اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
إن العقيدة الصحيحة المتمثلة في توحيد الله تعالى وترك الشرك به هي الأساس الوحيد الذي تصلح به المجتمعات، ويتحقق لها به الأمن والأمان.
فضل الله على الأمة بالإسلام
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:فإن الله سبحانه وتعالى قد أنعم على هذه الأمة بنعمة الإسلام، وفصل الله جل وعلا كل ما فيه من تفاصيل الخير وأجزائه أحسن تفصيل وأتمه، وذلك مقتضى الرحمة لهذه الأمة، ومقتضى الفضل الذي أعطاها الله جل وعلا إياه، فما من خير من الأعمال والأقوال والاعتقادات إلا وقد أرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمة إليه.وما من شيء من الآداب والسلوك ومبادئ الأقوال والأفعال والأفكار والعقائد إلا والأمة على محجة بيضاء فيه ومنه، وذلك فضل الله سبحانه وتعالى ورحمته على هذه الأمة، ولهذا جعلها الله جل وعلا أمة الرحمة، وأمة الخير، وأمة الوسط.والنبي صلى الله عليه وسلم جعله الله خاتم الأنبياء والمرسلين، وكما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أن الأعمال بالخواتيم )، يعني: أن العبرة بخواتيم الأشياء، وأزكى الشيء خاتمته.وقد جاء القرآن الكريم بمجموع ذلك الفضل، وجاءت السنة مفصلة لذلك المجموع، ولهذا عد وحي الله جل وعلا قرآناً وسنة رحمة وفضلاً، قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58].
 

أهمية العقائد والأصول
في قول الله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ [الأنعام:82]، الله سبحانه وتعالى بيّن أن ثمة طوائف من هذه الأمة لم يلبسوا الإيمان بشيء من الظلم، وهذا الظلم الذي ذكره الله جل وعلا في هذه الآية لا يختلف العلماء أن المراد به الشرك، وهو أعظم الظلم.وفيه إشارة إلى أهمية العقائد والأفكار التي ينزع الناس منها ويصدرون عنها أقوالاً وأفعالاً، وذلك أن الأقوال والأفعال التي لا يصدر الناس فيها عن عقائد لا يثبتون عليها، وذلك أن العقائد هي الأصول، وأما الأقوال والأفعال فهي فرع ونتاج لها، فما لم يكن له أصل ونتاج فإنه يبقى شيئاً يسيراً ثم يزول، ولهذا عظمت الأصول وعظمت الفروع التي تتكئ على تلك الأصول، وأصبحت الفروع التي لا تتكئ على أصول هزيلة ولا تبقى.وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تصحيح العقائد بمكة أكثر من عقد، لا يزول عليه الصلاة والسلام عنها، ولا يدعو النبي صلى الله عليه وسلم إلى شيء من فروع الدين في ابتداء الأمر، وإنما دعا إلى تصحيح الأصول. ‏
 عظم جرم الشرك بالله
وإن أعظم عمل من الشر تقع فيه البشرية هو الإشراك مع الله جل وعلا، ولهذا خصه الله سبحانه وتعالى بجملة من الخصائص التي ليست لغيره، وهذه الخصائص هي أن الله جل وعلا جعل الإشراك هو أعظم الظلم، وإذا كان أعظم الظلم فعاقبته عند الله جل وعلا أعظم العواقب، وهي الخلود في النار، قال سبحانه وتعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، ويقول الله جل وعلا: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة:5]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من مات وهو يشرك مع الله شيئاً دخل النار، ومن مات وهو لا يشرك مع الله شيئاً دخل الجنة ).وبيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم حق الله على عباده وحق العباد على الله، وأن مدار ذلك كله على التوحيد، وأنه إذا صح التوحيد تبعته الحقوق على سبيل التبع لا على سبيل الاستقلال، وإذا ثبت هذا علم أنه يجب على دعاة الربانية أن ينصرفوا إلى تصحيح البواطن وتصحيح العقائد، وتصحيح الأفكار قبل تصحيح الأقوال والأعمال.
الدعوات الزائفة والوقوف ضدها

 حفظ بيضة الإسلام
وقد بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأمة لا يسلط الله عليها عدواً من خارجها فيستبيح بيضتها، وذلك مقتضى بقاء الإسلام، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، وذلك أن الله جل وعلا إذا حفظ أصل الدين يعني أن الأمة لا يمكن أن تستباح بالكلية، وإنما تستباح أطرافها، والفتنة تقع من داخلها، فإذا وقعت من داخلها فهو دليل على أنه ثمة من أبنائها من يتسلل عن هذا الأصل إما بنفاق أو بوفاق، وذلك شيء من الخروج عن مبدأ الإسلام وأصله.إن الدعوة إلى التوحيد هي التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بتصحيح البواطن تهيئة للأقوال والأعمال.
التأصيل للعقائد والأفكار

 دلالة الرسول على التوحيد
ورسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم قد اختصر الطريق على البشرية، فدل الناس إلى توحيد الله بنص الوحي، فلا أعلم من أحد منه بنفسه، والله جل وعلا قد دل البشرية إليه، وبيّن حقه سبحانه وتعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وإفراده جل وعلا في هذه الأبواب، وأنه لا يشاركه جل وعلا أحد من خلقه في هذا الباب، ولهذا قال الله جل وعلا: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].والعقل إذا أراد أن يصل إلى هذه النتائج التي دل عليها الوحي فهو بحاجة إلى عمر مديد، وبحاجة إلى نظر طويل ربما لا يكفي فيه جيل، والله جل وعلا قد حمى البشرية من مثل ذلك، فإن مقتضى التكليف ومقتضى الرسالة أن الله جل وعلا لا يعذب أحداً حتى يبعث إليه رسولاً؛ قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، ولهذا كلف الله جل وعلا البشرية بهذا النص البين المحكم، وأوجب على العباد أن يرجعوا إليه، وأن يلتمسوا الهدى منه، وأن هذا القرآن المنزل كافٍ للبشرية إذا أرادت أن تفهم تلك اللغة، وأن تفهم تلك الشريعة فيكفيها مجرد السماع؛ لهذا قال الله سبحانه وتعالى مخاطباً نبيه: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6].
عظمة آثار التوحيد
إن توحيد الله جل وعلا مع أهميته للبشر من جهة صلاح بواطنهم وظواهرهم وطمأنينة النفس والروح، وإقبالها وسيرها في هذا الكون الذي لا تطيق خفاياه، وتعتمد في كفاية الشرور الخافية والظاهرة إلى خالقه، فتتكل عليه وتعتمد عليه في كل حال وفي كل قول تنشئه أو فعل، فإن ذلك يورث طمأنينة في النفس، فإن آثار هذا التوحيد على البشر ظاهرة، ولو أراد الإنسان أن يحصيها لما استطاع أن يوجد عشر معشارها من جهة الفضل عليه، وأما من جهة مغبة عكس ذلك، فإنه الإشراك مع الله جل وعلا.وقد بيّن الله سبحانه وتعالى أن الإشراك مع الله جل وعلا غيره أعظم الظلم، قال الله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، لما نزلت هذه الآية شق على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين وغيرهما قالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود ، فقال عليه الصلاة والسلام: ( إنه ليس كما تظنون، إن الظلم هو الشرك، أولم تسمعوا لقول العبد الصالح لابنه: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]؟ ). وإنما سمى الله جل وعلا الشرك ظلماً مع كون الذي يتبادر إلى أذهان الناس أن الظلم هو التعدي على حقوق الآخرين، من جهة الأموال والأعراض والدماء، ولكن الله سبحانه وتعالى بيّن أن أعظم ظلم تقع فيه البشرية هو ظلم العقائد والأفكار، وذلك أن الله سبحانه وتعالى قد خلق القلوب والضمائر والأنفس، وأوجب أن تتوجه إليه عابدة خاضعة متوسلة متضرعة متوكلة مستكينة، ترجو الله سبحانه وتعالى، وتخافه جل وعلا فيما تأتي وتذر، فإذا انصرفت لغيره فإنها ظالمة، ولهذا كان الظلم الباطن في نفس الإنسان أعظم الظلم، وعليه مدار الولاء، وعليه مدار البراء.
 دلالة الرسول على التوحيد
ورسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم قد اختصر الطريق على البشرية، فدل الناس إلى توحيد الله بنص الوحي، فلا أعلم من أحد منه بنفسه، والله جل وعلا قد دل البشرية إليه، وبيّن حقه سبحانه وتعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وإفراده جل وعلا في هذه الأبواب، وأنه لا يشاركه جل وعلا أحد من خلقه في هذا الباب، ولهذا قال الله جل وعلا: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].والعقل إذا أراد أن يصل إلى هذه النتائج التي دل عليها الوحي فهو بحاجة إلى عمر مديد، وبحاجة إلى نظر طويل ربما لا يكفي فيه جيل، والله جل وعلا قد حمى البشرية من مثل ذلك، فإن مقتضى التكليف ومقتضى الرسالة أن الله جل وعلا لا يعذب أحداً حتى يبعث إليه رسولاً؛ قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، ولهذا كلف الله جل وعلا البشرية بهذا النص البين المحكم، وأوجب على العباد أن يرجعوا إليه، وأن يلتمسوا الهدى منه، وأن هذا القرآن المنزل كافٍ للبشرية إذا أرادت أن تفهم تلك اللغة، وأن تفهم تلك الشريعة فيكفيها مجرد السماع؛ لهذا قال الله سبحانه وتعالى مخاطباً نبيه: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6].
التمسك بحبل الله
وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الأمر في أصحابه، فتوالوا على اختلاف أجناسهم وأعراقهم ولغتهم فكانوا أمة واحدة؛ لأن الحبل الذي تمسكوا به هو حبل الله المتين؛ قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103]، فسمى الله جل وعلا الإسلام والعقيدة والتوحيد حبل الله. ‏
 حاجة دعوة التوحيد إلى الجماعة
إن دعوة التوحيد بحاجة إلى جماعة تدعو إليه، ودعوة الفرد يكتنفها شيء من المخاطر والصعوبة، ولا يعرف على مر العصور وعلى مر البشرية أن المجتمعات قد وقعت في الشرك كلها، ودعاها واحد إلى التوحيد وأجابته إلا أن يكون ذلك الواحد نبياً مؤيداً ومنصوراً من الله جل وعلا، وقد جعل الله النصرة لذلك الفرد كما في قوله جل وعلا: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ [التوبة:40]، فالنصرة لهؤلاء الأفراد الأنبياء تختلف عن النصرة لغيرهم، وأما الدين والإعانة عليه فإنه لا يمكن أن يكون لغير الأنبياء إلا بالجماعة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح وغيره: ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق )، فجعل الظاهرين على الحق جماعة، وما جعلهم فرداً واحداً، وهذا أمر معلوم، والحديث عنه والدلالة عليه من الكتاب والسنة مما يطول جداً، وإنما نتكلم هنا عن نقيض ذلك الحق أي التوحيد، وهو الإشراك مع الله جل وعلا غيره.
خطورة الشرك بالله جل وعلا
في قوله سبحانه وتعالى: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ [لقمان:13] على لسان العبد الصالح لابنه: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، إن الإشراك مع الله سبحانه وتعالى غيره أعظم ظلم تقع فيه البشرية، وهذا التفسير للظلم في الآية السابقة فيه معانٍ متعددة، أولها ما يتعلق بمعنى الظلم، وحقيقته، وكذلك أنواعه. ‏
 تنوع صور الظلم الناتجة عن الشرك بالله
إن التحذير من الإشراك مع الله جل وعلا غيره، وجعله في أعظم الظلم؛ لأن الأفعال تنشأ عنه على هذا النحو، فتظلم الأنفس، وتظلم الأموال، وتظلم الدماء، وتظلم الأعراض تبعاً لذلك، وهذا أمر معلوم، ومن نظر إلى حياة البشر في الناس يجد أن الناس يتظالمون بحسب انصرافهم عن أمر العقيدة، وذلك أن الله جل وعلا قد جعل الأقدار والأحوال القدرية التي يعيش فيها البشر لا يمكن أن تصح أو تتكئ على مبدأ معين إلا على العقيدة، وذلك أنهم إذا اتكئوا على عرق فالأعراق متنوعة، وإذا اتكئوا على نوع ولون، فالألوان والأعراق متنوعة، وإذا اتكئوا ووالوا على بلد بعينه، فالبلدان متباينة ومتشتتة، وإذا اتكئوا على شيء من أطباق الناس من جهة الغنى والمال، فالناس يتباينون في ذلك، وإذا اتكئوا على العلم فالناس يتباينون من جهة المدارك لهذا الأمر، وأما من جهة ما يمكن للجميع أن يأخذوه فقراء وأغنياء ما اختلفت ألوانهم وأجناسهم وأعراقهم وبلدانهم هو قضية العقائد والأفكار التي من حملها استحق الولاء والبراء.وقد جاءت الشريعة بتأصيل الولاء والبراء على أمر العقائد ونبذ ما سواه؛ لأنه لو أرادت البشرية أن تجتمع على غيره فإن هذا من الأمور المحالة، والشريعة تأتي مواكبة لأمر الفطرة، وسنن الكون لا يمكن أن تخالفه بحال، وإن استقرت أمور البشر على نمط معين أو أمر السلامة إذا اجتمعت على عرق أو اجتمعت على مادة ونحو ذلك، فإن هذا سرعان ما تتحول عنه، متى ما تحول ذلك المبدأ الذي تحولوا عنه، أو ربما يجتمعون كما يجتمع الغرب الآن على مبدأ المادة أو الرأسمالية، أو مبدأ الحريات، أو مبدأ من النظريات المادية في الأفكار أو نحو ذلك، ولكن هذا لا يعني سلامة العرق البشري بكامله، ولهذا يظهر الظلم منهم لغيرهم بقتل كثير من الأنفس، واستباحة الأعراض ونحو ذلك، ولا سلامة للبشرية أن تجتمع إلا على اتحاد عقيدة، وسلامة باطل، فإن هذا هو الذي يصدرون عنه على حد سواء في وفاق تام.
أنواع ظلم الإنسان
إن الظلم إذا أراد الإنسان أن ينظر إليه بجميع أقسامه في الشرع يجد أنه على نوعين: ‏
 ظلم الإنسان لغيره
النوع الثاني: ظلم الإنسان لغيره، وظلم الإنسان لغيره على عدة أنواع: ظلم في الأموال وهو أولها، وظلم في الأعراض وهو ثانيها، وظلم في الدماء وهو ثالثها، وهي على ثلاثة أنواع لا تخرج عنها، ومنهم من يخرج شيئاً آخر وهو ظلم العقول، وظلم العقول وحفظها وإن كان من الضروريات الخمس التي صانها الشارع، فإنها موزعة بين الثلاثة هذه وبين النوع الأول، وهو ظلم الإنسان لنفسه بالإشراك مع الله جل وعلا غيره.إن الظلم هو ما يسود في البشرية فيه الفساد، وينتشر فيه الأمر، ولهذا جاء انتظام الظلم على هذه المراتب.
خطورة ظلم الإنسان لنفسه بالإشراك بالله
أما ظلم الإنسان لنفسه بالإشراك مع الله عز وجل غيره، وهو أول الطريق، فإن دخل الإنسان فيه، فإنه يتعدى على الباقي بحسب اختلاف غيره معه في هذا النوع، وإن صححه فإنه يسلم للبشرية جمعاء ذلك الأمر، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قاتل اليهود والنصارى لكي يدخلوا في الإسلام، وإنما قاتلهم لتقوية الإسلام من سطوتهم، فلا تكون لهم مكانة على الإسلام، ولهذا قبل لهم أن يعيشوا تحت ظل الإسلام مع إعطاء الجزية فتحفظ لهم حياتهم، ويحفظ لهم الأمن، ويحفظ لهم العرض، وتصان لهم الدماء، وذلك حتى يكونوا تحت الإسلام لا فوقه، وفي هذا إشارة إلى أن مقاتلة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأعداء الملة والدين مع كونها مقاتلة للإسلام، إلا أن المراد بذلك هو حفظ إسلام المسلمين لا أن يدخلوا على سبيل الإسلام بأعيانهم، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29]، وما قال جل وعلا: حتى يدخلوا في الإسلام، وهذا من جهة الدخول في الإسلام موجه إلى الوثنيين.والوثنيون حينما كانوا بيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقوامه الذين معه لم يكن يقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيشوا معه على الكفر؛ لأنه لا يجوز أن يبقى في جزيرة العرب دينان، ولا أن يبقى في المسجد الحرام إلا مسلم، فلا يقبل النبي صلى الله عليه وسلم منهم إلا الإسلام، وإذا أمرهم بمغادرة المسجد الحرام وأوطانهم لم يغادروها فوقع حينئذٍ القتال على البلدان، وما وقع على العقائد، فأرجع الأمر على المقاتلة في أمر العقيدة ليدخلوا في دين الإسلام حفاظاً على نواته وأصله التي ينشأ منها.وإذا أردنا أن ننظر إلى النوع الأول وخطورته على الإنسان نجد أن الخطورة لازمة ومتعدية.
 ظلم الإنسان لغيره
النوع الثاني: ظلم الإنسان لغيره، وظلم الإنسان لغيره على عدة أنواع: ظلم في الأموال وهو أولها، وظلم في الأعراض وهو ثانيها، وظلم في الدماء وهو ثالثها، وهي على ثلاثة أنواع لا تخرج عنها، ومنهم من يخرج شيئاً آخر وهو ظلم العقول، وظلم العقول وحفظها وإن كان من الضروريات الخمس التي صانها الشارع، فإنها موزعة بين الثلاثة هذه وبين النوع الأول، وهو ظلم الإنسان لنفسه بالإشراك مع الله جل وعلا غيره.إن الظلم هو ما يسود في البشرية فيه الفساد، وينتشر فيه الأمر، ولهذا جاء انتظام الظلم على هذه المراتب.
ظلم الإنسان لغيره ومكفراته

 أوجه إعادة الحقوق المسلوبة من أصحابها
ومن ظلم أحداً من العباد بأحد أنواع المظالم الثلاثة بالأموال والأعراض والدماء وجب عليه أن يعيد الحق المسلوب لأصحابه بأحد وجوه الإعادة.ووجوه الإعادة إذا كان في الأموال أن تعاد أموالاً، وإذا كان في الدماء وجب أن يكون ذلك بالقصاص أو بالعفو، وأما بالنسبة للأعراض فيكون بالاستحلال، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث أبي هريرة أنه قال: ( من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها من قبل أن يأتي يوم لا دينار فيه ولا درهم )، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في المسند وغيره، وأصله في الصحيح معلقاً كما جاء في حديث جابر بن عبد الله عن عبد الله بن أنيس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يحشر العباد يوم القيامة حفاة عراة، فيناديهم الله جل وعلا بصوت يسمعه من قرب كما يسمعه من بعد، فيقول الله جل وعلا: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار، وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه حتى اللطمة، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وعنده حق لأحد من أهل النار حتى أقصه منه حتى اللطمة. قالوا: يا رسول الله! كيف وإنا نأتي الله جل وعلا حفاة عراة؟ قال عليه الصلاة والسلام: بالحسنات والسيئات ).وفي هذا بيان لعظم الظلم المتعدي، ولهذا نستطيع أن نقول: إن الظلم على نوعين: ظلم متعدٍ، وظلم لازم، والظلم المتعدي عظيم من وجه أنه يفتك بالإنسان، وأعظمها وبالاً عليه، وضرراً في نفسه، وإهداراً لعاقبته، وفساداً لآخرته، وجاء في الصحيح من حديث أبي ذر عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لأصحابه: ( ما تعدون المفلس فيكم؟ قالوا: المفلس فينا من لا دينار له ولا متاع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المفلس من يأتي يوم القيامة بأعمال كالجبال، ويأتي وقد لطم هذا وضرب هذا وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن لم يكن لديه حسنات أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار )، فيه إشارة إلى أن الوهم في حق المظالم أنها تكفر بالتوبة والاستغفار، أو بالحسنات التي تمحو السيئات يطرأ حتى على بعض الصالحين وأهل الديانة وخير القرون، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يصحح ذلك الوهم، وأن هذا من الخطأ، فإن مظالم الغير يجب عليها أن تعود لأصحابها.
كفارة الظلم اللازم للإنسان
أما الظلم اللازم للإنسان فإنه يكفي من ذلك الإقرار بالخطأ، فإن هذا كافٍ لسلوك طريق الحق، فإن الإنسان إذا شرب الخمر، أو فرط في الواجبات، فبمجرد استغفاره يتوب الله جل وعلا عنه إن صدق ظاهراً وباطناً، وكذلك الإنسان إن فرط في شيء من الواجبات كالصلاة والصيام وغير ذلك، فإن عاد إلى الجادة وتاب من الذنب تاب الله جل وعلا عليه، وهذا ظاهر في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لـعمرو بن العاص كما في صحيح الإمام مسلم قال: ( الإسلام يهدم ما قبله، والهجرة تهدم ما قبلها )، وهذا فيه إشارة إلى أن الإنسان إن تاب تاب الله جل وعلا عليه في الذنب اللازم منه. وأما بالنسبة للمتعدي فلا بد من الوفاء وإعادة الحق لصاحبه، وهذا فيه إشارة إلى عظم التوحيد وعظم الإشراك أيضاً مع الله جل وعلا غيره، وأيضاً عظم الحقوق التي تكون بين العباد.
 أوجه إعادة الحقوق المسلوبة من أصحابها
ومن ظلم أحداً من العباد بأحد أنواع المظالم الثلاثة بالأموال والأعراض والدماء وجب عليه أن يعيد الحق المسلوب لأصحابه بأحد وجوه الإعادة.ووجوه الإعادة إذا كان في الأموال أن تعاد أموالاً، وإذا كان في الدماء وجب أن يكون ذلك بالقصاص أو بالعفو، وأما بالنسبة للأعراض فيكون بالاستحلال، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث أبي هريرة أنه قال: ( من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها من قبل أن يأتي يوم لا دينار فيه ولا درهم )، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في المسند وغيره، وأصله في الصحيح معلقاً كما جاء في حديث جابر بن عبد الله عن عبد الله بن أنيس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يحشر العباد يوم القيامة حفاة عراة، فيناديهم الله جل وعلا بصوت يسمعه من قرب كما يسمعه من بعد، فيقول الله جل وعلا: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار، وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه حتى اللطمة، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وعنده حق لأحد من أهل النار حتى أقصه منه حتى اللطمة. قالوا: يا رسول الله! كيف وإنا نأتي الله جل وعلا حفاة عراة؟ قال عليه الصلاة والسلام: بالحسنات والسيئات ).وفي هذا بيان لعظم الظلم المتعدي، ولهذا نستطيع أن نقول: إن الظلم على نوعين: ظلم متعدٍ، وظلم لازم، والظلم المتعدي عظيم من وجه أنه يفتك بالإنسان، وأعظمها وبالاً عليه، وضرراً في نفسه، وإهداراً لعاقبته، وفساداً لآخرته، وجاء في الصحيح من حديث أبي ذر عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لأصحابه: ( ما تعدون المفلس فيكم؟ قالوا: المفلس فينا من لا دينار له ولا متاع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المفلس من يأتي يوم القيامة بأعمال كالجبال، ويأتي وقد لطم هذا وضرب هذا وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن لم يكن لديه حسنات أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار )، فيه إشارة إلى أن الوهم في حق المظالم أنها تكفر بالتوبة والاستغفار، أو بالحسنات التي تمحو السيئات يطرأ حتى على بعض الصالحين وأهل الديانة وخير القرون، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يصحح ذلك الوهم، وأن هذا من الخطأ، فإن مظالم الغير يجب عليها أن تعود لأصحابها.
التوحيد سبيل الأمن وطريقه
وأما الشق الآخر الذي يحسن أن نتكلم به، وهو ما يتعلق بالأمن المذكور في الآية في قول الله جل وعلا: أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]. ‏
 تطبيق بعض العدل دون كله
ولهذا نجد كثيراً من الدول التي تطبق بعض أنواع العدل مع الله في توحيد الله جل وعلا أو العبودية الظاهرة بين الشعوب، ويخطئون في العدل مع الله جل وعلا في أمر الحكم، وتنفيذ أحكام الله جل وعلا، وأن الله جل وعلا هو المتفرد في التشريع بسن قوانين البشرية، وضبط أحوال الناس، وجعل مساحة عريضة تضبط بها البشرية أمرها، ويكون أمرهم شورى بينهم على حد لا يخرج البشرية عن حدود التوحيد، فيدخلوا في حمى الإشراك مع الله جل وعلا.وإذا لم يكونوا كذلك فإنهم يقعون في مخالفة أمر الله بابتكار نظم وقوانين، ويسنون تشريعات تخالف ما أمر الله جل وعلا به، فيقع الظلم فيما بينهم في باب من الأبواب، ويقع الخوف بينهم، ولهذا نجد في كثير من الدول التي تنتسب للإسلام يتعبد الناس لله جل وعلا، ويوحدون ولكن نجد أن الدول لا تحكم بأمر الله، ولا بتوحيده، فيقع الظلم في الفجوة في الصلة بين الحاكم والمحكوم.وأما في أمر الناس فيما بينهم، فإن العدل ماض، لماذا؟ لأنهم قد امتثلوا أمر الله جل وعلا فيما بينهم.وأما جانب العدل الذي بينهم وبين الحاكم وما يصدر من المحكوم نحوهم، وما يصدر من الحاكم نحو المحكوم ظلمات مبتكرة تخالف أمر الله، فوقع في ذلك اختلال ميزان الأمن الذي وعد الله جل وعلا به، وكأن الله سبحانه وتعالى يجعل شرط أمان المجتمعات هو ورود العدل.وورود العدل في البشرية -وهو توحيد الله جل وعلا وامتثال أمره- يتبعه الأمان والاستقرار في المجتمعات، وحينما تنعكس الآية في المجتمعات، فيلتمسون الأمن، وينظرون في نظريات الاستقرار للمجتمعات والعيش الرغيد، والنظر إلى قواعد استقرار المستقبل ويربطونه بالمادة، أو يربطونه بالسياسات المدنية ونحو ذلك بعيداً عن إقرار أمر الله جل وعلا الذي جاء لصلاح البشرية في أمر المال، وما يتعلق بالاقتصاد، وما يتعلق بالسياسة، وما يتعلق بالاجتماع، وما يتعلق بالأسرة، وما يتعلق بالأعراض على سبيل العموم، وما يتعلق بالدماء وغير ذلك، وما يتعلق أيضاً بكثير من الأمور التي تورث، سواءً كانت أموالاً أو كانت معانياً.وكذلك التوسع في أمر الأموال والإسراف فيها، وما يتعلق بالبغي والظلم في هذا الأمر بقدر مخالفة أمر الله جل وعلا بقدر ما يكون الظلم ظاهراً، وكذلك الخوف وهو تبعة لمخالفة أمر الله سبحانه وتعالى.وبهذا نعلم أن كثيراً من قوانين البشر التي يسعون إليها ويجتمعون على سنها من دساتير الدول وأنظمتها إذا تجردت من العدل التام وهو حكم الله جل وعلا، فإن ذلك الأمان الذي أراده الله سبحانه وتعالى لهذه البشرية ينقص بحسب بعدهم وتفريطهم عن أمر الله جل وعلا ومراده، وهذا كما أنه في البشر فيما بينهم أفراداً وجماعات يظهر في الإشراك مع الله جل وعلا غيره، كذلك يظهر في ظلم الإنسان لغيره على الأنواع الثلاثة.وقد جعل الله سبحانه وتعالى الأمان متعدياً حتى إلى البهائم؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لتؤدن الحقوق إلى أهلها، وليقتصن الله للشاة القرناء من الشاة الجماء ) إشارة إلى أن الخوف والهلع يكون بين البهائم كذلك إذا لم تقم بالعدل فيما بينها، ولهذا يذكر بعض العلماء أن للبهائم عقلاً في بعض التكاليف ربما يوازي في بعض الأبواب ولو كانت ضيقة عقول البشرية.نكتفي بهذا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net