اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , النوازل في الصيام للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


النوازل في الصيام - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
أنعم الله على هذه الأمة بإتمام دينها, ومن تمامه كون صالحاً لكل زمان ومكان, فمهما جاءت من نوازل إلا ووجد له حكم, وقد اعتنى أهل العلم بقضايا النوازل, وبينوا للناس أحوالها وأحكامها، ومن تلك النوازل: نوازل الصيام، وهي أنواع متعددة، منها ما يتعلق بالحساب والفلك، ومنها ما يتعلق بالتكليف وآليته، ومنها ما يتعلق بالمفطرات.
كمال الشريعة وتمامها
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:فالله سبحانه وتعالى قد أتم على هذه الأمة النعمة، وأكمل لها الدين، وما جعلهم في حيرة وتعلق بغير الحكم الشرعي؛ لهذا كانت هذه المنة أعظم منة من الله سبحانه وتعالى بها على هذه الأمة، قال الله سبحانه وتعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3]، فالنعمة هي الدين، وتمامها كمال الدين؛ لهذا حسد اليهود هذه الأمة على تمام هذا الدين.ومن تمام هذا الدين وكماله: صلاحيته لكل زمان ومكان؛ فلا يحتاج في كل موضع وفي كل حال وفي كل نازلة إلى نص بتلك النازلة، وإنما جاءت أصول عامة تجري على فروع كثيرة؛ لهذا أوتي النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم كما قال عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيح: ( إنما بعثت بجوامع الكلم )، وهذا كما أنه للنبي صلى الله عليه وسلم فهو لكلام الله عز وجل من باب أولى؛ لأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم دون كلام الله جل وعلا بياناً وفصاحة وبلاغة وكمالاً؛ فالكمال هو لله جل وعلا من غير نقص بأي نوع من أنواع النقص؛ لهذا كان من كمال هذا الدين أن جعل الله عز وجل فيه قواعد كلية وأصولاً عامة تحمل على أفراد وعلى نوازل؛ فتصلح هذه الأصول مرجعاً في كل زمان ومكان، وفي كل مسألة وفي كل نازلة؛ لهذا بقيت أحكام الشريعة ظاهرة بينة والأدلة الشرعية يستدل بها في كل حال وفي كل نازلة وفي كل عصر وفي كل مصر، ومن تأمل الأعصار الماضية -وكذلك بقاع العالم- وجد أن الشريعة والأدلة من الكتاب والسنة هي مدار الاستدلال على اختلاف النوازل، وتنوع الحوادث وغير ذلك. الشريعة هي المرجع، وهذا هو ثمرة كمال هذا الدين، وإتمام الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة النعمة. ومن تمام نعمة الله عز وجل: أن سهل لهذا الأمة وجود الاستنباط، وكذلك وجود العلماء الربانيين الذين يستنبطون من الأحكام الشرعية أدلة للفروع وللأحكام النازلة؛ لهذا كثرت فتاوى العلماء في الأحكام النازلة في المذاهب الفقهية الأربعة وغيرها؛ فكانت الأدلة من كلام الله سبحانه وتعالى هي الأصل، والفتاوى التي تؤخذ منها إنما تنزل بصيغة النوازل وبيان أحكامها، والمستند من جهة الأصل هو كلام الله سبحانه وتعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 

دراسة نوازل الصيام
كلامنا في هذه الليلة عن نوازل الصيام. نوازل الصيام متعددة ولها فروع متشعبة، وكلمة الصيام تعني: الإمساك، وما يتعلق بالإمساك، وليست النوازل محصورة في المفطرات فحسب؛ بل ثمة نوازل متعددة فيما يتعلق بالفلك وما يتعلق بالرؤية، وكذلك بسبل وطرق الإمساك، كذلك في المفطرات, ومنها ما يتعلق بالمكلف بنفسه.ومعلوم أن للصيام أركاناً منها: الصائم، وكذلك الإمساك، وكذلك الزمن الذي يمسك فيه، وكل هذه لها متعلقات ولها نوازل. ‏
 من مظان المسائل النازلة
مظان المسائل النازلة في مصنفات العلماء هي في كتب الفتاوى، والفتاوى -في الغالب- تطلق على ما أفتى به الإنسان في نازلة من النوازل، وذلك أن الإفتاء لا يكون بالجملة إلا في فتاوى نازلة؛ ولذلك تنسب هذه الفتوى لفلان. أما ما كان فيه نص شرعي من كلام الله سبحانه وتعالى، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس المجال لأحد، وإنما يورد الدليل من الكتاب والسنة، ومواضع الخلاف يكون فيها الاجتهاد، وما ظهر فيه الدليل فالفتوى ليست لصاحب ذلك الكلام وإنما هي لكلام النبي صلى الله عليه وسلم فهو إمام المفتين؛ ولذلك جمع ابن القيم عليه رحمة الله تعالى رسالة سماها فتاوى إمام المفتين, وهو النبي عليه الصلاة والسلام جمع فيها أقواله، وما سئل عنه عليه الصلاة والسلام وأجوبته في هذا الباب.وثمة مصنفات عن المذاهب الفقهية الأربعة في مذهب أبي حنيفة وكذلك الإمام مالك و الشافعي والإمام أحمد في النوازل، فثمة فتاوى عديدة في هذا مذهب أبي حنيفة كالفتاوى البزازية لـمحمد البزاز الحنفي ، وكذلك فتاوى خير الدين الرملي ، وكذلك فتاوى الظهرية لـظهير الدين ، وكذلك في مذهب الإمام مالك ثمة البيان والتحصيل لـابن رشد ، وكذلك النوازل لـابن رشد أيضاً، وكذلك النوازل الكبرى والنوازل الصغرى، وكذلك جاء في مذهب الإمام مالك كتاب مذاهب الحكام في نوازل الأحكام للقاضي عياض ، وفي مذهب الإمام الشافعي عليه رحمة الله تعالى ثمة جملة من المصنفات في الفتاوى في النوازل كفتاوى السبكي ، وكذلك فتاوى ابن الصلاح و ابن حجر العسقلاني و ابن حجر الهيتمي ، وغيرها من المصنفات، وكذلك في مذهب الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى مسائل متعددة مطبوعة كمسائل ابن هاني ومسائل مهنا، وأكثرها نوازل نزلت لم تكن في عهد النبي عليه الصلاة والسلام. وأقل العلماء فتيا في النوازل وإلحاق الفرع بالأصل هم: الظاهرية، ومن أخذ بظواهر النصوص من أئمة الإسلام كبعض الفقهاء من الحنابلة.
أقسام النوازل في الصيام
النوازل في الصيام لها عدة أقسام: القسم الأول: ما يتعلق بالفلك والحساب؛ وذلك أن الإنسان لا يمكن أن يصوم إلا بمعرفة الوقت الذي يصوم فيه، وابتدائه و انتهائه، وعلامة الابتداء وعلامة الانتهاء. القسم الثاني: ما يتعلق بالمكلف بذاته بآلية التكليف، والعوارض الحادثة والنازلة في هذا الباب. القسم الثالث: النوازل من المفطرات. وهذه الأقسام الثلاثة سنتكلم عنها بالإجمال، ثم نلحقها بأصولها ونبين الحكم الشرعي فيها.
 من مظان المسائل النازلة
مظان المسائل النازلة في مصنفات العلماء هي في كتب الفتاوى، والفتاوى -في الغالب- تطلق على ما أفتى به الإنسان في نازلة من النوازل، وذلك أن الإفتاء لا يكون بالجملة إلا في فتاوى نازلة؛ ولذلك تنسب هذه الفتوى لفلان. أما ما كان فيه نص شرعي من كلام الله سبحانه وتعالى، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس المجال لأحد، وإنما يورد الدليل من الكتاب والسنة، ومواضع الخلاف يكون فيها الاجتهاد، وما ظهر فيه الدليل فالفتوى ليست لصاحب ذلك الكلام وإنما هي لكلام النبي صلى الله عليه وسلم فهو إمام المفتين؛ ولذلك جمع ابن القيم عليه رحمة الله تعالى رسالة سماها فتاوى إمام المفتين, وهو النبي عليه الصلاة والسلام جمع فيها أقواله، وما سئل عنه عليه الصلاة والسلام وأجوبته في هذا الباب.وثمة مصنفات عن المذاهب الفقهية الأربعة في مذهب أبي حنيفة وكذلك الإمام مالك و الشافعي والإمام أحمد في النوازل، فثمة فتاوى عديدة في هذا مذهب أبي حنيفة كالفتاوى البزازية لـمحمد البزاز الحنفي ، وكذلك فتاوى خير الدين الرملي ، وكذلك فتاوى الظهرية لـظهير الدين ، وكذلك في مذهب الإمام مالك ثمة البيان والتحصيل لـابن رشد ، وكذلك النوازل لـابن رشد أيضاً، وكذلك النوازل الكبرى والنوازل الصغرى، وكذلك جاء في مذهب الإمام مالك كتاب مذاهب الحكام في نوازل الأحكام للقاضي عياض ، وفي مذهب الإمام الشافعي عليه رحمة الله تعالى ثمة جملة من المصنفات في الفتاوى في النوازل كفتاوى السبكي ، وكذلك فتاوى ابن الصلاح و ابن حجر العسقلاني و ابن حجر الهيتمي ، وغيرها من المصنفات، وكذلك في مذهب الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى مسائل متعددة مطبوعة كمسائل ابن هاني ومسائل مهنا، وأكثرها نوازل نزلت لم تكن في عهد النبي عليه الصلاة والسلام. وأقل العلماء فتيا في النوازل وإلحاق الفرع بالأصل هم: الظاهرية، ومن أخذ بظواهر النصوص من أئمة الإسلام كبعض الفقهاء من الحنابلة.
نوازل الصيام في الفلك والحساب
أما القسم الأول وهو: النوازل في الفلك والحساب؛ فيقال: إن الله عز وجل كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أخبار متعددة، قد ربط الحكم في هذا، أي: في باب الإمساك والإفطار بالرؤية؛ لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم أو غبي عليكم فاقدروا له )، على خلاف عند العلماء في معنى (فاقدروا له)، والخلاف في هذه المسألة خلاف ضعيف جداً، وقد حكي الإجماع على أنه لا عبرة إلا بالرؤية، حكى إجماع العلماء على ذلك غير واحد كـابن المنذر وابن عبد البر والقرطبي ، وغير واحد من أئمة الإسلام. والخلاف الذي قد طرأ في هذه المسألة إنما طرأ متأخراً، ولم يعرف عند أهل الفلك النظر لحال الهلال ظهوراً وانصراماً وحساب دخول الأشهر القمرية وانصرامها في الجاهلية وفي صدر الإسلام، ولم يكونوا ينظرون حتى علق الشارع الحكيم الرؤية بدخول الشهر وانصرامه، بدأ بعض علماء الفلك بالنظر في حساب الأهلة ودخولها. ‏
 تغير طلوع الشمس من بلد إلى بلد
ومن المسائل النازلة في هذا الباب: تغير طلوع الشمس من بلد إلى بلد. فمن البلاد التي يعيش فيها بعض المسلمين من يكون الليل فيها سرمداً، وفي بعض البلدان من يكون فيها النهار سرمداً، وفي بعضها من يطول النهار طولاً فاحشاً، ويقصر الليل قصراً مفرطاً، فكيف يكون هذا الحساب؟ يقال: إن هذه البلدان لا تخلو من ثلاثة أنواع:النوع الأول: البلدان التي تكون بين خطي عرض (45 و 48) درجة شمال وجنوب خط الاستواء، وهذه أكثر بلدان العالم، وأكثر البلدان الإسلامية هي على هذا الأمر باستواء الليل والنهار، وإن زاد الليل قليلاً، أو زاد النهار كذلك فهذا يجب عليهم أن يكون إمساكهم وفطرهم بحسب طلوع الفجر، وكذلك يفطرون بغروب الشمس، وهذا لا خلاف فيه؛ لظاهر كلام الله سبحانه وتعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187].والقسم الثاني: البلدان التي بين (48 - 66) درجة شمال وجنوب خط الاستواء، وهذه البلدان يطول فيها النهار طولاً مفرطاً، ويقصر فيها الليل قصراً مفرطاً، وهذا كبعض البلدان في شمال القارة الآسيوية، وكذلك القارة الأوربية كحال بعض المسلمين في روسيا كموسكو وكذلك في بعض البلدان في شمال أوربا كبروكسل ولندن وكذلك باريس ونحوها.فيقال: إن أمثال هؤلاء في بعض مواسم السنة عليهم أن يعتدوا بتوقيت أقرب بلد يصح صيامهم بطلوع الشمس وغروبها، وهذه البلدان في بعض الأحوال يشترك فيها وقت المغرب مع وقت العشاء والفجر، فيكون الليل وقتاً يسيراً ويكون الوقت كله شفقاً، ومعلوم أن وقت المغرب ينتهي بغياب الشفق ويدخل العشاء بمغيب الشفق ويدخل الفجر بطلوع الفجر وينتهي بطلوع الشمس، ولكن الليل في بعض الأوقات في هذه البلدان يكون الليل شفقاً وحمرة إلى طلوع الشمس، فلا يعرف وقت العشاء ولا وقت المغرب ولا وقت الفجر.فيقال: المغرب هو أظهرها باعتبار ظهور الشفق فيصلي الإنسان، لكن العشاء بمغيب الشفق، والشفق لا يغيب. كذلك بالنسبة للصيام يقال: إنهم يعتدون بأقرب بلد، وهذا يلحق بقاعدة يذكرها العلماء قال: ما قرب من الشيء ألحق به، وهذه أقرب قاعدة تصلح لهذه المسائل، وهذه المسألة ترجع إلى خبر قد أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم حينما أخبر بخروج الدجال فقال النبي صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن أوقات الصلوات قال: ( فاقدروا له قدره ) وهذا الحديث قد رواه الإمام مسلم من حديث عبد الرحمن بن زبير بن نفير عن أبيه عن النواس بن سمعان قال: ( ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عندنا الدجال ، فرفع فيه وخفض، وأكثر من ذكره حتى ظنناه في طائفة النخل، فذهبنا ورجعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرف ذلك في وجوهنا، فقلنا: يا رسول الله! إنك ذكرت الدجال ، فرفعت فيه وخفضت وأكثرت فيه حتى ظننا أنه في طائفة النخل، فقال: إني أخوف ما أخاف عليكم الدجال ، وإنه ظاهر فيكم، وإنه إن ظهر وأنا فيكم فأنا حجيجكم دونه، وإن ظهر ولست فيكم فالله خليفتي فيكم - ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه شاب قطط، عينه ناتئة، أشبهه بعبد العزى بن قطن، فإن لقيتموه فاقرؤوا عليه فواتح سورة الكهف، فقال الصحابة عليهم رضوان الله تعالى: كم بقاؤه فينا؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: أربعون يوماً، فقال عليه الصلاة والسلام: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة - فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أتكفينا الصلوات الخمس؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لا، اقدروا لها قدرها ). بالنسبة للصلوات يقدر لها قدرها كذلك بالنسبة للصيام تبع؛ لأن الصلاة آكد، فلما كان التقدير في الصلاة وهي مؤكدة آكد من الصيام، كذلك في الصيام من باب أولى، وهو أجوز وأظهر بأن يقدر له قدره وإن كانت الشمس ظاهرة.ففي مثل هذه الدول يقال: يقدر الإنسان بالنسبة للصلاة بحسب توقيت أقرب بلد يصوم أو يصلي صلاة صحيحة، وإن كانت الشمس ظاهرة لا حرج عليه أن يطعم، وإذا علق الأمر بالإمساك فإن في هذا ضرراً على بدن الإنسان فقد يكون الليل في بعض البلدان ثلاث ساعات أو ساعتين أو أربع ساعات، ويكون صيامه عشرين ساعة، وفي هذا من الضرر على الإنسان ما لا يخفى.القسم الثالث: الدول التي هي فوق خط عرض (66) شمال وجنوب الاستواء، كالقطبين الشمالي والجنوبي، كالدول الاسكندنافية، وما حولها فهذه يكون فيها الليل سرمداً بنحو ستة أشهر ويكون فيها النهار سرمداً بنحو ستة أشهر، وهذا يرجع فيه إلى الحساب والتقدير كما تقدم في حديث النواس بن سمعان عليه رضوان الله تعالى في قوله عليه الصلاة والسلام: ( فاقدروا له ) أي: من جهة الحساب.هذا فيما يتعلق بالقسم الأول من النوازل في الصيام فيما يتعلق بالفلك وأمورها.
نوازل الصيام المتعلقة بالمكلف
القسم الثاني: ما يتعلق بالمكلف من نوازل.فمما يتعلق بالمكلف من نوازل: ما يطرأ عليه من رفع التكليف عنه، سواء باختياره أو بغير اختياره، ممن لم يكن سببه قد وجد فيما سبق.ومن ذلك: أنواع التخدير الطارئة، هل تلحق هذه بالإغماء -ومعلوم أن الإغماء ليس اختيارياً- أم تلحق بالنوم، والنوم اختياري بالجملة؟! يقال: إن هذا ينظر فيه بحسب الحال، فثمة أحوال متعددة في هذا النوع من النوازل المتعلقة بالمكلف، فيقال: من الأنواع ما هو اختياري، فيلحق بالنوم، كالتنويم المغناطيسي، وهو التنويم بالإيحاء أو التنويم بالإبر كأن تغرز إبر في بعض الأماكن ويسمى بالإبر الصينية توضع في بعض الأماكن لتصل إلى بعض مواضع الإحساس بالإنسان التي تتحكم بوعيه، فإذا وصلت إليه نام الإنسان واستغرق في نومه وهذا يستعمل قديماً وحديثاً، إلا أن العلماء عليهم رحمة الله تعالى لم ينصوا في المسائل الفقهية على مثل هذا النوع، فيقال: لما كان اختيارياً يلحق بالنوم. وخلاصة هذه المسألة، وخلاف العلماء عليهم رحمة الله تعالى فيها أن يقال: إن النائم لا يخلو من حالين:الحال الأولى: إذا كان قد أجمع النية من الليل نوى الصيام، ونام بعد ذلك النهار، فيقال: إذا كان قد أجمع النية من الليل وكان مستيقظاً جزءاً من النهار فقد اتفق العلماء على صحة صيامه.وأما إذا كان قد أجمع النية من الليل، ولم يستيقظ شيئاً من النهار، فيقال: إن عامة العلماء على صحة صيامه وذهب بعض الفقهاء إلى عدم صحة الصيام، وذهب إلى هذا بعض أهل الرأي، والصواب مما عليه العامة أن صحة صيامه ظاهرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( رفع القلم عن ثلاثة ) وأخبر أن صحة الصيام متعلقة بتبييت النية من الليل؛ وقد توفر فيه ذلك.وهذا يخرج عما يتعمده الإنسان من ترك الصلاة؛ فهذه مسألة أخرى قد اختلف فيها العلماء فيمن تعمد ترك صلاة واحدة في رمضان، وما يترتب على هذا، وهذا يتفرع من مسألة من ترك صلاة متعمداً حتى خرج وقتها هل يكفر أم لا؟ إذا كفر بطل صيامه تبعاً لذلك، وإذا لم يكفر فإن صيامه يكون صحيحاً، وقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب. وهذا فرع عن ذلك الخلاف.من نام ولم يبيت الصيام من الليل، كأن يكون نام من نهار واستيقظ في الليلة التي تليها فيقال: إن هذا الصيام غير مقبول عند عامة العلماء، وهذا قد حكي فيه الاتفاق.وأما النوع الثاني: وهو ما لم يكن اختيارياً، أي: أن الإنسان ليس مختاراً له، كأن يخدر الإنسان أو يبنج أو يستعمل له بعض الأبخرة من غير اختياره؛ فيخدر، هذا لا يلحق بالنائم، وإنما يلحق بالمغمى عليه، والمغمى عليه إذا بيت النية من الليل ثم أغمي عليه قد اختلف العلماء فيه على أقوال:فمنهم من اشترط الإمساك ولو شيئاً يسيراً من النهار، ومنهم من اشترط إمساك أكثر النهار، وهذا مذهب الشافعية.ومنهم من اشترط شيئاً يسيراً وهذا مذهب الشافعي وكذلك أبي حنيفة .ومنهم من لم يشترط شيئاً، وهذا ظاهر مذهب أبي حنيفة شريطة أن يكون قد بيّت النية من الليل.الحال الثانية: أن لا يكون قد بيّت النية من الليل، وأغمي عليه أو قد بنج وخدر بغير اختياره، فيقال: إن هذا صيامه ليس بصحيح، وقد نص على ذلك الإمام أحمد في بعض مسائله قال: إذا أجمع الصائم النية من الليل، ثم صام شيئاً من النهار، ثم أغمي عليه فلا يقضي ذلك اليوم، ويقضي ما بعده من رمضان في حال أنه قد أغمي عليه أياماً متتالية؛ فإن ذلك اليوم الذي قد أغمي فيه، وأمسك شيئاً من النهار وأجمع النية من الليل، فإن صيامه ذلك اليوم الذي قد أجمع فيه الصيام صحيح وما بعده صيامه ليس بصحيح، وقد نص عليه الإمام أحمد، وهو ظاهر مذهب الأئمة الأربعة عليهم رحمة الله تعالى: أبي حنيفة والإمام مالك وكذلك الإمام الشافعي عليهم رحمة الله.ويلحق في هذا سائر الأسباب التي توصل الإنسان إلى مثل هذه الحالة كمسألة الإغماء أو التنويم أو نحو ذلك بجميع أنواعه الحادثة أو التي تلحق بهذا الأصل.
 تغير طلوع الشمس من بلد إلى بلد
ومن المسائل النازلة في هذا الباب: تغير طلوع الشمس من بلد إلى بلد. فمن البلاد التي يعيش فيها بعض المسلمين من يكون الليل فيها سرمداً، وفي بعض البلدان من يكون فيها النهار سرمداً، وفي بعضها من يطول النهار طولاً فاحشاً، ويقصر الليل قصراً مفرطاً، فكيف يكون هذا الحساب؟ يقال: إن هذه البلدان لا تخلو من ثلاثة أنواع:النوع الأول: البلدان التي تكون بين خطي عرض (45 و 48) درجة شمال وجنوب خط الاستواء، وهذه أكثر بلدان العالم، وأكثر البلدان الإسلامية هي على هذا الأمر باستواء الليل والنهار، وإن زاد الليل قليلاً، أو زاد النهار كذلك فهذا يجب عليهم أن يكون إمساكهم وفطرهم بحسب طلوع الفجر، وكذلك يفطرون بغروب الشمس، وهذا لا خلاف فيه؛ لظاهر كلام الله سبحانه وتعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187].والقسم الثاني: البلدان التي بين (48 - 66) درجة شمال وجنوب خط الاستواء، وهذه البلدان يطول فيها النهار طولاً مفرطاً، ويقصر فيها الليل قصراً مفرطاً، وهذا كبعض البلدان في شمال القارة الآسيوية، وكذلك القارة الأوربية كحال بعض المسلمين في روسيا كموسكو وكذلك في بعض البلدان في شمال أوربا كبروكسل ولندن وكذلك باريس ونحوها.فيقال: إن أمثال هؤلاء في بعض مواسم السنة عليهم أن يعتدوا بتوقيت أقرب بلد يصح صيامهم بطلوع الشمس وغروبها، وهذه البلدان في بعض الأحوال يشترك فيها وقت المغرب مع وقت العشاء والفجر، فيكون الليل وقتاً يسيراً ويكون الوقت كله شفقاً، ومعلوم أن وقت المغرب ينتهي بغياب الشفق ويدخل العشاء بمغيب الشفق ويدخل الفجر بطلوع الفجر وينتهي بطلوع الشمس، ولكن الليل في بعض الأوقات في هذه البلدان يكون الليل شفقاً وحمرة إلى طلوع الشمس، فلا يعرف وقت العشاء ولا وقت المغرب ولا وقت الفجر.فيقال: المغرب هو أظهرها باعتبار ظهور الشفق فيصلي الإنسان، لكن العشاء بمغيب الشفق، والشفق لا يغيب. كذلك بالنسبة للصيام يقال: إنهم يعتدون بأقرب بلد، وهذا يلحق بقاعدة يذكرها العلماء قال: ما قرب من الشيء ألحق به، وهذه أقرب قاعدة تصلح لهذه المسائل، وهذه المسألة ترجع إلى خبر قد أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم حينما أخبر بخروج الدجال فقال النبي صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن أوقات الصلوات قال: ( فاقدروا له قدره ) وهذا الحديث قد رواه الإمام مسلم من حديث عبد الرحمن بن زبير بن نفير عن أبيه عن النواس بن سمعان قال: ( ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عندنا الدجال ، فرفع فيه وخفض، وأكثر من ذكره حتى ظنناه في طائفة النخل، فذهبنا ورجعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرف ذلك في وجوهنا، فقلنا: يا رسول الله! إنك ذكرت الدجال ، فرفعت فيه وخفضت وأكثرت فيه حتى ظننا أنه في طائفة النخل، فقال: إني أخوف ما أخاف عليكم الدجال ، وإنه ظاهر فيكم، وإنه إن ظهر وأنا فيكم فأنا حجيجكم دونه، وإن ظهر ولست فيكم فالله خليفتي فيكم - ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه شاب قطط، عينه ناتئة، أشبهه بعبد العزى بن قطن، فإن لقيتموه فاقرؤوا عليه فواتح سورة الكهف، فقال الصحابة عليهم رضوان الله تعالى: كم بقاؤه فينا؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: أربعون يوماً، فقال عليه الصلاة والسلام: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة - فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أتكفينا الصلوات الخمس؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لا، اقدروا لها قدرها ). بالنسبة للصلوات يقدر لها قدرها كذلك بالنسبة للصيام تبع؛ لأن الصلاة آكد، فلما كان التقدير في الصلاة وهي مؤكدة آكد من الصيام، كذلك في الصيام من باب أولى، وهو أجوز وأظهر بأن يقدر له قدره وإن كانت الشمس ظاهرة.ففي مثل هذه الدول يقال: يقدر الإنسان بالنسبة للصلاة بحسب توقيت أقرب بلد يصوم أو يصلي صلاة صحيحة، وإن كانت الشمس ظاهرة لا حرج عليه أن يطعم، وإذا علق الأمر بالإمساك فإن في هذا ضرراً على بدن الإنسان فقد يكون الليل في بعض البلدان ثلاث ساعات أو ساعتين أو أربع ساعات، ويكون صيامه عشرين ساعة، وفي هذا من الضرر على الإنسان ما لا يخفى.القسم الثالث: الدول التي هي فوق خط عرض (66) شمال وجنوب الاستواء، كالقطبين الشمالي والجنوبي، كالدول الاسكندنافية، وما حولها فهذه يكون فيها الليل سرمداً بنحو ستة أشهر ويكون فيها النهار سرمداً بنحو ستة أشهر، وهذا يرجع فيه إلى الحساب والتقدير كما تقدم في حديث النواس بن سمعان عليه رضوان الله تعالى في قوله عليه الصلاة والسلام: ( فاقدروا له ) أي: من جهة الحساب.هذا فيما يتعلق بالقسم الأول من النوازل في الصيام فيما يتعلق بالفلك وأمورها.
النوازل في المفطرات
وأما القسم الثالث من النوازل: النوازل في المفطرات. يقال قبل الحديث في هذه المسألة: إن العلماء قد اتفقوا على مفطرات من جهة الأصل، واختلفوا في بعضها، فاتفقوا على خمسة مفطرات:الأول: الأكل.الثاني: الشرب.الثالث: الجماع، وفيه خلاف يسير.الرابع: الردة، إذا ارتد في أثناء صيامه ثم رجع.الخامس: الموت. إذا مات الإنسان في أثناء صيامه؛ فإن موته مفسد لصيام ذلك اليوم؛ لأن الصيام عبادة كاملة، إمساك وفطر. ولا بدّ من توفر ذلك ولا تتوفر هذه الأركان.وثمة بعض المسائل قد حكي فيها الإجماع وهي محل خلاف كالقيء في رمضان للصائم، وكذلك ثمة مسائل قد وقع فيها خلاف وليست محل اتفاق، كالكحل للصائم ويتفرع عنه مسائل نازلة يأتي الكلام عليها كالقطرة في العينين ونحو ذلك.كذلك من المسائل: الاحتقان في الدبر وكذلك في القبل وكذلك تقطير المرأة في فرجها، وكذلك الحجامة، وكذلك الفصد، وكذلك مداواة الجراحات إذا كان الدواء يصل إلى العروق والشرايين، هذه محل خلاف عند العلماء، ونتكلم عليها ونلحق كل مسألة بأصلها.قبل الكلام على المسائل النازلة في هذا الباب ينبغي أن نتكلم على بعض الأصول في هذا الباب.فنبدأ بإجمال الكلام في الأصول حتى يفهم الكلام في النوازل وإلحاقها، فلا نحتاج إلى إعادة كل فرع إلى أصله مع بيانه.
 تغير طلوع الشمس من بلد إلى بلد
ومن المسائل النازلة في هذا الباب: تغير طلوع الشمس من بلد إلى بلد. فمن البلاد التي يعيش فيها بعض المسلمين من يكون الليل فيها سرمداً، وفي بعض البلدان من يكون فيها النهار سرمداً، وفي بعضها من يطول النهار طولاً فاحشاً، ويقصر الليل قصراً مفرطاً، فكيف يكون هذا الحساب؟ يقال: إن هذه البلدان لا تخلو من ثلاثة أنواع:النوع الأول: البلدان التي تكون بين خطي عرض (45 و 48) درجة شمال وجنوب خط الاستواء، وهذه أكثر بلدان العالم، وأكثر البلدان الإسلامية هي على هذا الأمر باستواء الليل والنهار، وإن زاد الليل قليلاً، أو زاد النهار كذلك فهذا يجب عليهم أن يكون إمساكهم وفطرهم بحسب طلوع الفجر، وكذلك يفطرون بغروب الشمس، وهذا لا خلاف فيه؛ لظاهر كلام الله سبحانه وتعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187].والقسم الثاني: البلدان التي بين (48 - 66) درجة شمال وجنوب خط الاستواء، وهذه البلدان يطول فيها النهار طولاً مفرطاً، ويقصر فيها الليل قصراً مفرطاً، وهذا كبعض البلدان في شمال القارة الآسيوية، وكذلك القارة الأوربية كحال بعض المسلمين في روسيا كموسكو وكذلك في بعض البلدان في شمال أوربا كبروكسل ولندن وكذلك باريس ونحوها.فيقال: إن أمثال هؤلاء في بعض مواسم السنة عليهم أن يعتدوا بتوقيت أقرب بلد يصح صيامهم بطلوع الشمس وغروبها، وهذه البلدان في بعض الأحوال يشترك فيها وقت المغرب مع وقت العشاء والفجر، فيكون الليل وقتاً يسيراً ويكون الوقت كله شفقاً، ومعلوم أن وقت المغرب ينتهي بغياب الشفق ويدخل العشاء بمغيب الشفق ويدخل الفجر بطلوع الفجر وينتهي بطلوع الشمس، ولكن الليل في بعض الأوقات في هذه البلدان يكون الليل شفقاً وحمرة إلى طلوع الشمس، فلا يعرف وقت العشاء ولا وقت المغرب ولا وقت الفجر.فيقال: المغرب هو أظهرها باعتبار ظهور الشفق فيصلي الإنسان، لكن العشاء بمغيب الشفق، والشفق لا يغيب. كذلك بالنسبة للصيام يقال: إنهم يعتدون بأقرب بلد، وهذا يلحق بقاعدة يذكرها العلماء قال: ما قرب من الشيء ألحق به، وهذه أقرب قاعدة تصلح لهذه المسائل، وهذه المسألة ترجع إلى خبر قد أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم حينما أخبر بخروج الدجال فقال النبي صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن أوقات الصلوات قال: ( فاقدروا له قدره ) وهذا الحديث قد رواه الإمام مسلم من حديث عبد الرحمن بن زبير بن نفير عن أبيه عن النواس بن سمعان قال: ( ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عندنا الدجال ، فرفع فيه وخفض، وأكثر من ذكره حتى ظنناه في طائفة النخل، فذهبنا ورجعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرف ذلك في وجوهنا، فقلنا: يا رسول الله! إنك ذكرت الدجال ، فرفعت فيه وخفضت وأكثرت فيه حتى ظننا أنه في طائفة النخل، فقال: إني أخوف ما أخاف عليكم الدجال ، وإنه ظاهر فيكم، وإنه إن ظهر وأنا فيكم فأنا حجيجكم دونه، وإن ظهر ولست فيكم فالله خليفتي فيكم - ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه شاب قطط، عينه ناتئة، أشبهه بعبد العزى بن قطن، فإن لقيتموه فاقرؤوا عليه فواتح سورة الكهف، فقال الصحابة عليهم رضوان الله تعالى: كم بقاؤه فينا؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: أربعون يوماً، فقال عليه الصلاة والسلام: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة - فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أتكفينا الصلوات الخمس؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لا، اقدروا لها قدرها ). بالنسبة للصلوات يقدر لها قدرها كذلك بالنسبة للصيام تبع؛ لأن الصلاة آكد، فلما كان التقدير في الصلاة وهي مؤكدة آكد من الصيام، كذلك في الصيام من باب أولى، وهو أجوز وأظهر بأن يقدر له قدره وإن كانت الشمس ظاهرة.ففي مثل هذه الدول يقال: يقدر الإنسان بالنسبة للصلاة بحسب توقيت أقرب بلد يصوم أو يصلي صلاة صحيحة، وإن كانت الشمس ظاهرة لا حرج عليه أن يطعم، وإذا علق الأمر بالإمساك فإن في هذا ضرراً على بدن الإنسان فقد يكون الليل في بعض البلدان ثلاث ساعات أو ساعتين أو أربع ساعات، ويكون صيامه عشرين ساعة، وفي هذا من الضرر على الإنسان ما لا يخفى.القسم الثالث: الدول التي هي فوق خط عرض (66) شمال وجنوب الاستواء، كالقطبين الشمالي والجنوبي، كالدول الاسكندنافية، وما حولها فهذه يكون فيها الليل سرمداً بنحو ستة أشهر ويكون فيها النهار سرمداً بنحو ستة أشهر، وهذا يرجع فيه إلى الحساب والتقدير كما تقدم في حديث النواس بن سمعان عليه رضوان الله تعالى في قوله عليه الصلاة والسلام: ( فاقدروا له ) أي: من جهة الحساب.هذا فيما يتعلق بالقسم الأول من النوازل في الصيام فيما يتعلق بالفلك وأمورها.
المنافذ غير الأصلية إلى جوف الإنسان
يقال: إن المنافذ إلى جوف الإنسان على نوعين:النوع الأول: منفذ أصلي، وهو محل اتفاق عند العلماء وهو الفم والأنف، وهذا محل اتفاق عند العلماء.النوع الثاني: المنافذ غير الأصلية، والمنافذ غير الأصلية كالعين والأذن، كذلك الإحليل، والدبر، وقبل المرأة، وما يحلق في ذلك من نوافذ ما يصل إلى جوف الإنسان عن طريق الأغذية الصناعية بشق البطن وإرسال الطعام إلى معدة الإنسان مهضوماً أو عن طريق الأوردة ونحو ذلك.قبل الكلام في هذا حتى يسهل علينا الكلام في النوازل نلحقها بأصلها بسهولة يقال: إن العلماء قد اتفقوا على أن الفم والأنف منفذ أصلي للجوف، وإذا تناول الإنسان شيئاً من الطعام عن طريق هذين ووصل إلى جوفه فإنه قد أفطر باتفاقهم، ويحرم عليه أن يدخل الطعام في هذين المنفذين، إلا لضرورة، أو ما يغلب عليه عدم وصوله كتذوق الإنسان للطعام كذلك استعمال السواك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أذن بالمضمضة، والمضمضة فيها الماء، والماء هو أصل في التفطير اتفق العلماء عليه وهو الشرب، ولما أذن النبي عليه الصلاة والسلام بذلك دل على جواز الإدخال من غير قصد وصول شيء إلى الجوف وكذلك تذوق الطعام ونحو ذلك.أما المنافذ غير الأصلية وهي العين والأذن وما يلحق في ذلك من خلاف حادث عند بعض المتأخرين كمسام الجلد، وكذلك الشرايين هل هي منفذ للجوف، والأوردة هل هي منفذ وموصل للمعدة؟ كذلك بالنسبة للدماغ هل ما يصل إلى الدماغ يصل إلى جوف الإنسان أم لا؟ نحقق الكلام في هذا. ‏
 المنفذ السابع: الإحليل
ومن المنافذ غير الأصلية: الإحليل، وهي فتحة ذكر الرجل، هل هي منفذ إلى الجوف أم لا؟ الأطباء قالوا -وهذا محل اتفاق عندهم-: إن إحليل الإنسان وذكره ليس منفذاً إلى الجهاز الهضمي، بل اتفقوا على أن جميع المسالك البولية ليست منفذاً إلى الجوف، وعليه ما يضعه الإنسان مما يحتاجه من قطرات أو مراهم ونحو ذلك في إحليله ليس من المفطرات. وكذلك من المنافذ ما يذكره بعضهم -وهذا ينظر الحاجة إليه- وهو ما يتكلم عليه بعض المعاصرين من أهل الطب ونحو ذلك في مسألة فتح الرأس وإيصال بعض الأدوية إلى دماغ الإنسان ونحو ذلك، هذا قد تقدم الكلام عليه، هل الدماغ منفذ إلى الجوف أم لا، ولا حاجة إلى إعادته.
المفطرات النازلة في الصيام
والمفطرات بعد هذا التقرير للمنافذ الأصلية وغير الأصلية نجمل الكلام عليها بذكر المفطرات النازلة في الصيام، يقال: إنها متعددة. ‏
 القطرة عن طريق الأنف
ومن المفطرات أيضاً: القطرة عن طريق الأنف، والقطرة عن طريق الأنف إذا أخذها الإنسان بقدر يسير ففي الغالب أنها تمتص القطرة قبل الوصول إلى جوفه. وقد تقدم الكلام على أن الأنف منفذ إلى الجوف باتفاق، وهذا لا خلاف فيه عند العلماء، وعند أهل الطب، ولكن استعمال هذه القطرات إذا كان الإنسان يعلم أن ذلك المقدار سيصل إلى جوفه فإنه يفطر بذلك. وإذا كان يستعملها بقدر لا يصل إلى الجوف وإنما يستطعمها في حلقه، فما يستطعم في الحلق ليس في الغالب أنه يصل إلى جوف الإنسان فيقال: إنه في مثل هذه الحالة لا يفطر، وصيامه صحيح.ومن النوازل في هذا: ما يستعمل في الأوردة والشرايين من الأدوية فإن الإنسان إذا جُرح فإنه يوضع على جرحه شيء من الأدوية التي تحمل بعض المغذيات وهذه الأوردة في حال الجرح تمتص هذه المغذيات فيقال: إن هذا شيء يسير لا يعلق به حكم شرعي.وتقدم الكلام على الأوردة أنها ليست منفذاً إلى الجوف، وإنما الجوف هو منفذ إليها، وهو موصل إليها، وما يصل إليها هو ثمرة جوف هذا في الأوردة وكذلك في الشرايين.وكثيراً ما يتكلم بعض العلماء في أمثال هذه المسائل، ويذكرون مسائل هي مردها إلى مسألة الشرايين هل هي منفذ أم لا، ويتكلمون عن مسألة استئصال الأسنان واستئصال الضرس، وكذلك ما يضع الإنسان من بعض البنج في حال استئصال الأسنان فيوضع مع ذلك البنج شيء من المغذيات ونحو ذلك، فيقال: إن الغالب في البنج أنه لا يوضع في الأوردة إلا البنج الكلي، والبنج الكلي هو الذي يوضع في الوريد، أم الموضعي فهو إما يوضع في العضل، والعضل هو مظنة الشرايين، وقد يكون مظنة للعصب ونحو ذلك، فيؤذي الإنسان ولا يضره، يقال: إن هذا كأي حال وضع ما لم يوضع في الوريد أنه لا يفطر الصائم.في هذا تكلمنا على مجموع وجملة المفطرات النوازل، والنوال على وجه العموم بالنسبة للصيام بقسميها أو بأقسامها الثلاثة: في القسم المتعلق بالفلك والرؤية، والقسم المتعلق بالمكلف بنفسه، والقسم المتعلق بالمفطرات ونكتفي بهذا القدر، وإنما أمكسنا عن الكلام والخوض في الأصول، لأن الكلام في أصول هذه المسائل ظاهر بين، وتكلمنا عليه في مواضع وعدة، وإنما نحن هنا نلحق الفروع بأصولها والكلام على الأصول يطول جداً، فيرجع إلى مظانه في كتب أهل العلم، والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
الأسئلة

 فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الاعتكاف
السؤال: نحن نعمل محتسبين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهل الأفضل الاعتكاف، أم الأمر بالمعروف؟الجواب: الأمر بالمعروف أفضل، وقد جاء فيه فضائل كثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام، والأحاديث في هذا ظاهرة، ولم يأت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر في فضل الاعتكاف، وإنما جاء من فعله عليه الصلاة والسلام، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفضل خاصة مع انتشار المنكرات وكثرتها عند كثير من الناس وعدم استحياء كثير من الناس خاصة في جانب المحارم، وتفشي السفور ونحو ذلك.كذلك ظهور بعض المخالفات في المجتمع من ظهور الاختلاط عياناً جهاراً، في بعض الأماكن، وينبغي للإنسان أن يخشى هذه الأماكن وأن ينكر بالحسنى واللين ونحو ذلك، وقد بلغ الأمر مبلغاً لا يمكن أن يحتمل معه صاحب الغيرة مثل هذا. وقد اتصلت بي امرأة قبل أيام وقالت لي: إني وجدت عملاً في البنك الأهلي في المقر الرئيس. تقول هذه المرأة -وقد سمت نفسها من أسرة كريمة- تقول: فلما حضرت وجدت النساء اللاتي يرغبن بالعمل قد اجتمعن، وقام يتكلم المسئول مع النساء، قال: أنتن عن ثلاثة آلاف موظف تجلبن الزبائن، وتأتين بهم إلى البنك، وتستطيع الواحدة أن تأتي كل يوم بعشرة عملاء عن طريق نبرة صوتها، فانظرن أحسنكن صوتاً، وأرقكن كلاماً، فهي التي تتكلم مع الرجال، ونحن نعطيكن أرقاماً عشوائية تتصلن بها وتصفن المكان ويقابلكن العميل وتعطونه البطاقات حتى يفتح حساباً في البنك.وهذا الأمر مخالف لأمر الله عز وجل وأمر النبي عليه الصلاة والسلام، وبعد ذلك الأوامر المعروفة في هذا البلد، والشخص الذي يقوم على هذا الأمر قد وضع النساء بأوساط الرجال ويعمل أكثر من عشرين امرأة إلى الآن، وتقوم النساء بجولات في سيارات على حساب البنك، ويذهبن إلى الشركات ويدخلن على الموظفين، ويقلن: نحن مندوبات، وتقول هذه المرأة: إنهم يشترطون علينا أن نأتي بعشرة رجال، كل يوم يقابل المرأة في غرفة مستقلة خاصة، ويتحدث معها وتقول: إن كل النساء خلال أسبوع واحد عشرون امرأة في خلال أسبوع واحد أصبح لهن أصدقاء من هؤلاء الرجال، تقول: أخذت أسبوعاً في العمل ثم تركت هذا العمل، ثم أبرئ إلى الله عز وجل مما يحدث، مكان في وسط مدينة الرياض في البطحاء في المقر الرئيس يتولاه رجل قد بلغ من موت الغيرة، وقلة الدين، والقوادة على نساء المسلمين مبلغاً، حتى إنه وضع للنساء أرقاماً خاصة وسيارات تذهب إلى الشركات وزود النساء ببعض البرامج التي تضعها عند الإشارات لجلب أرقام من يريد معاكسة النساء في الطرق كأنها قوادة على الأعراض، تقول: تأتين عند الإشارات فإذا وقفت عند الإشارة فضعي ما يسمى بالبلوتوث باسم جيد، ثم يرسلون الأرقام، وإذا أتيت إلى المكتب تتصلين على هذه الأرقام تقول: نحن مندوبة، ثم يأتون إليك قد تكونين علاقة لمدة يوم ثم تقطعين هذه العلاقة وأنت مأمونة، لكن تكسبين زبوناً للبنك، وكذلك تربحين من المال، هذا ما يدار حقيقة، ولا زال التوظيف مستمراً، وقد توظف إلى الآن إلى أكثر من عشرين امرأة. والمكان هو في المقر الرئيس للبنك الأهلي ينبغي للمحتسبين أن ينكروا بقدر الإمكان، وقد سعيت بشيء من هذا الأمر، ولم يزل ذلك، والرجال في وسط النساء، ولا زال هذا الأمر قائماً حتى هذه الساعة...

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , النوازل في الصيام للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net