اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , إن الحكم إلا لله للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


إن الحكم إلا لله - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
إن الله تبارك وتعالى يدبر الكون بحكمه القدري وحكمه الشرعي، وحكمه الشرعي يتنوع إلى حكم شرعي لازم وحكم شرعي متعدٍّ، والمخالفة لحكم الله في الكون قد تستنزل العقوبات على قدر المخالفات، ولكن صلاح العباد وإصلاحهم قد يدفع العقوبة أو يخففها.
حكمة الله في تدبير شئون الكون
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:فإن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق، ودبر هذا الكون وسيره، وجعل حكمه سبحانه وتعالى إليه ليس لأحد من خلقه، فالله جل وعلا يدبر الأمور، ويصيرها، لا يشاركه في ذلك أحد من مخلوقاته، وإن نازعه أحد بقوله أو بفعله، فإن ذلك من أمور المنازعة الصورية، يمهل الله جل وعلا بها المنازع إلى أجل معلوم، ثم يؤاخذه الله سبحانه وتعالى بجريرته ومنازعته تلك، والله سبحانه وتعالى متصرف في ملكه، وكل ما عدا الله جل وعلا هو الكون المخلوق، ومن حكمة الله سبحانه وتعالى أن جعل العباد في هذه الأرض مختلفين، متباينين من جهة الإدراك والنظر، والتمييز بين الخطأ والصواب.وهذه الحكمة البالغة هي أصل الصراع والامتحان والاختبار الذي جعل الله جل وعلا الناس عليه، فكانوا يتقلبون بين خطأ وصواب، وبين حق وباطل، ويغلب الحق الباطل تارة، ويغلب الباطل الحق تارة أخرى، وذلك لاعتبارات دقيقة وحكم عظيمة تخفى على كثير من الخلق؛ وذلك أن الإنسان ربما يكون معه شيء من الباطل الذي يأخذه بحسن قصد، فيقابله صاحب حق أخذه بسوء نية وطوية، فتغلب نية الباطل الحقة نية الحق الفاسدة؛ ولهذا يكون الإنسان في مصارعة بين باطنه وظاهره، فالحق كما أن له ظاهراً كذلك فإن له باطناً أيضاً؛ ولهذا فإن الله جل وعلا في تصرفه في الكون له اعتبارات وحكم تخفى على الخلق بمجموعها، وإن علموا شيئاً منها؛ ولهذا تظهر كثير من معاني صفات الله جل وعلا وأسمائه لمن تأمل سنن الله جل وعلا في الكون. والله سبحانه وتعالى حينما خلق الخلق وسير الخليقة على نظام معلوم، جعل الإنسان بعقله يخالف مراد الله سبحانه وتعالى فيما حدده له من جهة المعمول الشرعي، ولكنه يسير وفق نظام محدود بما يقدره الله جل وعلا له؛ ولهذا من انحرف عن أمر الله سبحانه وتعالى ومراده، وخرج عن قضاء الله الشرعي وتكليفه سبحانه وتعالى لعبده المكلف كان ذلك الخارج أقل مرتبة من الجماد، وذلك أن الجماد لا يوجه إليه الخطاب الشرعي، وإنما يوجه إليه الأمر القدري، فإذا وجه إليه الأمر القدري من الله سبحانه وتعالى ولم يخرج عنه كان متفوقاً على من وجه إليه الخطاب القدري ووجه إليه الخطاب الشرعي فخالف الشرع، وصار على القدر الذي شارك معه الجماد، فامتاز عنه حينئذٍ الجماد وفاق؛ ولهذا الله سبحانه وتعالى جعل البهائم خيراً من الكفار، وجعل الله سبحانه وتعالى الكفار أضل سبيلاً من الأنعام.إن الله سبحانه وتعالى إذا علمنا أن الكون هو خلق الله جل وعلا، فخالق الكون هو أولى بالتصرف والتدبير، فإذا كان الإنسان يملك أرضاً، او يملك داراً أو بستاناً فهو أولى الناس بالتصرف، والذي يدخل على تلك الأرض أو ذلك البستان أو تلك الدار هو ظالم متعدٍّ إلا بإذن صاحبه وتشريعه له، فإذا تعدى من غير رخصة من صاحبه فإنه ظالم لنفسه وظالم لغيره، والله جل وعلا له المثل الأعلى في ذلك، وتصريف الله سبحانه وتعالى للناس.
 

أنواع الأحكام الإلهية التي تجري على الإنسان
والخليقة في هذه الأرض يدورون بين حكمين لله جل وعلا وبين ذينك الأمرين في نصوص كثيرة، وأجملها في قوله جل وعلا: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام:57]، فالله سبحانه وتعالى جعل الحكم له وحده وليس لأحد من عباده. ‏
 النوع الثاني: الحكم الشرعي
والنوع الثاني: هو حكم الله سبحانه وتعالى لعباده بما شرعه لهم من التعبد؛ وقد جعل الله جل وعلا الإقرار بالأول عقيدة، والتسليم بالثاني عملاً واعتقاداً هو العبادة الحقة لله جل وعلا؛ لهذا قال الله سبحانه وتعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40].فالله جل وعلا جعل الحكم له، وجعل الامتثال لذلك الحكم عبادة له سبحانه وتعالى، مما يدل على أن إقرار الإنسان بقلبه بحق الله جل وعلا بتدبير هذا الكون، وتسييره، وكذلك قضاء الله جل وعلا وقدره على عباده فيما يأتيهم وإن دق أو جل أنه بحكم الله سبحانه وتعالى، فيجب عليهم حال نزول الضراء ألا يلحقوها بالأسباب، وإنما يلحقونها بمسبب الأسباب سبحانه وتعالى؛ لهذا من نزلت به مصيبة أو نازلة أو كارثة على أي نوع من أنواع النوازل والكوارث يجب عليه أن يكل ذلك الأمر إلى الله سبحانه وتعالى، فإذا وكله إلى غيره نقص من النوع الأول بقدر ضعف إيمانه به، فيضعف إيمانه بالله جل وعلا، وكذلك يقل تعلقه بالله وثقته ويقينه به سبحانه وتعالى.والإنسان في ذلك يتردد بين الأسباب ومسبب الأسباب، والقلوب تميل في ذلك بين الضعف والقوة، فإذا مال الإنسان إلى مسبب الأسباب، وترك الأسباب بالكلية فإنه متواكل، وإذا اعتمد على الله سبحانه وتعالى، وأخذ بالأسباب المقدرة لأنها تتضمن حكم الله جل وعلا فإنه متوكل، فمن أخذ بالسبب تضمن ذلك إقراره بأن الله جل وعلا دبر الكون على نحو ونظام أعلمه الإنسان، فإذا كان ذلك يتضمن وجود الأسباب وجب عليه أن يأخذ بالأسباب؛ لأنها داخلة في حكم الله سبحانه وتعالى؛ لهذا كملت شريعة الإسلام بإرجاع الإنسان إلى الله جل وعلا بالتعلق به باعتبار أنه مسبب الأسباب جل وعلا، وكذلك بالأسباب التي جعلها الله سبحانه وتعالى أسباباً مشروعة.فيتقي الإنسان بلباس برداً وبلباسٍ حراً، ويتقي الإنسان بالسكن الهواء والشمس، وغير ذلك.وهذا من الأخذ بالأسباب، وإن كانت في ذاتها من غير أمر الله سبحانه وتعالى وحكمه لا تقدم للإنسان شيئاً ولا تؤخر؛ ولهذا الله سبحانه وتعالى ينزع من هذه الأسباب خاصيتها متى ما شاء؛ ولهذا لما وضع قوم إبراهيم إبراهيم عليه السلام في النار أمر الله جل وعلا النار أن تكون برداً وسلاماً على إبراهيم، فهذا السبب نزع منه أثره حينما اعتمد إبراهيم على الله وحده، حينما لم يستطع أن يدفع ذلك السبب بيده أو بشيء من الأسباب المشروعة فاعتمد على مسبب الأسباب، وهذا غاية توكل الإنسان على الله سبحانه وتعالى، واعتماده عليه.وهذا الأمر الثاني: وهو الحكم الشرعي الذي أمر الله جل وعلا بأخذه هو ما قضاه جل وعلا لعباده من الأوامر والنواهي الشرعية التي يحصل بها التكليف، فالله سبحانه وتعالى جعل الامتثال في الأحكام الشرعية ملازماً الامتثال للحكم الأول وهو القدر؛ لأن الإنسان لا يملك أن يتصرف أو يختار في قضاء الله سبحانه وتعالى ما شاء، وأما حكم الله الشرعي -الذي هو موضع الامتحان والاختبار- فإن الإنسان يتردد في ذلك بحسب توفيق الله جل وعلا وإعانته له، وبحسب إيمانه بالله جل وعلا، وامتثاله لأمره ونهيه، ويظهر في ذلك الصالحون، ويظهر في ذلك من دونهم من المقصرين والعصاة والفسقة والمنافقين والكفار والظلمة وغير ذلك، حيث يظهر تعنتهم ومخالفتهم لأمر الله جل وعلا بحسب مخالفتهم لحكم الله سبحانه وتعالى الثاني، وهو أمر الله جل وعلا وقضائه الشرعي.
أنواع الحكم الشرعي
إن حكم الله سبحانه وتعالى الشرعي الذي ينبغي للإنسان أن يكون على بصيرة ومعرفة به، فهذا الحكم على نوعين: الأول: حكم لازم للإنسان لا يتعدى إلى غيره، وهو كثير من العبادات الذاتية اللازمة، كالتسبيح والتهليل والاستغفار وغير ذلك، وكذلك العبادات التي يفعلها الإنسان من الصلاة والصيام وغير ذلك.الثاني: عبادات متعدية، وأحكام متعدية، وهي ما أمر الله جل وعلا بها أن تقام بين الناس على قدر مشترك، والاشتراك في ذلك بحسب تعدي القدر المشترك في ذلك بحسب أهمية الحكم، فكلما كان الحكم متعدياً إلى أكثر من شخص كان أهم وأعظم؛ لأن الله جل وعلا يدير الكون ويصيره من جهة ثباته واستقامة أمره بالنوعين السابقين: الحكم اللازم والحكم المتعدي.ولهذا كانت المجتمعات التي تمتثل أمر الله سبحانه وتعالى راضية مرضية، وهي محل استقامة حال، ولامتثالها لأمر الله سبحانه وتعالى، وإذا قصرت في جنب الله، وخالفت أمر الله سبحانه وتعالى نزل بها من العقوبة ونزل بها من غضب الله سبحانه وتعالى وسخطه بحسب منازعة الله جل وعلا في أمره.وأحكام الله سبحانه وتعالى الشرعية كما تقدم، منها ما هو لازم ومنها ما هو متعدٍّ، اللازم على الإنسان يكون أهم من وجه، وأيسر من وجه، أهم من وجه باعتبار مسائل العقائد، ومسائل العقائد هي في الأغلب لازمة للإنسان لا تتعدى إلى غيره، فيوحد الإنسان ربه جل وعلا، ولو أشرك الناس من حوله، فهو موحد بقلبه وبقوله وكذلك أيضاً بجوارحه، وإن لم يشركه في ذلك غيره. أما ما عدا التوحيد فإن الأمور المتعدية أعظم من الأمور اللازمة في الأحكام الشرعية، وكلما كان حكم الله جل وعلا متعدياً إلى الجماعة فإنه أولى بالأخذ والاعتبار من الحكم الذي لا يتعدى إلى الواحد، وهو شبيه بأمر الجماعة حينما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل )، وهذا فيه إشارة إلى أن الحكم الشرعي كلما كان متعدياً إلى الناس كلهم، فإنه أوجب بالأخذ والاعتبار، لماذا؟ لأن الله جل وعلا يجل تعالى عن أن يحكم على عباده بحكم يعم الأخذ به فيكون ليس له أثر على المجتمع في صلاحهم واستقامة أمرهم، وكلما قصروا في الأمور المتعدية نزل بهم أثر ذلك عكساً بحسب مخالفتهم لأمر الله سبحانه وتعالى، ويظهر ذلك في أحكام الله جل وعلا بين العباد وأقضيته في إقامة الحدود، والتعزيرات.
 النوع الثاني: الحكم الشرعي
والنوع الثاني: هو حكم الله سبحانه وتعالى لعباده بما شرعه لهم من التعبد؛ وقد جعل الله جل وعلا الإقرار بالأول عقيدة، والتسليم بالثاني عملاً واعتقاداً هو العبادة الحقة لله جل وعلا؛ لهذا قال الله سبحانه وتعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40].فالله جل وعلا جعل الحكم له، وجعل الامتثال لذلك الحكم عبادة له سبحانه وتعالى، مما يدل على أن إقرار الإنسان بقلبه بحق الله جل وعلا بتدبير هذا الكون، وتسييره، وكذلك قضاء الله جل وعلا وقدره على عباده فيما يأتيهم وإن دق أو جل أنه بحكم الله سبحانه وتعالى، فيجب عليهم حال نزول الضراء ألا يلحقوها بالأسباب، وإنما يلحقونها بمسبب الأسباب سبحانه وتعالى؛ لهذا من نزلت به مصيبة أو نازلة أو كارثة على أي نوع من أنواع النوازل والكوارث يجب عليه أن يكل ذلك الأمر إلى الله سبحانه وتعالى، فإذا وكله إلى غيره نقص من النوع الأول بقدر ضعف إيمانه به، فيضعف إيمانه بالله جل وعلا، وكذلك يقل تعلقه بالله وثقته ويقينه به سبحانه وتعالى.والإنسان في ذلك يتردد بين الأسباب ومسبب الأسباب، والقلوب تميل في ذلك بين الضعف والقوة، فإذا مال الإنسان إلى مسبب الأسباب، وترك الأسباب بالكلية فإنه متواكل، وإذا اعتمد على الله سبحانه وتعالى، وأخذ بالأسباب المقدرة لأنها تتضمن حكم الله جل وعلا فإنه متوكل، فمن أخذ بالسبب تضمن ذلك إقراره بأن الله جل وعلا دبر الكون على نحو ونظام أعلمه الإنسان، فإذا كان ذلك يتضمن وجود الأسباب وجب عليه أن يأخذ بالأسباب؛ لأنها داخلة في حكم الله سبحانه وتعالى؛ لهذا كملت شريعة الإسلام بإرجاع الإنسان إلى الله جل وعلا بالتعلق به باعتبار أنه مسبب الأسباب جل وعلا، وكذلك بالأسباب التي جعلها الله سبحانه وتعالى أسباباً مشروعة.فيتقي الإنسان بلباس برداً وبلباسٍ حراً، ويتقي الإنسان بالسكن الهواء والشمس، وغير ذلك.وهذا من الأخذ بالأسباب، وإن كانت في ذاتها من غير أمر الله سبحانه وتعالى وحكمه لا تقدم للإنسان شيئاً ولا تؤخر؛ ولهذا الله سبحانه وتعالى ينزع من هذه الأسباب خاصيتها متى ما شاء؛ ولهذا لما وضع قوم إبراهيم إبراهيم عليه السلام في النار أمر الله جل وعلا النار أن تكون برداً وسلاماً على إبراهيم، فهذا السبب نزع منه أثره حينما اعتمد إبراهيم على الله وحده، حينما لم يستطع أن يدفع ذلك السبب بيده أو بشيء من الأسباب المشروعة فاعتمد على مسبب الأسباب، وهذا غاية توكل الإنسان على الله سبحانه وتعالى، واعتماده عليه.وهذا الأمر الثاني: وهو الحكم الشرعي الذي أمر الله جل وعلا بأخذه هو ما قضاه جل وعلا لعباده من الأوامر والنواهي الشرعية التي يحصل بها التكليف، فالله سبحانه وتعالى جعل الامتثال في الأحكام الشرعية ملازماً الامتثال للحكم الأول وهو القدر؛ لأن الإنسان لا يملك أن يتصرف أو يختار في قضاء الله سبحانه وتعالى ما شاء، وأما حكم الله الشرعي -الذي هو موضع الامتحان والاختبار- فإن الإنسان يتردد في ذلك بحسب توفيق الله جل وعلا وإعانته له، وبحسب إيمانه بالله جل وعلا، وامتثاله لأمره ونهيه، ويظهر في ذلك الصالحون، ويظهر في ذلك من دونهم من المقصرين والعصاة والفسقة والمنافقين والكفار والظلمة وغير ذلك، حيث يظهر تعنتهم ومخالفتهم لأمر الله جل وعلا بحسب مخالفتهم لحكم الله سبحانه وتعالى الثاني، وهو أمر الله جل وعلا وقضائه الشرعي.
تحريم الظلم وفرض العقوبات لمن خالف أوامر الله وأحكامه
والله جل وعلا قد بين الحدود، وبين الأحكام، وبين الفرائض، وحدها فمن جاء بها كما أمر الله سبحانه وتعالى، فقد امتثل حكم الله جل وعلا وأمره، ومن خالفها فقد خالف الله سبحانه وتعالى. ‏
 الحكمة من إمهال الظالمين
ومن الحكم الجليلة التي يأخذ الله سبحانه وتعالى بها الظالم في ظلمه الذي يتعدى به الإنسان إلى غيره، أن كثيراً من الناس يسألون عن إمهال الله جل وعلا للظالم، وأنه سبحانه وتعالى يمكن للظالم سنين ومدداً وعقوداً، والله سبحانه وتعالى يراه ويعلم هذا الظلم، وأن الله جل وعلا مع ذلك حرم الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرماً، وأمرهم بألا يتظالموا، وكذلك فإن الله جل وعلا قد حذر من دعوة المظلوم.العلة والحكمة في إمهال الله جل وعلا للظالم: أن الله سبحانه وتعالى يمهل الظالم حتى يرتقي في ظلمه، وذلك أن الله سبحانه وتعالى حينما حرم الظلم على العباد جعل ذلك الظلم محرماً على العباد حتى تستقيم بهم الحياة، وهذا هو المقصد، فحرم الظلم في الأموال، وحرم الظلم في الأنفس، وحرم الظلم في الأعراض، وغير ذلك من أنواع الظلم من دقائق هذه الفروع، ومرد ذلك إلى مصلحة الناس في ذاتهم، فإذا عاقب الله جل وعلا الظالم لأول مظلمة تبدر منه يبتدئ بها فإن الإنسان لا يتعدى الاعتبار والتأديب به إلى غيره، كذلك فإن الإنسان إذا أنزل الله جل وعلا به العقوبة في أول مظلمة، فإن العقوبة ينبغي أن تناسب تلك المظلمة التي وقع الإنسان بها؛ فإن الإنسان يقع في مظلمة يسيرة في دينار ودرهم، أو سب أو لطم ونحو ذلك، وتكون تلك العقوبة مناسبة لتلك المظلمة، فلا يدري الإنسان هل هي من نوع التمحيص، أو من نوع المصائب، أو من نوع العقوبة، والإنسان يتبرأ من إنزال العقوبة؛ لأنه يتبرأ من الخطأ كثيراً ويلحق الخطأ بغيره، فلا يظهر أمر الاعتبار بإنزال العقوبة بالمظالم اليسيرة، وإنما يملي الله جل وعلا للظالم، حتى إذا علا وارتفع في الأرض فرآه الشرقي والغربي، فرآه الناس كافة أمر الله جل وعلا به أن ينزل إلى الأرض حتى يراه الناس كافة.ولهذا كثير من الناس حينما يسألون عن إمهال الله جل وعلا للظالم، وهذا منصوص في كلام الله سبحانه وتعالى، وكذلك أيضاً في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح من حديث أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم تلا قول الله جل وعلا: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102] )، إن أخذ الله سبحانه وتعالى للظالم في الأغلب أنه يكون بعد إمهال، فلا يؤاخذ الإنسان بأول مظلمة؛ وذلك لأن المؤاخذة بأول مظلمة تنافي العفو والصفح والرحمة من الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا يعفو الله جل وعلا عن عبده فلا يعاقبه بأول مظلمة.ولما كانت المظالم العقوبة عليها للاعتبار للناس جعل الله جل وعلا الظالم يمهل حتى يكون الأمر متعدياً، فيمهل الله جل وعلا الظالم فلا يعاقبه وهو في الأرض، فلا يراه إلا أهله وزوجته؛ لأنه لا يراه أحد، وإنما يرفعه الله عز وجل بالظلم شيئاً فشيئاً حتى يبلغ السماء، فإذا بلغ السماء ورآه الشرقي والغربي بظلمه أمر الله جل وعلا به فنزل، وكانت عقوبته للبشرية تامة، ويظهر في ذلك الاعتبار أظهر من عقوبة الله سبحانه وتعالى للأفراد؛ لأن الله جل وعلا لو عاقب فرداً ما علم به إلا من حوله، ولكن يعاقب فرداً بعد أن يرفعه ويستطير شراً، ولله جل وعلا في ذلك سنن وموازنات فيمن خالف حكم الله سبحانه وتعالى وأمره سبحانه وتعالى، والله جل وعلا حينما يسلط ظالماً على عباده فإنه يكون بعدل من الله سبحانه وتعالى، وهذا العدل من الله جل وعلا أن الله لا يسلط الظالم على المجتمعات إلا لحكم، منها ما يكون عقوبة لأفراد، ومنها ما يكون تمحيصاً وتكثيراً ورفعة وغير ذلك من أنواع الحكم، والله جل وعلا لا يسلط ظالماً على معافى من سائر الذنوب، وإنما لحكمة يوازنها الله جل وعلا، فالله سبحانه وتعالى قد جعل أيدي بعض الظالمين تطال أطهر الأجساد وهو جسد محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا نالته أيدي الظالمين، ونالته ألسن الظالمين بالبغي والتعدي عليه نزلت العقوبة، فقد أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنواع الأذى، فتعدي على جسده وعرضه، وكذلك دمه وماله، وأخرج من دياره عليه الصلاة والسلام، مما يدل على أن الله يطلق يد الظالم عليهم، فيتنوعون، فمنهم الفاسق بفسقه، ومنهم الظالم بظلمه، ومنهم الصالح لأجل تمحيصه وإعلائه ورفعته حتى تكون له العاقبة، وهذه حكم متنوعة، وإن كانت اليد في ذلك واحدة، وهذا وإن تأمل الإنسان في إمهال الله سبحانه وتعالى وإملائه للظالمين تظهر له الحكم السابقة، ويظهر له أيضاً جملة من الحكم أيضاً العكسية، أن الله جل وعلا يريد أن يظهر أهل الخير والإصلاح في هذا الإمهال، وهم مقابل ذلك الظلم، فالله سبحانه وتعالى حينما أملى للظالم، كما في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته )، هذه المرحلة في مسألة الإملاء لا بد أن تكون مرحلة صراع، وإصلاح وبيان الحق من الباطل، وتمييزه، وهذا يقوم به المصلحون الذين كانوا على بينة وبصيرة من دعوة الحق، ورسول الله صلى الله عليه وسلم سيدهم في ذلك وقدوتهم، فيجب عليهم أن يقتدوا به.إذاً: هذه المسائل مسائل المظالم ومخالفة حكم الله سبحانه وتعالى، وإمهال الله للظالمين لها حكم متنوعة وآثار متعدية تكون خيراً لأقوام، وشراً لأقوام، وخيراً وشراً لأقوام، وهذا الخير والشر يتنوع بحسب الذوات الذين يقومون ويتلبسون بذلك الحق والخير، والشر كذلك فمستقل ومستكثر.
سنة المدافعة بين الحق والباطل
والله سبحانه وتعالى قد جعل في هذه الأرض سنة المدافعة، فوجب على أهل الإصلاح أن يظهروا بإصلاحهم، وأن يترقبوا أمر الله سبحانه وتعالى، فالله جل وعلا قد جعل السنن القدرية تكون صراعاً بين المؤمن والكافر، والكون وإرث الأرض يكون بين المؤمن والكافر، وبين الصالح والفاسد، وغير ذلك، وأما من يوفقه الله جل وعلا لحكمه الشرعي فإنه لا يوفق إليه إلا من أحب، وأما بالنسبة لحكم الله وقضائه القدري فإن الله جل وعلا يعطي منه من يشاء؛ لهذا الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين، الله جل وعلا ذكر أن الأرض له، ثم ذكر أنه يورثها يعني: أنها تنتقل من فرد إلى آخر، والعاقبة للمتقين يعني: أنها كانت قبل ذلك لغيرهم، فالله سبحانه وتعالى قد جعل ذلك الصراع هو من مواضع الامتحان والاختبار للعباد؛ ليميز الله جل وعلا الخبيث من الطيب. ويظهر هذا أيضاً أن الله سبحانه وتعالى حينما يمكن لعبد من عباده في الأرض سواء كان من أهل الخير، أو كان من أهل الشر أن ذلك من أنواع الابتلاء والاختبار؛ ليميز الله جل وعلا حال الصالح في حال صلاحه هل يشكر أم يكفر؟ وحال الفاسق الخارج عن أمر الله سبحانه وتعالى إما أن يملي له ليزداد غياً في غيه، وإما أن يرجع فيما هو عليه، والعقوبة في ذلك ربما تأتيه في أول طريقه، وربما تأتيه بآخر طريقه أو في أوسطه بحسب حكمة الله سبحانه وتعالى المتعدية التي أراد الله جل وعلا بها الاعتبار المتعدي للغير، وهذا من الحكم أيضاً في مسألة الإملاء، والإمهال من الله سبحانه وتعالى، فإن الله جل وعلا يمهل العباد ولا يهملهم جل وعلا فيما يخالفون به أمره.
 الحكمة من إمهال الظالمين
ومن الحكم الجليلة التي يأخذ الله سبحانه وتعالى بها الظالم في ظلمه الذي يتعدى به الإنسان إلى غيره، أن كثيراً من الناس يسألون عن إمهال الله جل وعلا للظالم، وأنه سبحانه وتعالى يمكن للظالم سنين ومدداً وعقوداً، والله سبحانه وتعالى يراه ويعلم هذا الظلم، وأن الله جل وعلا مع ذلك حرم الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرماً، وأمرهم بألا يتظالموا، وكذلك فإن الله جل وعلا قد حذر من دعوة المظلوم.العلة والحكمة في إمهال الله جل وعلا للظالم: أن الله سبحانه وتعالى يمهل الظالم حتى يرتقي في ظلمه، وذلك أن الله سبحانه وتعالى حينما حرم الظلم على العباد جعل ذلك الظلم محرماً على العباد حتى تستقيم بهم الحياة، وهذا هو المقصد، فحرم الظلم في الأموال، وحرم الظلم في الأنفس، وحرم الظلم في الأعراض، وغير ذلك من أنواع الظلم من دقائق هذه الفروع، ومرد ذلك إلى مصلحة الناس في ذاتهم، فإذا عاقب الله جل وعلا الظالم لأول مظلمة تبدر منه يبتدئ بها فإن الإنسان لا يتعدى الاعتبار والتأديب به إلى غيره، كذلك فإن الإنسان إذا أنزل الله جل وعلا به العقوبة في أول مظلمة، فإن العقوبة ينبغي أن تناسب تلك المظلمة التي وقع الإنسان بها؛ فإن الإنسان يقع في مظلمة يسيرة في دينار ودرهم، أو سب أو لطم ونحو ذلك، وتكون تلك العقوبة مناسبة لتلك المظلمة، فلا يدري الإنسان هل هي من نوع التمحيص، أو من نوع المصائب، أو من نوع العقوبة، والإنسان يتبرأ من إنزال العقوبة؛ لأنه يتبرأ من الخطأ كثيراً ويلحق الخطأ بغيره، فلا يظهر أمر الاعتبار بإنزال العقوبة بالمظالم اليسيرة، وإنما يملي الله جل وعلا للظالم، حتى إذا علا وارتفع في الأرض فرآه الشرقي والغربي، فرآه الناس كافة أمر الله جل وعلا به أن ينزل إلى الأرض حتى يراه الناس كافة.ولهذا كثير من الناس حينما يسألون عن إمهال الله جل وعلا للظالم، وهذا منصوص في كلام الله سبحانه وتعالى، وكذلك أيضاً في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح من حديث أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم تلا قول الله جل وعلا: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102] )، إن أخذ الله سبحانه وتعالى للظالم في الأغلب أنه يكون بعد إمهال، فلا يؤاخذ الإنسان بأول مظلمة؛ وذلك لأن المؤاخذة بأول مظلمة تنافي العفو والصفح والرحمة من الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا يعفو الله جل وعلا عن عبده فلا يعاقبه بأول مظلمة.ولما كانت المظالم العقوبة عليها للاعتبار للناس جعل الله جل وعلا الظالم يمهل حتى يكون الأمر متعدياً، فيمهل الله جل وعلا الظالم فلا يعاقبه وهو في الأرض، فلا يراه إلا أهله وزوجته؛ لأنه لا يراه أحد، وإنما يرفعه الله عز وجل بالظلم شيئاً فشيئاً حتى يبلغ السماء، فإذا بلغ السماء ورآه الشرقي والغربي بظلمه أمر الله جل وعلا به فنزل، وكانت عقوبته للبشرية تامة، ويظهر في ذلك الاعتبار أظهر من عقوبة الله سبحانه وتعالى للأفراد؛ لأن الله جل وعلا لو عاقب فرداً ما علم به إلا من حوله، ولكن يعاقب فرداً بعد أن يرفعه ويستطير شراً، ولله جل وعلا في ذلك سنن وموازنات فيمن خالف حكم الله سبحانه وتعالى وأمره سبحانه وتعالى، والله جل وعلا حينما يسلط ظالماً على عباده فإنه يكون بعدل من الله سبحانه وتعالى، وهذا العدل من الله جل وعلا أن الله لا يسلط الظالم على المجتمعات إلا لحكم، منها ما يكون عقوبة لأفراد، ومنها ما يكون تمحيصاً وتكثيراً ورفعة وغير ذلك من أنواع الحكم، والله جل وعلا لا يسلط ظالماً على معافى من سائر الذنوب، وإنما لحكمة يوازنها الله جل وعلا، فالله سبحانه وتعالى قد جعل أيدي بعض الظالمين تطال أطهر الأجساد وهو جسد محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا نالته أيدي الظالمين، ونالته ألسن الظالمين بالبغي والتعدي عليه نزلت العقوبة، فقد أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنواع الأذى، فتعدي على جسده وعرضه، وكذلك دمه وماله، وأخرج من دياره عليه الصلاة والسلام، مما يدل على أن الله يطلق يد الظالم عليهم، فيتنوعون، فمنهم الفاسق بفسقه، ومنهم الظالم بظلمه، ومنهم الصالح لأجل تمحيصه وإعلائه ورفعته حتى تكون له العاقبة، وهذه حكم متنوعة، وإن كانت اليد في ذلك واحدة، وهذا وإن تأمل الإنسان في إمهال الله سبحانه وتعالى وإملائه للظالمين تظهر له الحكم السابقة، ويظهر له أيضاً جملة من الحكم أيضاً العكسية، أن الله جل وعلا يريد أن يظهر أهل الخير والإصلاح في هذا الإمهال، وهم مقابل ذلك الظلم، فالله سبحانه وتعالى حينما أملى للظالم، كما في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته )، هذه المرحلة في مسألة الإملاء لا بد أن تكون مرحلة صراع، وإصلاح وبيان الحق من الباطل، وتمييزه، وهذا يقوم به المصلحون الذين كانوا على بينة وبصيرة من دعوة الحق، ورسول الله صلى الله عليه وسلم سيدهم في ذلك وقدوتهم، فيجب عليهم أن يقتدوا به.إذاً: هذه المسائل مسائل المظالم ومخالفة حكم الله سبحانه وتعالى، وإمهال الله للظالمين لها حكم متنوعة وآثار متعدية تكون خيراً لأقوام، وشراً لأقوام، وخيراً وشراً لأقوام، وهذا الخير والشر يتنوع بحسب الذوات الذين يقومون ويتلبسون بذلك الحق والخير، والشر كذلك فمستقل ومستكثر.
موقف الإنسان تجاه الحكم القدري والحكم الشرعي
وأما ما ينبغي للإنسان أن يكون على بينة منه في هذين الحكمين وهما حكم الله جل وعلا القدري، وحكم الله جل وعلا الشرعي: أن يعلم أنه إذا بغى وتعدى في حكم الله الشرعي فإنه سينتهي به إلى مناقضة الله ظاهراً في حكمه القدري، فالذي يبتدئ بمعصية في مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى في أمور العبادات بالهوى ونحو ذلك، فإن هذا الأمر يتعدى إلى المكاثرة بالمعاصي والذنوب ومخالفة أمر الله سبحانه وتعالى حتى تصل إلى مرتبة التشريع من دون الله جل وعلا، فتكون تلك المعصية تشريعاً، ويكون ذلك الكفر ديناً بعد أن كان كفراً، وتكون تلك الشهوة شبهة، فإذا كانت الشهوة شبهة، فتتعدى الشبهة بعد ذلك إلى أن تكون عقيدة فهو طريق يوصل إلى الشهوات، وهذا أمر معلوم أن الشهوات طريق يوصل إلى الشبهات، وأما الشبهات فإنه لا يلزم أن توصل إلى الشهوات كما هو معلوم.وينبغي للإنسان أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى يحمي الإنسان المخالف لأمره وحكمه جل وعلا، ويملي له ما لم يصل إلى مناقضة أمر الله سبحانه وتعالى وحكمه القدري، فإن تعدى إليه فإن مقتضى ذلك تعدي المظالم إلى غيره، فلا تكون المظالم لازمة لنفسه، وهذا أمر معلوم؛ ولهذا جاءت الشرائع في سنن الكون، وإقامة الحدود والتعزيرات، وكذلك قوانين الشريعة وأنظمتها بضبط أحوال الناس حتى ينساقوا على نظام متحد تنزع فيه المظالم، وتعاد فيه الحقوق إلى أهلها حتى يستقيم في ذلك أمر الناس، فإذا خالف الإنسان أمر الله جل وعلا فالأغلب أنه لا يخالفه إلا مع قناعة بأحقية المخالفة في ذلك من أحقية التشريع كما يفعله كثير من السلاطين الذين يشرعون من دون الله شرائع تخالف أمر الله سبحانه وتعالى وحدوده وأحكامه، فإذا وصلوا إلى هذه المرتبة فإن ذلك بحسب المظلمة المتعدية من ذلك الحكم، فإن كثيراً من الأحكام التي تخالف أمر الله سبحانه وتعالى تخالفها باطناً، وربما توافقها ظاهراً، وهذا أيضاً من دقائق ما يدفع البلاء عن كثير من الأمم.كثير من الأمم تخالف أمر الله سبحانه وتعالى في حكمه جل وعلا وقضائه في الأمور المتعدية، فيقعون في نوع من العقوبات المخالفة لأمر الله سبحانه وتعالى، ولكن هذه المخالفة مخالفة متعدية باستيفاء حكم الله جل وعلا وزيادة بمخالفة أمر الله جل وعلا بالزيادة بالعقوبة، ومخالفة أمر الله سبحانه وتعالى بالزيادة بالعقوبة أهون من تعطيل حكم الله جل وعلا بالكلية؛ وذلك أن الله جل وعلا ما جعل الأحكام الشرعية في العدل بين الناس إلا ليستوفيها الإنسان، وبقدر زيادة الإنسان على أحكام الشريعة كالذي يقتل مثلاً بالسرقة، أو يقتل الزاني غير المحصن ونحو ذلك، فإن هذا من العقوبات المتعدية على حكم الله جل وعلا، فهو إنزال عقوبة، ولكن زاد عن الحد الذي أمر الله جل وعلا به، والإنسان في ذلك تنزل عليه العقوبة بقدر الزيادة التي خالف فيها أمر الله، ويمنع من نزول البلاء والعقوبة العامة بحسب القدر الذي وافق أمر الله جل وعلا؛ لهذا كثير من الذين يسنون الأنظمة والقوانين توافق كثيراً أمر الله جل وعلا ظاهراً، وتخالفها باطناً، يعني: أنهم يسنون الشرائع الموافقة بإعادة الحقوق إلى أصحابها، وإن كانوا مخالفين فاستحقوا التشريع من دون الله عند أنفسهم فكفروا باطناً، إلا أن العدل بدا ظاهراً فحماهم الله جل وعلا من نزول البلاء عليهم من هذا الوجه؛ لأنهم عدلوا ظاهراً وكفروا وظلموا باطناً، فكان الكفر والظلم الباطن متعلقاً بالأفراد، وأما العدل الظاهر فهو متعلق بالجماعات، وعقاب الله سبحانه وتعالى في بغي الناس ومخالفتهم لأمر الله سبحانه وتعالى يتعلق بالأمور الظاهرة المتعدية أكثر من الأمور اللازمة للأفراد غير المتعدية، ومن نظر إلى عقاب الله جل وعلا للأمم السابقة في إنزال العقوبات في ذلك يجد هذا شبيهاً بالمطرد مع استثناءات يسيرة في ذلك، ولله جل وعلا في ذلك الحكم البالغة.
 الحكمة من إمهال الظالمين
ومن الحكم الجليلة التي يأخذ الله سبحانه وتعالى بها الظالم في ظلمه الذي يتعدى به الإنسان إلى غيره، أن كثيراً من الناس يسألون عن إمهال الله جل وعلا للظالم، وأنه سبحانه وتعالى يمكن للظالم سنين ومدداً وعقوداً، والله سبحانه وتعالى يراه ويعلم هذا الظلم، وأن الله جل وعلا مع ذلك حرم الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرماً، وأمرهم بألا يتظالموا، وكذلك فإن الله جل وعلا قد حذر من دعوة المظلوم.العلة والحكمة في إمهال الله جل وعلا للظالم: أن الله سبحانه وتعالى يمهل الظالم حتى يرتقي في ظلمه، وذلك أن الله سبحانه وتعالى حينما حرم الظلم على العباد جعل ذلك الظلم محرماً على العباد حتى تستقيم بهم الحياة، وهذا هو المقصد، فحرم الظلم في الأموال، وحرم الظلم في الأنفس، وحرم الظلم في الأعراض، وغير ذلك من أنواع الظلم من دقائق هذه الفروع، ومرد ذلك إلى مصلحة الناس في ذاتهم، فإذا عاقب الله جل وعلا الظالم لأول مظلمة تبدر منه يبتدئ بها فإن الإنسان لا يتعدى الاعتبار والتأديب به إلى غيره، كذلك فإن الإنسان إذا أنزل الله جل وعلا به العقوبة في أول مظلمة، فإن العقوبة ينبغي أن تناسب تلك المظلمة التي وقع الإنسان بها؛ فإن الإنسان يقع في مظلمة يسيرة في دينار ودرهم، أو سب أو لطم ونحو ذلك، وتكون تلك العقوبة مناسبة لتلك المظلمة، فلا يدري الإنسان هل هي من نوع التمحيص، أو من نوع المصائب، أو من نوع العقوبة، والإنسان يتبرأ من إنزال العقوبة؛ لأنه يتبرأ من الخطأ كثيراً ويلحق الخطأ بغيره، فلا يظهر أمر الاعتبار بإنزال العقوبة بالمظالم اليسيرة، وإنما يملي الله جل وعلا للظالم، حتى إذا علا وارتفع في الأرض فرآه الشرقي والغربي، فرآه الناس كافة أمر الله جل وعلا به أن ينزل إلى الأرض حتى يراه الناس كافة.ولهذا كثير من الناس حينما يسألون عن إمهال الله جل وعلا للظالم، وهذا منصوص في كلام الله سبحانه وتعالى، وكذلك أيضاً في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح من حديث أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم تلا قول الله جل وعلا: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102] )، إن أخذ الله سبحانه وتعالى للظالم في الأغلب أنه يكون بعد إمهال، فلا يؤاخذ الإنسان بأول مظلمة؛ وذلك لأن المؤاخذة بأول مظلمة تنافي العفو والصفح والرحمة من الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا يعفو الله جل وعلا عن عبده فلا يعاقبه بأول مظلمة.ولما كانت المظالم العقوبة عليها للاعتبار للناس جعل الله جل وعلا الظالم يمهل حتى يكون الأمر متعدياً، فيمهل الله جل وعلا الظالم فلا يعاقبه وهو في الأرض، فلا يراه إلا أهله وزوجته؛ لأنه لا يراه أحد، وإنما يرفعه الله عز وجل بالظلم شيئاً فشيئاً حتى يبلغ السماء، فإذا بلغ السماء ورآه الشرقي والغربي بظلمه أمر الله جل وعلا به فنزل، وكانت عقوبته للبشرية تامة، ويظهر في ذلك الاعتبار أظهر من عقوبة الله سبحانه وتعالى للأفراد؛ لأن الله جل وعلا لو عاقب فرداً ما علم به إلا من حوله، ولكن يعاقب فرداً بعد أن يرفعه ويستطير شراً، ولله جل وعلا في ذلك سنن وموازنات فيمن خالف حكم الله سبحانه وتعالى وأمره سبحانه وتعالى، والله جل وعلا حينما يسلط ظالماً على عباده فإنه يكون بعدل من الله سبحانه وتعالى، وهذا العدل من الله جل وعلا أن الله لا يسلط الظالم على المجتمعات إلا لحكم، منها ما يكون عقوبة لأفراد، ومنها ما يكون تمحيصاً وتكثيراً ورفعة وغير ذلك من أنواع الحكم، والله جل وعلا لا يسلط ظالماً على معافى من سائر الذنوب، وإنما لحكمة يوازنها الله جل وعلا، فالله سبحانه وتعالى قد جعل أيدي بعض الظالمين تطال أطهر الأجساد وهو جسد محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا نالته أيدي الظالمين، ونالته ألسن الظالمين بالبغي والتعدي عليه نزلت العقوبة، فقد أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنواع الأذى، فتعدي على جسده وعرضه، وكذلك دمه وماله، وأخرج من دياره عليه الصلاة والسلام، مما يدل على أن الله يطلق يد الظالم عليهم، فيتنوعون، فمنهم الفاسق بفسقه، ومنهم الظالم بظلمه، ومنهم الصالح لأجل تمحيصه وإعلائه ورفعته حتى تكون له العاقبة، وهذه حكم متنوعة، وإن كانت اليد في ذلك واحدة، وهذا وإن تأمل الإنسان في إمهال الله سبحانه وتعالى وإملائه للظالمين تظهر له الحكم السابقة، ويظهر له أيضاً جملة من الحكم أيضاً العكسية، أن الله جل وعلا يريد أن يظهر أهل الخير والإصلاح في هذا الإمهال، وهم مقابل ذلك الظلم، فالله سبحانه وتعالى حينما أملى للظالم، كما في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته )، هذه المرحلة في مسألة الإملاء لا بد أن تكون مرحلة صراع، وإصلاح وبيان الحق من الباطل، وتمييزه، وهذا يقوم به المصلحون الذين كانوا على بينة وبصيرة من دعوة الحق، ورسول الله صلى الله عليه وسلم سيدهم في ذلك وقدوتهم، فيجب عليهم أن يقتدوا به.إذاً: هذه المسائل مسائل المظالم ومخالفة حكم الله سبحانه وتعالى، وإمهال الله للظالمين لها حكم متنوعة وآثار متعدية تكون خيراً لأقوام، وشراً لأقوام، وخيراً وشراً لأقوام، وهذا الخير والشر يتنوع بحسب الذوات الذين يقومون ويتلبسون بذلك الحق والخير، والشر كذلك فمستقل ومستكثر.
أسباب رفع البلاء ودفع العقوبة
إذا علمنا ذلك يجب علينا -كما فهمنا مسائل أحكام الله سبحانه وتعالى وأنواعها، والعلل التي لأجلها أمر الله جل وعلا بامتثال حكمه، وأن الله جل وعلا غني عن ذلك الامتثال، وأن مرد تلك المنافع هي للناس وللبشرية، وأن الناس يجب عليهم أن يمتثلوا لمصلحة ذاتهم، فإنهم لم يبلغوا ضر الله فيضروه سبحانه وتعالى، وإنما النفع والضر هو منهم وإليهم، فإذا خالفوا نزلت عليهم العقوبة، وإذا امتثلوا نزلت عليهم الرحمة- يجب الأخذ بعين الاعتبار في مواضع دفع البلاء، ومخالفة أمر الله سبحانه وتعالى، وذلك بأمور متعددة. ‏
 معرفة مقادير الظلم والظالمين
ومن الأمور المهمة أيضاً أنه ينبغي للإنسان أن يعرف مقادير المظالم ومراتبها، حتى لا تنزل به العقوبة، ويظن أنه على الحق؛ لهذا ينبغي للإنسان أن يعرف حدود ماله، وإذا عرف حدود ماله عرف ما لغيره، وإذا عرف ما لغيره عرف ما له؛ ولهذا بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أموال الناس ودماءهم وأعراضهم حرام وبيّن أن الحقوق التي تكون بين العباد لا بد فيها من الوفاء في الدنيا؛ وذلك لأنها متعلقة بعاجل لا متعلقة بآجل؛ ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم -كما روى الإمام أحمد وأصله في البخاري معلقاً من حديث عبد الله بن أنيس- قال عبد الله بن أنيس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يحشر الله العباد يوم القيامة حفاة عراة غرلاً بهماً، فيناديهم الله جل وعلا بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، فيقول جل وعلا: أنا الملك أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه حتى اللطمة، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وعنده لأحد من أهل النار حق حتى أقصه منه حتى اللطمة. قالوا: يا رسول الله! كيف وإنا نأتي الله جل وعلا حفاة عراة؟ قال: بالحسنات والسيئات )؛ لأن الوفاء قد انقضى، ومحله أنه يجب على الإنسان أن يعلم الحدود التي له وعليه، فيؤديها لأصحابها وإن لم يؤدها لأصحابها فإنه لا بد من القصاص يوم القيامة؛ لهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: ( من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها من قبل أن يأتي يوم لا دينار فيه ولا درهم )، وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً كما في الصحيح قال: ( يخرج المؤمنون من النار فيوقفون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتصون حقوقاً كانت بينهم )، أي: أن الحقوق لا بد فيها من الوفاء في أمر الدنيا، وإن لم يكن ثمة وفاء فالموازنة بالحسنات والسيئات، ترفع بها الحسنات وتزيد بها السيئات، يرفع بها الإنسان درجة، ويهبط بها مراتب، بل ربما كانت دركات.وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من دعوة المظلوم، فكانت دعوة المظلوم -ولو كان كافراً مقبولة- وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في المسند من حديث أنس بن مالك قال عليه الصلاة والسلام: ( اتق دعوة المظلوم، ولو كان كافراً؛ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب ).إن دعوة المظلوم لقوة المظالم لتعلقها بالعدل بين الناس، ولو كان كافراً وجب العدل في ذلك، وإذا تعدى الإنسان في ذلك اختل ميزان الحياة، وإذا اختل ميزان الحياة فحصل الإشراك، فإن الله سبحانه وتعالى قضى ألا يجعل هذا النوع من الذنوب تحت مشيئته بالمغفرة.والله جل وعلا قد جعل أسباب المغفرة للعباد: إما أن يغفر الله جل وعلا لعبده الذنوب والمعاصي، فيجعل العبد تحت المشيئة سواء كان الذنب صغيراً أو كبيراً، ما لم يكن شركاً، فإن الله جل وعلا أخذ على نفسه ألا يغفر للمشرك شركه، إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، كذلك أيضاً الحقوق؛ لقوة العدل ووجوب الوفاء بها، والأخذ بحكم الله سبحانه وتعالى، الله جل وعلا لا يغفر المظالم التي بين الناس، ولو استغفر الإنسان مدى الدهر، فمن ضرب رجلاً أو أخذ مال رجل، وأراد أن يستغفر فإنه سلك طريقاً للتوبة مسدوداً إلا في صور كأن يجهل الإنسان صاحب الحق ولا يدري أين أرضه ومكانه ونحو ذلك، فإن هذا باب المغفرة فيه مفتوح.وأما إذا علم صاحب الحق فإن الله جل وعلا لا يغفر للمتعدي والظالم ظلمه حتى يعيد الحق لصاحبه؛ لهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها ) ما قال: ليستغفر، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً كما في الصحيح، قال: ( ما تعدون المفلس فيكم؟ قالوا: المفلس فينا من يأتي يوم القيامة بأعمال كالجبال )، ويأتي، وانظروا إلى ما الذي أتى به؟ ( قال: ويأتي وقد ضرب هذا )، وهذه أنواع الذنوب ضرب هذا، كلها تتعلق بالآخرين، يأتي وقد ضرب هذا ولطم هذا، وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا، ولم يقل: شرب الخمر، وإن كان ذنباً وكبيرة، ولكنه تحت المشيئة، قد يغفر الله جل وعلا لصاحبه، وقد يعاقبه بذلك ويدخله النار، ولكن هذه المظالم متعلقة بحقوق الناس لا بد فيها من الوفاء؛ لأنها حق خاص، وحقوق العباد مبنية على المشاحة، لا على المسامحة، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن لم يكن لديه حسنات طرحت عليه سيئات صاحبه، ثم طرح في النار، وهذا لتمام عدل الله سبحانه وتعالى؛ لهذا وجب على الإنسان أن يعلم أن الله جل وعلا شدد في حكمه لصلاح البشرية، وأنزل كتابه العظيم؛ لأنه لا يمكن أن يتسق نظام إلا على نظامه جل وعلا وحكمه، وكثير من البشر يسنون أنظمة وقوانين لصالح البشرية، ويقومون باستئثار هذا النوع لأنفسهم من دون الله.الله جل وعلا خلق الخلق، ويعلم أحوالهم على حد سواء، يعلم الماضين، واللاحقين لهم، ومن لم يوجد ممن سيأتي وحاله وما يصلح حاله، فالله جل وعلا سن أمثال هذه الشرائع لشريط البشرية كاملاً، وكثير من الناس يسنون أنظمة لصالح جماعة أو لصالح فرد، أو نظر في باب ضيق ونحو ذلك، ويقولون: هذا هو الأصلح، عرفوا ظاهراً من الحياة الدنيا، وأما ما أراده الله جل وعلا من الحكم البالغة من استيفاء الحقوق والتشديد فيها، وكذلك إقامة عدل الله سبحانه وتعالى في الناس فهذا هو الذي ربما تخفى علله على كثير من الخلق، فيقومون بمنازعة الله جل وعلا في حكمه، ومحادة الله سبحانه وتعالى، فيستحقون في ذلك العقاب إن عاجلاً أو آجلاً؛ ولهذا ينبغي بيان خطورة المظالم في المجتمعات فيما يتعلق في الأموال، وما يتعلق في الدماء، وما يتعلق في الأعراض، وبيان خطورتها للناس، وإن عاندوا وكابروا، وإن عوقب الإنسان على ذلك؛ لأنه مصلح به تحمى الأمة، ويوقى الناس العقاب، وكثير من الأمم والمجتمعات يحميها الله جل وعلا مع وجود أعيان مفسدين فيها بوجود أفراد مصلحين علمهم الناس أو لا يعلمون، يتنازعون الإصلاح في ذلك بين مستقل ومستكثر حتى يكمل الإصلاح فيرفع الله جل وعلا عقابه عن ذلك المجتمع.أسأل الله سبحانه وتعالى لي ولكم التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد ...

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , إن الحكم إلا لله للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net