اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [10] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


تفسير آيات الأحكام [10] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
شرع الله الإيمان قبل أن تنزل الأحكام والحدود؛ وذلك أن الحدود لا يمكن تطبيقها إلا على قوم مؤمنين.ومن أعظم الحدود التي شرعها الله: حد القصاص, وقد بين الله تعالى أحكام القصاص في كتابه الكريم, واستنبط العلماء منها أحكاماً ومسائل كثيرة, والتي منها: أنواع القصاص, وحكم القصاص بين الأب وابنه, والحر والعبد والذكر والأنثى.
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص ...)
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:فتكلمنا في الدرس الماضي على قول الله جل وعلا: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [البقرة:177]، ويلي هذه الآية قول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ [البقرة:178] وهذه الآية تقدم الإشارة إلى شيء من الحديث عن بعض المسائل التي نود أن نتكلم عليها في هذا المجلس. ‏
 إقامة الأحزاب الإسلامية الحدود إذا تولت الحكم
وهنا مسألة يتكلم عليها كثيراً خاصة في هذه الأيام؛ وهي ما يتعلق بالبلدان الإسلامية التي جاءت فيها الثورات, وزال فيها حكام كثر متعددون, فاستقر أمر أحزاب إسلامية عليها، فهل يجب عليهم وجوباً أن يقيموا حدود الله فيها أم لا؟ وهل يعذرون في عدم إقامة الحدود فيها أم لا؟ هل يلحقون بحال النبي صلى الله عليه وسلم في مكة أم لا يلحقون؟ نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وفيها اليهود، وفيها منافقون، والناس يتربصون أيضاً برسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم ممن حوله، ومع ذلك كان يقيم الحدود، ولهذا نقول: إن الأحزاب الإسلامية التي تسيطر على دول إسلامية من أعظم ذنبها في حق الله سبحانه وتعالى أن تعلن أنها لا تريد تحكيم الشريعة، فهذا لا يجوز حتى على القول بخلاف العلماء, فالعلماء حينما يقولون هو إسقاط حد في نازلة أو في حال, لا إسقاط التشريع وإعلان عدم تحكيم شريعة الله في الأرض، فهذا محادة لله ولرسوله.ولهذا الواجب عليهم في ذلك إذا استقر لهم الأمر أن يحكموا أمر الله سبحانه وتعالى, ولا حرج عليهم أن يسقطوا الحد عن نازلة بعينها أو عن فرد بعينه، وهذا لا يعني تعطيلاً لأصل الحكم، إذا تحققت مفسدة يرونها متيقنة، وحكم في ذلك أهل العقل والديانة؛ أنه إذا أقيم الحد في تلك النازلة ونحو ذلك، فإنه ربما لحق أولئك بالمشركين، أو ثارت ثائرة عدو عليهم، فإنهم حينئذ لا حرج عليهم أن يسقطوا الحد عن نازلة لا عن مجموع حكم الله، وما يجب في حكم الله سبحانه وتعالى هو في حال توفر حاكم ومحكوم، أما الحاكم فهو في قول الله جل وعلا: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، وأما بالنسبة للمحكوم وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء:65].وأما ما يتعلق بأمر الإعلان الذي نسمعه بين فينة وأخرى ممن يرشح من بعض الأحزاب يقول: لن أفعل كذا، ولن أفعل كذا، ولن أفعل كذا فهذا من الوهن، ممن يقول: إننا لا نقيم الحدود أو لا نقيم الشريعة أو لا نريد أن نواجه من يشربون الخمر أو الزناة أو العراة أو نحو ذلك، فهذا من الخطأ في دين الله سبحانه وتعالى، ولا حرج على الحاكم إذا كان في زمن فتنة أو في زمن ضعف أن يسكت عن إقامة الدين لا أن يبدي تبديلاً لدين الله، وفرق بين هاتين الحالتين، والحالة التي يكون فيها الإنسان في حال ضعف لا حرج عليه أن يسكت عما يريد أن يبيته من حكم على الناس، من بيان حالهم وكذلك تسيير نظامهم، خاصة في الأنظمة الوضعية التي استحكمت على بلدان لعقود طويلة كما يحدث في زمننا هذا في تونس, وكذلك في مصر وفي ليبيا وفي المغرب ونحو ذلك، فاستغرقت في الناس، وكذلك تأصلت وتجذرت فيهم تلك المفاهيم، وكانت تلك الأنظمة لدول غربية وتقوم بحمايتها، فنقول: إن الإنسان في ذلك ليس له أن يعلن شيئاً، وإنما يجب عليه وجوباً عند كل أحد أن يسكت عن مخالفة أمر الله، لا أن يتودد للناس بمخالفة أمر الله سبحانه وتعالى، ولا حرج عليه إذا عرف ما يريده الناس من دين الله سبحانه وتعالى ومن إقامة الحدود أن يحيل الأمر إلى ما يريده الناس إذا كان يعلم أنهم يريدون الإسلام، فيقول: إن الأمر ما يقضي به الناس، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما جاءه اليهود أرادوا أن يحكم فيهم بأمر الله عز وجل فأحالهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما في كتابهم؛ لعلمه أن ما في كتابهم يوافق أمر الله سبحانه وتعالى، ولهذا إذا تيقن الإنسان أن أمر العامة على هذا الأمر فلا حرج عليه أن يحيل الأمر إليهم, وهذا ما يسميه البعض بالنظام الديمقراطي، وهو نظام إذا نظر الإنسان إليه بمجموعه يجد أنه ينطوي على كثير من أصول الفساد، وأظهر أصول الفساد فيه أن النظام الديمقراطي في ذاته لا يمكن أن يتحقق إلا بإقامة هذا النظام على ذلك النظام، وذلك أن أي نظام في الأرض يبطل نفسه لا يمكن أن يكون صحيحاً، فالنظام الديمقراطي: هو حكم الأغلبية، فإذا اختارت الأغلبية عدم حكم الأغلبية، فهذا النظام ليس بصحيح، فإذا قلنا: إن هذا دستور وهو نظام الديمقراطية وحكم الأغلبية, ثم أتينا إلى بلد من البلدان وقلنا في هذا البلد: ما رأيكم بنظام الديمقراطية؟ فذهب الأغلبية إلى عدم الحكم بالديمقراطية، فهل تنتقض الديمقراطية أو لا تنتقض على الديمقراطية؟ نقول: نقضت الديمقراطية الديمقراطية، فهذه ديمقراطية تنقض بعضها، والنظام إذا نقض بعضه بناء نفسه بنفسه فليس بنظام صحيح، ولهذا الديمقراطية لو أخذت في بلدان المسلمين على أنها دستور، هل يراد أن يحكم بها قبل أن تفتح، لاختارت الشعوب عدم القبول بها، ولكنهم يفرضون النظام، ولا يجعلون لأحد عليه حكماً، وهذا من جهة الفرض؛ كفرض المسلمين لحكم الله ولا يقبلون فيه مساومة, ويوجبون على الناس أن يفتح، وأما من يقول: إنكم تستبدون بفرض حكم الله عز وجل على الناس وأنه لا يقبل الشورى، كذلك تستبدون بفرض الديمقراطية قبل مشاورة الناس على تطبيق الديمقراطية، فإذا وضعت للديمقراطية دستور، ووضع كذلك أيضاً للإسلام دستور واستفتى الناس على ذلك، فهذا يمكن أن يقال: إنه يجري على نظام الديمقراطية، ولكنهم يستبدون ويأمرون بها الشعوب، ويأمرون الدول بوجوب إقامتها فيهم، وهذا إذا نظر إليه الإنسان يجد أنه استبداد ظاهر يتهمون فيه الإسلام وهم يقعون فيه، ولهذا يحاربون الشعوب ويقتلون الأنفس بطائرات وصواريخ ويحتلون بلدان لأجل تطبيق الديمقراطية، وحينما يجاهد المسلمون في سبيل الله؛ لإقامة دين الله يقولون: هذا من الاستبداد، وهذا من الإرهاب، فما الذي أجاز إرهاب الديمقراطية وحرم إرهاب الإسلام؟!! والله جل وعلا يقول في كتابه العظيم: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ [الأنفال:60]، فعلى هذا نقول إن الإرهاب على نوعين: إرهاب محمود وهو في هذه الآية, وإرهاب مذموم, وهو ما ذمه الله عز وجل من إخافة الآمن وترويعه وقتله بغير حق.ومن أعظم ما يجعل الصلة قوية بين الحاكم والمحكوم، ويضبط أحوال الناس هو إقامة شريعة الله وحكمه في الأرض، ولهذا جاءت شريعة الإسلام، وهو حكم الله سبحانه وتعالى على نبيه عليه الصلاة والسلام لما جاء في المدينة، فإن الحاكم الذي ليس له نظام في الناس يربطه بينهم من جهة العقوبة ومن جهة الحدود ونحو ذلك، لا يمكن أن يكون له هيبة ولا شوكة، فأراد الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام استقرار الأمر بإقامة شريعته على الناس؛ حتى يُهاب عليه الصلاة والسلام، ولهذا الدولة التي لا نظام فيها لا ترهب، والدولة التي لا تقيم حكم الله سبحانه وتعالى لا يهابها أحد، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم نصره الله بالرعب مسيرة شهر كامل، وهذه المسيرة ما كانت لتحدث لولا ما قذفه الله عز وجل في قلوب خصومه من شدته عليه الصلاة والسلام في أمر دين الله سبحانه وتعالى، وأنه كان عليه الصلاة والسلام في إقامة الحدود، لا تأخذه في الله لومة لائم، وأما ما عدا ذلك فيما يتعلق بالتعامل مع الناس واللين معهم، كذلك أيضاً في إسقاط بعض العقوبات على بعض الأفراد الذين يخشى من ذلك مفسدة على نظام الإسلام تام، فإن هذا ربما فعله النبي صلى الله عليه وسلم كما فعل في قضية عبد الله بن أبي وغيره؛ خشية أن يتحدث الناس أن محمداً صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه، فهذا التعليل فيه إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك ذلك إلا سياسة شرعية، فهو ترك لنازلة عينية لا لنظام تام، فنظام الأمر كامل وهو على أمر الله سبحانه وتعالى، والله جل وعلا من نصر دينه نصره، ومن أعزه مكن له في الأرض، ومن ترك دين الله وجعله تلقاء ظهره أذله الله سبحانه وتعالى وهذا أمر مشاهد.نكتفي بهذا, والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [10] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net