقى طويلاً في ثوبها، ويعسر عليها أن تغسل كل لحظة ونحو ذلك، ولهذا يقال: إن الدم إذا بقي على ثوب الإنسان يوماً أو يومين ونحو ذلك فإن هذا يصعب في إزالة الأثر، وأما إزالة العين فإنها تزول، ولهذا يقال: هذا من قرائن الحال، باعتبار أن الأصل في ذلك دفع المشقة، والتيسير في هذا الأمر، والمشقة واردة عندهم، فيقال: حينئذ باغتفار ذلك, وهذا مما يعضده.
الأسئلة

 رواية المجهول إذا وجد لها شاهد
السؤال: [ ما حكم تفرد المجهول بحديث له شاهد إذا روى حديثاً أو حديثين غيره ]؟الجواب: هذا نادر؛ لأن المجهول وإن روى أحاديث معدودة، فهو من جهة الأصل مجهول، وإن روى اثنين ثلاثة أربعة خمسة يصل إلى عشرة ممكن بطريق واحد أخذ عنه هذا الأمر، أو يوجد في النسخ والنسخ مغتفرة تخرج من هذا الأمر؛ لأنها إذا صحت النسخة ولو كان الراوي مجهولاً، فهذه تقبل إذا علم أنه ضابط لها، فيقال: هذا باب ضيق جداً لكنها تؤثر، إذا قلنا: اثنين أو ثلاثة ما ضبطها فتؤثر فيه؛ لأنها من جهة الأصل روايته ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو أكثر من ذلك بقليل، الواحد والاثنين تؤثر بها فتسقط.أحياناً الرواية الواحدة تفتك بخمسمائة لشناعتها وبشاعتها، ولهذا يحيى بن معين لما وقف على رواية أحد الرواة منكرة، قال: هذه تطرح خمسمائة حديث لشدتها؛ لأنها مصيبة, ولا يمكن لشخص أن يحدث بمثل هذا الشذوذ، مع أن لديه البقية منضبط، وهذا ينظر فيه إلى شدة النكارة، فالنكارة مراتب، المخالفة مراتب، وكذلك الخبر في بابه على مراتب، في أبواب الأحكام الشذوذ يطرح أكثر من النكارة وفي أبواب الفضائل وهكذا.وصل الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الأحاديث المعلة في الطهارة [2] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net