اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [13] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


تفسير آيات الأحكام [13] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
بعد أن ذكر الله عز وجل الصيام ذكر الدعاء، وفيه إشارة إلى أنه يستحب الدعاء عند الفطر، والدعاء قسمان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، فإجابة النوع الأول هي القبول، وإجابة النوع الثاني لا تخرج عن ثلاث حالات: إما أن تجاب بعينها، أو أن يدفع الله عن صاحبها من الشر بقدرها، أو أن تدخر لصاحبها عند الله إلى يوم القيامة.
قوله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني ...)
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ‏
 المراد بالرشاد في قوله تعالى: (لعلهم يرشدون)
وقوله جل وعلا: لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186], المراد بالرشاد هو الهداية, وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان كلما استكثر من العبادة وُفِّق إلى التسديد والهداية، فالعبادة تجر عبادة أخرى, والإنسان كلما استكثر عبادة استكثر من الصواب في القول والعمل, ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في البخاري من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: ( قال الله جل وعلا: ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه, فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ), وهذا هو الرشاد والتسديد, ( وبصره الذي يبصر به, ويده التي يبطش بها, ورجله التي يمشي بها, ولئن سألني لأعطينه ), ذكر هنا إجابة الدعاء, وهي مقترنة بهذا, فكلما كان الإنسان أكثر تعبداً كان أقرب إجابة, ولهذا الله عز وجل قطع حبل الإجابة بينه وبين المشركين إلا في أبواب ضيقة كحال ركوبهم في الفلك حينما يدعون الله مخلصين له الدين يجيبهم جل وعلا في مثل هذه الأحوال, وإلا ما عدا ذلك فإن الأبواب منقطعة بينهم وبين ربهم, فالله عز وجل يجري عليهم العقاب والحساب، ولا يجري عليهم الثواب, وذلك لأنهم كفروا بالله سبحانه وتعالى.ويؤيد هذا أيضاً ما جاء في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من لم يسأل الله يغضب عليه ), أي: كلما أكثر الإنسان من التعبد لله سبحانه وتعالى تعبداً مجرداً من غير سؤال فإن هذا نقص في العبودية, وإذا أكثر الإنسان سؤال الله عز وجل ولو شيئاً قليلاً فيه إظهار الافتقار من الإنسان لربه سبحانه وتعالى, فأنت حينما تعتمد على غيرك بما قل أو كثر ففيه إشارة إلى اعتمادك عليه؛ وأن لا غنى لك عنه؛ كحال الإنسان المقعد فإنه يعتمد على غيره في الشراب والإيواء والطعام والذهاب والمجيء وقضاء الحاجة, فهو في كل شيء يسأل.فالإنسان إذا سأل الله عز وجل كل شيء فهو يقر بأن الله عز وجل بيده كل شيء, وأنه ضعيف لا يقدر على شيء إلا بحول الله عز وجل وقدرته, ومن لا يسأل الله عز وجل ويكثر من السؤال فإن فيه إشارة إلى استغناء القلب بالأسباب عن مسببها سبحانه وتعالى, ولهذا حتى لو تحقق الخير في يد الإنسان فإنه يسأل الله عز وجل خيراً, ولو شرب الماء يسأل الله عز وجل رزقاً؛ لأن في هذا عبودية لله سبحانه وتعالى، وإظهار الافتقار, ومن أعرض عن الله عز وجل فلا يسأله ولا يدعوه بأي نوع من أنواع الدعاء فإن هذا من أسباب غضب الله سبحانه وتعالى.
قوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث ...)
الآية الثانية قول الله عز وجل: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [البقرة:187]. ‏
 من علامات أهمية العبادة
ثم قال تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ [البقرة:187], هذه الحدود بينها الله سبحانه وتعالى إشارة إلى عددها, وكلما كان الأمر مهماً كثرت حدوده, ولهذا نعلم أنه من القرائن التي يعرف فيها أفضلية عبادة على غيرها كثرة شروطها وواجباتها وأركانها, فإذا كثرت الشروط والواجبات والأركان وتعددت المبطلات دل على أن هذه الشريعة أعظم من غيرها, ولهذا كانت شروط الصلاة وواجباتها وأركانها ومبطلاتها أكثر من الصيام والزكاة والحج, لهذا نقول: إنه كلما احتاط الإنسان لشيء بشروط وقيود دل على أهميته عنده؛ كحال الإنسان في المال, الإنسان في ماله إذا وضع له حرزاً شديداً دل على أهميته عنده.كذلك أيضاً في مسألة الإثابة, حينما تريد أن تثيب أحداً على فعل, فإذا أكثرت من الضوابط لشروط العالمين دل على عظم الثواب عندك لكثرة المقبلين على ذلك, هذا هو الأغلب. ثم بين الله سبحانه وتعالى أن هذا غاية البيان لمن أراد البيان, كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة:187], وأن الامتثال لأمر الله عز وجل مربوط بالتقوى, وأنه يمكن لصاحب الهوى ومن في قلبه مرض إذا تجرد من التقوى أن يتحايل على هذه الحدود, ولكن إذا تجرد من التقوى, وأما التقوى إذا وقعت في قلب الإنسان فإنه يعرف مراد الله عز وجل كما يريده سبحانه وتعالى, وكذلك أيضاً فإن العبادة مما تجلب التقوى للإنسان وتزيد من خشيته لله سبحانه وتعالى, فالعبادة لها أثر على الإنسان, وذلك بتكفير الذنوب كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الصلوات الخمس كفارة لما بينها, والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينها, ورمضان إلى رمضان, والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ), فنقول: إن الأعمال الصالحة لها أثر على الإنسان, فتزيد من تقواه وإقلاعه عن الذنب, فإن الإنسان إذا جاء بعبادة غرست في نفسه البعد عن المعصية، ومخالفة أمر الله سبحانه وتعالى, وهكذا يبقى الإنسان في مصارعة بين أعمال الباطل وأعمال الحق, أعمال الخير وأعمال الشر. وفقني الله وإياكم لمرضاته, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
الأسئلة

 التبرك بريق الراقي
السؤال: [هل يجوز التبرك بريق المرقي لكون النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث؟]الجواب: النفث من النبي صلى الله عليه وسلم يختلف عن النفث من غيره, لأن ذات ريق النبي صلى الله عليه وسلم ونَسَمه مبارك, ويزيده بركة قراءة القرآن, وأما بالنسبة لغيره فإنه يقرأ القرآن ثم ينفث, والذي يريد أن يتبرك الناس بريقه بلا قرآن هذا بدعة, أما النبي صلى الله عليه وسلم فذلك له لأنه كما جاء في الصحيح الصحابة عليهم رضوان الله تعالى يكادون أن يقتتلوا على بصاقه عليه الصلاة والسلام, وهو بصاق مجرد, وعلى وضوئه عليه الصلاة والسلام, مع أن الوضوء ليس منفكاً منه, وإنما مر عليه ثم مضى, فهو مبارك في ذاته, ولهذا نقول: حال النبي صلى الله عليه وسلم يختلف عن غيره.وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [13] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net