اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الأحكام الفقهية المتعلقة بالصيام [3] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


الأحكام الفقهية المتعلقة بالصيام [3] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
يحصل الفطر بما في حكم الأكل كالإبر المغذية ونحوها، وكل ما كان منفذاً إلى الجوف فإنه يفطر الإنسان إذا شعر بوجود شيء في حلقه منه.واختلف العلماء في الفطر بالحجامة على قولين أصحهما أنه لا يفطر، وأما الجماع فمحرم ومن يرتكبه عليه الكفارة بالنص، وفي القضاء عليه خلاف، ولا يأخذ إخراج المني بالاستمناء والمباشرة حكم الجماع لتفريق الشريعة بينهما في الأحكام. ويستحب للصائم تعجيل الفطور والفطر على تمرات والذكر والدعاء عند الإفطار، وإطعام الصائمين، والحفاظ على الصلوات جماعة والإكثار منها خصوصاً في الليل لفضل القيام فيه.
حصول الفطر بما في حكم الأكل من حقن ونحوها
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد: فقد تكلمنا فيما سبق عمن يرخص له في الفطر، ونتكلم اليوم عن أنواع المفطرات، فالمفطرات في رمضان أصلها الأكل والشرب, وهي الأصل, والذي هو محل اتفاق, وما في حكمه مما يسد جوع الصائم أو الإبر المنشطة, وكذلك بعض الأدوية التي تؤخذ من غير الفم, كغسيل الكلى مثلاً, وغسيل الكلى هو دواء وغذاء, فإنه يوضع أثناء الغسيل مع الدم شيء من السكريات وغيرها التي تفيد الإنسان في دمه وتغنيه عن الطعام والشراب فهو من المفطرات, وكل ما كان منفذاً إلى الجوف فإنه يفطر الإنسان بوجود شيء في حلقه منه؛ كوضع شيء في الأنف من شراب أو غذاء, إذا كان الإنسان لا يطعمها عن طريق فمه، أو ما يضعه في أنفه من قطرات ونحو ذلك فهي منفذ إلى الجوف وما فيه من المفطرات, والعين منفذ لكن منفذها نادر وليس كالأنف, والأذن بالجملة ليست منفذاً إلا ما ندر.
 

اختلاف العلماء في الفطر بالحجامة
وأما الحجامة فقد اختلف العلماء في كونها مفطرة للصائم أم لا, اعتماداً على ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا من حديث عبد الله بن عباس في الصحيحين وغيرهما: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم ), وله في رواية: ( احتجم وهو محرم صائم ), وفي رواية أخرى: ( احتجم وهو محرم وهو صائم ), ذهب الإمام أحمد كما في العلل برواية ابنه صالح أن ذكر الصيام هنا غير محفوظ, وكذلك قال الشافعي عليه رحمة الله تعالى في كتابه الأم, وذهب الإمام أحمد إلى أن الحجامة تفطر؛ لظاهر حديث شداد عليه رضوان الله تعالى كما في السنن وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أفطر الحاجم والمحجوم ), قال: وهذا آخر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإنه قال ذلك في فتح مكة, قال: ومما يدل على إنكار ذكر الصيام في حديث عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذهب محرماً في صيام إلى مكة, وكل عمر النبي صلى الله عليه وسلم في غير رمضان, والنبي صلى الله عليه وسلم آخر أمره أنه كان يفطر في حال صيامه كما تقدم الإشارة إليه في رمضان, وأما ذهاب الذي عليه الصلاة والسلام لفتح مكة فالنبي عليه الصلاة والسلام كان مفطراً, فجمع الصيام والإحرام في حديث عبد الله بن عباس وهم, ومال البخاري عليه رحمة الله تعالى إلى صحته, ولهذا قد أخرجه في كتابه الصحيح. والذي عليه جمهور العلماء أن الحجامة لا تفطر, وهذا ظاهر عمل السلف, فقد ثبت عن غير واحد من السلف أنه احتجم من غير فطر بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص وعروة بن الزبير وعبد الله بن الزبير وغيرهم, وقد روى الإمام مالك في الموطأ وكذلك البيهقي وغيرهم من حديث مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر: أنه احتجم وهو صائم, وكذلك جاء في المصنف من حديث عامر بن سعد عن سعد بن أبي وقاص أنه احتجم وهو صائم، وروي عن غيرهم؛ أنهم لا يرون الفطر, وهذا الذي عليه عمل الصحابة عليهم رضوان الله تعالى كما روى الطحاوي في شرح معاني الآثار من حديث الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص بالحجامة للصائم ), وهذا إنما قاله بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يدل على أن عمله عليه الصلاة والسلام أو آخر الأمرين منه على أن الحجامة لا تفطر الصائم, ويلحق في حكمها إخراج الدم بنحو طريق الحجامة كالفصد مثلاً أو بالتبرع بالدم أو التحليل ونحو ذلك, فإنه لا يفطر الصائم على الصحيح من أقوال العلماء.
 

ما يترتب على من جامع في نهار رمضان
وأما الجماع في نهار رمضان فالنص فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابت أنه من المحرمات, ومن فعله كان آثماً ويجب عليه الكفارة, والكفارة هي أن يعتق رقبة, وإن لم يجد أن يصوم ستين يوماً متتالية، وإلا فيطعم ستين مسكيناً عن كل يوم مما أمر الله عز وجل بصيامه, وهذا فرض, وأما الأمر بالقضاء فغير محفوظ في الخبر, ولهذا وقع الخلاف, فذهب الأئمة الأربعة إلى أن الجماع يفطر الصائم, فيجب عليه مع الكفارة ومع وجوب التوبة عليه أن يقضي.
 

صيام من أخرج المني باستمناء أو مباشرة ونحوهما
...كفارة من جامع في نهار رمضان, وكذلك أمره بالقضاء إن صححت ذلك, وعليه يلزمك أن تقول فيمن أنزل بمباشرة أو باستمناء في نهار رمضان أن يجب عليه الكفارة أيضاً، ما هو القضاء, وإلزامك بالقضاء من غير كفارة أخذ لجزء من المقيس عليه وترك جزء آخر, وهو المتفق عليه, وهو الكفارة, فإما أن يقال بالقضاء والكفارة لورود النص وهو المقيس عليه, وإما أن يقال: أن يترك, وعدم القضاء ولا الكفارة هو الأظهر؛ لأن هذا يفتقر إلى دليل. كذلك أن الجماع وخروج المني يتباينان, فالجماع يترتب عليه أحكام شرعية في غير باب الصيام, الجماع في إتيان المرأة في المحلل ( أنه في رجل تزوج امرأة ودخل بها, النبي صلى الله عليه وسلم قال: حتى تذوق عسيلتها وتذوق عسيلتك ), ونحو ذلك, أن بهذا الجماع يكون ثمة فيصل, وأما غير ذلك لا, كذلك في الحدود, فثمة فارق كبير, وهذا الرجل جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( يا رسول الله, إني أتيت امرأة فنلت منها ما ينال الرجل من زوجته إلا الجماع ), يعني: بحرام, فأنزل الله عز وجل: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114], لكن لما جاءه الرجل وقد وقع في الزنا، وما حدث من ذلك في قصة ماعز وغيره, والقصة مشهورة فالزنا يختلف عن غيره, كذلك الجماع يختلف عن غيره, وإن كان الرجل في امرأته وبحال نهار رمضان، فالقياس قياس مع الفارق, وقد يقول قائل: إن مثل هذا القول الأولى أن لا يورد, يقال: إن القول بعدم التفطير أو عدم الكفارة لا يعني الجواز, وفرق بينها, فإن الله سبحانه وتعالى حينما قال كما في الخبر القدسي: ( يضع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ), يجب عليه أن يدع ذلك إلا ما دل عليه الدليل ورخص فيه من أن ينال الإنسان من شهوته وهو دنوه من زوجته أو مباشرته, ما عدا ذلك فالأصل فيه المنع, وأن يجتنبه الإنسان, وغاية من استدل بوجوب القضاء هو القياس, وإن قال بالقياس فليقل به من جميع الوجوه، وإلا لا يأخذ جزءاً من حكم المقيس عليه ويدع حكماً آخر.
 

الابتعاد عن دواعي الشهوة في رمضان
ويشرع للإنسان أن يبتعد عن دواعي الشهوة في نهار رمضان, ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أقل ما ينال من نسائه في نهار رمضان؛ بل ( كان عليه الصلاة والسلام إذا دخلت العشر شد مئزره ), والمراد بذلك أنه ترك قرب النساء والدنو منهن, أي: أنه شد مئزره، فلا يحله لجماع أو غير ذلك؛ لأن الشهر شهر عبادة ويجب على الإنسان أن يغتنم منه ما استطاع من أعمال البر والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى والبعد عن الشهوات, فربما وقع فيها وحرم في ذلك خيراً كثيراً, وكما تقدم أن السيئات في نهار رمضان معظمة, وكذلك الحسنات, وكما أن الحسنات تكتب للإنسان أعظم منها في أيام العشر، كذلك السيئة تعظم؛ لأن الله سبحانه وتعالى كما عظم مواسم الخيرات بفعل الحسنات؛ أن الله عز وجل يضاعفها للإنسان كذلك بالنسبة للسيئات فإن الله عز وجل يعظمها عنده, فمن وقع في السيئات في شهر تصفد فيه الشياطين يدل على بعده عن الله سبحانه وتعالى.وفي قوله عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين وغيرهما: ( إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء وأغلقت أبواب جهنم وصفدت الشياطين ), ما يحصل في نهار رمضان من ميل الإنسان لبعض المفطرات عمداً أو بعض المنكرات أو غيره، أو بعض الناس يصرع في نهار رمضان أو يدخله جن ونحو ذلك؛ هل يعارض ذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: ( وصفدت الشياطين ), قد ذكر القاضي ابن أبي يعلى في كتاب الطبقات أن الإمام أحمد قد سئل عن ذلك، أنه سأله ابنه قال: ما لي أرى الرجل يصرع في نهار رمضان وقد تصفد الشياطين؟ قال: هكذا النص وأمسك, الذي يظهر لي والله أعلم, أن الشيطان حينما يوسوس للإنسان ويتمكن منه حتى يكون الإنسان من شياطين الإنس, بسبب تصوير الإنسان له, فما يلحق بالإنسان من حب المنكر وتتبع مواضع الشهوات والضلال والانحراف والفسق هو ما بقي فيه من تضليل وانحراف شياطين الجن, وهذا هو الظاهر, وتصوير الشياطين هو أنها لا يمكن أن تتمكن من المؤمن في نهار رمضان؛ إلا فيما بقي لديه من وسواس وتسويل أو ضعف ونحو ذلك، فإنه يبقى في الإنسان, فإن في الإنسان من الانحراف والضلال وكذلك من الشطن والخروج عن الطاعة حتى يكون الإنسان شيطاناً خالصاً أو يكون الإنسان من أهل الإيمان وفيه من الانحراف عن دين الله سبحانه وتعالى بقدر ما فيه, والله عز وجل يغفر لمن يشاء.
 

آداب ومستحبات تتعلق بالصيام

 صلاة الجماعة في المسجد
وصلاة الجماعة في المسجد جاء فيها الفضل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( من صلى مع إمامه حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة ), والمراد بقوله: (حتى ينصرف), حتى ينقضي من صلاته, وإن كان يتمها في آخر الليل, فالمراد به هذه الصلاة التي قد قامها, ولو صلى الإنسان في بيته وحده وعلم أنه أخشع لقلبه وأطول لصلاته فإنه كذلك أفضل من صلاته مع الجماعة إذا كان يغلب عليه عدم الخشوع أو انصراف القلب ونحو ذلك؛ لأن المراد الخشوع, وقد ذهب إلى هذا ومال إلى أفضلية الصلاة منفرداً مع خشوع؛ بل ذهب إلى ذلك بإطلاق غير واحد من السلف كـعبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى, وكذلك سعيد بن جبير وغيرهم, وهو قول الإمام مالك عليه رحمة الله, والذي عليه عمل السلف هو جمع الناس بالمساجد؛ ليستعينوا بذلك على أداء الصلاة, وأن يتكاثروا, فإن الإنسان يجد في نفسه حماساً واندفاعاً إلى الخير إذا وجد من يعينه ووجد من كان حوله فإنه يقبل, وإذا وجد من يقيده بقيام طويل وصلاة وطول ركوع وسجود ونحو ذلك أن يتقيد بهما, ولو صلى وحده لكانت صلاته خفيفة, فإن هذا صلاته مع إمامه أفضل, وإنما احتبس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحابه؛ لأنه خشي أن يفرض الله عز وجل عليهم صلاة الليل في رمضان, وهذا من رحمته عليه الصلاة والسلام بأمته. وقام بذلك عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى وقد يسأل سائل ويقول: إن أبا بكر الصديق عليه رضوان الله تعالى في خلافته - وخلافته سنتان - ومع ذلك ما جمع الناس, يقال: إن أبا بكر الصديق كان منشغلاً بقتال المرتدين, وما كان في رمضان متهيئاً لجمع الناس؛ بل كان خارج المدينة لقتال من ارتد من العرب, وما كان الصحابة عليهم رضوان الله تعالى في تلك السنتين مجتمعين, بل كانوا متفرقين يقاتلون من منع الزكاة ومن ارتد من العرب، حتى جمع الله سبحانه وتعالى كلمتهم على يد أبي بكر الصديق في آخر ولايته، ثم في خلافة عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى, فجمع الصحابة على صلاة التراويح، وقال: نعمت البدعة ابتدعها عمر، والمراد بذلك أنه أحياها بعدما تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلة قد انتفت هذه العلة, ومعلوم أن الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً.
الأسئلة

 الحكم على حديث: (من صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة)
السؤال: يقول: ( من صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة ) ؟الجواب: الحديث عند الإمام أحمد وأبي داود وإسناده صحيح.والله أعلم.وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الأحكام الفقهية المتعلقة بالصيام [3] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net