اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [14] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


تفسير آيات الأحكام [14] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
كان المشركون يتعمدون سؤال النبي صلى الله عليه وسلم بأسئلة تعجيز وتعنت، لظنهم أن ذلك ينقص من قدره ويبطل نبوته، ومع ذلك فقد كان الوحي يأتيه بالجواب، فسألوه عن الأهلة كون القمر يتزايد حتى يكتمل ثم يبدأ بالنقصان، فأجاب الرسول صلى الله عليه وسلم على طريق أسلوب الحكيم بفائدة هذه الأهلة، وأنها مواقيت للناس، فهم بحاجة إليها في الدين والدنيا، وذكر الحج لأنه لا يأتي إلا مرة في السنة فهو جدير بالنسيان ولأنهم سألوا عن الأهلة ولم يسألوا عن الشمس ومعرفة الحج مرتبطة بمعرفة الهلال بخلاف الصلاة فإنها مرتبطة بالشمس.
قوله تعالى: ( ويسألونك عن الأهلة... )
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد: ‏
 أهمية الاتصاف بالتقوى
ثم قال تعالى: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [البقرة:189]، أعظم ما يثاب عليه الإنسان في هذه الدنيا وهو جماع الطاعات، وجماع الطاعات هو تقوى الله سبحانه وتعالى، فإن الإنسان لا يمتثل أمراً من أوامر الله إلا بتقواه، ولا يجتنب شيئاً من محارمه إلا بتقواه، فهو دثار يلبسه الإنسان للعمل ويلبسه للترك، ولهذا يقول: النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث أبي هريرة : ( أعظم ما يدخل الناس به الجنة تقوى الله، وحسن الخلق )، وذلك أن تقوى الله هو الشيء الذي يصاحب الإنسان في كل حين، وهو الذي يقلب العادة عبادة، ولا يجعل العبادة عبادة إلا بوجود التقوى والاحتساب، فهو مؤثر على العادات والعبادات، فإذا فعل عبادة من غير احتساب دخل في رياء، ولو فعل عادة يجعلها احتساباً كان ابتداعاً، ولا بد أن يكون ذلك حاضراً في قلب الإنسان وهو الإخلاص لله عز وجل، واحتساب تلك الأعمال، وكرر الله عز وجل التقوى في قوله جل وعلا: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [البقرة:189]، أي: أمر الله سبحانه وتعالى بتقواه بعد تقواه على وجه الخصوص في مخالفة ذلك الأمر، وأمر بتقواه على سبيل العموم فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [البقرة:189]، أي: أن الإنسان لا يمكن أن يتحقق له الفلاح إلا بتقوى الله سبحانه وتعالى، وتقوى الله ينبغي للإنسان أن يستكثر منها, وأن تكون حاضرة في ذهنه في كل زمان ومكان، ولهذا يقول: النبي صلى الله عليه وسلم:( اتق الله حيثما كنت )، يعني: في كل موضع, وفي هذا إشارة إلى أن تقوى الله ليست في موضع دون موضع, في المساجد أو في مواضع العبادة بل تكن حاضرة، فدين الله عز وجل مرعي في كل حال، والمحرمات تحرم أيضاً في كل موضع فيحرم عليه أن يصدر منه ذلك، وفي هذا أيضاً أن شرط الفلاح تقوى الله، ومعنى: تفلحون، أي: تفوزون برضا الله عز وجل ورحمته الحقيقية، وكذلك تنتصرون بتناول ذلك البر الذي أراده الله سبحانه وتعالى لكم، لا كما تريدون أن تتقوا الله عز وجل بخلاف ما شرعه الله عز وجل لكم.
قوله تعالى: ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم.. )
الآية الثانية قول الله سبحانه وتعالى: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة:190]. ‏
 أنواع الجهاد وبيان حكمه
والجهاد ماض إلى قيام الساعة، وإنما يختلف العلماء في مقدار الزمن الذي لا يغزو فيه الإنسان.والجهاد كما لا يخفى هو جهاد طلب وجهاد دفع، أما جهاد الدفع فيجب على المؤمنين بكل حال، وأما بالنسبة لجهاد الطلب فاختلف العلماء في الحد الذي يقف فيه المسلمون عن جهاد الطلب، ما هي المدة؟ فمنهم من حددها بستة أشهر، فقالوا: لا يجوز لكل إمام أن ينتظر أكثر من ستة أشهر.ومنهم من قال بسنة، على خلاف عند العلماء في هذا.ولا يجيز العلماء لكل حاكم أن يبقى سنين بلا مجاهدة، وهذا يتفق عليه العلماء، ولكن يختلفون في أمر المدد، ومن قال: إن جهاد الطلب منسوخ وليس بباق، فهذا من الأقوال الحادثة التي جلبها الوهن، وربما بعضهم أخذ يلتمس بعض الأقوال العامة في كلام بعض العلماء وبعض الشراح؛ حتى يدرأ عن الأمة جهاد الطلب؛ حتى لا توصم بأنها أمة إرهابية، حتى ألبست الأمة بلباس الذل والهوان، وتسمي ذلك اللباس بغير اسمه، ومن عجب أن أمة الإسلام ألبسها عدوها لباس الذل فأخذت تسميه التسامح، وترفع تلك الراية أننا متسامحون، والعدو يجلد في المسلمين ويسفك الدماء عن يمين وشمال، وهي ما زالت تنادي بالتسامح وأننا أمة متسامحة, خدروا العقول ومسخوا كثيراً من أفكار الناس، وبدلوا كثيراً من أحكام الدين, ووجدوا أيضاً أيدي من المسلمين من بدلوا أحكام الله عز وجل.نقول: إن ضعف المسلمين في زمن لا يسوغ لهم أن يبدلوا دينهم، فالدين يبقى، ولكن قل: لا يوجد جهاد في مثل هذه الفترة أو نحو ذلك, لكن أن تقول: جهاد الطلب لا يوجد, هذا من الظلم، ويأتي بإذن الله عز وجل بيان ذلك في مواضع عديدة، وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في عدة أخبار التهديد بالقول أنه لا جهاد في الأمة, ويكفي في ذلك ما جاء في الصحيح من حديث معاوية , وكذلك أيضاً من حديث عبد الله بن عمرو قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين يقاتلون في سبيل الله إلى قيام الساعة )، يعني: أن الأمر متصل إلى قيام الساعة ( لا يضرهم من خذلهم ), وقد جاء أيضاً عند ابن عساكر في تاريخ دمشق وعند أبي عمرو الداني في الفتن من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( لا يزال الجهاد حلواً خضراً ما نزل القطر من السماء وإنه يأتي أقواماً يقولون: لا جهاد, أولئك شرار الخلق )، وكذلك أيضاً جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث عباد بن كثير عن زيد عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ذلك المعنى, وجاء من طرق متعددة.فضعف المسلمين في موضع وإمساكهم ينبغي ألا يغيب شريعتهم، نعم يمسكون حال الضعف، وينشغلون بنصرة الدين والملة في جهات أخرى، إما بالدعوة وبالتعليم ونحو ذلك, ولكن أن يغيبوا شريعة الله سبحانه وتعالى وما أحكمه الله عز وجل في دينه ثابتاً إلى قيام الساعة، هذا من الجناية على الشريعة، ومن ظلم النفس، وهو نوع من تبديل الدين الذي ابتلي به الأحبار والرهبان من بني إسرائيل فغيروا دين الله عز وجل بحسب الظروف، فالظروف تأتي وتزول, ولكن حكم الله ينبغي أن يكون باقياً إلى قيام الساعة, إن عجز عنه قوم أو جيل فلا يعني أن تعجز عنه أقوام وجيل بعد ذلك، علينا أن نحفظ هذا الدين في هذه الدواوين, وإن أخذ الله عز وجل منا ودائعه في الأرض نسلم ذلك الدين لمن جاء بعدنا محفوظاً, فيعذرنا الله عز وجل بعجزنا, ولا يعذرنا بعدم حفظنا للدين, ولكن نحفظه لمن جاء بعدنا, ثم بعد ذلك يتولى الله عز وجل أمرهم. أسأل الله سبحانه وتعالى لي ولكم التوفيق والسداد والإعانة, وبهذا القدر كفاية وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [14] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net