اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الأحكام الفقهية المتعلقة بالصيام [2] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


الأحكام الفقهية المتعلقة بالصيام [2] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
بالغ بعض الفقهاء في عد المفطرات حتى ذكر بعضهم الغيبة، والصحيح أنها تنقص الأجر لا أنها تبطل الصوم. والأصل في المفطرات الأكل والشرب، واختلف الفقهاء فيمن أكل أو شرب ناسياً هل يفطر أو لا؟ والصحيح أنه لا يفطر، كما أنه لا يشرع تنبيهه عند حصول ذلك؛ لأن هذا فضل من الله ورحمة.ويسوغ الفطر في رمضان للمريض، والمسافر واختلف في أيهما أفضل في حقه الفطر أم الصوم؟ وكذلك يسوغ للشيخ الكبير ومن به مرض لا يرجى برؤه، والمرضع والحامل إذا خافتا على نفسيهما أو ولديهما.
مبالغة الفقهاء في ذكر المفطرات وعد الغيبة منها
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد: فقد ذكرنا سابقاً ما يتعلق بوقت ابتداء الإمساك والمباحث المتعلقة به, ونتكلم هنا عن المفطرات، وأصل الصيام هو الإمساك عن المفطرات, وقد أكثر الفقهاء من ذكر المفطرات وأنواعها حتى بلغ بعض الفقهاء وذكر ستين مفطراً, وهذه مبالغة, حتى بعضهم ذكر المحرمات؛ الغيبة, والنميمة, وشهادة الزور, والكذب, والبهتان وغيرها, وذكر أنها مفطرات, قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة بأن يدع طعامه وشرابه ), قالوا: فالغيبة تفطر, وقد رواه ابن حزم الأندلسي في كتابه المحلى من حديث الهيثم عن ثابت عن أنس بن مالك أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الغيبة تفطر الصائم ), وهو خبر منكر لا يعول عليه, وأمثل ما جاء في هذا الباب موقوف على إبراهيم النخعي من حديث الأعمش عن إبراهيم النخعي أنه قال: كانوا يقولون: الغيبة تفطر الصائم, وما قال فيه إبراهيم النخعي: كانوا يفعلون أو كانوا يقولون, فالمراد به أصحاب عبد الله بن مسعود. روى ابن أبي خيثمة في كتابه التاريخ من حديث الأعمش عن إبراهيم النخعي أنه قال: ما قلت لكم كانوا يفعلون فهو ما أجمعوا عليه, إذاً: يحكي الإجماع هنا, أي: أن الغيبة تفطر الصائم, ويريد هنا أصحاب عبد الله بن مسعود، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله تعالى في شرح العمدة: والمراد بالتفطير هو نقصان الأجر لا تفطير الصائم, في طبقات الحنابلة للقاضي ابن أبي يعلى ذكر عن الإمام أحمد أنه سئل: الغيبة تفطر الصائم؟ قال: لو كانت الغيبة تفطر الصائم ما كان لنا صوم, لكن يقال: إن المراد بالتفطير هنا في قول إبراهيم هو نقصان الأجر والثواب, وكلما أذنب الإنسان في أثناء عمل الخير كلما نقص الخير والأجر والثواب, وكلما أمسك كلما عظم أجره عند الله سبحانه وتعالى, وهذا كما أنه في الصيام هو في سائر العبادات؛ في الحج, في الصلاة, كلما انشغل الإنسان وسها وانصرف قلبه وكثرت حركته في الصلاة قل أجره وما بطلت صلاته إلا بمبطل يدل عليه الدليل.
 

مسائل الأكل التي اختلف الفقهاء في إفطار الصائم بها
وأصل ما يجب الإمساك فيه الأكل والشرب؛ ما يدخل الجوف, ولو كان قليلاً ودقيقاً, ومع اتفاق العلماء في الأصل على أن الأكل والشرب يفطر الصائم فقد اختلفوا في مسألتين: ‏
 ما وجد من طعام بين الأسنان
المسألة الثانية: وهي ما وجد من طعام بين أسنان الإنسان بعد أكله, ذهب جمهور العلماء إلى أن ما تخلل في أسنانه وأكله في نهار رمضان أنه لا يفطر, ولا حرج عليه, وهذا الذي ذهب إليه الجمهور, ذهب إليه أبو حنيفة وكذلك الإمام مالك، ورواية عن الإمام أحمد مشهورة, وذهب بعضهم إلى أنه يفطر, وقال بذلك الإمام أحمد في رواية, قال: إنه كالطعام, يقول ابن حزم الأندلسي في كتابه المحلى: وما في فم الإنسان هو في جوفه, ولا يتصور أن يسمى أكلاً إلا إذا كان من خارج فمه ثم دخل فيه, وما دخل فيه لا يتصور أن يكون طعاماً إلا إذا خرج, وإذا خرج لا يتصور إلا أن يكون قيئاً أو عذرة, وعليه يقال: إن ما دخل في فم الإنسان من طعامه الذي أكله, ويلحق في هذا مسألة الريق, أي: لعاب الإنسان, أن يجمعه في فمه ويبلعه, والنخامة ونحو ذلك, الصواب أنها لا تفطر الصائم.
تبييت صيام النفل من الليل

 كلام الفقهاء في الحد الذي لا يتجاوزه صائم النفل في تبييت النية في النهار وما يكتب له من أجر
ولكن هنا مسألة وهي: ما هو الحد الذي لا يجوز له أن يتجاوزه في النية؟ قد ذكر بعض الفقهاء أنه لا يشرع له أن يتجاوز نصف النهار؛ وهو زوال الشمس, وأنه إن تجاوزه لا يشرع له نية الصيام, وهذا مروي عن غير واحد من السلف كـعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وأنس بن مالك وغيرهم, وهو ثابت عن جلهم عليهم رضوان الله تعالى, ولهذا قد روى في المصنف من حديث طاوس بن كيسان عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى أنه قال: لا بأس بذلك بينك وبين نصف النهار, وروي نحوه عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك عليهم رضوان الله تعالى, والصواب أنه لا حرج في ذلك، فظاهر النص العموم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وتقييده بحاجة إلى دليل إلا أن الإنسان كلما بَكَّر بالنية فهو أعظم لأجره. واختلف العلماء ماذا يكتب له من أجره؟ من ابتداء نيته أم يكتب له اليوم كاملاً؟ ينص بعض الفقهاء من الحنابلة إلى أنه يكتب له من ابتداء النية, فلو نوى من نصف النهار أو نوى من بعد طلوع الشمس بساعة أنه يكتب له ذلك، وما قبل ذلك لا يكتب له, وفي هذا فيما يظهر نظر؛ وذلك أن الله سبحانه وتعالى يتقبل من الإنسان ما عمله لغير الله عز وجل أصالة إذا أخلص لله عز وجل بعد زوال العمل كله, فيكون لله؛ كمن تقرب إلى الله جل وعلا ببناء المساجد والنفقات وغير ذلك حباً للرياء والسمعة، ثم أخلص لله عز وجل فإنه يثاب على ذلك, فكيف بشخص لم يكن لديه نية لغير الله وإنما باق على أصله ثم نوى احتساباً؟ فإنه يقبل منه ذلك من باب أولى. وكذلك فإن المشرك الكافر الأصلي حينما يتقرب لله جل وعلا خالصاً حال كفره بالله جل وعلا ثم يدخل في الإسلام أن الله يتقبل من عمله ما كان خالصاً لله وحده وإن كان كافراً حال نفقته, ولهذا ( لما جاء أحد المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره من رقاب يعتقها في الجاهلية ومن صدقات, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أسلمت على ما أسلفت من خير ), أي: أنه يتقبل منك ذلك, مع أنه كان كافراً ويتقرب إلى الأصنام والأوثان؛ ومع ذلك قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( أسلمت على ما أسلفت من خير ), يتقبل لك ما كان خالصاً لله عز وجل, مع أن ظاهر هذا يكون معارضاً لقول الله جل وعلا: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة:5], أي: أنه لا يتقبل منه عمل وإن كان مخلصاً بعمله؛ لكنه تحت مظلة الكفر التي لا يرفع فيها عمل, لكن وجود الإسلام يرفع ذلك كله, وتكون الصلة بين الله وبين عبده باقية, وهذا في حق المؤمن أظهر من الكافر, ولهذا يقال: لما تقبل من الكافر الأصلي ما تقرب به إلى الله جل وعلا حال كفره، والمانع الكفر أظهر؛ فكيف في حال نية لم يكن ثمة ما يناقضها قبل ذلك، وإنما هو الأصل. ولهذا يقال: إن من نوى من نصف النهار أو من بعده أو قبله أنه يكتب له اليوم كله إن احتسب, ويثاب على ذلك. والنية كما يقول العلماء هي: تجارة العلماء, فكلما أكثر الإنسان من الإخلاص والاحتساب لله سبحانه وتعالى أعظم الله عز وجل له الأجر بقدر نيته, فيثاب الإنسان على عدة أعمال وهو يعمل عملاً واحداً, فيأتي إلى الصلاة يحتسب الخطى والرباط وذكر الله, والسكينة والوقار وغير ذلك، يكتب الله عز وجل له ذلك إن احتسب ذلك كله, ولهذا يقول الأئمة: إن النية تجارة العلماء, أي: أنهم هي التي يتاجرون بها, فيكسبون من الثواب الجزيل عند الله عز وجل ما يعظم الله عز وجل لهم حسن العاقبة.
عموم الإفطار بالأكل
الصيام كما تقدم أنه الإمساك, وضده الأكل وما يصل إلى الجوف من طعام وشراب, وهذا هو أصل المفطرات, فكل ما يأكله الإنسان في جوفه ويكون من الغذاء أو من غيره فإنه مفطر, وإن لم يكن غذاء؛ كأن يأكل الإنسان النوى أو حصى أو خشباً أو تراباً ونحو ذلك فإنه يكون مفطراً وإن لم يكن عرفاً من الغذاء؛ لأنه يسد جوعاً, ولهذا الجائع يضع الحجر على بطنه؛ لكي يسد فراغ الجوع فلا يحتاج إلى طعام, فما يملأ المعدة أياً كان يصرف الإنسان عن حاجته إلى الطعام, ولهذا من احتاج طعاماً ولم يجد يشرب الماء فيغنيه, وهذا يدل على أن ما ملأ المعدة أغنى عن الطعام أياً كان.
 تنبيه المرأة زوجها الصائم عند جماعها نسياناً
وهل يدخل في هذا الجماع؟ إذا أراد الرجل أن يجامع امرأته والرجل صائم وهي مفطرة؛ فهل لها أن تذكره أم لا؟ الأصل لا, هذا هو الأصل؛ لأن الأكل والشرب محل اتفاق عند العلماء على أنه يفطر الصائم لمن فعله متعمداً, والجماع قد اختلف فيه العلماء, هل من جامع في نهار رمضان يجب عليه أن يقضي أم لا عن ذلك اليوم؟ وهل يلزم من ورود الكفارة والتحريم فساد الصوم أم لا؟ على خلاف معروف, فوروده على الجماع من باب أولى؛ لأنه محل خلاف وذلك متفق عليه.
القضاء لمن أفطر متعمداً في رمضان
ومن أفطر في نهار رمضان متعمداً فمن لم يقل بكفره هل يلزمه بالقضاء؟ لا أعلم في أمر المفطر المتعمد في رمضان نصاً أنه يجب عليه القضاء, وقد نص على هذا ابن رجب عليه رحمة الله تعالى في كتابه فتح الباري, ورجح أنه لا يجب عليه القضاء, وأن هذا هو الذي عليه عامة السلف من الصحابة والتابعين, فمن ترك يوماً متعمداً في رمضان وكذلك يدخل فيه الصلوات, من ترك صلاة متعمداً حتى يخرج وقتها من غير عذر لا يجب عليه القضاء, وإنما يجب عليه التوبة؛ لأنه قد وقع منه جرم أعظم من الكفارة, وإذا قلنا: إن العبادة تكون أداء وتكون قضاء وتكون إعادة وتكون تكراراً, وكل هذه تشريع, والتشريع في كل واحدة لابد له من دليل, والدليل إنما يؤخذ من الوحي كتاباً وسنة, ولما دل الدليل على الأداء فالقضاء يفتقر إلى دليل, وحينما دل الدليل على أن من أكل من معذوراً أنه يقضي, والقياس في ذلك لا يقبل إلا ما كان من قياس الأولى, وغير وارد هنا.
 تنبيه المرأة زوجها الصائم عند جماعها نسياناً
وهل يدخل في هذا الجماع؟ إذا أراد الرجل أن يجامع امرأته والرجل صائم وهي مفطرة؛ فهل لها أن تذكره أم لا؟ الأصل لا, هذا هو الأصل؛ لأن الأكل والشرب محل اتفاق عند العلماء على أنه يفطر الصائم لمن فعله متعمداً, والجماع قد اختلف فيه العلماء, هل من جامع في نهار رمضان يجب عليه أن يقضي أم لا عن ذلك اليوم؟ وهل يلزم من ورود الكفارة والتحريم فساد الصوم أم لا؟ على خلاف معروف, فوروده على الجماع من باب أولى؛ لأنه محل خلاف وذلك متفق عليه.
من يسوغ له الفطر في رمضان
ومن يسوغ له الفطر في رمضان أنواع: ‏
 من احتاج إلى تناول طعام أو حجامة
وممن يرخص له الفطر: من احتاج إلى تناول طعام أو حجامة ونحو ذلك, على خلاف في الحجامة ويأتي الكلام عليها, فإنه لا حرج عليه من تناوله؛ كأن يكون قد فرض عليه ذلك من دواء ونحو ذلك فإنه يطعمه ويفطر في ذلك ولا حرج عليه, ويرخص له.نكتفي بهذا القدر، ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
الأسئلة

 الإفطار بنية القطع أو بنية فعل المفطر
السؤال: من نوى السفر ثم نوى الإفطار ثم عدل عن السفر هل يكون مفطراً أم لا؟الجواب: إذا نوى الإنسان الإفطار أو نوى فعل المفطر؛ هاتان مسألتان, إذا نوى الإفطار ولم يفطر فيقال: إنه أفطر, إذا نوى الإنسان الإفطار فيكتفي بالنية, وإذا نوى فعل المفطر وهذا هو المقصود؛ أنه إذا كان الإنسان مسافراً ما نوى الفطر, نوى أن يأكل, فإذا لم يأكل لا يحصل له شيء, وهذه مسألة معروفة سواء في الصيام أو في غيره؛ كأن يكون شخصاً يصلي فنوى فعل الناقض؛ كأن يكون الإنسان يصلي وأمامه كأس ماء, ومن مبطلات الصلاة الأكل والشرب, فأراد أن يتناوله, نوى لكنه ما فعل, لا تنقطع صلاته, أو نوى أن ينصرف, يلتفت عن القبلة, ينحرف, والانحراف من مبطلات الصلاة, لكنه ما فعل, فصلاته صحيحة وباقية, لكن لو نوى ولو لم ينصرف أو لم يأكل ويشرب فعبادته منقطعة.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الأحكام الفقهية المتعلقة بالصيام [2] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net