اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني [1] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني [1] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
الرسالة في فقه الإمام مالك لابن أبي زيد القيرواني صدرها المؤلف بمقدمة عقدية تعتبر من أنفس العقائد التي دونها المالكية، حيث اقتفى فيها أثر السلف من الصحابة والتابعين، وبعد أن حث في مستهلها على تلقين الصغار المعتقد الصحيح وأصول الديانة افتتح عقيدته بتقرير حقيقة الإيمان، وتعظيم الله والثناء عليه بما هو له أهل.
التعريف بالمقدمة العقدية لرسالة ابن أبي زيد القيرواني وطريقة تصنيفها
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد الله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد: ففي عدة مجالس سنتكلم بإذن الله عز وجل على هذه الرسالة المختصرة التي جعلها المصنف رحمه الله مقدمة لكتابه الرسالة, وهي في فقه الإمام مالك رحمه الله, ومعلوم أن هذا الإمام هو من أئمة المالكية, ومن أجلتهم وصفوتهم، ومن متقدميهم ومحرري مذهب الإمام مالك رحمه الله، وعقيدته هذه من أنفس العقائد التي دونها المالكيون، جرى بمجموعها مقتفياً آثار السالفين من الصحابة والتابعين وأتباعهم، وهذا من توفيق الله عز وجل وتسديده. وكذلك أيضاً فيه إشارة إلى أن عقائد الأولين في القرون الأولى كانت تمتثل عقيدة السلف الصالح الذي يسير على منهاج الكتاب والسنة، وما جرى عليه أهل الصدر الأول من الصحابة والتابعين وأتباعهم, وهم خير القرون, الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( خير الناس قرني, ثم الذين يلونهم, ثم الذين يلونهم )، وهذا الكتاب إنما هو مُجتزأ من الرسالة, ولأهميته اعتنى به العلماء عناية منفردة منفصلة عن الرسالة الفقهية، فكانت هذه المقدمة تجري على طريقة الأوائل في جمع مسائل أصول الدين مع فروعه. ‏
 ضابط الأصول والفروع ومراعاتها في التصنيف
وهذا التقسيم هو تقسيم حسن إذا عُلمت الغاية منه، وأنه ليس المراد من ذلك التهوين من باب دون باب وتقديم باب من جميع الوجوه على باب آخر، وإلا فيوجد من مسائل العقائد ما هي فرعيات وجزئيات, ويوجد من الفروع ما هي أصول كليات؛ كمثل أركان الإسلام؛ كالصلاة والصيام والزكاة والحج، ولهذا نجد التأكيد على الصلاة في الشريعة متظافر؛ وذلك لأهميتها وجلالة قدرها، بل جاء في النصوص الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وصف تاركها بالكفر، كما جاء في مسلم من حديث جابر بن عبد الله : ( بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة )، وكذلك أيضاً ما جاء في حديث بريدة في المسند والسنن: ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة, فمن تركها فقد كفر )، وغير ذلك من التأكيدات، وهذه تدرج عند العلماء في أبواب الفروع, ونجد أيضاً في أبواب مسائل العقائد من المسائل الجزئية اليسيرة من دقائق الأسماء والصفات ما لم يؤكد عليها الشارع، وتجد كثيراً من العلماء لا ينبهون عليها, باعتبار أن الشارع ما أكد عليها وأكثر من سياقها، فنجد أن أصول العقائد من جهة الأصل هي أولى بالاهتمام من الفروع، ونجد أن من الفروع ما هو أولى بالاهتمام من بعض جزئيات مسائل العقائد؛ كفرعيات الأسماء والصفات, لا أصولها, فإن هذه يفوقها ما يتعلق ببعض أصول الفروع, وغير ذلك، لهذا نجد أن ثمة تداخلا ومغالبة بين أهمية هذه المسائل المتعلقة بأحكام الدين، والعلماء الأوائل كانوا ينظرون إلى أحكام الدين على أنها جزء واحد لا يتجزأ، فتجد من يتكلم في مسائل العقيدة ويدرج فيها أمور الفقه وربما الآداب والسلوك والأذكار وغير ذلك، والتوسع في التصنيف أوغل فيه المتأخرون كثيراً خصوصاً في الزمن المتأخر, حتى جزئت كثير من مسائل الفروع إلى جزئيات دقيقة، وربما بلغ في بعض الأزمنة إلى حد ... ولهذا كان من السلف الصالح من ينكر التوسع في تجزئة مسائل الدين، ولهذا يروى عن علي بن أبي طالب أنه قال: العلم نقطة كبرها الجهال، يعني: توسعوا به وجزءوه أجزاء متعددة حتى ظُن أنه يجب على الإنسان أن يتعلمه بتوسعه, حتى ربما خلط الناس بين مراتب العلم فأخذوه من أدناه وتركوا أعلاه، وربما كثير من الناس يحرص على دعوة الناس بالأدنى ويترك الأعلى وهو المتأكد؛ لأن علم الشريعة أصبح يوصف بعلم الشريعة مع كثرة أجزائه وأنواعه، ولهذا نجد السلف الصالح لما اهتموا بالأصول واهتموا أيضاً بالفرعيات وغرسها في نفوس الناس وجدوا الناس يذعنون للجزئيات، ولما اهتم المتأخرون بالجزئيات وجدوهم لا يهتمون بالأصليات، وهذا أمر مشاهد في كثير من بلدان المسلمين.
الابتداء والاستهلال
المصنف رحمه الله في رسالته هذه جعل لها مقدمة وهي التي بين أيدينا، وسنقرؤها ونعلق على ما تيسر من مسائل العقيدة وشيء مما يتصل بها بما أمكن بإذن الله عز وجل. هي: رسالة مختصرة جليلة، حرية بالحفظ والفهم, وحرية أيضاً بالتعليق والتهميش, والتدليل أيضاً على مسائلها من الكتاب والسنة وأقوال السالفين من الصحابة والتابعين، وهذه العقيدة أيضاً حرية بأن يعتني طلاب العلم بحفظها, ونشرها على سبيل الانفراد في أوساط طلاب العلم، وهي من أدق ما كتبه المالكيون في أبواب العقائد. ‏
 من ثمرات التيسير على المؤمنين وشرح صدورهم
قوله: (فآمنوا بالله بألسنتهم ناطقين، وبقلوبهم مخلصين, وبما أتتهم به رسله وكتبه عاملين).قوله: (فآمنوا بالله بألسنتهم ناطقين، وبقلوبهم مخلصين)، يعني: مخلصين بما نطقوا, وقد ذكر هنا الثلاثة الأمور المذكورة في تعريف الإيمان, وهي: نطق باللسان, وعمل القلب وهو: الجنان, وكذلك أيضاً عمل الجوارح, ولهذا نقول: إن الإيمان قول وعمل, ويأتي الكلام على هذه المسألة بإذن الله.قال المصنف رحمه الله: (وتعلموا ما علمهم, ووقفوا عند ما حد لهم, واستغنوا بما أحل لهم عما حرم عليهم).يقول: وتعلموا ما علمهم، يعني: أخذوا ذلك العلم استرشاداً واستضاءة, وذلك لفضل العلم ومنزلته, والله سبحانه وتعالى جعل أشرف العلم لشرف المعلوم, وأشرف معلوم هو العلم بالله سبحانه وتعالى، فكان علم الوحي هو أعظم العلوم على الإطلاق، وهو الذي أمر الله جل وعلا نبيه أن يسأله زيادة فيه فقال: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114]، وقد رفع الله عز وجل أهل الإيمان كما في قوله جل وعلا: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة:11].وهنا في مسألة التعلم ذكر أنهم تعلموا العلم ثم وقفوا عند الحدود, ولم يعلموا ثم يفرطوا من جهة العمل؛ لأن العلم يقيم على الإنسان الحجة، والجاهل الذي لا يعمل خير من العالم الذي لا يعمل؛ لأن هذا أظهر في باب العناد, وإن لم يكن الجهل عذراً لكل أحد، والعالم كلما استزاد علماً استزاد معرفة بأحكام الله عز وجل وحكمه وأوامره, فإذا فرط في ذلك كان أظهر في المخالفة والعناد وعدم الاكتراث والمبالاة بأمر الله.
الالتجاء إلى الله في فهم العلم ورعايته
قال المصنف رحمه الله: [ أما بعد: أعاننا الله وإياك على رعاية ودائعه, وحفظ ما أودعنا من شرائعه, فإنك سألتني أن أكتب لك جملة مختصرة من واجب أمور الديانة، مما تنطق به الألسنة وتعتقده القلوب وتعمله الجوارح، وما يتصل بالواجب من ذلك من السنن من مؤكدها ونوافلها ورغائبها وشيء من الآداب منها].قوله: (أما بعد), هي فصل الخطاب, وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل فصل الخطاب في خطبه, وكذلك الخلفاء الراشدون من بعده وفي كتاباتهم أيضاً, واختلف في أول من بدأ ذلك -وهذا يفتقر إلى دليل صريح في هذا- على أقوال, قيل ستة وقيل سبعة، ولكن لا يصح شيء من الأدلة صراحة في أول من قالها, وإن ثبت عن بعضهم ما نقل عنهم ذلك.قوله: (أعاننا الله وإياك على رعاية ودائعه) هذا من الدعاء المستحسن في الدعاء للقارئ, للكاتب لهذه الرسالة. وفيه أيضاً: أن الإنسان ينبغي أن يلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى في فهم العلم ورعايته, فربما يتعلم الإنسان العلم ولا يحفظ تلك الوديعة بالتفريط فيها، لا يحفظها من جهة العمل ولا يرعاها ويحفظها من جهة صيانتها من الهدر والنسيان, فإن الإنسان إذا أقيمت الحجة عليه ثم عطلها حفظاً وعطلها عملاً فإن ذلك أظهر في عدم المبالاة والاكتراث بأمر الله سبحانه وتعالى.قوله: (وحفظ ما أودعنا من شرائعه) لدينا دين ولدينا شريعة، فدين الله عز وجل الإسلام وهو واحد, وأما الشرائع فهي متعددة، كما قال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة:48]، والدليل على أن الدين واحد قول الله جل وعلا: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19]، ولهذا نقول: إن الدين واحد والشرائع متعددة, تختلف في شرائع الأنبياء, وأما بالنسبة لدين الإسلام فهو واحد منذ أن أنزل الله عز وجل آدم إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم, إذا طرأ عليه تبديل فإنه يجدد في ذلك, ويستعمل الدين وتدخل فيه الشريعة, وتستعمل الشريعة وتدخل فيها الدين, وبينهما عموم وخصوص في ذلك, فإذا أطلقت عبارة فإنها يدخل فيها الأخرى، فيقال: إذ اجتمعا افترقا وإذا فترقا اجتمعا في الغالب.
 من ثمرات التيسير على المؤمنين وشرح صدورهم
قوله: (فآمنوا بالله بألسنتهم ناطقين، وبقلوبهم مخلصين, وبما أتتهم به رسله وكتبه عاملين).قوله: (فآمنوا بالله بألسنتهم ناطقين، وبقلوبهم مخلصين)، يعني: مخلصين بما نطقوا, وقد ذكر هنا الثلاثة الأمور المذكورة في تعريف الإيمان, وهي: نطق باللسان, وعمل القلب وهو: الجنان, وكذلك أيضاً عمل الجوارح, ولهذا نقول: إن الإيمان قول وعمل, ويأتي الكلام على هذه المسألة بإذن الله.قال المصنف رحمه الله: (وتعلموا ما علمهم, ووقفوا عند ما حد لهم, واستغنوا بما أحل لهم عما حرم عليهم).يقول: وتعلموا ما علمهم، يعني: أخذوا ذلك العلم استرشاداً واستضاءة, وذلك لفضل العلم ومنزلته, والله سبحانه وتعالى جعل أشرف العلم لشرف المعلوم, وأشرف معلوم هو العلم بالله سبحانه وتعالى، فكان علم الوحي هو أعظم العلوم على الإطلاق، وهو الذي أمر الله جل وعلا نبيه أن يسأله زيادة فيه فقال: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114]، وقد رفع الله عز وجل أهل الإيمان كما في قوله جل وعلا: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة:11].وهنا في مسألة التعلم ذكر أنهم تعلموا العلم ثم وقفوا عند الحدود, ولم يعلموا ثم يفرطوا من جهة العمل؛ لأن العلم يقيم على الإنسان الحجة، والجاهل الذي لا يعمل خير من العالم الذي لا يعمل؛ لأن هذا أظهر في باب العناد, وإن لم يكن الجهل عذراً لكل أحد، والعالم كلما استزاد علماً استزاد معرفة بأحكام الله عز وجل وحكمه وأوامره, فإذا فرط في ذلك كان أظهر في المخالفة والعناد وعدم الاكتراث والمبالاة بأمر الله.
سبب تأليف رسالة ابن أبي زيد القيرواني وأهميتها
قوله: (فإنك سألتني أن أكتب لك جملة)، وفي هذا إشارة إلى معنى أن هذا المصنف إنما صنفه المصنف رحمه الله لطلب من طلبه في ذلك, وأنه ينبغي لأهل العلم في حال رؤيتهم لحاجة الناس في مسألة من المسائل أن يكتبوا لهم لإقامة الحجة، وكثير من المصنفات يكتبها الأئمة لفرد أو أفراد ثم ينفع الله عز وجل بها الأمم، ومثل هذه الرسالة ربما كتبها المصنف في ظاهر سياقه لواحد, ثم نفع الله عز وجل بها بعد ذلك خلقاً من البشر عبر قرون مديدة، ولهذا إذا ظهر من الإنسان الصدق عمم الله عز وجل نفعه, فكان نفعه للواحد متعدياً إلى الأمم والخلق, وإذا علم الله عز وجل عدم صدقه فلو خاطب الخلق كلهم لجعل الله عز وجل خطابه إلى أُفول واضمحلال وزوال، ولهذا نقول: إن الصدق له أثر في ذلك, فإن الله عز وجل يجعل أمور الناس في تبليغ العلم كحال الغيث, منها ما ينزله الله عز وجل وينفع به, ومنها ما ينزله الله عز وجل على مواضع لا تنبت, فالله سبحانه وتعالى هو الذي يجعل القبول لعباده. ‏
 الترغيب في تعليم الولدان
قال المصنف رحمه الله: [ وبيان المتفقهين لما رغبت فيه من تعليم ذلك للولدان كما تعلمهم حروف القرآن, ليسبق إلى قلوبهم من فهم دين الله وشرائعه ما ترجى لهم بركته وتحمد لهم عاقبته ].وللعلم بركة على الإنسان، بركة في نفسه وبركة أيضاً في ماله, وبركة في ذريته, ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان أعظم الناس بركة لما لديه من علم فهو أعظم الأمة علماً؛ لأن الله عز وجل آتاه الوحي، ولهذا يقول كما في الصحيح: ( بينا أنا نائم أُتيت بقدح لبن فشربت منه حتى رويت, حتى رأيت أثر الري يخرج من أظفاري، قالوا: ما أولت ذلك؟ قال: العلم )، يعني: امتلأ النبي صلى الله عليه وسلم علماً مما علمه الله جل وعلا، فأراد الله سبحانه وتعالى به كمال الخير, ولم يسلبه من ذلك شيئاً, وإن سلب من دنياه عليه الصلاة والسلام لأن الدنيا ليست دار سلامة، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم ربما أوذي في نفسه وأوذي في عرضه، وربما أوذي في دمه وأوذي في ماله عليه الصلاة والسلام فسلب ذلك ليس سلباً للخيرية المرادة، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من يرد الله به خيراً يفقه في الدين )، وإرادة الخير هي ... لوازمها، آثارها, وهي البركة.قال المصنف رحمه الله: [ فأجبتك إلى ذلك لما رجوته لنفسي ولك من ثواب من علم دين الله أو دعا إليه ]، وهذا ما ينبغي على الإنسان في أمور العلم والتعليم والكتابة والتأليف, وينبغي أيضاً توجيه الناس وإرشادهم, ولو بالإشارة, إلى أن يصدق الإنسان النية مع الله عز وجل.وهنا بين أنه صنف هذه الرسالة رجاء ما عند الله سبحانه وتعالى من ثواب الداعي, وكذا ثواب المعلم, وكذلك أيضاً يرجو لغيره أن يكون سبباً معه في مثل هذا, وأما ما يتعلق بمسائل الدلالة على الخير أو التسبب فيها، فمن تسبب بخير فإن له مثل أجر من تبعه في ذلك؛ كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى قيام الساعة )، فتكون هذه الرسالة لمصنفها ولمن تسبب بها وسألها، لمن سألها فيلحقه في ذلك الأجر, وإن جهلناه فالله عز وجل يعلمه, فالله سبحانه وتعالى يعلم الذي سأل تدوين هذه الرسالة وتسبب بانتشارها وانتفاع الناس بها, وذلك فضل الله عز وجل يؤتيه من يشاء.
أهمية ودواعي ومنهجية تعليم الصغار
قال المصنف رحمه الله: [ واعلم أن خير القلوب أوعاها للخير وأرجى القلوب للخير ما لم يسبق الشر إليه, وأولى ما عني به الناصحون ورغب في أجره الراغبون إيصال الخير إلى قلوب أولاد المؤمنين ليرسخ فيها، وتنبيههم على معالم الديانة وحدود الشريعة, وما عليهم أن تعتقده من الدين قلوبهم، وتعمل به جوارحهم، فإنه روي أن تعليم الصغار لكتاب الله يطفئ غضب الله، وأن تعليم الشيء في الصغر كالنقش في الحجر ]. ‏
 الحكمة من التعليم قبل البلوغ
قال المصنف رحمه الله: [ فكذلك ينبغي أن يعلموا ما فرض الله على العباد من قول وعمل قبل بلوغهم؛ ليأتي عليهم البلوغ وقد تمكن ذلك من قلوبهم, وسكنت إليه أنفسهم, وأنست بما يعملون به من ذلك جوارحهم ].وهذا على ما تقدم في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مروا أولادكم للصلاة وهم أبناء سبع, واضربوهم عليها لعشر, وفرقوا بينهم في المضاجع ), فهذا يعني المبادرة بالتعليم, وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الصبيان ويرشدهم عليه الصلاة والسلام, يعلمهم الأصول ويعلمهم الفروع، ولهذا عبد الله بن عباس ناهز الاحتلام ويقول كما في البخاري: ( توفي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا قد حفظت المفصل )، يعني: من القرآن, وكان يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً كثيراً من الأحكام, وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: ( يا غلام, احفظ الله يحفظك، يا غلام .. إلخ )، وكذلك أيضاً قوله: ( يا غلام, سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك )، هذا إرشاد إلى آداب، وإرشاد إلى أصول، وإرشاد إلى أحكام متنوعة, فينبغي للإنسان أن يجعل العلم في تربية الصغار متنوعاً بحسب المناسبات، إذا كان على طعام أرشدهم، وإذا وجدهم يلعبون علمهم آداب اللعب، وإذا كانوا في موضع صلاة علمهم أحكام الصلاة, فيستغل الأوقات ويرشدهم إلى الأحكام في مناسباتها.قال المصنف رحمه الله: [ وقد فرض الله سبحانه على القلب عملاً من الاعتقادات, وعلى الجوارح الظاهرة عملاً من الطاعات, وسأفصل لك ما شرطت لك ذكره باباً باباً, ليقرب من فهم متعلميه إن شاء الله تعالى, وإياه نستخير وبه نستعين, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم, وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً ].وهذا من جميل التوكل والاستعانة والالتجاء إلى الله عز وجل, والبراءة أيضاً المتضمنة البراءة لما يوجد في النفس, من اعتماد عليها واعتماد على علمها واعتماد على ذكائها وقدرتها، فالبراءة من ذلك هي من علامة أهل الإيمان, وألا يعتمد الإنسان في ذلك إلا على ربه سبحانه وتعالى, فهو الذي يوفق الإنسان ويسدده ويعينه ويرشده إلى الصواب.
حقيقة الإيمان وأوعيته
قال المصنف رحمه الله: [ باب: ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات ].هذا هو الغالب الذي يبتدئ به الأئمة في مسائل العقائد، فيبتدئون بالأصل العام في عمل الإنسان وموضع الإيمان, وهو أصل مواضع القلب, وكذلك أيضاً بقول اللسان وعمل والجوارح، وهذه هي مواضع الإيمان وأوعيته التي لا يكون الإيمان إلا بها، فإذا فُهم ذلك أدركت الحقيقة من معنى الإيمان حتى لا يُظن أن الإيمان إنما هو آداب أو مجرد سلوك أو مجرد قول متجرد عن عمل الجوارح أو نحو ذلك, حتى ضل كثير من أهل البدع في هذا الباب حين جعلوا الإيمان معاني مخصوصة وأخرجوا غيرها منها، فطريقة الأئمة عليهم رحمة الله تعالى في هذا أنهم يبتدئون بالإيمان وتعريفه بأنه قول وعمل واعتقاد. ‏
 التفاوت في الإرجاء ومبلغ الغلو فيه
ومسائل الإرجاء يتفاوت فيها الناس, منهم الغلاة الذين يجعلون الإيمان هو اعتقاد القلب فقط، ومنهم من يجعله المعرفة, أن يعلم أن الله عز وجل هو الخالق فقط, وهؤلاء الغلاة من الجهمية وغيرهم, وهذا غاية الضلال؛ لأنهم يدخلون حتى إبليس؛ لأن إبليس لديه معرفة قلبية وفرعون لديه معرفة قلبية، وكفار قريش لديهم معرفة قلبية؛ لأن الله عز وجل يقول عن فرعون ومن شاكله: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [النمل:14]، ويقول الله جل وعلا عن كفار قريش: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33]، إذاً الجحود موجود لديهم في الظاهر والإيمان استقر في قلوبهم, لكن هذه المعرفة وجدت ولم تنفع، وأبو طالب لديه معرفة قلبية, وهو الذي كان يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم وربما صرح بهذه المعرفة بلسانه، ولم تنفعه أيضاً؛ لأنه لم ينطق بالشهادتين ولم يعمل بمقتضاها، وقد قال في مدح النبي صلى الله عليه وسلم:والله لن يصلوا إليك بجمعهمحتى أوسد في التراب دفينافاصدع بأمرك ما عليك غضاضةوابشر بذاك وقر منه عيوناودعوتني وزعمت أنك صادقولقد صدقت وكنت ثم أميناوعرضت ديناً لا محالة أنهمن خير أديان البرية ديناإذاً لماذا لم ينطق بالشهادتين ولم يعمل؟ لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك يقيناهل نفعت المعرفة القلبية؟ لم تنفعه كذلك, مع أن هذه أبياتاً شائعة في المدح, لهذا لا نثبت الإيمان لشخص يمدح الإسلام ويثني عليه أو يثني على محمد أو على دين محمد حتى يظهر منه القول والعمل؛ لأنه ما امتاز عن غيره, والمسألة ليست مسألة عاطفية, هذا إيمان ودين شرعه الله عز وجل للأمة ويجب عليها أن تمتثل. ومنهم من يقول: -وهم دون أولئك الذين يقولون: إن الإيمان هو اعتقاد القلب وقول اللسان ولو لم يعمل الإنسان- وهم على مراتب:منهم من يقول: إن العمل شرط كمال, ومنهم من يقول: هو شرط صحة, ومن يقول إنه شرط صحة هو أقرب إلى الصواب ممن يقول هو شرط كمال, ومنهم من يقول: إنه لا علاقة له بالإيمان وإنما يزيد به الإيمان وينقص وهذه طوائف الإرجاء, وهي على مراتب, وسبب الخلل في ذلك هو أصل الخلل في معنى الإيمان, ولهذا تجد عبارات العلماء في تعريف الإيمان, يقولون: الإيمان هو: قول وعمل واعتقاد, لا يقولون أركان ولا يقولون واجبات ولا يقولون شروط، هذه التفصيلات والتجزئات وجعل الإيمان أركاناً وشروطاً إنما جاءت بعد ذلك, وصدر عن بعض العلماء بحسن قصد, فتولد عند بعضهم وعند من تلقى عنهم شيء من المعاني غير الصحيحة لمعنى الإيمان ومعنى الكفر.
توحيد الله بالعبادة
قوله: (ولا شبيه له ولا نظير له)، أي: أن الله إله واحد لا إله غيره؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا معبود بحق إلا هو, فهو الرب جل وعلا, الخالق الرازق المحي والمميت, فإذا كان فرداً في ذلك فيجب أن يكون فرداً سبحانه وتعالى في ألوهيته وفي صرف العبادة له، قال تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18]، قيل المراد بالمساجد الأعضاء السبعة، فهي لله, هو الذي خلقها وهو الذي يأمر الإنسان أن توضع, فإذا كان هو ربها سبحانه وتعالى فوجب ألا توضع إلا لله, وقيل المراد بذلك المساجد التي تبنى لأداء العبادة، (( فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ))، يعني: لا تشركوا مع الله عز وجل غيره، وأعظم ما يعصى الله عز وجل به الشرك, ولهذا يقول الله جل وعلا على لسان العبد الصالح في قوله لابنه: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، وفي قول الله جل وعلا: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، والظلم هنا المراد به الشرك؛ كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: (لا إله غيره), يعني: لا معبود بحق إلا الله، قال بتفسير ذلك في هذا المعنى غير واحد من العلماء كـابن جرير الطبري رحمه الله في كتابه التفسير قال: ولا شبيه له ولا نظير له ولا ولد له ولا والد ولا صاحبة له ولا شريك له، ولأن الله عز وجل يقول في كتابه العظيم: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1-4]، فالله سبحانه وتعالى ليس محتاجاً إلى أحد, وهذه السورة تسمى بنسب الرحمن؛ لأن ( كفار قريش قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربك, فأنزل الله عز وجل عليه هذه السورة ), أي: أن الله سبحانه وتعالى لا ينتسب إليه أحد من ولد ولا ينتسب إلى أحد من أب أو أم تعالى الله عز وجل عن ذلك, فالله عز وجل هو الأول فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء, فلا شبيه له كذلك ولا نظير وند له سبحانه وتعالى، ولا صاحبة له ولا شريك.
 التفاوت في الإرجاء ومبلغ الغلو فيه
ومسائل الإرجاء يتفاوت فيها الناس, منهم الغلاة الذين يجعلون الإيمان هو اعتقاد القلب فقط، ومنهم من يجعله المعرفة, أن يعلم أن الله عز وجل هو الخالق فقط, وهؤلاء الغلاة من الجهمية وغيرهم, وهذا غاية الضلال؛ لأنهم يدخلون حتى إبليس؛ لأن إبليس لديه معرفة قلبية وفرعون لديه معرفة قلبية، وكفار قريش لديهم معرفة قلبية؛ لأن الله عز وجل يقول عن فرعون ومن شاكله: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [النمل:14]، ويقول الله جل وعلا عن كفار قريش: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33]، إذاً الجحود موجود لديهم في الظاهر والإيمان استقر في قلوبهم, لكن هذه المعرفة وجدت ولم تنفع، وأبو طالب لديه معرفة قلبية, وهو الذي كان يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم وربما صرح بهذه المعرفة بلسانه، ولم تنفعه أيضاً؛ لأنه لم ينطق بالشهادتين ولم يعمل بمقتضاها، وقد قال في مدح النبي صلى الله عليه وسلم:والله لن يصلوا إليك بجمعهمحتى أوسد في التراب دفينافاصدع بأمرك ما عليك غضاضةوابشر بذاك وقر منه عيوناودعوتني وزعمت أنك صادقولقد صدقت وكنت ثم أميناوعرضت ديناً لا محالة أنهمن خير أديان البرية ديناإذاً لماذا لم ينطق بالشهادتين ولم يعمل؟ لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك يقيناهل نفعت المعرفة القلبية؟ لم تنفعه كذلك, مع أن هذه أبياتاً شائعة في المدح, لهذا لا نثبت الإيمان لشخص يمدح الإسلام ويثني عليه أو يثني على محمد أو على دين محمد حتى يظهر منه القول والعمل؛ لأنه ما امتاز عن غيره, والمسألة ليست مسألة عاطفية, هذا إيمان ودين شرعه الله عز وجل للأمة ويجب عليها أن تمتثل. ومنهم من يقول: -وهم دون أولئك الذين يقولون: إن الإيمان هو اعتقاد القلب وقول اللسان ولو لم يعمل الإنسان- وهم على مراتب:منهم من يقول: إن العمل شرط كمال, ومنهم من يقول: هو شرط صحة, ومن يقول إنه شرط صحة هو أقرب إلى الصواب ممن يقول هو شرط كمال, ومنهم من يقول: إنه لا علاقة له بالإيمان وإنما يزيد به الإيمان وينقص وهذه طوائف الإرجاء, وهي على مراتب, وسبب الخلل في ذلك هو أصل الخلل في معنى الإيمان, ولهذا تجد عبارات العلماء في تعريف الإيمان, يقولون: الإيمان هو: قول وعمل واعتقاد, لا يقولون أركان ولا يقولون واجبات ولا يقولون شروط، هذه التفصيلات والتجزئات وجعل الإيمان أركاناً وشروطاً إنما جاءت بعد ذلك, وصدر عن بعض العلماء بحسن قصد, فتولد عند بعضهم وعند من تلقى عنهم شيء من المعاني غير الصحيحة لمعنى الإيمان ومعنى الكفر.
من صفات الله سبحانه وتعالى
قال المصنف رحمه الله: [ ليس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انقضاء، لا يبلغ كُنْه صفته الواصفون ولا يحيط بأمره المتفكرون, يعتبر المتفكرون بآياته ولا يتفكرون في ماهية ذاته ]. ‏
 استواؤه سبحانه على عرشه
قال المصنف رحمه الله: [ وأنه فوق عرشه المجيد بذاته وهو في كل مكان بعلمه ].الله سبحانه وتعالى فوق عرشه المجيد بذاته, فبهذا يثبت لله عز وجل علو الذات وعلو الصفات, والعلو بأنواعه لله جل وعلا يثبت من غير أن يُشبَّه أو يمثل أو يكيف سبحانه وتعالى, يقول الله جل وعلا: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، ويقول الله جل وعلا: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ [البقرة:29]، لله عز وجل استواء على عرشه واستواء إلى السماء، ثم خلقها الله جل وعلا بعدما خلق الأرض وما فيها سبحانه وتعالى, لهذا نقول: إن علو الله جل وعلا نثبته من غير تكيف ولا تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل، نثبته لله ونقول: هو فوق العرش سبحانه وتعالى بذاته بائن من خلقه, ومعنى بائن من خلقه نفي لعقيدة أهل الحلول, الذين يقولون: إن الله جل وعلا حال في كل مكان, لماذا؟ راموا ابتداءً تنزيهاً، فأرادوا أن ينزهوا الله جل وعلا ببعده عن خلقه؛ لأنهم يرون الإنسان إذا بعُد لا يعلم, فأرادوا أن يجعلوا الله عز وجل حاضراً في كل مكان ثم نظروا في الآي في كلام الله عز وجل فوجدوا مشتبهات تعضد بعض هذه الشبهات التي تقع لديهم، مثل: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4]، فحملوا ذلك على نفي صفة العلو لله سبحانه وتعالى والاستواء, وأولوها بتأويلات عن يمين وشمال, والله سبحانه وتعالى له العلم الكامل في هذا، يعلم ما كان ويعلم ما يكون ويعلم ما سيكون ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون, وهذه المستحيلات أو المتنافيات أو المتناقضات التي تقع في ذهن الإنسان ولا يتخيلها، مثل اندماج الليل مع النهار, والمتناقضات كالماء والنار، الله سبحانه وتعالى قادر أن يخرج هذه من هذه وهذه من هذه, ويعلم الله سبحانه وتعالى آثارها, كل ذلك لله جل وعلا, يعلم الآثار ويعلم الأحوال، وما لم يقدره الله سبحانه وتعالى لو أراده يعلم ما هي آثاره، كل ذلك في علمه سبحانه وتعالى, فهو عالم للغيب والشهادة, ولهذا لا نقول إن استواء الله عز وجل على عرشه كذا وكذا فنكيف أو نمثل, باعتبار أن الإنسان له صفة في جلوسه أو استوائه أو نحو ذلك، ولا نعطل هذه لانقداح بعض المعاني القبيحة التي تكون في أذهان بعض الناس، كما يجري على ذلك المبتدعة فيقولون: إن من أثبت صفة الاستواء لله سبحانه وتعالى يلزم من ذلك أن الله عز وجل محتاج إلى شيء يستوي عليه تعالى الله عز وجل عن ذلك، نحن نثبت ما أخبر الله عز وجل عنه ولا نزيد, ونقول: إن الله عز وجل لا يحتاج إلى شيء ويحتاج إليه كل شيء، ومن يقولون أيضاً - تجاوزون في ذلك, ويقولون: إذا قلنا: إن الله عز وجل يستوي على العرش, هل يلزم من هذا أن العرش أكبر من الله سبحانه وتعالى, فالإنسان إذا كان جالساً على عرشه فإن العرش يكون مساوياً له أو أكبر منه أو أقل منه فكيف يكون مثل هذا الأمر؟ وهذا كله تشبيه طرأ عليهم قياساً على أحوالهم, ولو فهموا قول الله جل وعلا: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، لارتاحوا من كل هذه الأقيسة كلها, ولكن جروا على هذا الأصل فورد عليهم ونشأ كثير من المعاني الفاسدة, ... منهم خرج طوائف فعطلوا هذه الصفات, ومنهم من شبهوا واستمروا على ذلك التشبيه, ولهذا نقول: الله جل وعلا فوق عرشه بذاته وهو في كل مكان بعلمه، كما قال سبحانه: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4]، يعلم الله سبحانه وتعالى أحوال العباد، ويعلم ما في نفوسهم, فلا يستتر الإنسان ببيته أو بظلمة أو بلباس عن الله جل وعلا, وهذا إن رآه الإنسان في المخلوقين فالله عز وجل ليس كذلك, يعلم الله عز وجل الغيب والشهادة, ولهذا ينتج عند كثير من الناس أنواع من الضلال في عدم فهم ذلك أو القياس الفاسد من المعاني الخاطئة، فمنهم من يقول: إن الشريعة تصلح للزمن الأول ولا تصلح للزمن التالي أو لهذا الزمن؛ لأنه يرى أن الإنسان يضع نظاماً اليوم ربما لا يصلح للسنة التي تليها لحدوث نوازل جديدة لم يشاهدها الإنسان, ولكن الله سبحانه وتعالى يعلم حال النبي صلى الله عليه وسلم ويعلم الغيب على حد سواء, لا يزيد علم الشهادة لشهودها, ولا ينقص علم الغيب لغيابه عنه, ولهذا وصف الله عز وجل وسمى نفسه بعالم الغيب والشهادة, وقد حكم وقضى وأمر بالعمل بشرعته جل في علاه لعلمه الكامل سبحانه وتعالى.نتوقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني [1] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net