اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فضل الآيات والسور [1] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


فضل الآيات والسور [1] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
فضائل القرآن على العموم أكثر من أن تحصى، لكن وردت فضائل لبعض سوره وآياته على سبيل الخصوص، والمقصود بالفضائل: زيادة الأجر المترتب على قراءة هذه السورة أو الآية على غيرها، والفضائل مصدرها كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فينبغي لطالب العلم أن يميز بين الآثار الواردة فيها من حيث الصحة والضعف.
فضل القرآن وأثره على حامله
الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونسأله جل وعلا أن يلهمنا رشدنا, وأن يجعلنا ممن يهتدي بهدي نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ونشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:فإن الله جل وعلا قد أنعم على هذه الأمة بنعم جليلة كثيرة، وأجل هذه النعم أن خصها الله سبحانه وتعالى بهذا الدين العظيم، وأرسل إليها نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم, وأنزل الله جل وعلا عليه كتابه العظيم تبياناً لكل شيء، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت:42] حفظه الله جل وعلا من الدخيل فيه من أيدي العابثين, من أن ينالوه بشيء من السوء والعبث، ولم يكن هذا لشيء من الكتب غير كتاب الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم.وقد خص الله جل وعلا كتابه العظيم بجملة من الخصائص لم تكن لبقية الكتب المنزلة على سائر الأنبياء والمرسلين، وذلك فضل خص الله جل وعلا به هذه الأمة، فينبغي أن يولى هذا الكتاب العناية التامة، وأن يحُرص عليه الحرص الجليل.ولو جئنا إلى ما ورد من الآيات والأحاديث والآثار في فضل القرآن فسنجد أنه أكثر من أن يحصى لوفرته وجلالة قدره والاتفاق على أصله عند سائر أهل الإسلام، وليس هو ما نريد الخوض فيه، وإنما نريد الخوض هنا في جملة من المسائل المهمة والقواعد التي ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها مما يتعلق بفضائل القرآن، نتكلم فيها على وجه التأصيل، ثم نورد ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان فضل آي القرآن وسوره.وأما الكلام على فضل القرآن وسور القرآن على سبيل العموم, فإن هذا مما يطول ذكره, وإن كان هو أصل لهذا الذي نتكلم عنه، وهذا فرع لذلك الأصل، وذلك أنه ما جاء في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان فضل آي القرآن وسوره، على سبيل العموم هو منزل على سائر الآي وأفراده، وما جاء في آي القرآن وأفراده على سبيل التخصيص من بيان فضل ومثوبة خاصة فإنها لا تكون لغير هذا الموضع، وهي خصيصة خصه الله جل وعلا بها.والله سبحانه وتعالى بين فضل كتابه العظيم، وجعله نعمةً ورحمةً لهذه الأمة، كما في قوله جل وعلا: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس:58] ، وقد جاء تفسير ذلك عن غير واحد من الصحابة والتابعين وغيرهم أنه القرآن والإسلام.ويكفي في ذلك أن الله جل وعلا قد جعل لحامل القرآن من الترقي في المنازل ما لا يتوقف عند حد حتى ينتهي إلى آخر ما ضبطه في الدنيا من آي القرآن كما جاء ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قارئ القرآن لا تمسه النار، كما روى الإمام أحمد ذلك من حديث عبد الله بن لهيعة عن مشرح عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ما جعل القرآن في إهاب فتمسه النار ) . وجاء أيضاً من حديث عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.والمراد به: القرآن في جوف الإنسان, وكأن جوف الإنسان إهاب من الجلد, روي تفسير ذلك عن غير واحد من المفسرين من السلف فقد روى أبو الفضل الرازي عليه رحمة الله عن يزيد أن الأصمعي سئل عن قوله: (في إهاب) فقال: في صدر الإنسان. وذلك أن القرآن يُحفظ كما هو معلوم، وجاء تأويل ذلك عن الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى من طريق غير واحد من أصحابه، ذكره البغوي في تفسيره وغيره.وهذا محل اتفاق عند العلماء من جهة المعنى على خلاف عندهم في صحة هذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن العلماء يتفقون على أن حافظ القرآن من أبعد الناس عن عذاب النار، وأن الله لو وضعه فيها -إذا لم يكن من أهل النفاق- فإنه جل وعلا يجعلها لا تؤذيه، وهذه خصيصة ليست لأحد إلا لحملة القرآن. وفي هذا الخبر ضعف وقد روي من غير وجه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن أعله غير واحد من العلماء.
 

قواعد تتعلق بالكلام على فضائل الآي والسور
إذا أردنا أن نتكلم على فضائل الآي والسور ينبغي أن نتكلم على جملة من المسائل, وأن نصدر ذلك بجملة من القواعد المهمة التي ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها في هذا الباب. ‏
 أهمية معرفة الأخبار الواردة في أبواب الفضائل
ومن القواعد والأصول المهمة: أن يتفقه طالب العلم فيما يتعلق بمسائل رواية الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبواب الفضائل، والثواب والعقاب، وما يتعلق بأبواب تفسير القرآن والسير والمغازي، فهل تروى الأحاديث ويعمل بها إذا كان فيها ضعف, والضعف يسير في هذه الأبواب؟أولاً: لا بد من تحرير محل النزاع في هذه المسألة, يقال: إنه قد اتفق العلماء على أنه لا يروى حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيف في أبواب الأحكام على سبيل الاحتجاج به، ويكون هذا الحديث ضعفه شديداً، أو ضعيفاً وهو أصل في بابه، ولا يعتمد على أصل آخر من الأصول العامة كمسائل الإجماع أو القياس أو عمل الصحابة وغيرها من القرائن التي تعضد بعض الأحاديث التي يطلق عليها الضعف.فإن الحديث إذا كان ضعيفاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يحتج به في الأحكام وهذا محل اتفاق عند العلماء ولا خلاف بينهم في ذلك إلا ما جاء في كلام بعض الفقهاء المتأخرين من أهل الرأي، فإن هذا القول لا يعتد به وهو قول شاذ.وأما الحديث الضعيف يسير الضعف في فضائل الأعمال فإن جماهير العلماء وهو قول عامة النقاد أنه يحدث بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال إذا لم يكن الحديث شديد الضعف، بمعنى: أنه لم يكن فيه كذاباً، ولم يكن فيه متهماً، ولم يكن فيه مجهول العين، وكان المعنى مستقيماً.وهذا الذي ذهب إليه عامة العلماء هو مروي عن سفيان الثوري و عبد الرحمن بن مهدي ، ومروي عن عبد الله بن المبارك ، والإمام أحمد ، و يحيى بن سعيد القطان ، وكذلك يحيى بن معين وغيرهم من الأئمة، والمنقول عن الأئمة عليهم رحمة الله تعالى في ذلك كثير، فقد جاء عن الإمام أحمد عليه رحمة الله أنه قال: إذا جاء الحلال والحرام تشددنا بالأسانيد، وإذا جاء الثواب والعقاب تساهلنا بالأسانيد.وروي هذا عن عبد الرحمن بن مهدي كما رواه الحاكم و الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية، وجاء هذا أيضاً عن سفيان الثوري فإنه قال: لا تأخذوا في الحلال والحرام إلا عن الرءوس الثقات المعروفين، وأما ما كان من غير ذلك فلا بأس بالشيوخ، يعني: أن تأخذوا فيمن دونهم إذا كان ذلك في أبواب الثواب والعقاب.وأما ما جاء عن بعض العلماء من التشديد في ذلك وما نسب لـيحيى بن معين كما نسبه ابن سيد الناس عليه رحمة الله، ففي هذه النسبة نظر، وذلك أن الأئمة عليهم رحمة الله في الرواية في أبواب فضائل الأعمال المروي عنهم في ذلك على أنواع، إما بالنص كما جاء عن عبد الرحمن بن مهدي و يحيى بن سعيد و سفيان الثوري والإمام أحمد وغيرهم من الأئمة. وإما ما جاء بدلالة السياق, وذلك أنهم إذا تكلموا على بعض الرواة الذين فيهم ضعف فإنهم يقولون: لا بأس بالرواية عنه في فضائل الأعمال, أو بالرواية في الرقاق.كما جاء عن يحيى بن معين أنه سئل عن في زياد البكائي فقال: لا بأس بالرواية عنه في المغازي، وكذلك عن موسى بن عبيدة أنه قال: لا بأس بالرواية عنه في الرقاق، يعني: فضائل الأعمال، وجاء هذا عن الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى في كلامه عن ابن إسحاق هل يكتب حديثه في المغازي؟والمراد من هذا: أن الأئمة عليهم رحمة الله تعالى حينما يتكلمون في الرواية عن بعض الرواة الذين فيهم ضعف يفرقون بين أبواب الحلال والحرام وبين فضائل الأعمال، ومعرفة فضائل الأعمال من المسائل المهمة, ففضائل الأعمال التي يقصدها العلماء بذلك أن يثبت أصلها بخبر مستقل من وجه صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والفضل جاء فيه على سبيل الاستقلال.وبعض العلماء والعامة يظنون أن فضائل الأعمال هي العبادات التي دل أصلها على وجه العموم, ولو كان ذلك من غير تقييد زمان أو مكان دل أصلها في الشريعة في خبر صحيح، فإذا دل ثوابها ولو اقترن الثواب بزمان ومكان فإن هذا من أبواب فضائل الأعمال، وهذا فيه نظر، بل إن فضائل الأعمال التي يريدها العلماء في جواز التحديث في فضائل الأعمال عن بعض الضعفاء؛ يريدون بذلك أن الراوي إذا كان خفيف الضعف والضبط, وروى حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير تقييد بزمان أو مكان، فالتقييد بالزمان والمكان هو نوع من أنواع العبادة.مثال ذلك: إذا قلنا: إن صلاة ركعتين جاء فضلها في الشريعة في أحاديث كثيرة من الصلاة من الليل والنهار من غير تقييد، أما التقييد فجاء في عبادات مخصوصة، فإذا جاء حديث ضعيف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتقييد ركعتين في باب من الأبواب وفي مكان من الأمكنة وزمان من الأزمنة ولم يدل هذا الزمان والمكان إلا في هذا الحديث، فيقال: إن هذا الحديث ليس من فضائل الأعمال، وإنما فضائل الأعمال أن يكون الحديث ثبت بزمانه ومكانه, أو إطلاقه في حديث مستقل, وليس في هذا الحديث زيادة إلا الأجر لبيان الثواب, فحينئذ يقال: لا حرج على الإنسان أن يحدث به.وبه نعلم أن التحديث بالرواية عن الضعفاء في فضائل الآي وسور القرآن من غير تقييد بزمان ومكان أن هذا جائز إذا كان الحديث يسير الضعف وليس شديد الضعف.وأما إذا كان فضائل الآي والسور مقيدة بزمان ومكان فإن هذا ليس من فضائل الأعمال, بل إنه من أحاديث الأحكام يشدد فيه باعتبار التقييد، ومسائل التقييد عبادة، وذلك أن الفضل إذا لم يقيد بزمان أو مكان نقول: إن أصله ثبت, وهذا الحديث دل على الأجر فقط، لم يقيده بزمان ولا مكان فينبغي أن يعرف هذا بقيده. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فضل الآيات والسور [1] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net