اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الأحاديث المعلة في الصلاة [1] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


الأحاديث المعلة في الصلاة [1] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
اختلف أهل العلم في كفر تارك الصلاة كفراً يخرجه من الملة، والجمهور على عدم القول بذلك ومما استدلوا به حديث: (ومن ضيعهن فليس له عهد عندي, إن شئت عذبته, وإن شئت أدخلته الجنة)، لكن هذا الحديث معل، ففي سنده عبد الرحمن بن الحارث، وقد تكلم فيه بعض الأئمة، أما حديث: (من الكبائر الجمع بين الصلاتين بلا عذر) فقال بعضهم: ليس له أصل.
حديث: (ومن ضيعهن استخفافاً بحقهن)
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:أول أحاديث اليوم هو حديث كعب بن عجرة عليه رضوان الله تعالى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ومن ضيعهن )، يعني: الصلوات ولم يحافظ عليهن ( استخفافاً بحقهن فليس له عهد عندي, إن شئت عذبته وإن شئت أدخلته الجنة )، هذا الحديث قدسي، رواه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه جل وعلا، وهذا الحديث بهذا اللفظ منكر, أخرجه الإمام أحمد وغيره، وموضع النكارة فيه هو في قوله: ( ومن ضيعهن فليس له عهد عندي, إن شئت عذبته, وإن شئت أدخلته الجنة ) .هذا الحديث يستدل به بعض العلماء على أن تارك الصلاة بالكلية لا يكفر, وهو تحت مشيئة الله جل وعلا، وحديث كعب بن عجرة هذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق متعددة وليس فيه هذه اللفظة: ( ومن ضيعهن استخفافاً بحقهن )، وإنما المراد بالتضييع هنا: التخلف عن الوقت، وعدم الإتيان بها مع تمام ركوعها وسجودها.ويؤيد هذا: أن الحديث قد رواه الإمام أحمد وغيره من حديث عبد الرحمن بن النعمان عن إسحاق بن سعد بن كعب بن عجرة عن أبيه عن كعب بن عجرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس فيه لفظة التضييع، وإنما فيه أنه لم يعط الصلاة حقها، واللفظ الأول وهو حديث كعب بن عجرة بلفظ: ( ضيعهن )، هذا الحديث منكر، فقد أنكره الحافظ ابن رجب رحمه الله كما في كتابه الفتح، وهو ظاهر صنيع محمد بن نصر المروزي وغيرهم.وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث عبادة بن الصامت أيضاً، رواه الإمام مالك في كتابه الموطأ، ورواه الإمام أحمد في كتابه المسند، من حديث يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن ابن محيريز عن رجل من كنانة عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عن ربه: ( ولم يأت بها ) يعني: الصلاة، ( فليس له عهد عندي, إن شئت عذبته وإن شئت أدخلته الجنة )، وحديث عبادة بن الصامت بهذا اللفظ حديث منكر، وذلك للجهالة في إسناده.وقد جاء من وجه آخر وليس فيه: (ولم يأت بها)، وإنما (لم يتم ركوعها وسجودها )، وذلك أنه قد جاء من حديث عطاء بن يسار عن الصنابحي عن عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الصواب في حديث عبادة. وحديث عبادة هذا هو الحديث المشهور أن رجلاً من بني كنانة سمع رجلاً يقول: إن الوتر واجب، فأخبر بذلك عبادة بن الصامت فقال: كذب أبو محمد، فذكر ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ‏
 علة ضعف حديث كعب
حديث كعب بن عجرة عليه رضوان الله تعالى علته من عبد الرحمن بن الحارث وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة، كالإمام أحمد ويحيى بن معين، وأبي حاتم، وهو ضعيف في حفظه.
حديث: (ومن لم يحافظ عليها)
الحديث الثاني: هو حديث سعيد بن المسيب عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث طويل في حفظ الصلاة قال: ( ومن لم يحافظ عليها )، ثم ذكر شبيهاً بنص حديث كعب وحديث عبادة، وإنما ذكر المحافظة هنا: ( ومن لم يحافظ عليها )، وهذا يستدل به من يقول بعدم كفر تارك الصلاة، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والدارقطني وغيرهم، من حديث ضبابة بن عبد الله عن دويد بن نافع عن ابن شهاب الزهري عن سعيد بن المسيب به، وهذا الحديث منكر، تفرد به بقية بن الوليد عن ضبابة بن عبد الله عن دويد بن نافع عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب به.وذلك أن بقية بن الوليد في حفظه ضعف، وكذلك ضبابة فإنه مجهول، ودويد ليس بالقوي، والحديث في ذلك منكر لا يثبت عن رسول صلى الله عليه وسلم.
 علة ضعف حديث كعب
حديث كعب بن عجرة عليه رضوان الله تعالى علته من عبد الرحمن بن الحارث وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة، كالإمام أحمد ويحيى بن معين، وأبي حاتم، وهو ضعيف في حفظه.
حديث: (من الكبائر الجمع بين الصلاتين..)
الحديث الثالث: هو حديث عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من الكبائر الجمع بين الصلاتين بغير عذر ). هذا الحديث رواه الإمام أحمد والترمذي في كتابه السنن من حديث حنش وهو حسين بن قيس أبو علي الرحبي عن عكرمة عن عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم به، ويرويه عن حنش هذا معتمر بن سليمان عن أبيه، عن حنش بهذا الخبر, وهذا الخبر منكر, وقد تفرد به حنش مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متروك الحديث مع قلة روايته، ولا يتفرد بشيء من المعاني عن الثقات ويكون مستقيماً، وقد حكم عليه بأنه ليس له أصل غير واحد من الحفاظ، كـالعقيلي في كتابه الضعفاء قال: هذا الحديث ليس له أصل، وقال أبو الفرج ابن الجوزي: لا يصح. ‏
 ثبوت الحديث عن عمر رضي الله عنه
وحديث عبد الله بن عباس هذا في جمع الصلاة إلى الصلاة كبيرة من كبائر الذنوب إنما قلنا بنكارته مع ثبوته عن عمر لأن عموم لفظ النبي صلى الله عليه وسلم يختلف عن عموم لفظ غيره, وذلك أن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله إذا أطلق لفظاً لا يؤخذ بعمومه كما يؤخذ عن النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم جاء بجوامع الكلم، وقد صح هذا اللفظ عن عمر عليه رضوان الله وهو أن الجمع بين الصلاتين كبيرة من كبائر الذنوب بلا عذر. وقد رواه ابن أبي شيبة في كتابه المصنف، وابن المنذر في الأوسط، والبيهقي في السنن من حديث قتادة عن أبي العالية رفيع بن مهران الرياحي عن عمر بن الخطاب أنه قال: من جمع بين صلاتين بغير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر، وهذا الحديث قد أعله بعضهم بعدم سماع أبي العالية من عمر بن الخطاب , أعله بذلك الشافعي والبيهقي .ولكن يقال: إن هذا الخبر قد جاء عن عمر بن الخطاب من غير طريق، جاء عند مسدد في كتابه المسند من حديث بكر بن عبد الله المزني عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أبي موسى أن من جمع بين الصلاتين فقد أتى كبيرة من كبائر الذنوب، وجاء عند أبي إسحاق الفزاري من حديث التمار عن حميد بن هلال أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى وذكر نحوه، وجاء من حديث أبي قتادة العدوي كما رواه عبد الرزاق في كتابه المصنف وابن أبي شيبة أيضاً من حديث أبي قتادة العدوي عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أبي موسى أن من الكبائر ثلاثة: الجمع بين الصلاتين بغير عذر، والتولي يوم الزحف، والنهبى.وهذه بمجموعها تدل على أن الأثر ثابت، وقد جاء هذا عن جماعة رووه عن عمر: أبو العالية رفيع بن مهران، وحميد بن هلال، وبكر بن عبد الله المزني، وأبو قتادة العدوي كلهم يروونه عن عمر بن الخطاب وأبو قتادة العدوي قد أدرك عمر بن الخطاب عليه رضوان الله، وقد قوى هذا الخبر البيهقي كما في كتابه السنن بمخرجين له، وقد وجدنا أيضاً مخرجين آخرين لهذا الحديث؛ فدل على أن الاعتضاد في هذا أقوى.وإنما يقول بعض العلماء: إن العمل على حديث عبد الله بن عباس المرفوع كما قال ذلك الترمذي قال: وعليه العمل عند أهل العلم، يعني: حديث عبد الله بن عباس في أن من جمع بين الصلاتين بغير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر، قالوا: وذلك هو الأصل وما خرج عن الأصل فإنه يرجع إليه بورود الدليل.ولكن مثل هذا الإطلاق نقول: إن العمل عليه من جهة الأصل لكن لا يكون هذا اللفظ من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا العموم قياساً على كثير من إطلاقاته عليه الصلاة والسلام بالأمر والنهي، وإنما نقول: عليه العمل إذا لم يقم عذر ولم تقم حاجة، وإذا كان كذلك فإننا نقول: إن العمل على ذلك بهذين القيدين.وأما ثبوت ذلك إسناداً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يثبت، ولهذا نجد عامة العلماء يستنكرون هذا الخبر رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه جمع بين صلاتين من غير حاجة ولا عذر، فإن لم يكن عذر فهو حاجة، وإن لم يكن حاجة فهو عذر، والعذر تدخل فيه الحاجات وهي الضرورات التي تطرأ على الإنسان، وعلى هذا الحديث طرأ خلاف العلماء في مسألة جمع الإنسان لمرضه، أو جمعه في حال الإقامة. وقد جاء أيضاً في الجمع بين الصلاتين أنه كبيرة من كبائر الذنوب عن عمر بن عبد العزيز، كما رواه ابن أبي شيبة في كتابه المصنف من حديث حفص بن غياث عن أبي بن عبد الله عن عمر بن عبد العزيز .وأما بالنسبة للحاجة فأن يكون الإنسان محتاجاً إلى شيء مع قدرته على القيام به، ومن ذلك ما روى ابن أبي شيبة في كتابه المصنف عن عبد الرحمن بن حرملة أن رجلاً جاء إلى سعيد بن المسيب، فقال له: إني راعي وإني أرجع بها صلاة المغرب, وإني أضع رأسي وأفوت العتمة، فقال له: لا تفوتها وإلا فاجمعها إلى المغرب. وهذا يكون في حال الإقامة كحال بعض الناس الذي يأتي عابراً مسافراً ودخل البلدة فأصبح في حكم أهل الإقامة, ويجب عليه أن يؤدي الصلاة في وقتها، ومثل أن يكون الإنسان قد جد به السير واستمر طويلاً كأن يسير الإنسان عشرين ساعة أو أربعاً وعشرين ساعة، أو كان الإنسان يواصل سهراناً ولم ينم طويلاً وخشي أنه إذا كان في الإقامة نام عن الصلاة التي تليها وأراد أن يجمع بينهما، كأن يقدم في أذان الظهر، فنقول في مثل هذا: اجمع العصر إلى الظهر، وإذا كان في المغرب فاجمع إليه العشاء خشية من تفويت العشاء.وهذا أيضاً يكون كحال الإنسان الذي يكون متابعاً لحالة مريض يخشى عليه، أو حال الشرط الذين يتابعون عدواً، أو سارقاً، أو مجرماً، أو نحو ذلك، أو الأطباء الذين لا يدرون إذا اعتنوا بمريض هل يستطيعون الخروج عنه كحال غرف العمليات أو نحو ذلك، فلا يدري الطبيب متى ينتهي، فالعملية قد تأخذ ساعتين أو ربما يكون ثمة خطورة بأن كانت مغادرته في ذلك موضع هلاك للمريض، فنقول في مثل هذا: لا حرج عليه أن يجمع تقديماً ولا يؤخرها بعد ذلك؛ لأن تأخيرها إثم قطعي لا علاج له، وأما التبكير بها فقد جاء النص به جمعاً، فيجمعها الإنسان، وهذا له صور كثيرة مما يتعلق بأمور حاجات الإنسان، سواء كان في الحاجات اللازمة أو المتعدية.
حديث: سؤال ثقيف النبي صلى الله عليه وسلم حتى صلى الظهر مع العصر
الحديث الرابع: حديث عبد الرحمن بن علقمة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه وفد ثقيف فأهدوه هدية, وأخذوا يسألونه ويسألهم حتى صلى الظهر مع العصر )، هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد والبخاري في كتابه التاريخ، وابن أبي عاصم في كتابه الآحاد والمثاني وغيرهم من حديث أبي حذيفة عن عبد الملك بن بشير عن عبد الرحمن بن علقمة، وهذا الحديث معلول بعدة علل:العلة الأولى: نكارة المتن، وذلك أنه لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه جمع صلاتين لأجل حديث وأسئلة الناس، والوفود يكثرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وروداً، ومع ذلك لم ينقل هذا الأمر من وجه يصح، وما جاء في حديث عبد الله بن عباس فهو عام, والعلة فيه رفع الحرج عن الأمة، وليس المراد بذلك حالة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينه كحال وفد ثقيف.ثم إن حال الوفود غالباً أنهم يقدمون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويبقون, ومثل هذا الزمن صلاة الظهر إلى العصر في الغالب أن العرب لا تسافر نهاراً إلا قليلاً, ويغلبون جانب السفر بالليل. ثم إن أداء الصلاة في وقتها لا يفوت حظاً؛ لأن أداءها إلى جمعها يأخذ ذات الوقت.العلة الثانية: أبو حذيفة مجهول لا تعرف حاله.العلة الثالثة: عبد الملك شيخه لا تعرف حاله أيضاً.العلة الرابعة: عبد الرحمن بن علقمة لا تثبت له صحبة، كما قال ذلك الدارقطني في كتابه السنن.العلة الخامسة: أنه لا يثبت سماع هؤلاء من بعض، ولهذا يقول البخاري رحمه الله في كتابه التاريخ: لا يعرف سماع هؤلاء من بعض، وذلك أنه يغلب في أحوال المجهولين أن جهالة حالهم أو جهالة عينهم تدل على جهالة ما هو أبعد من ذلك وهو اللقي والمعاصرة؛ لأنه مجهول في ذاته لا يعرف متى ولد ومتى توفي! وهل لقي شيخه أو لم يلقه، خاصة أنه مجهول يروي عن مجهول. وهذا دليل على عدم ثبوت السماع، والبخاري يشدد في مسألة السماع.ولهذا نقول: إذا وجدنا مجهولاً يروي عن مجهول فلنعلم أن ثبوت السماع فيما بينهما شاق, فتكون إضافة إلى علة جهالتهم علة عدم ثبوت السماع، والعلماء يتفقون على أنه لا بد من معرفة زمن إدراك الراوي عن شيخه وهو إمكان اللقي، فإذا روى راو عن شيخه وتثبتنا من إمكان اللقي كفى.فالمجهول الذي يروي عن مجهول يشق أن نعرف أنه أمكن أن يروي عن شيخه ذلك أم لا، والغالب في مثل ذلك عدم معرفة حال المجهولين، ويظهر هذا في بعض أنواع الجهالة؛ كأن يروي رجل مجهول عن امرأة مجهولة، أو تروي امرأة مجهولة عن رجل مجهول، فيظهر في ذلك الانقطاع.
 ثبوت الحديث عن عمر رضي الله عنه
وحديث عبد الله بن عباس هذا في جمع الصلاة إلى الصلاة كبيرة من كبائر الذنوب إنما قلنا بنكارته مع ثبوته عن عمر لأن عموم لفظ النبي صلى الله عليه وسلم يختلف عن عموم لفظ غيره, وذلك أن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله إذا أطلق لفظاً لا يؤخذ بعمومه كما يؤخذ عن النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم جاء بجوامع الكلم، وقد صح هذا اللفظ عن عمر عليه رضوان الله وهو أن الجمع بين الصلاتين كبيرة من كبائر الذنوب بلا عذر. وقد رواه ابن أبي شيبة في كتابه المصنف، وابن المنذر في الأوسط، والبيهقي في السنن من حديث قتادة عن أبي العالية رفيع بن مهران الرياحي عن عمر بن الخطاب أنه قال: من جمع بين صلاتين بغير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر، وهذا الحديث قد أعله بعضهم بعدم سماع أبي العالية من عمر بن الخطاب , أعله بذلك الشافعي والبيهقي .ولكن يقال: إن هذا الخبر قد جاء عن عمر بن الخطاب من غير طريق، جاء عند مسدد في كتابه المسند من حديث بكر بن عبد الله المزني عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أبي موسى أن من جمع بين الصلاتين فقد أتى كبيرة من كبائر الذنوب، وجاء عند أبي إسحاق الفزاري من حديث التمار عن حميد بن هلال أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى وذكر نحوه، وجاء من حديث أبي قتادة العدوي كما رواه عبد الرزاق في كتابه المصنف وابن أبي شيبة أيضاً من حديث أبي قتادة العدوي عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أبي موسى أن من الكبائر ثلاثة: الجمع بين الصلاتين بغير عذر، والتولي يوم الزحف، والنهبى.وهذه بمجموعها تدل على أن الأثر ثابت، وقد جاء هذا عن جماعة رووه عن عمر: أبو العالية رفيع بن مهران، وحميد بن هلال، وبكر بن عبد الله المزني، وأبو قتادة العدوي كلهم يروونه عن عمر بن الخطاب وأبو قتادة العدوي قد أدرك عمر بن الخطاب عليه رضوان الله، وقد قوى هذا الخبر البيهقي كما في كتابه السنن بمخرجين له، وقد وجدنا أيضاً مخرجين آخرين لهذا الحديث؛ فدل على أن الاعتضاد في هذا أقوى.وإنما يقول بعض العلماء: إن العمل على حديث عبد الله بن عباس المرفوع كما قال ذلك الترمذي قال: وعليه العمل عند أهل العلم، يعني: حديث عبد الله بن عباس في أن من جمع بين الصلاتين بغير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر، قالوا: وذلك هو الأصل وما خرج عن الأصل فإنه يرجع إليه بورود الدليل.ولكن مثل هذا الإطلاق نقول: إن العمل عليه من جهة الأصل لكن لا يكون هذا اللفظ من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا العموم قياساً على كثير من إطلاقاته عليه الصلاة والسلام بالأمر والنهي، وإنما نقول: عليه العمل إذا لم يقم عذر ولم تقم حاجة، وإذا كان كذلك فإننا نقول: إن العمل على ذلك بهذين القيدين.وأما ثبوت ذلك إسناداً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يثبت، ولهذا نجد عامة العلماء يستنكرون هذا الخبر رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه جمع بين صلاتين من غير حاجة ولا عذر، فإن لم يكن عذر فهو حاجة، وإن لم يكن حاجة فهو عذر، والعذر تدخل فيه الحاجات وهي الضرورات التي تطرأ على الإنسان، وعلى هذا الحديث طرأ خلاف العلماء في مسألة جمع الإنسان لمرضه، أو جمعه في حال الإقامة. وقد جاء أيضاً في الجمع بين الصلاتين أنه كبيرة من كبائر الذنوب عن عمر بن عبد العزيز، كما رواه ابن أبي شيبة في كتابه المصنف من حديث حفص بن غياث عن أبي بن عبد الله عن عمر بن عبد العزيز .وأما بالنسبة للحاجة فأن يكون الإنسان محتاجاً إلى شيء مع قدرته على القيام به، ومن ذلك ما روى ابن أبي شيبة في كتابه المصنف عن عبد الرحمن بن حرملة أن رجلاً جاء إلى سعيد بن المسيب، فقال له: إني راعي وإني أرجع بها صلاة المغرب, وإني أضع رأسي وأفوت العتمة، فقال له: لا تفوتها وإلا فاجمعها إلى المغرب. وهذا يكون في حال الإقامة كحال بعض الناس الذي يأتي عابراً مسافراً ودخل البلدة فأصبح في حكم أهل الإقامة, ويجب عليه أن يؤدي الصلاة في وقتها، ومثل أن يكون الإنسان قد جد به السير واستمر طويلاً كأن يسير الإنسان عشرين ساعة أو أربعاً وعشرين ساعة، أو كان الإنسان يواصل سهراناً ولم ينم طويلاً وخشي أنه إذا كان في الإقامة نام عن الصلاة التي تليها وأراد أن يجمع بينهما، كأن يقدم في أذان الظهر، فنقول في مثل هذا: اجمع العصر إلى الظهر، وإذا كان في المغرب فاجمع إليه العشاء خشية من تفويت العشاء.وهذا أيضاً يكون كحال الإنسان الذي يكون متابعاً لحالة مريض يخشى عليه، أو حال الشرط الذين يتابعون عدواً، أو سارقاً، أو مجرماً، أو نحو ذلك، أو الأطباء الذين لا يدرون إذا اعتنوا بمريض هل يستطيعون الخروج عنه كحال غرف العمليات أو نحو ذلك، فلا يدري الطبيب متى ينتهي، فالعملية قد تأخذ ساعتين أو ربما يكون ثمة خطورة بأن كانت مغادرته في ذلك موضع هلاك للمريض، فنقول في مثل هذا: لا حرج عليه أن يجمع تقديماً ولا يؤخرها بعد ذلك؛ لأن تأخيرها إثم قطعي لا علاج له، وأما التبكير بها فقد جاء النص به جمعاً، فيجمعها الإنسان، وهذا له صور كثيرة مما يتعلق بأمور حاجات الإنسان، سواء كان في الحاجات اللازمة أو المتعدية.
حديث صلاة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم
الحديث الخامس: حديث عبد الله بن عباس عليه رضوان الله في صلاة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس، وفيه لفظان:أولهما: ( هذا وقتك ووقت الأنبياء من قبلك ) .ثانيها: جاء عند ابن خزيمة في حديث عبد الله بن عباس : ( أنه صلى به الظهر حينما صار ظل الشيء مثليه ) .هذا الحديث وهو حديث عبد الله بن عباس رواه الإمام أحمد من حديث عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة عن حكيم بن حكيم بن حنيف عن نافع بن جبير بن مطعم عن عبد الله بن عباس . ‏
 علة حديث صلاة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم
وهذا الحديث معلول بعلل:أولها: أن حديث صلاة جبريل برسول الله صلى الله عليه وسلم جاء من طرق متعددة عن جماعة من الصحابة, جاء من حديث سهيل بن صالح عن أبيه عن أبي هريرة، وجاء أيضاً من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وجاء أيضاً من حديث جابر بن عبد الله وهو أصحها كما قال البخاري، وجاء من حديث أنس بن مالك وغيرهم.ولم يرد فيها قول: ( هذا وقتك ووقت الأنبياء من قبلك ) و( أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى صلاة الظهر إذا كان ظل الشيء مثليه )، وهذا يوافق مذهب الحنفية في صلاة الظهر، فإنهم يرون تأخر الإبراد واستحبابه دوماً.العلة الثانية: أن عبد الرحمن هذا الذي يرويه عن حكيم بن حكيم قال فيه الإمام أحمد : متروك الحديث، وقد لينه غير واحد، وحكيم بن حكيم بن حنيف قليل الرواية، وقد تكلم فيه بعضهم، وهو صالح الحديث، ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله: لا أعلم إلا خيراً. وإنما قلنا: إن الخبر يعل به أن مثل هذا الحديث ينبغي أن يحمله الكبار، ومثله يقبل في الأحاديث المتوسطة، كيف وقد خالف الراوي في اللفظ.العلة الرابعة: أن هذا الحديث وهو حديث عبد الله بن عباس اختلف في إسناده ومتنه؛ مما يدل على أن عبد الرحمن لم يضبط الخبر واضطرب فيه، تارة يرويه بقوله: (صلى العصر حينما صار ظل الشيء مثليه)، وتارة يقول مثله، يعني: أنه شاك بذلك وغير مستيقن.والأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة جبريل به مع كثرة الطرق التي جاءت فيه إلا أن هذه الألفاظ لم ترد فيها؛ مما يدل على نكارتها، وأصح شيء فيها هو حديث جابر بن عبد الله كما قال ذلك البخاري وحسن حديث أبي هريرة، ولم يخرج البخاري ومسلم حديث صلاة جبريل بالنبي عليه الصلاة والسلام مع شهرته، لأن الرواة له لا يرقون إلى شرط الصحيح، وربما للاختلاف في بعض متونه، وإنما يقويه البخاري خارج الصحيح. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
الأسئلة

 توجيه حديث الذي بايع النبي صلى الله عليه وسلم على ألا يصلي إلا صلاتين
السؤال: الرجل الذي بايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسند على أن لا يصلي إلا صلاتين، هل هو على الاطراد أم قضية عين؟ الجواب: الأصل أنه على الاطراد، فأفعال النبي عليه الصلاة والسلام عامة، وأمثال هذه الوفود الذين يأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة الكبار منهم النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يتألفهم ولا يمكن أن يتألفهم على الكفر، والنبي عليه الصلاة والسلام رفض من كفار قريش ما هو أدنى من هذا؛ ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما عرض عليه كفار قريش أن يعبدوا الله ستة أشهر قال: لا، أسلموا على الدوام وأما ستة أشهر فلا.ولهذا نقول: إنه ينبغي للإنسان أن يعلم أن ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من نص فهو حكم إلى غيره، ولكن قد يقول قائل: من عمل بهذا من السلف؟ من عمل بهذا من الصحابة والتابعين؟ نقول: إن الإسلام ما زال يزداد قوة، ومثل هذا يحتاج إليه في حال ورود الضعف، ومثل هذا القول خليق بأن يعدم في زمن الخلفاء الراشدين، فإذا جاء رجل في بداية الإسلام وأراد أن يعرض أمره على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه قبيلة كثقيف ألا يتنزل معه رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الحال ولو كان على كبيرة؟ نقول: يتنزل، وهذا من السياسة الشرعية، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقره على الكفر، وإنما يؤمن بأن الصلاة في الشريعة خمس، ولكن يسلم ويصلي صلاتين، هذا مفهوم الخبر، والله أعلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الأحاديث المعلة في الصلاة [1] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net