اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني [2] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني [2] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
خلق الله الخلق وعرفهم بنفسه وصفاته، والواجب علينا إمرار الصفات على ظاهرها بلا تشبيه ولا تكييف ولا تعطيل، كما يجب على كل مسلم الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعموم رسالته، والإيمان بالقدر خيره وشرة، وكذلك اليوم الآخر بما فيه من أحداث وأولها قيام الساعة ثم الحساب والميزان والحوض والصراط وتقاضي الحقوق والذي يكون قبل دخول الجنة.
شمول علم الله سبحانه
بسم الله الرحمن الرحيم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.قال المصنف رحمه الله: [ وأنه فوق عرشه المجيد بذاته وهو في كل مكان بعلمه، خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ].الله جل وعلا هو الذي خلق الخلق، ومنهم الإنسان، وخلق الله عز وجل الأشجار والأحجار والرمال والجبال، وخلق الله عز وجل البحار والأشجار والأحجار، ويعلم حقيقتها وتفاصيلها ودقائقها وما تؤول إليه، وتكوينها، والله سبحانه وتعالى جل وعلا يعلم ما خلق، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ [الملك:14], بلى، بل نقول: إن الله سبحانه وتعالى يعلم جل وعلا حقائق ما لم يوجده الله جل وعلا لو أوجده ما يكون من آثاره، والله سبحانه وتعالى يعلم حال الخليقة قبل خلقها، ويعلم أحوال الخلق، ويعلم سبحانه وتعالى ما يتصرفون قبل خلقهم، فالله عز وجل قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم، وقدر الله عز وجل مقادير الخلق قبل أن يخلق الله عز وجل السماوات والأرض، والله سبحانه وتعالى أقرب لعبده من حبل الوريد، ويعلم الله جل وعلا أيضاً ما توسوس به نفسه من خواطر وهواجس وأحاسيس ومشاعر, مما يجده الإنسان في نفسه، وربما علم الإنسان ما في نفسه أو لم يعلم، فربما ما يتخالج من نفس من أفكار أو يطرأ عليه من مشاعر أو وساوس لا يعلم الإنسان كنهها وحقيقتها، فيتوجس الإنسان من نفسه شيئاً ويقول: لا أعلم ما في نفسي، ولا يعلم ما أوجده في نفسه من حرج أو ضيق أو هم، فيحزن ولا يدري لماذا حزن، أو اهتم ولا يعلم ما سبب همه، يعلم الله عز وجل ما أهمه ولو لم يعلمه الإنسان بنفسه، والله سبحانه وتعالى يعلم ذلك كله جل وعلا، وهو الذي خلق، و أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ [الملك:14]. نعم.قال المصنف رحمه الله تعالى: [ على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، وله الأسماء الحسنى والصفات العلى ].والله سبحانه وتعالى مالك الملك, وعلى عرشه استوى، وعلى الملك احتوى, من جهة قدرته وتصرفه، وعدم خروج ذلك عن إرادته سبحانه وتعالى، وهو الذي يقلب المواد، ويقلب سبحانه وتعالى حقائقها وأحوالها وتغيراتها، ويعلم تراكيبها مما هي عليه، وما لم تكن عليه، لو امتزجت مع غيرها كيف تكون حالها، ولهذا لله جل وعلا العلم المطلق في ذلك. نعم.قال المصنف رحمه الله تعالى: [ لم يزل بجميع صفاته وأسمائه, تعالى أن تكون صفاته مخلوقة وأسمائه محدثة ].له سبحانه وتعالى الأسماء الحسنى، وله الصفات العليا، وكلها حسنى، فكل أسمائه حسنى وكل صفاته عليا، سبحانه وتعالى. نعم.
 

كمال صفات الله تعالى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ كلم موسى بكلامه الذي هو صفة ذاته, لا خلق من خلقه ].خلق الله عز وجل الخلق منه ما ذكره الله عز وجل لنا ومنه ما لم يذكره جل وعلا، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الذكر عند الرفع من الركوع: ( ملئ السموات والأرض، وملئ ما بينهما, وما شئت من شيء بعد )، فلله سبحانه وتعالى من الخلق ما نعلمه وله من الخلق ما لا يعلمه إلا هو سبحانه وتعالى. وصفات الله عز وجل ليست بمخلوقة، تعالى الله عز وجل عن ذلك؛ لأن الذات هي الصفات، والصفات هي الذات، وإذا قلنا إن الصفات مخلوقة، فهذا يعني أن الذات مخلوقة, تعالى الله سبحانه وتعالى عن ذلك، ولهذا نقول: إن الله عز وجل متفرد وواحد وهو الخالق الذي لم يخلق، وهو الواحد الفرد الذي لا ند له ولا نظير ولا شريك له ولا مثيل، والله سبحانه وتعالى في ذلك كله متفرد لا يجوز لأحد أن يصفه بشيء من الأوصاف إلا بما ثبت به الدليل من كلام الله أو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن أمثال هذه الأشياء توقيفية, ومردها إلى السمع، من النص من كلامه سبحانه وتعالى وكلام نبيه وكل ذلك إليه. نعم.
 

صفة الكلام لله سبحانه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وتجلى للجبل فصار دكاً من جلاله، وأن القرآن كلام الله ليس بمخلوق فيبيد، ولا صفة لمخلوق فينفد ].ولله عز وجل كلام، ومن كلامه القرآن، وله من الكلام ما لا يحصيه إلا هو سبحانه وتعالى، موصوف سبحانه وتعالى بالكلام، يتكلم جل وعلا متى شاء، وفيما شاء، وكيفما شاء جل وعلا، وينزل كلامه سبحانه وتعالى على من شاء، وكلامه صفة من صفاته، لا يجوز القول بأن كلام الله عز وجل مخلوق، وذلك أن كلامه صفة من صفاته، وإذا قلنا بأن كلام الله عز وجل مخلوق يلزم من ذلك خلق الذات؛ لأن الكلام صفة من صفاته سبحانه وتعالى، وكلامه جل وعلا منه القرآن، ومنه التوراة، ومنه الإنجيل، ومنه الزبور، وما في صحف موسى وإبراهيم وغيرها من الكتب، ومنها ما لم ينزله الله عز وجل على أحد من عباده، فالله سبحانه وتعالى يتكلم ولا يزال متكلماً متى شاء، وكلامه سبحانه وتعالى صفة من الصفات، لا نقول كما يقول المبتدعة بأن كلام الله عز وجل مخلوق، وذلك كفر؛ لأن خلق الصفة خلق للموصوف، ولا نقول كما يقول المتكلمون؛ بأن الكلام معنى قائم في نفس الله عز وجل خلقه الله عز وجل خارجاً فأوجده، وهم يعبرون عن ذلك بتعبيرات، منهم من يقول: إن الله عز وجل خلقه خارجاً عنه وهو المعنى القائم في ذات الله عز وجل، خلقه الله عز وجل ليعبر عما في نفسه، والله جل وعلا ما قال ذلك وإنما نسب الكلام إليه كما في قوله جل وعلا: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6]، فهو كلام الله جل وعلا والزيادة عن ذلك ضلال، ولا نقول إن كلام الله سبحانه وتعالى كذلك أوجده الله عز وجل وقذفه في جبريل, وجبريل قذفه في روح محمد أو روع محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا معنى زائد عما جاء به الدليل، ومن قال: إن كلام الله مخلوق فقد كفر، ولو قال: إن حرفاً من كلام الله عز وجل مخلوق، وما يشكل عند بعض المبتدعة الذي دعاهم لأمثال هذه المعاني، الذين يقولون: إن كلام الله سبحانه وتعالى يوجد ويحفظ في الصدور، وتتلفظ به الألسن، ويكتب في الصحف والألواح، فهذا كلام الله جل وعلا فكيف يصل إلى مثل هذه الحال؟ نقول: إن كلام الله عز وجل يحفظ في الصدور، وقد ذكره الله جل وعلا في كتابه العظيم، بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:49]، فهو في صدورهم وهو كلام الله سبحانه وتعالى ولا يزاد عن ذلك، وما يتكلم به الإنسان كلام الله جل وعلا، ولكن الصوت صوت القارئ والكلام كلام البارئ، فتحريك الشفتين مخلوق، ولعاب الإنسان وهواؤه مخلوق، ولكن القول الذي يتلفظ به هو كلام الله والصوت للإنسان، كذلك بالنسبة لما يدون في الألواح والصحف، فما فيه من أحبار وأوراق هذه مخلوقة، والكلام كلام الله سبحانه وتعالى، ولهذا نقول: إن الزيادة عن ذلك إحداث وابتداع وضلال في الدين، وإنما دخل الناس في أمثال هذه التفصيلات في مسائل كلام الله جل وعلا لما توسع المبتدعة في تحليل أمثال هذه المسائل، وكان السلف الصالح عليهم رضوان الله من الصحابة في سلامة من ذلك؛ لأنهم كانوا يمرون ما جاء من النصوص من غير أن يصرفوها على غير ما أراده الله جل وعلا، فلما تكلف الناس التأويل وتوليد المسائل وغير ذلك أدخلوا أهل العلم في أمثال هذه التفاصيل؛ لينفوا عن الدين الشبهات، ويزيلوا ما ربما يصد به عن الحق، ولهذا كان السلف الصالح في ابتداء الأمر ينهون عن الخوض في مثل هذا حتى تكلم به الضلال، ولهذا بعض الأئمة يقول: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: إن لفظي بالقرآن ليس بمخلوق فهو مبتدع؛ لماذا؟ لأن هذا شيء جديد، لماذا تدخل في أمثال هذه التفاصيل، لماذا تخوض في أمثال هذه التفاصيل وأنت في عافية منها؟ لكن لما ولدوها وقرروها قام العلماء عليهم رحمة الله تعالى بتقريرها وتفصيلها وإزالة الشبهات منها، وهي الفتنة العظيمة التي وقعت للإمام أحمد عليه رحمة الله حينما ظهرت, وقويت شوكة الجهمية حينما قالوا: إن كلام الله عز وجل مخلوق، وحدث في ذلك من المناظرات والفتنة والابتلاء لجماعة من أئمة السنة على رأسهم الإمام أحمد عليه رحمة الله، ولهذا نقول: إن كلام الله عز وجل موصوف بأنه الكلام, وكذلك قول الله جل وعلا كما في قوله سبحانه وتعالى: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى [آل عمران:55]، وَقَالَ اللَّهُ [المائدة:12]، فالله عز وجل يقول ويتكلم، وكذلك أيضاً ينبئ عباده.وهنا في قوله: وأن القرآن كلام الله ليس بمخلوق فيبيد؛ لأنه لا يبيد إلا المخلوق، وصفات الله سبحانه وتعالى هي ذاته جل وعلا، وإذا قلنا بأن صفة من صفات الله عز وجل تبيد، فهذا يرجع إلى الموصوف كذلك، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. نعم.قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وأن القرآن كلام الله ليس بخلوق فيبيد، ولا صفة لمخلوق فينفد].وذلك أن كلام المخلوق ينفد، له حدود، له بداية وله نهاية، وكذلك أيضاً كتابة الإنسان تنفد، الأحبار تنفد، الأقلام تنقضي؛ وذلك لقلة كلام الإنسان فله بداية وله نهاية، أما كلام الله سبحانه وتعالى ولو جعل الإنسان ما في الأرض من شجر أقلام والبحار مداد ما نفدت كلمات الله سبحانه وتعالى، وبهذا نعلم أن ما يقع في أذهان بعض المبتدعة من القول بخلق كلام الله عز وجل إنما حملهم ذلك التشبيه الذي طرأ على عقولهم فشبهوا كلام الخالق بكلام المخلوق.
 

الإيمان بالقدر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ والإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، وكل ذلك قد قدره الله ربنا، ومقادير الأمور بيده، ومصدرها عن قضائه ]. ‏
 مذهب أهل السنة في القضاء والقدر
ومذهب أهل السنة والجماعة في مسألة القضاء والقدر أن الله عز وجل يقضي لعباده ويقدر لهم تقديراً ولا يخرجون عن ذلك التقدير في أمر تصرفات الكون, وجعل الله عز وجل عليهم أمراً وقضاء شرعياً، ولهم مشيئة بالعمل وعدمه ويثابون على ذلك. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ يضل من يشاء فيخذله بعدله, ويهدي من يشاء فيوفقه بفضله, فكل ميسر بتيسيره إلى ما سبق من علمه وقدره من شقي أو سعيد, تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد, أو يكون لأحد عنه غنى أو يكون خالق لشيء إلا هو ].الناس في العمل ميسرون لما خلقوا له، وهذا ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لـعمر بن الخطاب قال: ( اعملوا فكل ميسر لما خلق له )، ولله عز وجل في ذلك حكم, وله جل وعلا مقادير، يعلم أحوال العباد واختيارهم وما في نفوسهم ومطامعهم وما يعزمون عليه وغير ذلك، فيجعل الله عز وجل مقادير الخلق وفق علم دقيق سبحانه وتعالى لا يحيدون عنه ولا يخرجون.
الأنبياء وورثتهم وإقامة الحجة على الناس
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ رب العباد ورب أعمالهم, والمقدر لحركاتهم وآجالهم، الباعث الرسل إليهم لإقامة الحجة عليهم].الله سبحانه وتعالى يرسل الرسل وينزل الكتب لإقامة الحجج على العباد, ولا يعذب أحداً إلا وقد قامت عليه الحجة، يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم ألا يواجه أحداً أو يقتله إلا وقد أقام عليه الحجة؛ كما في قوله عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح: ( أمرت ( والآمر هو الله ) أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله )، يقاتلهم وقد علمهم قبل ذلك كما في قوله جل وعلا: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التوبة:6]، يعني: أسمعه كلام الله ليتأمل ويتدبر, وهذا هو الواجب على الأنبياء وورثة الأنبياء والبلاغ للناس، وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ [النور:54]، يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [المائدة:67]، وهي الرسالة التي جعلها الله عز وجل على الأنبياء واجبة, وعلى ورثتهم كذلك أن يبلغوا الحق للناس، وكلما كان الإنسان بالحق أبصر كان العقاب عليه عند المخالفة أعظم، ولهذا ينبغي للإنسان أن يعلم أن الله عز وجل إذا وفقه إلى شيء من العلم أن الله أقام عليه الحجة، وإذا وفقه إلى علم وحرمه العمل فليعلم أن الله أراد به شراً؛ لأنه أراد أن يزيده في العلم ويعطله في العمل؛ حتى تشتد عليه العقوبة، ولهذا من أعلم الخلق إبليس، هذا من جهة العلم, وهو أقلهم أو معدوم العمل في الخير؛ ولهذا كان أشد الخلق عذاباً يوم القيامة، ولهذا من كثر علماً وقل عملاً فهو أكثر الخلق شبهاً بإبليس، ومن كثر علماً وكثر عملاً أقرب الناس شبهاً بمن؟ بالأنبياء لأنهم أكثر الخلق أو أكثر المكلفين علماً بالله سبحانه وتعالى وكذلك عملاً وامتثالاً لأمر الله جل وعلا. ‏
 الفرق بين إقامة الحجة وفهمها
ينبغي أن نفرق بين إقامة الحجة وفهمها، فإقامة الحجة هي: إسماع الدليل الذي يلقى على الإنسان على لغة يفهمها لو أراد أن يفهم، هذا به تقوم الحجة، أما فهم الحجة فمرده إلى القلب، فأنت إذا خاطبت أحداً بلغة يفهمها فقد أقمت عليه الحجة إذا كان مثله يفهم، لكن لو خاطبت الإنسان وهو مجنون, أو خاطبت إنساناً وهو نائم, فلا تقم عليه الحجة, لأنه لا بد أن يكون حاضراً، لكن لو خاطبت الإنسان بلغة لا يفهمها وهو حاضر الذهن؛ كخطاب العربي للأعجمي والأعجمي حاضر الذهن لم تقم عليه الحجة.ثم أيضاً في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا أدخله الله النار )، هذا من قامت عليه الحجة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يسمع بي )، معنى السماع أن يسمع بمحمد لا بغيره، فإذا سمع أحد من اليهود والنصارى بمحمد ولكن قيل له: هذا مفكر عربي أو هذا قائد عسكري لم بسمع بمحمد بل سمع بغيره، فما قامت عليه الحجة حتى يسمع بأن النبي صلى الله عليه وسلم نبي أرسله الله جل وعلا إلى الناس كافة، ولهذا نقول إن الحجة تقوم بالسماع بمحمد صلى الله عليه وسلم كما أراده الله عز وجل له لا كما يصل إلى أذهان الناس مشوهاً، لهذا ربما بعض الطوائف أو بعض الملل يصل إليه أن محمداً إما قائد عسكري أو مفكر أو قائد جيش أو جند، فلا يسمع بمقام النبوة أو كونه يوحى إليه،ولهذا نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ( لا يسمع بي أحد من هذه الأمة )، المراد بذلك هو السماع الشرعي الحقيقي. أما فهم الحجة فليس بمعتبر؛ لأن مرده إلى الباطن, ولا ندري هل الرجل معاند أو فاهم, أعطيناه مرة ومرتين وهو يقول: لم أفهم! هل نبقى معه عشرات السنين حتى يفهم، قوم شعيب قالوا له: مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ [هود:91]، يعني: ما نفهم، فلم يعذروا بذلك ونزل عليهم العذاب، لهذا نقول: نحن مكلفون بإيصال الحجة وإقامتها على وجه يفهمها لو أراد أن يفهم، ولهذا كفار قريش كانوا يضعون أصابعهم في آذانهم ويستغشون ثيابهم أليس كذلك؟ إذاً لا يريد السماع فماذا نصنع به وهو لا يريد أن يسمع, ولا يريد أن يفهم، على هذا نقول: قامت عليه الحجة، لهذا من الناس من يُعرض، ومن يُعرض قامت عليه الحجة، كذلك أيضاً تقوم الحجة على العامة إذا علم الخاصة، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يبعث بكتابه إلى كسرى وقيصر, ولا يأتي إلى النصارى واحداً واحداً إذا كانوا تحت راية ولواء واحد، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم في غزوته كان يأتي الجميع؛ لأن مثل هذا يصل إلى الناس وقد انفتح الأمر في الزمن المتأخر, فأصبحت الفضائيات تبث للعامة وللخاصة بجميع اللغات، لهذا نقول: نحن مكلفون بإقامة الحجة وأما إفهامها فهي إلى من تلقى الحجة, شريطة أن نقيمها كما أراد الله سبحانه وتعالى, فلا يقيمها الإنسان بعجل ولا باختصار ولا باجتزاء, ولا يأتي بها مرة في حال انشغال الإنسان بل ينوع؛ كما كان نوح يأتيهم ليلاً ونهاراً, سراً وجهاراً، ينوع في ذلك فربما كان الإنسان منصرفاً, أو منشغلاً, أو غاضباً, أو ربما في حزن, أو في هم, ولا يدري ماذا تقول, وهذا يطرأ في الناس, ولكن يكرر عليهم حتى تقوم الحجة ويغلب على الظن أنهم فهموا.
من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ثم ختم الرسالة والنذارة والنبوة بمحمد نبيه صلى الله عليه وسلم, فجعله آخر المرسلين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ].رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الله عز وجل له جملة من الخصائص، منها أنه خاتم الأنبياء والمرسلين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا نبي بعدي )، وجعله الله عز وجل أيضاً رسولاً إلى الناس كافة, بخلاف الأنبياء السابقين, كل نبي يرسل إلى قومه، ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [سبأ:28]، والله عز وجل أرسله إلى العالمين جميعاً، ولهذا نقول: إن من خصائص هذه الرسالة عمومها وكذلك خاتمتها، ولهذا يقول الله جل وعلا: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85]. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وأنزل عليه كتابه الحكيم، وشرح به دينه القويم، وهدى به الصراط المستقيم ].وكتاب الله سبحانه وتعالى تقدم معنا كلام الله جل وعلا, ولكن هنا الكلام المخصوص بهذه الأمة وهو القرآن، وإذا أطلقنا الكتاب فيراد به القرآن والسنة، إذا قلنا كتاب الله فيراد به القرآن والسنة، وإذا فصلنا قلنا: الكتاب والحكمة، فالكتاب يعني القرآن, والحكمة تعني السنة، والدليل على ذلك ما جاء في حديث زيد بن خالد الجهني لما جاءه رجل وقال: ( يا رسول الله إن ابني كان عسيفاً على هذا، ( يعني: أجيراً عنده ) فزنا بامرأته, فقيل لي: على ابنك الرجم، قال: ففديت ابني بمائة من الغنم ووليدة، اقض بيننا بكتاب الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأقضين بينكما بكتاب الله، أما الغنم والوليدة فرد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ).في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( على ابنك جلد مائة وتغريب عام )، التغريب ليس مذكوراً في القرآن، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لأقضين بينهم بكتاب الله ), فيدخل في هذا السنة لأنها وحي، لأنها منزلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أنزل الله عز وجل عليه القرآن، والقرآن أعظم نعمة, وأعظم ما ينبغي أن يسعى بالعمل به وامتثاله, الأفراد والجماعات، ولهذا يقول الله جل وعلا: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58]، فضل الله الإسلام ورحمته القرآن خير مما يجمعون من آراء الرجال, ومن كنوز الذهب والفضة وغيرها.
 الفرق بين إقامة الحجة وفهمها
ينبغي أن نفرق بين إقامة الحجة وفهمها، فإقامة الحجة هي: إسماع الدليل الذي يلقى على الإنسان على لغة يفهمها لو أراد أن يفهم، هذا به تقوم الحجة، أما فهم الحجة فمرده إلى القلب، فأنت إذا خاطبت أحداً بلغة يفهمها فقد أقمت عليه الحجة إذا كان مثله يفهم، لكن لو خاطبت الإنسان وهو مجنون, أو خاطبت إنساناً وهو نائم, فلا تقم عليه الحجة, لأنه لا بد أن يكون حاضراً، لكن لو خاطبت الإنسان بلغة لا يفهمها وهو حاضر الذهن؛ كخطاب العربي للأعجمي والأعجمي حاضر الذهن لم تقم عليه الحجة.ثم أيضاً في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا أدخله الله النار )، هذا من قامت عليه الحجة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يسمع بي )، معنى السماع أن يسمع بمحمد لا بغيره، فإذا سمع أحد من اليهود والنصارى بمحمد ولكن قيل له: هذا مفكر عربي أو هذا قائد عسكري لم بسمع بمحمد بل سمع بغيره، فما قامت عليه الحجة حتى يسمع بأن النبي صلى الله عليه وسلم نبي أرسله الله جل وعلا إلى الناس كافة، ولهذا نقول إن الحجة تقوم بالسماع بمحمد صلى الله عليه وسلم كما أراده الله عز وجل له لا كما يصل إلى أذهان الناس مشوهاً، لهذا ربما بعض الطوائف أو بعض الملل يصل إليه أن محمداً إما قائد عسكري أو مفكر أو قائد جيش أو جند، فلا يسمع بمقام النبوة أو كونه يوحى إليه،ولهذا نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ( لا يسمع بي أحد من هذه الأمة )، المراد بذلك هو السماع الشرعي الحقيقي. أما فهم الحجة فليس بمعتبر؛ لأن مرده إلى الباطن, ولا ندري هل الرجل معاند أو فاهم, أعطيناه مرة ومرتين وهو يقول: لم أفهم! هل نبقى معه عشرات السنين حتى يفهم، قوم شعيب قالوا له: مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ [هود:91]، يعني: ما نفهم، فلم يعذروا بذلك ونزل عليهم العذاب، لهذا نقول: نحن مكلفون بإيصال الحجة وإقامتها على وجه يفهمها لو أراد أن يفهم، ولهذا كفار قريش كانوا يضعون أصابعهم في آذانهم ويستغشون ثيابهم أليس كذلك؟ إذاً لا يريد السماع فماذا نصنع به وهو لا يريد أن يسمع, ولا يريد أن يفهم، على هذا نقول: قامت عليه الحجة، لهذا من الناس من يُعرض، ومن يُعرض قامت عليه الحجة، كذلك أيضاً تقوم الحجة على العامة إذا علم الخاصة، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يبعث بكتابه إلى كسرى وقيصر, ولا يأتي إلى النصارى واحداً واحداً إذا كانوا تحت راية ولواء واحد، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم في غزوته كان يأتي الجميع؛ لأن مثل هذا يصل إلى الناس وقد انفتح الأمر في الزمن المتأخر, فأصبحت الفضائيات تبث للعامة وللخاصة بجميع اللغات، لهذا نقول: نحن مكلفون بإقامة الحجة وأما إفهامها فهي إلى من تلقى الحجة, شريطة أن نقيمها كما أراد الله سبحانه وتعالى, فلا يقيمها الإنسان بعجل ولا باختصار ولا باجتزاء, ولا يأتي بها مرة في حال انشغال الإنسان بل ينوع؛ كما كان نوح يأتيهم ليلاً ونهاراً, سراً وجهاراً، ينوع في ذلك فربما كان الإنسان منصرفاً, أو منشغلاً, أو غاضباً, أو ربما في حزن, أو في هم, ولا يدري ماذا تقول, وهذا يطرأ في الناس, ولكن يكرر عليهم حتى تقوم الحجة ويغلب على الظن أنهم فهموا.
الإيمان باليوم الآخر

 تقاضي أهل الحقوق قبل دخول الجنة
وينبغي أيضاً أن نعلم أن الله عز وجل قد جعل قنطرة قبل دخول الجنة وبعد الخروج من النار لمن دخلها, يتقاضى أهل الحقوق في الدنيا حقوقهم, يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( يخرج المؤمنون من النار ), يعني: من كتب الله عز وجل عليهم العذاب, ( فيوقفون على قنطرة بين الجنة والنار, فيتقاضون حقوقاً كانت بينهم ), من جهة الدماء, من جهة المال, من الدنانير والدراهم, لا بد فيها من القضاء, فكثير من الناس يتوهم أن الحقوق المالية أو التعدي على الدماء والأبدان أن هذا تكفره الكفارات للذنوب التي بين الإنسان وبين ربه, من الاستغفار والتوبة والمصائب وغير ذلك, وهذا من الأوهام والخطأ, بل لا تكفر إلا بالاستحلال أو بإعادة الحق أو بالقصاص, ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم عظم أمر حقوق الآدميين ولو كانت قليلة؛ لأنها مبنية على المشاحة فلا بد أن تؤخذ من الإنسان, لا يسامح أحد أحد حتى الأب ابنه, لأن كلهم يريد النجاة, لا يدري في ذلك اليوم هل ينجو بهذه الحسنة أو لا ينجو, ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه يريد تقريراً لهذا المعنى, يقول: ( ما تعدون المفلس فيكم؟ قالوا: المفلس فينا من لا دينار له ولا متاع ), لأن غالب نظرة الإنسان مادية, وهذا طبع بشري, ثم أيضاً الإفلاس كثيراً ما يستعمل للماديات, فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين معنى آخر, قال: ( ما تعدون المفلس فيكم؟ قالوا: المفلس فينا .. ), قال عليه الصلاة والسلام: ( المفلس من يأتي يوم القيامة بأعمال كالجبال, ويأتي وقد ضرب هذا ( انظروا إلى السيئات هل فيها شيء يتعلق بحق الله المحض أم لا ) وقد ضرب هذا, ولطم هذا, وسفك دم هذا, وأخذ مال هذا, فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته, فإن لم يكن لديه حسنات أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار ), فليس فيها شيء من حقوق الله جل وعلا، كلها حقوق آدميين, لا بد فيها من الوفاء, ولهذا لما أدرك بعض الصحابة عليهم رضوان الله تعالى هذا المعنى فزع, لأن غلبة الظن أن الذنوب واحدة, أن الله عز وجل يغفرها لعباده متى شاء, الله عز وجل يعفو إن شاء ولكنه قضى كما قضى أن لا يغفر الشرك إلا بالتوبة قضى أن حقوق الآدميين لا بد فيها من الأداء, أو القصاص يوم القيامة؛ لأن هذا كمال العدل, يقول النبي صلى الله عليه وسلم مبيناً أن هذا الأمر لعدل الله عز وجل ودقته في ذلك أنه يشمل حتى البهائم, التي لا تكلف بالعبادات, يقول عليه الصلاة والسلام: ( لتؤدن الحقوق إلى أهلها, وليقتصن الله من الشاة القرناء للشاة الجماء ), البهائم لا تحاسب بالنار ولا بالجنة, لكن الحقوق التي بينها يكون في ذلك قصاص ثم تكون تراباً لعدل الله سبحانه وتعالى. جاء في البخاري معلقاً, ورواه الإمام أحمد في مسنده من حديث سعيد بن المسيب أن جابر بن عبد الله عليه رضوان الله قال: ( بلغني أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص, قال: فاشتريت بعيراً فركبت إليه مسيرة شهر كامل, قال: فأتيت إليه فطرقت الباب فخرج مولاه, فقال: من عند الباب؟ فقلت: جابر , قال: ابن عبد الله ؟ قال: قلت: نعم, قال: فإذا عبد الله بن أنيس فقال لي: ما الذي جاء بك؟ قلت: بلغني أنك تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً في القصاص, قال: آلله ما جاء بك إلا هذا؟ قال: والله ما جاء بي إلا هذا, قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يحشر العباد يوم القيامة حفاة عراة غرلاً, فيناديهم الله عز وجل بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب فيقول: أنا الملك, أنا الديان, لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه حتى اللطمة ), لأنه ربما لو كان لديه حق عند أحد من أهل الجنة وأخذه رجحت كفته ولم يستوجب النار, ( حتى أقصه منه حتى اللطمة, ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وعليه لأحد من أهل النار حق حتى أقصه منه حتى اللطمة ), يعني: ربما كانت تلك السيئة تنقصه ثم يكون من أهل النار, ( قالوا: يا رسول الله, كيف وإنا نأتي الله عز وجل حفاة عراة؟ ( يعني: كيف يكون القصاص ولا يوجد دنانير, يظنون الأمور مادية, لا دنانير ولا عصي ولا حديد, والقصاص يكون بالمكافأة, بالعمل ) قال النبي صلى الله عليه وسلم: بالحسنات والسيئات وإذا لم يكن لديهم حسنات أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار ), ولهذا نقول: إن حقوق الآدميين مبنية على المشاحة, وحق الله عز وجل مبني على المسامحة, لهذا ينبغي على الإنسان أن يعلم أن حقوق الآدميين هي أولى ما ينبغي للإنسان أن يستبرئ منه بعد الشرك بالله جل وعلا وتحقيق توحيد الله سبحانه وتعالى في ذات الإنسان ولوازم ذلك. نتوقف عند هذا القدر, والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني [2] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net