اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الأحاديث المعلة في باب الصيام [4] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


الأحاديث المعلة في باب الصيام [4] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
مما أعله العلماء من الأحاديث المتعلقة بالصيام حديث النهي عن صوم عرفة بعرفة، فقد ردوه بتفرد مهدي الهجري وهو مجهول، ومنها: النهي عن صوم يوم السبت فقد قال فيه الزهري: إنه حمصي، والمراد أنه لم يشتهر في الحجاز مهبط الوحي وهذا إشارة إلى ضعفه، ومن علامات ضعفه الأحاديث المرغبة في صيام يومي الاثنين والخميس وعاشوراء وصيام داود وغير ذلك فإنها لم تستثن يوم السبت
حديث: (لا يفطر من قاء أو احتجم أو احتلم)
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:فنتكلم على ما تيسر من الأحاديث المعلة في أبواب الصيام فنقول:الحديث الأول: هو ما جاء عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يفطر من قاء أو احتجم أو احتلم ).هذا الحديث رواه الإمام أحمد و أبو داود في كتابه السنن وغيرهم من حديث سفيان الثوري عن زيد بن أسلم ، عن رجل من أصحابه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم به.وهذا الحديث وقع فيه اختلاف واضطراب شديد من وجوه متعددة: أولها من جهة الوقف والرفع، فرواه عن سفيان الثوري جماعة، كـعبد الرحمن بن مهدي ، و أبي عاصم النبيل ، و محمد بن يوسف ، كلهم يروونه عن سفيان الثوري عن زيد بن أسلم به ويجعلونه مرفوعاً، ورواه عبد الرزاق بن همام الصنعاني عن سفيان الثوري وجعله موقوفاً على الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد رواه عبد الرزاق من وجهين: فرواه عن سفيان الثوري و معمر بن راشد الأزدي ، فجعل معمراً متابعاً لـسفيان، ولكن معمراً رفع الحديث وجعل سفيان يقف الحديث على الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.والوجه الآخر من جهة الاضطراب في الإسناد: أن هذا الحديث روي على عدة أوجه من جهة الرفع والإرسال والإسناد، فتارة يجعل من مسند أبي سعيد الخدري ، وتارة يجعل من مسند عبد الله بن عباس ، وتارة يجعل من مسند رجلٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتارة يجعل مرسلاً من حديث عطاء .أما الوجه الأول: وهو ما يجعل مسنداً من حديث أبي سعيد الخدري ، فرواه عبد الرحمن بن مهدي ، و محمد بن يوسف ، وأبو عاصم النبيل ، و سفيان الثوري .الثاني: يجعلونه من مسند رجل لا من مسند أبي سعيد رجل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويرويه عبد الرحمن بن مهدي و أبو عاصم النبيل ، و محمد بن يوسف ، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني كلهم يروونه عن زيد بن أسلم عن رجل من أصحابه عن رجل صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما الخلاف عندهم في الرفع والوقف على ما تقدم الكلام، وتابع سفيان في روايته معمر على هذا الوجه، وجاء من وجه آخر وهو الوجه الثاني من مسند أبي سعيد الخدري هذا جاء من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه الترمذي و ابن خزيمة و البيهقي وغيرهم، وهذا الوجه منكر، وذلك لأن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف الحديث، وقد توبع عليه، ولكن قد وقع في هذه المتابعة اضطراب، وقد أنكر الحفاظ الإسناد إلى أبي سعيد الخدري فأنكره أبو حاتم و أبو زرعة ، و ابن خزيمة ، و الترمذي في كتابه السنن، و ابن عدي في كتابه الكامل، و أبو نعيم في كتابه الحلية، وغيرهم من الأئمة، وذلك من وجوه: أن راوي هذا الحديث هو سفيان الثوري و سفيان الثوري إمام في الحفظ، ولو كان هذا الحديث يثبت لديه عن أحد من الصحابة باسمه ما قال: رجلاً، ولهذا نقول: إن هذا الوجه خطأ ووهم، ولا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بإطلاق، بل لا يثبت أيضاً كونه عن أبي سعيد .الوجه الثالث: جاء من مسند عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى، فقد رواه هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن عروة ، وجعله من مسند عبد الله بن عباس ، وقد وقع فيه اختلاف في هذا الوجه في رواية هشام بن سعد ، فإنه رواه عنه أبو خالد الأحمر واضطرب في روايته عنه، وهذا الوجه وهم وغلط أيضاً.الوجه الرابع: أنه جعل من مرسل عطاء ، فجاء من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر أبا سعيد ولا ابن عباس ، ولا رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا دليل وأمارة على الاضطراب، ومثل هذا المتن يحتاج إليه، ولما لم يضبط مع كونه عن سفيان الثوري دل على عدم ثبوته إلا من هذه الأوجه عنده، وهذه الوجوه مضطربة من جهة الإسناد، ومن جهة المتن، فإن المتن يحتاج إليه فإنه قال: ( لا يفطر من قاء ولا من احتلم ولا من احتجم)، ومثل هذه المعاني لو جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لضبطت من وجوه متعددة.
 

حديث: (ثلاث لا تفطر الصائم: القيء والحجامة والاحتلام)
الحديث الثاني: هو حديث ثوبان عليه رضوان الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ثلاث لا تفطر الصائم: القيء، والحجامة، والاحتلام ).هذا الحديث هو حديث ثوبان أخرجه الطبراني في كتابه الأوسط من حديث يزيد بن موهب ، عن عبد الله بن وهب ، عن يزيد بن عياض ، عن أبي عدي ، عن القاسم بن أبي عبد الرحمن ، عن ثوبان ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.وهذا الحديث منكر ومعلول بعدة علل: أول هذه العلل: هو تفرد يزيد بن موهب به، فإن يزيد بن موهب متأخر، وتفرده عن مشهور كحال عبد الله بن وهب ومع ثقة يزيد ، إلا أنه ليس من المكثرين من الأخذ بالرواية، وأيضاً ليس من أهل الاختصاص بالرواية عن عبد الله بن وهب ، اختصاصاً يميزه عن غيره إذا انفرد بحديث فإنه يقدم، ثم إن طبقته متأخرة، وهذه علة أخرى، ومثل هذا المعنى ينبغي ألا يتفرد به من حاله كحال يزيد بن موهب ، وكذلك من طبقته كطبقته، فإنه متأخر جداً بمثل هذا المعنى، وأمثال المفاريد التي تفرد بها الرواة في طبقات متأخرة لا تحمل إذا كانت تتضمن معاني جليلة وهامة، وفيصلاً في مسائل الفقه، ومسائل الأحكام كأمثال هذا الحديث، ولما كان ذلك لا يحتمل دل على نكارة أمثال هذه الروايات، وما يقبل هو ما يتغافل عنه الرواة الحفاظ الثقات من فضائل الأعمال وأمثالها، التي إذا مر جيل دل على احتمال تفرد من كان متأخراً لانشغالهم بالحفظ وضبط روايات الأحكام.ولهذا نقول: إن طالب العلم في أبواب التفرد لا بد أن ينظر إلى جهتين: الجهة الأولى: ثقل المتن، يعني من جهة قيمته وقوته، والجهة الثانية: من جهة الراوي المتفرد، والراوي المتفرد له جهات متعددة، من جهة زمنه، وكذلك اختصاصه، وشيخه، وبلده، وعنايته بعلم من العلوم ونحو ذلك، وحفظه وضبطه، وغير ذلك من الخصائص التي ينبغي أن ينظر فيها في أمر الراوي، وإذا نظرنا إلى كثير من الأحكام التي يتفرد فيها بعض المتأخرين نجد أن سبب الإعلال عند العلماء هو تأخر طبقة الراوي، وذلك أن طالب العلم إذا أراد أن يحسب المدد بين هذا الراوي المتأخر وبين تلفظ النبي عليه الصلاة والسلام بالقول يجد أنه كلما بعدت زال احتمال الغرابة والتفرد، فإذا كان بينه وبين تلفظ النبي صلى الله عليه وسلم قرن أو مائة وخمسون سنة، أو نحو ذلك، فإنه كلما تأخر زاد احتمال الرد، وكلما كان مبكراً زاد احتمال القبول، وهذا يتباين مع اجتماع جملة من القرائن في ذلك.ثم إنه مع تفرد يزيد في هذا، فإن ثمة علة أخرى، وهي: أن هذا الحديث يرويه عبد الله بن وهب عن يزيد بن عياض ، وهذا الحديث يكفي رده بتفرد يزيد أيضاً، فـيزيد متروك الحديث ولا يحتج به، قد ضعفه يحيى بن معين ، فقال: ليس هو بشيء، ضعيف الحديث، وتركه غير واحد، بل اتهم بالكذب، وفي هذا الحديث أيضاً من لا يعرف، ولهذا نقول: إن هذا الحديث معلول بعدة علل.كذلك فإن تفرد الطبراني رحمه الله بإخراجه لمثل هذا الحديث من مظان الغرابة والإعلال، و الطبراني في كتبه يورد الغرائب، ولهذا نقول: إن من وجوه الإعلال ومظانها انفراد الطبراني عن غيره، وليس إخراج الطبراني ، فقد يخرج الطبراني حديثاً ويوافقه عليه غيره ممن تقدم، ولكن إذا انفرد الطبراني غالباً عن الكتب الستة فإن ذلك من قرائن الإعلال، وإذا تفرد عن الصحيح أيضاً فهي قرينة لكنها دون السابقة، وفي هذا نقول: إن تفرد الطبراني بإخراجه لهذا الحديث عن ثوبان وعدم معرفته في المصنفات المتقدمة من هذا الوجه دليل وأمارة على ضعفه، وقد أخرجه من وجه آخر وهو أيضاً مطروح من حديث عبد الله بن صالح كاتب الليث عن الليث، وهذا الوجه لا يصح، ولهذا نقول: إن حديث ثوبان مردود.
 

حديث النهي عن صيام يوم عرفة بعرفة
الحديث الثالث في هذا: هو حديث أبي هريرة عليه رضوان الله: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة ).هذا الحديث أخرجه أبو داود من حديث حوشب بن عقيل عن مهدي الهجري عن عكرمة عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث معلول بتفرد مهدي عن عكرمة ، و عكرمة من المشهورين بالرواية، وله أصحاب كثر يعتنون بحديثه، وتفرد مهدي بهذا الحديث بهذا الوجه عن عكرمة من وجوه الإعلال، الأمر الثاني: أن مهدياً في ذاته مجهول، وقد جهله غير واحد من الأئمة، ولهذا نقول: إن هذا الحديث لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الوجه.
 

حديث الصماء في النهي عن صوم يوم السبت إلا لفرض
الحديث الرابع في هذا: هو حديث عبد الله بن بسر ، عن أخته الصماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، ولو لم يجد أحدكم إلا لحا عنبة فليمضغه ).هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد و أبو داود و الترمذي ، و النسائي ، و ابن ماجه ، جاء من حديث ثور عن خالد بن معدان ، عن عبد الله بن بسر ، عن أخته الصماء ، عن بعض أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة. ‏
 الأخذ بالحديث الضعيف في أبواب النهي
أما هل نأخذ به؟ فذكرنا مراراً في مجالس أن الحديث إذا كان ضعيفاً ولكن في أبواب النهي فإنه يؤخذ به على سبيل الاحتياط إذا كان مثله مما يحتمل أو يقارب القبول، لا في الأحاديث المنكرة الواهية، والإمام أحمد رحمه الله يأخذ بالحديث الضعيف في أبواب الاحتياط في النهي، ككراهة التنزيه ونحو ذلك، الذي لا تتضمن فعلاً وإنما تتضمن تروكاً؛ لأن النهي يتضمن تركاً لا يتضمن مبادرة وفعلاً؛ لأن التعبد يظهر في الفعل، ولهذا يأخذ في أمور الكراهة؛ لأنها في أبواب الاحتياط، ولكن نقول هذا في مسائل الأحاديث محتملة القبول بخلاف مثل هذا الحديث الذي يعد مطروحاً.
حديث: (كان رسول الله يصوم ثلاثة أيام من كل شهر والإثنين والخميس وتسعة أيام من ذي الحجة)
الحديث الخامس في هذا: هو حديث هنيدة بن خالد عن امرأته، عن بعض أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، والاثنين والخميس، وتسعة أيام من ذي الحجة ).هذا الحديث جاء من حديث أبي عوانة عن الحر بن الصباح عن هنيدة به، وهو مضطرب، أخرجه الإمام أحمد ، وأخرجه أبو داود ، و النسائي ، وغيرهم، ووقع فيه الاضطراب من وجوه متعددة، من هذه الوجوه: أنه يروى من حديث الحر بن الصباح عن هنيدة عن امرأته عن بعض أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، وتارة عن امرأته عن أم سلمة ، وتارة عن امرأته عن حفصة . ووقع اضطراب في المتن أيضاً، فتارة يقال: ثلاثة أيام، وتارة يقال: الاثنين والخميس، وتارة يقال: أول اثنين وخميس، وتارة يقال: الاثنين وخميسين، وتارة: أول اثنين وخميسين، وفي بعض الوجوه يذكر التسع من ذي الحجة، وفي بعضها لا يذكر، وهذا اضطراب في السند والمتن، وقد حكم عليه النسائي رحمه الله بالاضطراب، وهذا الحديث معارضٌ لما ثبت في الصحيح من حديث عائشة أنها قالت: ( ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً في العشر قط )، يعني: عشر ذي الحجة، ولهذا نقول: إن هذا الحديث منكر من جهة المتن، ومضطرب من جهة الإسناد، وهذا الاضطراب كما هو ظاهر في تعدد الوجوه ممن لا يحتمل منه التعدد، كذلك فإن هذا المتن على الاضطراب الذي وقع فيه فإنه تارة يذكر تسعاً من ذي الحجة وتارة لا يذكرها، وتسعاً من ذي الحجة لا بد أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام عند عائشة أو قريباً منها، فلا بد أن يدور عليها اليوم، ولما نفت الصوم في مثل هذه المدة الطويلة فنفيها ينبغي أن يؤخذ ولا يقال: إن من علم حجة على من لم يعلم، وذلك أنه لو كان الصيام على يوم، أو فعله النبي عليه الصلاة والسلام أو قولاً على سبيل الاعتراض لاحتمل ذلك، وعشر من ذي الحجة هي فاضلة يترقب فعل النبي عليه الصلاة والسلام فيها، ولما لم ينقل بل نفي دل على عدم صحته وثبوته.
 الأخذ بالحديث الضعيف في أبواب النهي
أما هل نأخذ به؟ فذكرنا مراراً في مجالس أن الحديث إذا كان ضعيفاً ولكن في أبواب النهي فإنه يؤخذ به على سبيل الاحتياط إذا كان مثله مما يحتمل أو يقارب القبول، لا في الأحاديث المنكرة الواهية، والإمام أحمد رحمه الله يأخذ بالحديث الضعيف في أبواب الاحتياط في النهي، ككراهة التنزيه ونحو ذلك، الذي لا تتضمن فعلاً وإنما تتضمن تروكاً؛ لأن النهي يتضمن تركاً لا يتضمن مبادرة وفعلاً؛ لأن التعبد يظهر في الفعل، ولهذا يأخذ في أمور الكراهة؛ لأنها في أبواب الاحتياط، ولكن نقول هذا في مسائل الأحاديث محتملة القبول بخلاف مثل هذا الحديث الذي يعد مطروحاً.
حديث: (وأمره أن يصوم يوماً مكانه) في الذي واقع أهله في نهار رمضان
الحديث السادس: هو حديث أبي هريرة ( أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! وقعت على امرأتي في نهار رمضان، هلكت، وأهلكت، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: أتجد ما تعتق به رقبة؟ فقال: لا أجد والله يا رسول الله! فقال: أتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: والله لا أستطيع، قال: أتجد ما تطعم به ستين مسكيناً، قال: والله لا أجد فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم عتقاً فقال: تصدق به ) ، الخبر، وفيه قال: ( وأمره أن يصوم يوماً مكانه ).هذه الزيادة بهذا اللفظ: ( وأمره أن يصوم يوماً مكانه )، أخرجها أبو داود في كتابه السنن من حديث هشام بن سعد عن ابن شهاب الزهري ، عن حميد ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الرواية تفرد بها هشام بن سعد ، و هشام بن سعد ممن يضعف، وليس هو بذاك الثبت في روايته عن الزهري ، وخالفه في ذلك أخص أصحاب ابن شهاب الزهري ، كـمالك بن أنس ، و شعبة بن الحجاج ، و معمر بن راشد الأزدي ، فرووا هذا الحديث عن ابن شهاب ولم يذكر فيه أمره أن يصوم يوماً مكانه، ولهذا نقول: إن هذه الزيادة زيادة منكرة، وقد تابعه على ذلك صالح بن أبي الأخضر عن الزهري ، وهو ضعيف، ولا تحتمل منه متابعة، وكذلك فإن ابن شهاب من المكثرين ولا يمكن أن يخص أمثال هشام بأمثال هذا الحكم وليس عند غيره من الكبار، إلا أن هشاماً أدرج في هذا الخبر حكماً غلب على ظنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، أو ربما فهمه من السياق فأورده فيه، ولهذا نقول: إن هذه الزيادة منكرة، ومسألة قضاء المجامع تكلمنا عليها مراراً، وقال غير واحد من العلماء بإنكار هذه اللفظة كـالبخاري ، و أبي حاتم ، وغيره، ويكفي في إعلالها أن البخاري و مسلماً قد أخرجا هذا الخبر من حديث ابن شهاب الزهري ولم يذكرا هذه الزيادة، وهذا من أمارات النكارة، فـالبخاري و مسلم إذا أخرجا حديثاً وفيه زيادة في الباب تفيد حكماً يتعلق بالباب ولم يذكراها فإن هذا كالنص بإعلالها وعدم قبولها، وهذه الزيادة لها أثر كبير، قد أورد هذا الحديث في بابه ولكن ما ذكر هذه الزيادة، فدل على عدم الاعتبار بها، ولهذا ينبغي أن يتوقى في الألفاظ التي تفيد أحكاماً ظاهرة، وأخرج البخاري و مسلم أصل الحديث، ولم يذكرا هذه الزيادة، لهذا نقول: إن هذه الزيادة زيادة منكرة.
 الأخذ بالحديث الضعيف في أبواب النهي
أما هل نأخذ به؟ فذكرنا مراراً في مجالس أن الحديث إذا كان ضعيفاً ولكن في أبواب النهي فإنه يؤخذ به على سبيل الاحتياط إذا كان مثله مما يحتمل أو يقارب القبول، لا في الأحاديث المنكرة الواهية، والإمام أحمد رحمه الله يأخذ بالحديث الضعيف في أبواب الاحتياط في النهي، ككراهة التنزيه ونحو ذلك، الذي لا تتضمن فعلاً وإنما تتضمن تروكاً؛ لأن النهي يتضمن تركاً لا يتضمن مبادرة وفعلاً؛ لأن التعبد يظهر في الفعل، ولهذا يأخذ في أمور الكراهة؛ لأنها في أبواب الاحتياط، ولكن نقول هذا في مسائل الأحاديث محتملة القبول بخلاف مثل هذا الحديث الذي يعد مطروحاً.
حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم اكتحل وهو صائم)
الحديث السابع: هو حديث أبي رافع : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام اكتحل وهو صائم ).هذا الحديث رواه محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو حديث منكر، تفرد به محمد بن عبيد الله وهو منكر الحديث كما قال ذلك أبو حاتم ، وأنكر عليه هذا الحديث البخاري و أبو حاتم ، ولا يثبت في هذا الخبر شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال ذلك الترمذي رحمه الله، وقد تقدم معنا الإشارة إلى حديث الكحل من حديث عبد الرحمن بن النعمان بن هوذة عن أبيه عن جده في الإثمد، والعلة في ذلك عبد الرحمن بن النعمان وكذلك حديث أبي العنبس عن الأغر ، وهي ضعيفة، ولا يثبت في هذا شيء، وتكلمنا على قول الترمذي رحمه الله: إنه لا يصح في هذا الباب شيء. وقلنا: إن عبد الرحمن بن النعمان ضعيف وأبوه مجهول، وأما المتن فأعللناه بكيف يؤمر بالكحل عند النوم، وهذا مما يحتاج إليه ثم يقول: ( ليتقه الصائم )، وكل النساء يكتحلن، فكيف يأتي عبد الرحمن بن النعمان بن هوذة عن أبيه عن جده بمثل هذا وأعللناه ببعض الأحاديث في الباب، فكلمة: ( ليتقه الصائم )، من المنهيات في الصيام ويحتاجه عموم النساء، وكثير من الرجال، فينبغي أن يشتهر هذا الأمر، وقد أعللناه بحديث المبالغة في المضمضة والاستنشاق، قال: ( إلا أن تكون صائماً )، لهذا نقول: إن هذا الحديث هو حديث منكر، وهذا الحديث الذي تكلمنا عليه وهو حديث محمد بن عبيد الله بن أبي رافع وتفرده في ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتحل وهو صائم، نقول: ( إنه لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه اكتحل وهو صائم ) ، ولم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه رخص بالكحل للصائم، ولا يثبت في هذا الباب شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هي من أقوال التابعين، ومن أقوال السلف، سواءً جاء في ذلك عن بعض الصحابة، وجاء في ذلك كثيراً عن جماعة من التابعين، وهي من مسائل الخلاف من جهة اتقائها، وعدم اتقائها.نكتفي بهذا القدر.وصلى الله على نبينا محمد.
 الأخذ بالحديث الضعيف في أبواب النهي
أما هل نأخذ به؟ فذكرنا مراراً في مجالس أن الحديث إذا كان ضعيفاً ولكن في أبواب النهي فإنه يؤخذ به على سبيل الاحتياط إذا كان مثله مما يحتمل أو يقارب القبول، لا في الأحاديث المنكرة الواهية، والإمام أحمد رحمه الله يأخذ بالحديث الضعيف في أبواب الاحتياط في النهي، ككراهة التنزيه ونحو ذلك، الذي لا تتضمن فعلاً وإنما تتضمن تروكاً؛ لأن النهي يتضمن تركاً لا يتضمن مبادرة وفعلاً؛ لأن التعبد يظهر في الفعل، ولهذا يأخذ في أمور الكراهة؛ لأنها في أبواب الاحتياط، ولكن نقول هذا في مسائل الأحاديث محتملة القبول بخلاف مثل هذا الحديث الذي يعد مطروحاً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الأحاديث المعلة في باب الصيام [4] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net