اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الذريعة بين السد والفتح [1] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


الذريعة بين السد والفتح [1] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
قاعدة سد الذرائع من القواعد المهمة التي ينبغي للعالم العناية بها, وقد أجمع العلماء على العمل بها, وعمل بها الصحابة وغيرهم من فقهاء الإسلام كالأئمة الأربعة وغيرهم, ولم يخالف في ذلك إلا أهل الظاهر, لكن مخالفتهم شاذة؛ فإن الأدلة من نصوص الكتاب والسنة قد تواردت على العمل بها, ومن ذلك: النهي عن سب آلهة المشركين؛ لئلا يسب الله, وتوقف النبي عليه السلام عن قتل المنافقين؛ لئلا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه, وغير ذلك من الأدلة الكثيرة الدالة على هذه القاعدة.
ممهدات مهمة بين يدي المحاضرة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك, وله الحمد, وهو على كل شيء قدير، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:أولاً: لقد ذكر أخونا المقدم بعض التنبيهات على جملة من متعلقات هذه المحاضرات، وأنها محاضرات شهرية, وستكون على الأغلب في أول ثلاثاء من كل شهر بإذن الله تعالى.ثانياً: بالنسبة لما ذكر فيما طبع على الإعلان من وصف المتحدث بأوصاف مبالغة, لا ينبغي لشخص يقدر العلم أن يدونها، وأشكر للمتحدث والطابع إحسان الظن، ولي مع ذلك العتب؛ صوناً للشريعة، وحفظاً للسنة، وتوقيراً للعلم، ووضعاً للأمور في ميزانها.ثالثاً: لا أنسى الشكر للقائمين على اللجنة العلمية في المبادرة باختيار أمثال هذه العناوين، والحث عليها، وقد بقي أخونا الشيخ بلال ملازماً لفترة حول هذه المحاضرات، وأشكر له صبره، وأشكر له أيضاً إعانته للنفس؛ أن دفعني إليها, وأنا أرى في ذلك المصلحة الراجحة في المبادرة فيها، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله. ‏
 سعي الأعداء إلى جعل الخلاف الشاذ في مصاف الخلاف المعتبر
والمرحلة التي يخطط لها أعداء الله عز وجل في هذا الوقت هي انتزاع نصوص الخلاف في كلام العلماء, وضرب النصوص الشرعية التي جاءت بكلام الله عز وجل، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا استنزفت مسائل الخلاف وجعلت الأقوال الشاذة في مصاف الخلاف المتحقق المقرر مما يقبل قوله، وهذا مشاهد في كثير من المسائل التي يعد فيها الخلاف هو من الخلاف النازل الذي لا يعتد به، فتصعد هذه الأقوال, وتظهر للناس؛ حتى يكون هذا من جملة الخلاف المعتبر بإظهاره للناس، ولكن العلماء الحق الذين يستضيئون ويستنيرون بكلام الله عز وجل، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفون الحق من الباطل, حتى وإن كثر المنادون بالباطل في مصافة الحق.ولهذا لا يغتر الناس بعمل المجتمعات, ولا يغتر العلماء وطلاب الدليل بما يؤطر عليه الناس من أقوال فقهية، ولهذا أخرج الخطيب البغدادي من حديث عبد الله الجعفري عن عبد الله بن الحسن وكان جليساً لـربيعة، وكان يتحدث معه في عمل الناس، فقالوا بمسألة فقال بها عبد الله بن الحسن، فقال رجل عنده: إن هذا ليس عليه عمل الناس، فقال عبد الله بن الحسن: أرأيت لو كان على الأمة حكام فأجبروا الناس على العمل بالجهل, هل يقال: إن هذا ليس عليه عمل الناس إذا أفتي بخلاف ذلك؟ فقال ربيعة: إن هذا لكلام أبناء الأنبياء. ومراده بذلك: ورثة الأنبياء، فإن ( الأنبياء ورثوا العلم, فمن أخذ به أخذ بحظٍ وافر )، وأولى من يرث الرجل هم أولاده من البنين والبنات.ولهذا شريعة الله عز وجل لا تخضع لعمل الناس ولا لسوادهم، وهذا كما تقدم الإشارة إليه في كلام عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى في أناس عملوا بغير السنة، فإذا عمل بالسنة قيل: تركت السنة، وجعل ذلك في زمن يكثر فيه القراء، ويقل فيه الفقهاء، ويقل فيه الأمناء، ويكثر فيه الأمراء، وهذا مشاهد ملموس في الأعصار المتأخرة من تشتت دول الإسلام إلى دويلات متعددة، وكذلك كثرة المذاهب, وترأس كثير من الرويبضات الذين نطقوا بأحكام الله عز وجل، والنصوص الظاهرة البينة على أنها تحتمل احتمالات متعددة، وجردوا ذلك عن فهم السلف الصالح من الصحابة والتابعين.هذه المقدمة يحتاج إليها في هذه المحاضرة، وما يأتي بعدها بإذن الله عز وجل من محاضرات قادمة.
مقدمة في الحديث عن سد الذرائع
عنوان هذه المحاضرة كما هو معلوم: (الذريعة بين الفتح والسد). ‏
 وجه سد بعض الناس العمل بقاعدة سد الذريعة
لما انتشر القلم في الناس، وكثر المتحدثون في كلام الله عز وجل بغير علم، وكثر القراء والكتبة الذين لا يعتنون بنصوص الشريعة من كلام الله عز وجل، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، استهوى كثير من الناس الحمية للدين بسد الذريعة التي قد أذن الشارع بفتحها في بعض الأحوال، وحمل بعض الناس عدم الاعتبار بسد الذريعة هروباً من بعض المصطلحات التي يطلقها كثير من المتأخرين أو جملة من المنافقين؛ سواءً بالوصم بالتشدد أو الغلو ونحو ذلك، لكن كل ذلك ينبغي للعالم ألا يصرفه عن الأخذ بالأدلة من الكتاب والسنة، وإعمال القاعدة وفق ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أمثلة على العمل بقاعدة سد الذرائع في النصوص الشرعية
فنحن حين ننظر إلى الأحكام التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إعمال المصالح والأخذ بها، نجد أن النبي عليه الصلاة والسلام قد أخذ بكثير من الأحكام الشرعية إعمالاً للغايات, وسداً للذرائع. ‏
 أمر الله سبحانه وتعالى لمن آمن من المؤمنين بمكة أن يهاجروا إلى المدينة
ومن الأدلة على هذا: ما جاء من أمر الله سبحانه وتعالى لمن آمن من المؤمنين بمكة أن يهاجروا إلى المدينة, وكانوا قد كتموا إيمانهم؛ وذلك لأن ذلك يفضي إلى أخذ المشركين لهم في أنديتهم، وتكثير سوادهم، وأن ذلك يفضي إلى أخذهم في معاركهم حتى يقاتلوا معهم، وقد جاء تفسير ذلك عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى, كما رواه ابن جرير الطبري من حديث عكرمة عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى، وجاء أيضاً من حديث سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى قال: (قاتل فئام ممن يكتم إسلامه من المؤمنين بمكة مع المشركين إذ أخذوهم فقتلوا في صفوفهم، فقيل لهم: استغفروا لهم، فأنزل الله سبحانه وتعالى قوله جل وعلا: قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ [النساء:97] ). فبيّن الله سبحانه وتعالى حجتهم في ابتداء الأمر، ثم بيّن عدم العذر وظهور هذه المفسدة: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا[النساء:97]، لما كانت هذه المفسدة ظاهرة، وهو أن المشركين قد يأخذونهم للقتال معهم، وإن لم يقاتلوا فهم يكثرون سوادهم في أنديتهم, فحرم الله عز وجل بقاءهم في مكة؛ مع أن هذا لا ينقص من إيمانهم بالظاهر فإنهم يؤدون الصلاة، لهذا ما علق الشارع الحكيم أمر ذلك بظواهر العبادات، وإنما درأ مفسدة أعظم من ذلك؛ وهي أن هذا يدل على تكثير سواد المشركين، وأنهم يقتلون عند ورود المقاتلة من المسلمين للمشركين.
النهي عن منع فضل الماء ليمنع به الكلأ
والنصوص في كلام الله عز وجل، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه القاعدة كثيرة؛ من ذلك: ما جاء في الصحيح من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم منع من حبس فضل الماء ليمنع به الكلأ )، فمنع النبي عليه الصلاة والسلام من منع فضل المياه، وكان الرعاة في الزمن الأول -وما زال هذا عند أهل البوادي- إذا نزلوا عند ماءٍ منعوا من يأتي من أصحاب المواشي عن فضل هذا الماء؛ مع أن الماء كثير لكن قصدهم من ذلك: الكلأ الذي في هذه البلدة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا تمنعوا فضل الماء؛ ليمنع به الكلأ )، وذلك أن البهائم إذا أكلت من الكلأ -وهو العشب- عطشت؛ لأنها بذلت جهداً، ثم تحتاج إلى الماء، والعرب إذا وجدت منبتاً ولا يوجد فيه ماء لا تبقى فيه؛ لأن البهائم تحتاج إلى الماء مع الكلأ، فيمنعون الماء ولا يمنعونهم من الكلأ؛ لأن هذا سبيل إلى المنع من الكلأ، فلما كان ذريعة له منعهم النبي عليه الصلاة والسلام من منع الماء، ولهذا يقول العلماء: إن الإنسان إذا جاء على ماءٍ لا يكفيه إلا هو فإنه حق له إذا كان ليس في ذلك كلأ، وإذا كان في ذلك كلأ فإنه لا يجوز للإنسان أن يمنع غيره منه؛ لأن هذا يفضي إلى منع ما أحله الله عز وجل للناس، وهذا من القواعد الظاهرة. ‏
 نهي الزوجة عن نعت المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها
ومن ذلك: ما جاء في الصحيح من حديث أبي وائل عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تنعت المرأة المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها ). فنهي النبي عليه الصلاة والسلام للمرأة أن تصف المرأة عند زوجها كأنه ينظر إليها؛ للمفسدة المترتبة في ذلك، والمفسدة في ذلك: أن يقع في قلب ذلك الرجل حب تلك المرأة، وأن يولع بها, ويزهد في امرأته، وربما يفضي ذلك إلى المفاسد الكبيرة، ولهذا الشريعة قد حرمت كثيراً من الأمور المفضية إلى كثير من المحرمات؛ كتحريم الشارع للمرأة أن تسافر بلا محرم، وأن يخلو الرجل بالمرأة، وكذلك اختلاط الرجال بالنساء، وأن ينظر الرجل إلى المرأة، ولكن أباح الشارع ذلك للحاجة، فأباح الشارع النظر للمخطوبة؛ لأن الحاجة في ذلك ظاهرة، والعلة من ذلك منتفية، وأباح الشارع للمرأة أن تسافر بلا محرم عند الحاجة والضرورة؛ كأن توجد المرأة في فلاة لا أحد معها فتركب مع غيرها ممن تأمن أن يوصلها إلى بلدها؛ كما فعلت عائشة عليها رضوان الله تعالى حينما ركبت مع صفوان عليه رضوان الله تعالى، فإنه لا حامل لها ولا أمان لها إلا بمثل هذه الحال، فيرخص حينئذٍ في أمثال ذلك للحاجة، فيقال: إن ما سد لأجل الذريعة يفتح لأجل ذريعة معلومة.
أقسام الذرائع والمحرمات
ولهذا يقول العلماء: إن الذرائع تنقسم إلى أقسام: ذريعة قد دل الدليل على تحريمها بذاتها، فإنها لا تحل بحال إلا للضرورة، كحال ما حرم لذاته، كالميتة والدم ونحو ذلك مما حرمه الله عز وجل.والعلماء عليهم رحمة الله تعالى يقسمون المحرمات فيما حرمه العلماء ونص على تحريمه إلى قسمين: ما حرم لذاته, وما حرم لكونه ذريعة إلى محرم. فقالوا: ما حرم لذاته لا يباح إلا للضرورة، وأما ما حرم لغيره فدل على أن التحريم ليس لذاته، فيجوز للعالم أن يرخص فيه للحاجة، بخلاف ما حرم لذاته فإنه لا يجوز بحال إلا في حال الضرورات، ومعلوم أن حال الضرورات أعلى من حال الحاجيات، فإن الإنسان إذا احتاج إلى أن يقضي شهوته لا يقال له بالزنا، لكن إذا أراد أن يخطب امرأة رخص له بأن ينظر إليها مع أنه كان محرماً عليه أن ينظر إليها قبل ذلك؛ لأن هذا من باب سد الذرائع فرخص للحاجة، وذاك من المحرم لذاته فإنه لا يحل بحال للإنسان، وهذا هو الفرق بين ما حرم لذاته, وما حرم لأجل سد الذريعة، ولهذا العلماء عليهم رحمة الله يجعلون الذرائع هي ما بين سد وفتح، وأما ما دل عليه الدليل بنص ظاهر، فإن هذا يكون مما له حكم ما هو محرم لذاته، كحال الخمر مما حرمه الله عز وجل؛ لأن هذا يفضي إلى زوال العقل، فلما كان يفضي إلى زوال العقل حرم قليل الخمر، ولهذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما أسكر كثيره, فقليله حرام )، فحرم القليل؛ لأنه يفضي إلى غيره، قد يقال بأن القليل هو من جملة سد الذرائع بالنص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن حتى لا يكون ذلك من جملة ما يستهان به بنصوص الشريعة فيدخل في أبواب ما حرم لذاته، ولكن عند المفتي والعالم قد يرخص به للحاجة؛ كمسألة ما يستعمل في البنج أو التخدير ونحو ذلك, فيرخص في أمثال هذه الأحوال من باب الحاجيات لا من باب الضرورات، فإن الإنسان قد يتحمل على سبيل المثال: أن يجرى له عملية في أصبعه أو في رجله يسيرة من غرز لجرح ونحو ذلك مما يتحمله أكثر الناس، ولكن دفع ذلك الألم اليسير إذا كان من باب الحاجيات يرخص فيه؛ إذا لم يتحقق فيه مفسدة أعظم من ذلك؛ وهي زوال العقل، فإن زوال العقل لا يرخص فيه بحال إلا في حال الضرورة من حفظ نفس للإنسان، وهذا يقدر بقدره، والنصوص في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرة بينة.
 نهي الزوجة عن نعت المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها
ومن ذلك: ما جاء في الصحيح من حديث أبي وائل عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تنعت المرأة المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها ). فنهي النبي عليه الصلاة والسلام للمرأة أن تصف المرأة عند زوجها كأنه ينظر إليها؛ للمفسدة المترتبة في ذلك، والمفسدة في ذلك: أن يقع في قلب ذلك الرجل حب تلك المرأة، وأن يولع بها, ويزهد في امرأته، وربما يفضي ذلك إلى المفاسد الكبيرة، ولهذا الشريعة قد حرمت كثيراً من الأمور المفضية إلى كثير من المحرمات؛ كتحريم الشارع للمرأة أن تسافر بلا محرم، وأن يخلو الرجل بالمرأة، وكذلك اختلاط الرجال بالنساء، وأن ينظر الرجل إلى المرأة، ولكن أباح الشارع ذلك للحاجة، فأباح الشارع النظر للمخطوبة؛ لأن الحاجة في ذلك ظاهرة، والعلة من ذلك منتفية، وأباح الشارع للمرأة أن تسافر بلا محرم عند الحاجة والضرورة؛ كأن توجد المرأة في فلاة لا أحد معها فتركب مع غيرها ممن تأمن أن يوصلها إلى بلدها؛ كما فعلت عائشة عليها رضوان الله تعالى حينما ركبت مع صفوان عليه رضوان الله تعالى، فإنه لا حامل لها ولا أمان لها إلا بمثل هذه الحال، فيرخص حينئذٍ في أمثال ذلك للحاجة، فيقال: إن ما سد لأجل الذريعة يفتح لأجل ذريعة معلومة.
أمثلة من عمل الصحابة بقاعدة سد الذرائع
ومن الأدلة في ذلك عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قاعدة سد الذرائع: ما جاء عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى من قطعه لشجرة بيعة الرضوان، وذلك أنها كانت وسيلة للإشراك مع الله عز وجل غيره، فلما كانت كذلك عمد عليه رضوان الله تعالى إلى إتلافها؛ لأن ذلك يفضي إلى عبادة غير الله عز وجل، فكان ذلك من جملة الأحكام الواجبة, ولهذا حرم الشارع تعليق التمائم والتولة, وكذلك قول الرجل: ما شاء الله وشئت، وقول: لولا الله وفلان؛ لأن هذا يفضي إلى تعظيم ذلك الذي يتعلق به الإنسان كتعظيم الله عز وجل، فيكون حينئذٍ قد وقع في الكفر والشرك، وقد جعلت أمثال هذه من الشرك الأصغر؛ لأنها وسائل إلى الشرك الأكبر، ولما كان الشرك الأكبر هو أعظم المحرمات وأعظم الظلم على الإطلاق؛ كانت وسائله أعظم من سائر الكبائر، هذا من جهة الأصل، ولهذا ابن القيم عليه رحمة الله يقول: إن الشرك الأصغر هو باب بين الكبائر والشرك الأكبر، ولهذا اختلف العلماء في الشرك الأصغر هل يدخل في أبواب الغفران أو لا يدخل فيها؛ بمعنى: هل يدخل تحت التعميم في قول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، أي: يدخل في باب الغفران كسائر الكبائر أم لا؟ على خلاف في هذه المسألة على قولين، ولشيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله تعالى في هذه المسألة قولان: قول في عدم الدخول، وقول بالدخول، والذي يظهر والله أعلم: أن ذلك يدخل في باب الغفران، ومن العلماء من قال: إنه لا يدخل باعتبار العموم، ولكن يقال: إن الشرك إذا ذكر في كلام الله عز وجل فإنه ينصرف إلى الشرك الأكبر إلا لقرينة ظاهرة تصرفه عن ذلك، ولهذا حرم الله عز وجل على من أشرك معه غيره الجنة، إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ[المائدة:72]، فإذا قلنا: إن الشرك الأصغر يدخل في كل لفظٍ شركي ورد في كلام الله عز وجل، فإنه يلزم من ذلك أن نحرم الجنة على من أشرك مع الله عز وجل غيره شركاً أصغر، وهذا لا يمكن أن يتحقق في كثير من المواضع التي حرم الله عز وجل الجنة على من وقع في الشرك أو الكفر.
 نهي الزوجة عن نعت المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها
ومن ذلك: ما جاء في الصحيح من حديث أبي وائل عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تنعت المرأة المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها ). فنهي النبي عليه الصلاة والسلام للمرأة أن تصف المرأة عند زوجها كأنه ينظر إليها؛ للمفسدة المترتبة في ذلك، والمفسدة في ذلك: أن يقع في قلب ذلك الرجل حب تلك المرأة، وأن يولع بها, ويزهد في امرأته، وربما يفضي ذلك إلى المفاسد الكبيرة، ولهذا الشريعة قد حرمت كثيراً من الأمور المفضية إلى كثير من المحرمات؛ كتحريم الشارع للمرأة أن تسافر بلا محرم، وأن يخلو الرجل بالمرأة، وكذلك اختلاط الرجال بالنساء، وأن ينظر الرجل إلى المرأة، ولكن أباح الشارع ذلك للحاجة، فأباح الشارع النظر للمخطوبة؛ لأن الحاجة في ذلك ظاهرة، والعلة من ذلك منتفية، وأباح الشارع للمرأة أن تسافر بلا محرم عند الحاجة والضرورة؛ كأن توجد المرأة في فلاة لا أحد معها فتركب مع غيرها ممن تأمن أن يوصلها إلى بلدها؛ كما فعلت عائشة عليها رضوان الله تعالى حينما ركبت مع صفوان عليه رضوان الله تعالى، فإنه لا حامل لها ولا أمان لها إلا بمثل هذه الحال، فيرخص حينئذٍ في أمثال ذلك للحاجة، فيقال: إن ما سد لأجل الذريعة يفتح لأجل ذريعة معلومة.
العمل بقاعدة: سد الذرائع في العبادات
وهذا كما أنه في الوسائل كذلك أيضاً يكون في العبادات, فقد يترك العالم مسألة ثبت الدليل فيها بالنص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لذريعة يخشى منها، وقد ثبت عن أبي بكر وعمر بن الخطاب -كما عند البيهقي وغيرهما- أنهما ترك الأضحية؛ مخافة أن يظن الناس أنها فريضة، ومعلوم أن صون شريعة الإسلام أن تختلط عند الناس من عدم تمييزها: أن هذه فريضة, وهذه سنة؛ صونها واجب، وأن الشريعة جاءت لحفظ أموال الناس وصونها، فلا يخرج الفقراء أموالهم وهم في حال حاجة لها من قوت ونحو ذلك, فلما كان هذا الأمر بهذه الحال صان الخلفاء الراشدون عليهم رضوان الله تعالى ذلك بترك الأضحية؛ فجعلوا ذلك دون ذلك؛ صوناً لأصل الشريعة.
 نهي الزوجة عن نعت المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها
ومن ذلك: ما جاء في الصحيح من حديث أبي وائل عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تنعت المرأة المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها ). فنهي النبي عليه الصلاة والسلام للمرأة أن تصف المرأة عند زوجها كأنه ينظر إليها؛ للمفسدة المترتبة في ذلك، والمفسدة في ذلك: أن يقع في قلب ذلك الرجل حب تلك المرأة، وأن يولع بها, ويزهد في امرأته، وربما يفضي ذلك إلى المفاسد الكبيرة، ولهذا الشريعة قد حرمت كثيراً من الأمور المفضية إلى كثير من المحرمات؛ كتحريم الشارع للمرأة أن تسافر بلا محرم، وأن يخلو الرجل بالمرأة، وكذلك اختلاط الرجال بالنساء، وأن ينظر الرجل إلى المرأة، ولكن أباح الشارع ذلك للحاجة، فأباح الشارع النظر للمخطوبة؛ لأن الحاجة في ذلك ظاهرة، والعلة من ذلك منتفية، وأباح الشارع للمرأة أن تسافر بلا محرم عند الحاجة والضرورة؛ كأن توجد المرأة في فلاة لا أحد معها فتركب مع غيرها ممن تأمن أن يوصلها إلى بلدها؛ كما فعلت عائشة عليها رضوان الله تعالى حينما ركبت مع صفوان عليه رضوان الله تعالى، فإنه لا حامل لها ولا أمان لها إلا بمثل هذه الحال، فيرخص حينئذٍ في أمثال ذلك للحاجة، فيقال: إن ما سد لأجل الذريعة يفتح لأجل ذريعة معلومة.
النظر إلى مسائل النوازل باعتبار المآلات
وهذا يختلف فيه أنظار كثير من الناس بحسب المآلات، ولهذا يكثر عند كثير من المفتين، أو عند طلاب العلم الاختلاف في كثير من النوازل، والسبب في ذلك أنهم ينظرون إلى متعلقات النوازل بالنصوص، ولا ينظرون إلى متعلقاتها بالمآلات، فتجرد منهم أحد شرطي الاجتهاد؛ وهو معرفة المقاصد، فإذا تجرد من الإنسان معرفة المقاصد لم يكن أهلاً للفتيا، وقد يكون العالم من أهل المعرفة بالمقاصد، ولكنه يجهل مآل نازلة بعينها، ويفتي بها على عجل، ويقع حينئذٍ في الخلاف والاضطراب، ثم إن ذلك لا يمنع العالم من الرجوع إذا علم أن تلك المآل قد زالت، فإذا أفتى عالم من العلماء بسد باب من الأبواب لذريعة توصل إليه من المحرمات؛ فإنه إذا زالت تلك الذريعة ينبغي عليه -ديانة لله عز وجل- أن يفتي بإباحتها إذا زالت تلك الذريعة، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يمنع من زيارة القبور، ثم زالت تلك الذريعة؛ وهي خشية أن تبذل العبادة لغير الله عز وجل -وذلك خطر عظيم- فلما زالت تلك المفسدة وبقيت مصلحة لا تقاوم تلك المفسدة وهي التزهيد بالدنيا، وتذكر الآخرة، وهي مصلحة يمكن تحقيقها في غير ذلك؛ رخص النبي عليه الصلاة والسلام لأجلها؛ لزوال تلك المفسدة، واستقرار التوحيد وظهوره في الناس, وكذلك تحطيم أصنام الشرك في جزيرة العرب مع بقاء ذلك.ولهذا قد يقال: إن العالم قد يفتي بتحريم زيارة الرجال للقبور إذا كان في بلد من البلدان ينتشر في ذلك الإشراك مع الله عز وجل غيره، فإذا وجد ذلك وجب عليه حينئذٍ أن يفتي بذلك؛ لأن هذا الأمر في ظاهر النص متعلق بالذريعة؛ كما هو ظاهر في النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الأمثلة فيه كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك أئمة الإسلام.
 نهي الزوجة عن نعت المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها
ومن ذلك: ما جاء في الصحيح من حديث أبي وائل عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تنعت المرأة المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها ). فنهي النبي عليه الصلاة والسلام للمرأة أن تصف المرأة عند زوجها كأنه ينظر إليها؛ للمفسدة المترتبة في ذلك، والمفسدة في ذلك: أن يقع في قلب ذلك الرجل حب تلك المرأة، وأن يولع بها, ويزهد في امرأته، وربما يفضي ذلك إلى المفاسد الكبيرة، ولهذا الشريعة قد حرمت كثيراً من الأمور المفضية إلى كثير من المحرمات؛ كتحريم الشارع للمرأة أن تسافر بلا محرم، وأن يخلو الرجل بالمرأة، وكذلك اختلاط الرجال بالنساء، وأن ينظر الرجل إلى المرأة، ولكن أباح الشارع ذلك للحاجة، فأباح الشارع النظر للمخطوبة؛ لأن الحاجة في ذلك ظاهرة، والعلة من ذلك منتفية، وأباح الشارع للمرأة أن تسافر بلا محرم عند الحاجة والضرورة؛ كأن توجد المرأة في فلاة لا أحد معها فتركب مع غيرها ممن تأمن أن يوصلها إلى بلدها؛ كما فعلت عائشة عليها رضوان الله تعالى حينما ركبت مع صفوان عليه رضوان الله تعالى، فإنه لا حامل لها ولا أمان لها إلا بمثل هذه الحال، فيرخص حينئذٍ في أمثال ذلك للحاجة، فيقال: إن ما سد لأجل الذريعة يفتح لأجل ذريعة معلومة.
ضرورة تجرد العالم لله سبحانه وتعالى حال الفتيا
وينبغي للعالم -وهذه مسألة مهمة- أن يتجرد لله عز وجل حال الفتيا، خاصة مع انتشار الأقوال، وكثرة النقدة، وعدم ميلهم إلى الحق، وأخذهم بظواهر الأمور، وكثرة الجهال، وكذلك علو صوت المنافقين بمهاجمة أهل الحق، وينبغي أيضاً ألا يتخذ العالم صوت المنافقين وسيلة لعدم إفتائه بالحق إذا وافق مع عليه المنافقون ظاهراً، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام منع من قتل بعض المنافقين؛ خشية أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، وهذا ينبغي للعالم أن يتخذه بالنظر إلى المآلات, والنظر إلى النص، والنظر أيضاً إلى القرائن.فبالنظر إلى النص: أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بقتل المرتد إذا ظهرت منه الردة، والنظر إلى المآلات: أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه, فامتنع النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك، وهو القائل: ( من بدل دينه فاقتلوه )، ولهذا رغب بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإقدام على قتل بعض المنافقين, فمنعه النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك ولم يزجره؛ منع من ذلك تغليباً لهذه القاعدة: ( أتريد أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ), لكن ما قال: إنه دم معصوم، وإنما هو تغليب لتلك المصلحة.والقرينة التي يؤخذ بها أيضاً: أنه لا يلتمس أيضاً لكل أحد تذرع بذلك بترك المرتدين بالاقتداء بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا وجد من يترك المنافقين فيدع لهم المنابر بالحديث، وتصديرهم بالمجالس، ومواجهة الحق, وعلو صوته، وإذا قيل له بقتل المنافقين استدل بحادثة: ( لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ), فالنبي عليه الصلاة والسلام حجم دور المنافقين، وضايقهم, ولم يجعل عليه الصلاة والسلام لصوتهم علواً، وكذلك أصحابه عليهم رضوان الله تعالى مع إكرامهم في الظاهر؛ لأن الإكرام في الظاهر لا يعني علو الرأي، فإن علو الرأي أن تظهر أقوالهم على الملأ للناس من غير نكير، وهذا يؤخذ به بالحال باختلاف حال النبي عليه الصلاة والسلام, وكذلك حال كثير من الناس الذين يتساهلون في أبواب معاملة كثير من المنافقين. ثم أيضاً ينبغي التجرد لله عز وجل حال الفتوى، ومعلوم في هذا الزمن نالت كثير من السهام النصوص الشرعية، ونالت كثيراً من العلماء أيضاً, ووصفهم بكثير من الأوصاف التي كان يخشى منها النبي عليه الصلاة والسلام أن يوصف، من التحديث بقتل أصحابه، وهذه ذريعة أدركها المنافقون فأرادوا أن يجلبوا بها بأن يحجموا من دور النصوص وإفتاء العلماء أخذاً بسنة أسلافهم الذين يطيرون بالأقوال كل مطار، ولهذا أحجم النبي عليه الصلاة والسلام عن جملة من الأحكام الشرعية تحقيقاً لمصلحة أعظم، ومن نظر إلى كثير من الأحكام التي فعلها النبي عليه الصلاة والسلام تحقيقاً لهذه القاعدة وعملاً بها؛ وجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حفظ للنص قدره، وحفظ للشريعة مكانها من غير تبديل، وهذا ما هو مطلب على كل عالم وكل حاكم؛ أن يحفظ للشريعة مقامها, وقد يتجوز الإنسان في أبواب التطبيق سداً للذرائع، كما حفظ عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى النص بقطع يد السارق، ولكنه لما كان عام الرمادة لم يقطع يد السراق؛ لأن ذلك عام فقر، ويفضي ذلك إلى الإضرار بالناس، فغلب جانب الإضرار بالناس بقطع يد السارق وأذيته على التطبيق من جهة النزول, واعتبار الشرع مع حفظ النص, وأنه محكم يجب تطبيقه، وعليه يقال: إن بعض نصوص الشريعة الثابتة في كلام الله سبحانه وتعالى بنص قاطع قد تدخل في أبواب الضرورات فتفتح لمصلحة يفتحها أهل العلم والمعرفة، ولهذا أخذ العلماء عليهم رحمة الله تعالى قاطبة من الأئمة الأربعة وغيرهم بهذه القواعد.نكتفي بهذا القدر، ونصلي ونسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
 نهي الزوجة عن نعت المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها
ومن ذلك: ما جاء في الصحيح من حديث أبي وائل عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تنعت المرأة المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها ). فنهي النبي عليه الصلاة والسلام للمرأة أن تصف المرأة عند زوجها كأنه ينظر إليها؛ للمفسدة المترتبة في ذلك، والمفسدة في ذلك: أن يقع في قلب ذلك الرجل حب تلك المرأة، وأن يولع بها, ويزهد في امرأته، وربما يفضي ذلك إلى المفاسد الكبيرة، ولهذا الشريعة قد حرمت كثيراً من الأمور المفضية إلى كثير من المحرمات؛ كتحريم الشارع للمرأة أن تسافر بلا محرم، وأن يخلو الرجل بالمرأة، وكذلك اختلاط الرجال بالنساء، وأن ينظر الرجل إلى المرأة، ولكن أباح الشارع ذلك للحاجة، فأباح الشارع النظر للمخطوبة؛ لأن الحاجة في ذلك ظاهرة، والعلة من ذلك منتفية، وأباح الشارع للمرأة أن تسافر بلا محرم عند الحاجة والضرورة؛ كأن توجد المرأة في فلاة لا أحد معها فتركب مع غيرها ممن تأمن أن يوصلها إلى بلدها؛ كما فعلت عائشة عليها رضوان الله تعالى حينما ركبت مع صفوان عليه رضوان الله تعالى، فإنه لا حامل لها ولا أمان لها إلا بمثل هذه الحال، فيرخص حينئذٍ في أمثال ذلك للحاجة، فيقال: إن ما سد لأجل الذريعة يفتح لأجل ذريعة معلومة.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الذريعة بين السد والفتح [1] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net