اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح السنة للإمام المزني [2] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


شرح السنة للإمام المزني [2] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
مما بينه العلماء في الاعتقاد: مسائل الأسماء والصفات، والضابط فيها، وضلال الفرق المبتدعة وأباطيلهم والتحذير منها، وكذلك بينوا مسائل القدر وتوضيح منهج السلف في التعامل معها باتباع الدليل والبعد عن الخوض فيها بالعقول والأهواء.
مسائل الأسماء والصفات وسبب تصدير المصنف كتابه بها
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.اللهم حقق توحيدنا، وارزقنا صدق التوكل عليك، وحسن الظن بك يا رب العالمين.أما بعد:قال المصنف رحمه الله: [ الواحد الصمد ليس له صاحبة ولا ولد, جل عن المثيل, ولا شبيه له ولا عديل, السميع البصير, العليم الخبير, المنيع الرفيع ].ابتدأ المصنف رحمه الله هذه المسائل بعد بيان سنة النبي صلى الله عليه وسلم والتمسك بها، فبدأ بمسائل الأسماء والصفات, ومسائل الأسماء والصفات هي أحد أنواع التوحيد, وذلك أن التوحيد على أنواع:النوع الأول: توحيد الله عز وجل في ربوبيته, وذلك في أفعاله سبحانه وتعالى, والنوع الثاني: توحيد الله عز وجل في ألوهيته, وهو في أفعال العباد, بأن يخلصوا العبادة لله سبحانه وتعالى, فلا يجعلوا له شريكاً, ولا يجعلوا له نداً, والثالث: هو توحيد الله سبحانه وتعالى في أسمائه وصفاته.وذلك أن جهل الطوائف إما أن يكون في أحد هذه الأنواع، وإما أن يكون في جميعها, ويختلفون بحسب مذاهبهم وطوائفهم, منهم من أصل ضلاله في أبواب الأسماء والصفات, ومنهم من أصل ضلاله في أبواب توحيد الألوهية, ومنهم من أصل ضلاله في توحيد الربوبية, وغير ذلك, فمستقلون ومستكثرون من هذا الضلال.ولعل المصنف رحمه الله إنما صدر المسائل المتعلقة بالأسماء والصفات؛ لأنه إما أن السائل ألمح بسؤاله عنها ابتداء فأراد أن يجيبه ابتداء على ذلك, وإما أن يريد أن يبين أن الفتن وشبه الأقاويل إنما تعلقت بهذه المسألة أكثر من غيرها فأراد أن يبين المسائل المتعلقة بها على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته بما بينه هنا.فابتدأ بقوله: (الواحد الصمد), الله سبحانه وتعالى واحد صمد؛ كما في قول الله جل وعلا: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ [الإخلاص:1-3], وهذه السورة تسمى بسورة نسب الرحمن, وذلك أن المشركين من كفار قريش؛ كما روى ابن جرير الطبري وغيره, ( قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربك ), وذلك أنهم يقيسون الله على ما أحوالهم من تناسبهم وتناسلهم, فانقدح في أذهانهم أن الله عز وجل كذلك, تعالى الله عن ذلك, فأنزل الله عز وجل عليه قوله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1-4], هذا فيما يتعلق بهذه المسألة. ‏
 ضلال الفرق بإدخال الأسماء والصفات في دائرة سببية الكون
ولهذا نقول: قاعدة؛ إنما يقع الخلل في أبواب الأسماء والصفات؛ لأن الإنسان يدخل ما جاء عن الله سبحانه وتعالى في أبواب أسمائه وصفاته وذاته داخل دائرة سببية الكون, فيأتي في مسألة البداية بلا انتهاء، من خلق الله؟ ومن أوجد الله؟ وما هو نسب الله سبحانه وتعالى؟ تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً.والإنسان في دائرة من الحياة يعيش فيها, لا يحكم قانون الكون على قانونه؛ لأنه يوجد قانون آخر؛ كقانون الجاذبية, فمثلاً: أنت الآن كل شيء ترمي به يسقط إلى أسفل, لكن هناك قانون آخر وهو أنك إذا رميت بشيء لا يسقط إلى أسفل, إذا حدثتك بمثل هذا الشيء ربما إذا كنت لا تعلم تقول: هذا جنون؛ لأنك أنت داخل دائرة كونية معينة, فأنت تحكي القياس.كذلك أيضاً عجلة الزمن, الله خلق الزمن وأوجدك داخل عجلة الزمن, وأوجد لك الليل والنهار وخروج الشمس وطلوعها, فلا تدخل الله عز وجل معك في مثل هذا المعنى, فالله سبحانه وتعالى خارج هذا القانون الذي أنت تراه, سواء القانون السببي من جهة تكوين الكائنات وعجلتها, وهو ما يسمى بقانون السببية أو الحتمية السببية, أو أيضاً العجلة الزمنية التي يراها الإنسان, ولهذا الله سبحانه وتعالى يعلم الزمان بلا شمس تشرق ولا تغرب, ولا هلال يظهر ولا يغيب, ولا دوران الأفلاك, وإنما جعلها الله سبحانه وتعالى ليعلم الإنسان, ويعلمه الزمان ويقيم الحجة عليه.كذلك أيضاً حتى ما يكون لدى الناس, الله عز وجل جعل رقيباً وعتيداً؛ من يكتب الحسنات والسيئات, هل لأن الله عز وجل يريد أن يعلم هذا؟ لا، الله يعلم بلا حسيب ولا رقيب ولا حساب, كذلك الله عز وجل قادر أن يأخذك من الدنيا بعد انقضاء الأجل ويضعك في مكانك من النار من غير ميزان؛ لأنه يعلم الحسنات, ولكن الله عز وجل جعل ذلك لأجل أن يقيم الحجة عليك, وأن تقتنع بأنك فعلت هذه السيئات, فهذه الصحيفة, وهؤلاء الشهود, وإن أنكرت الشهود أتاك بشهود آخرين, فإن أنكرت جميع الشهود أتاك بشاهد من نفسك, فأنطق يدك وأنطق قدمك وأنطق فخذك وأنطق فرجك وأنطق جوارحك حتى تحجم عن الإنكار.إذاً الله سبحانه وتعالى يقيم الحجة على عباده ويجري سنن الكون، وليس للإنسان أن يجري الخالق على سنن الكون.ولهذا نقول: إنه ينبغي ويجب على الإنسان أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى ليس له مثيل ولا نظير ولا ند, والله جل وعلا يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11], فإذا لم يكن له مثيل في ذاته فليس للإنسان أن يجعل قانون الكون وسببيته لها أثر في هذا الباب عليه من جهة النظر إلى خالقه سبحانه وتعالى. فإذا كانت سببية البهائم تختلف عن سببية الإنسان من جهة التكوين والتركيب والأعمار والعجلة الزمنية, ومن جهة التفكير, وكذلك أيضاً الكائنات فيما بينها كالنباتات وغيرها, كل له سببية معينة تجري عليه, فكيف بالخالق سبحانه وتعالى الذي خلقها وأوجدها من عدم. يقول: (ليس له صاحبة ولا ولد), جل عن المثيل, فلا شبيه له ولا عديل, قيل: إن المثيل والشبيه والعديل والنظير بمعنى واحد, وقيل: إن بينها عموماً وخصوصاً.ويقول: (السميع البصير, العليم الخبير, المنيع الرفيع) سبحانه وتعالى, فذكر بعض الأسماء لله سبحانه وتعالى, وذلك ليدل على الصفات بالتدليل، وذكر الأسماء؛ لأنه يؤخذ من الاسم صفة, ولا يؤخذ من كل صفة اسم, فذكر أسماء الله سبحانه وتعالى: الواحد, الصمد, السميع, البصير, العليم, الخبير, المنيع, الرفيع, فيؤخذ من السميع صفة السمع, ومن البصير صفة البصر, ومن العليم صفة العلم, ومن الخبير صفة الخبرة, ومن المنيع صفة المنع, ومن الرفيع صفة الرفعة والعلو لله سبحانه وتعالى.
قاعدة العلماء في باب العقائد بذكر الحق دون المخالف
وكذلك أيضاً ذكر المصنف رحمه الله هذه الأشياء، ولم يفصل فيها من جهة ذكر أنواع الصفات وأقسامها مما يذكره العلماء في أبواب مسائل الاعتقاد, وكذلك أيضاً الطوائف المخالفة في هذا الباب؛ لأن العلماء في أمور العقائد؛ إما أن يذكروا الحق ولا يذكروا المخالفين؛ لكثرتهم وتنوعهم في هذا الباب, فالطوائف المخالفة في مسائل الصفات كثيرة جداً ولا حصر لها ولا عد لأقوالها, وإن كانت أصولها تجتمع وتتفق على بعض المسائل فيكتفي العلماء غالباً في الطرح ببيان الحق والمجرى عليه؛ ولأن الباطل لا حد له؛ ولأن الحق في ذاته واحد, والجهل به متعدد.فمثلاً: فلان اسمه محمد, هذا من جهة الحق, لكن إذا أتيت إلى الباطل فالباطل لا حد له, تستطيع أن تقول: زيد, وتستطيع أن تقول: عمرو, وتستطيع أن تقول: بكر, وتستطيع أن تقول: فلان وفلان, وتأتي بشيء من الباطل لا حصر له ولا حد, ولكن من جهة الحق تجمعه في نقطة.ولهذا كان الحق يسير جداً, وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: إن العلم نقطة كبره الجهَّال؛ لأن العلم هو الحق, فالوصول إلى الحق هو العلم, وأما معرفة الجهل والتوسع في ذلك فهو بقدر جهالات الناس يأخذ الإنسان فيها ضرورة.ولهذا العلماء عليهم رحمة الله تعالى يمتنعون من ذكر المسائل الافتراضية باعتبار عدم الحاجة إليها, وربما زادت الإنسان جهلاً وبعداً عن الحق؛ لأن الإنسان إذا لم يعلم بالشيء فذكر به على سبيل الافتراض سلكه وإن لم يكن يعلم به, وهذه طبيعة بشرية؛ فإن يعقوب عليه السلام لما أراد إخوة يوسف أن يذهبوا به, قال: أخاف أن يأكله الذئب, فجاءوا وقالوا: أكله الذئب, ولهذا فالإجمال يجعل الإنسان داخلاً في دائرة الإجمال, فلا يرد في ذهنه شيء من الاحتمال, فأحياناً ذكر الباطل في حال غيابه عن الإنسان يُذكِّره إياه ويأتي به, وهذا نوع من تلقين الحجج.
 ضلال الفرق بإدخال الأسماء والصفات في دائرة سببية الكون
ولهذا نقول: قاعدة؛ إنما يقع الخلل في أبواب الأسماء والصفات؛ لأن الإنسان يدخل ما جاء عن الله سبحانه وتعالى في أبواب أسمائه وصفاته وذاته داخل دائرة سببية الكون, فيأتي في مسألة البداية بلا انتهاء، من خلق الله؟ ومن أوجد الله؟ وما هو نسب الله سبحانه وتعالى؟ تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً.والإنسان في دائرة من الحياة يعيش فيها, لا يحكم قانون الكون على قانونه؛ لأنه يوجد قانون آخر؛ كقانون الجاذبية, فمثلاً: أنت الآن كل شيء ترمي به يسقط إلى أسفل, لكن هناك قانون آخر وهو أنك إذا رميت بشيء لا يسقط إلى أسفل, إذا حدثتك بمثل هذا الشيء ربما إذا كنت لا تعلم تقول: هذا جنون؛ لأنك أنت داخل دائرة كونية معينة, فأنت تحكي القياس.كذلك أيضاً عجلة الزمن, الله خلق الزمن وأوجدك داخل عجلة الزمن, وأوجد لك الليل والنهار وخروج الشمس وطلوعها, فلا تدخل الله عز وجل معك في مثل هذا المعنى, فالله سبحانه وتعالى خارج هذا القانون الذي أنت تراه, سواء القانون السببي من جهة تكوين الكائنات وعجلتها, وهو ما يسمى بقانون السببية أو الحتمية السببية, أو أيضاً العجلة الزمنية التي يراها الإنسان, ولهذا الله سبحانه وتعالى يعلم الزمان بلا شمس تشرق ولا تغرب, ولا هلال يظهر ولا يغيب, ولا دوران الأفلاك, وإنما جعلها الله سبحانه وتعالى ليعلم الإنسان, ويعلمه الزمان ويقيم الحجة عليه.كذلك أيضاً حتى ما يكون لدى الناس, الله عز وجل جعل رقيباً وعتيداً؛ من يكتب الحسنات والسيئات, هل لأن الله عز وجل يريد أن يعلم هذا؟ لا، الله يعلم بلا حسيب ولا رقيب ولا حساب, كذلك الله عز وجل قادر أن يأخذك من الدنيا بعد انقضاء الأجل ويضعك في مكانك من النار من غير ميزان؛ لأنه يعلم الحسنات, ولكن الله عز وجل جعل ذلك لأجل أن يقيم الحجة عليك, وأن تقتنع بأنك فعلت هذه السيئات, فهذه الصحيفة, وهؤلاء الشهود, وإن أنكرت الشهود أتاك بشهود آخرين, فإن أنكرت جميع الشهود أتاك بشاهد من نفسك, فأنطق يدك وأنطق قدمك وأنطق فخذك وأنطق فرجك وأنطق جوارحك حتى تحجم عن الإنكار.إذاً الله سبحانه وتعالى يقيم الحجة على عباده ويجري سنن الكون، وليس للإنسان أن يجري الخالق على سنن الكون.ولهذا نقول: إنه ينبغي ويجب على الإنسان أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى ليس له مثيل ولا نظير ولا ند, والله جل وعلا يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11], فإذا لم يكن له مثيل في ذاته فليس للإنسان أن يجعل قانون الكون وسببيته لها أثر في هذا الباب عليه من جهة النظر إلى خالقه سبحانه وتعالى. فإذا كانت سببية البهائم تختلف عن سببية الإنسان من جهة التكوين والتركيب والأعمار والعجلة الزمنية, ومن جهة التفكير, وكذلك أيضاً الكائنات فيما بينها كالنباتات وغيرها, كل له سببية معينة تجري عليه, فكيف بالخالق سبحانه وتعالى الذي خلقها وأوجدها من عدم. يقول: (ليس له صاحبة ولا ولد), جل عن المثيل, فلا شبيه له ولا عديل, قيل: إن المثيل والشبيه والعديل والنظير بمعنى واحد, وقيل: إن بينها عموماً وخصوصاً.ويقول: (السميع البصير, العليم الخبير, المنيع الرفيع) سبحانه وتعالى, فذكر بعض الأسماء لله سبحانه وتعالى, وذلك ليدل على الصفات بالتدليل، وذكر الأسماء؛ لأنه يؤخذ من الاسم صفة, ولا يؤخذ من كل صفة اسم, فذكر أسماء الله سبحانه وتعالى: الواحد, الصمد, السميع, البصير, العليم, الخبير, المنيع, الرفيع, فيؤخذ من السميع صفة السمع, ومن البصير صفة البصر, ومن العليم صفة العلم, ومن الخبير صفة الخبرة, ومن المنيع صفة المنع, ومن الرفيع صفة الرفعة والعلو لله سبحانه وتعالى.
علو الله واستواؤه على عرشه
قال المصنف رحمه الله: [ عال على عرشه, وهو دان بعلمه من خلقه ].ذكر هنا: العلو, بقوله: (عال على عرشه وهو دان بعلمه من خلقه), فالله سبحانه وتعالى مستو على عرشه, كما قال جل وعلا: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، وقال: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:29], وعلوه سبحانه وتعالى على نوعين: علو ذات, وعلو قدر, وهو علو المعنى, فالمقصود بالعلو العلو بنوعيه, وخص علوه على عرشه سبحانه وتعالى واستواءه عليه؛ لأن الله سبحانه وتعالى في السماء بذاته, وهو مع خلقه بعلمه, وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4], فالله سبحانه وتعالى بذاته في السماء, مستو على عرشه, يعلم أحوال خلقه, ويسمعهم ويبصرهم سبحانه وتعالى, وعلوه سبحانه وتعالى من جهة القدر بأن الله في كل صفة من صفاته وفي كل اسم من أسمائه له الكمال المطلق في ذلك, من غير عيب أو نقص تعالى الله عز وجل عن ذلك.
 ضلال الفرق بإدخال الأسماء والصفات في دائرة سببية الكون
ولهذا نقول: قاعدة؛ إنما يقع الخلل في أبواب الأسماء والصفات؛ لأن الإنسان يدخل ما جاء عن الله سبحانه وتعالى في أبواب أسمائه وصفاته وذاته داخل دائرة سببية الكون, فيأتي في مسألة البداية بلا انتهاء، من خلق الله؟ ومن أوجد الله؟ وما هو نسب الله سبحانه وتعالى؟ تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً.والإنسان في دائرة من الحياة يعيش فيها, لا يحكم قانون الكون على قانونه؛ لأنه يوجد قانون آخر؛ كقانون الجاذبية, فمثلاً: أنت الآن كل شيء ترمي به يسقط إلى أسفل, لكن هناك قانون آخر وهو أنك إذا رميت بشيء لا يسقط إلى أسفل, إذا حدثتك بمثل هذا الشيء ربما إذا كنت لا تعلم تقول: هذا جنون؛ لأنك أنت داخل دائرة كونية معينة, فأنت تحكي القياس.كذلك أيضاً عجلة الزمن, الله خلق الزمن وأوجدك داخل عجلة الزمن, وأوجد لك الليل والنهار وخروج الشمس وطلوعها, فلا تدخل الله عز وجل معك في مثل هذا المعنى, فالله سبحانه وتعالى خارج هذا القانون الذي أنت تراه, سواء القانون السببي من جهة تكوين الكائنات وعجلتها, وهو ما يسمى بقانون السببية أو الحتمية السببية, أو أيضاً العجلة الزمنية التي يراها الإنسان, ولهذا الله سبحانه وتعالى يعلم الزمان بلا شمس تشرق ولا تغرب, ولا هلال يظهر ولا يغيب, ولا دوران الأفلاك, وإنما جعلها الله سبحانه وتعالى ليعلم الإنسان, ويعلمه الزمان ويقيم الحجة عليه.كذلك أيضاً حتى ما يكون لدى الناس, الله عز وجل جعل رقيباً وعتيداً؛ من يكتب الحسنات والسيئات, هل لأن الله عز وجل يريد أن يعلم هذا؟ لا، الله يعلم بلا حسيب ولا رقيب ولا حساب, كذلك الله عز وجل قادر أن يأخذك من الدنيا بعد انقضاء الأجل ويضعك في مكانك من النار من غير ميزان؛ لأنه يعلم الحسنات, ولكن الله عز وجل جعل ذلك لأجل أن يقيم الحجة عليك, وأن تقتنع بأنك فعلت هذه السيئات, فهذه الصحيفة, وهؤلاء الشهود, وإن أنكرت الشهود أتاك بشهود آخرين, فإن أنكرت جميع الشهود أتاك بشاهد من نفسك, فأنطق يدك وأنطق قدمك وأنطق فخذك وأنطق فرجك وأنطق جوارحك حتى تحجم عن الإنكار.إذاً الله سبحانه وتعالى يقيم الحجة على عباده ويجري سنن الكون، وليس للإنسان أن يجري الخالق على سنن الكون.ولهذا نقول: إنه ينبغي ويجب على الإنسان أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى ليس له مثيل ولا نظير ولا ند, والله جل وعلا يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11], فإذا لم يكن له مثيل في ذاته فليس للإنسان أن يجعل قانون الكون وسببيته لها أثر في هذا الباب عليه من جهة النظر إلى خالقه سبحانه وتعالى. فإذا كانت سببية البهائم تختلف عن سببية الإنسان من جهة التكوين والتركيب والأعمار والعجلة الزمنية, ومن جهة التفكير, وكذلك أيضاً الكائنات فيما بينها كالنباتات وغيرها, كل له سببية معينة تجري عليه, فكيف بالخالق سبحانه وتعالى الذي خلقها وأوجدها من عدم. يقول: (ليس له صاحبة ولا ولد), جل عن المثيل, فلا شبيه له ولا عديل, قيل: إن المثيل والشبيه والعديل والنظير بمعنى واحد, وقيل: إن بينها عموماً وخصوصاً.ويقول: (السميع البصير, العليم الخبير, المنيع الرفيع) سبحانه وتعالى, فذكر بعض الأسماء لله سبحانه وتعالى, وذلك ليدل على الصفات بالتدليل، وذكر الأسماء؛ لأنه يؤخذ من الاسم صفة, ولا يؤخذ من كل صفة اسم, فذكر أسماء الله سبحانه وتعالى: الواحد, الصمد, السميع, البصير, العليم, الخبير, المنيع, الرفيع, فيؤخذ من السميع صفة السمع, ومن البصير صفة البصر, ومن العليم صفة العلم, ومن الخبير صفة الخبرة, ومن المنيع صفة المنع, ومن الرفيع صفة الرفعة والعلو لله سبحانه وتعالى.
الإيمان بالقدر
قال المصنف رحمه الله: [ أحاط علمه بالأمور، وأنفذ في خلقه سابق المقدور، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور, فالخلق عاملون بسابق علمه, ونافذون لما خلقهم له من خير وشر ]. ‏
 خوض الناس في باب القدر بعقولهم ودور الأنبياء في توجيههم
قال المصنف رحمه الله: [ لا يملكون لأنفسهم من الطاعة نفعاً, ولا يجدون إلى صرف المعصية عنها دفعاً, خلق الخلق بمشيئته, عن غير حاجة كانت به ].وذلك أن الإنسان إذا كان لا يملك لنفسه نفعاً ولا دفع ضر فإنه لا يستقل بكفاية نفسه فضلاً أن يكفي غيره, فلا يُعبد إلا من يملك نفعاً لغيره, فالله سبحانه وتعالى هو النافع الضار, ولهذا الله سبحانه وتعالى كثيراً ما يذكر من أحوال المشركين الذين يعبدون الأصنام والأوثان أنهم يعبدون كائنات لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً في ذاتها, فكيف تنفع غيرها؟ وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ [يونس:106], ولا يضرك في ذاتك, فكذلك أيضاً من جهة ذاته ونفسه لا يستقل بنفع ولا بضر, ولهذا نقول: إن مسألة القضاء ومسألة القدر مردها إلى النص, فقد تخفى عللها وكذلك أيضاً جملة من أحكامها, ولكن على الإنسان أن يكلها إلى الله سبحانه وتعالى.هذه المسألة هي من المسائل التي تكلم فيها كثير من الطوائف ومن الفلاسفة القدامى في كل ملة من الوثنيين عباد الأصنام ومن البابليين ومن الهنود ومن المجوس وغيرهم, ممن يتكلمون في هذا, حتى الفلاسفة المتأخرين ممن لديهم نفس إلحادي؛ كـفولتير في القرن الثامن عشر وله كتاب اسمه القدر, وقد تكلم على هذه الحيرة, وفي مسائل تقدير الخالق في وجود هذه الأشياء, وكلام الفلاسفة الأوائل مثل: أرسطو و أفلاطون و سقراط في هذا الباب, الذين تحيروا في مسائل القضاء والقدر, فهم يثبتون وجود المعادلة السببية, ولكنهم ينفون تصرف الخالق سبحانه وتعالى فيها, فيقولون: إن الله أوجد الخليقة وفق نظام ومعادلات حسابية من جهة العمل, وخلق الكون ثم تركه وفق هذه المعادلة, فهم يتعاملون بحساب, فمن أراد أن يأتي بشيء يأتي مثلاً برقم عشرة لا بد أن يأتي بخمسة وخمسة حتى تكون عشرة, أو يأتي باثنين وثمانية, أو يأتي بثلاثة وسبعة, على اختلاف في المعادلات لكن لا بد أن تكون النتائج على هذا النحو, قالوا: فخلق الخلق وجعل الناس يتدبرون فيه بوفق هذا النظام وهذا الناموس, لكن لا يتدخل به الخالق.هذه من الأمور التي تمليها عليهم عقولهم, ولكن نقول: إن الإنسان فطره الله عز وجل على الإيمان بهذا الأصل, فهو يأخذ تفاصيل هذا الأصل من الخالق سبحانه وتعالى, من الإيمان بالله في ذاته, في معرفة أسمائه وصفاته, في ربوبية الله وألوهيته, لهذا فهو مفطور على الإيمان بوجود الخالق, فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30], وكما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: ( ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ), كل مولود يؤمن بأنه يوجد خالق وإن لم يوجد تحت هذه العبارة خالق, منهم من يقول: يوجد من هو أقوى مني, من هو الأقوى منك؟ يختلفون في هذا ويتحيرون, منهم من يجعل الخالق كوكباً, ومنهم من يجعل الخالق شجراً, ومنهم من يجعل الخالق شيئاً غائباً من الجن والغول, ومنهم من يجعل الخالق حيواناً كالبقر والفأر وغير ذلك, فيتحيرون في إيجاد هذا الأمر, ويتلمسون في الظلمات.لذا الله يبعث الأنبياء بالوحي ليوافق الفطرة الكامنة في ذات الإنسان؛ حتى يرشده إلى معرفة الخالق بدلاً من أن يتخبط, يعني: لا تذهب إلى كوكب ولا تذهب إلى شيء، الفطرة موجودة لديك لكن أريد أن أوجهها التوجيه الصحيح.ولهذا يقول العلماء: إنه لا يكاد أحد ينفي ربوبية الله سبحانه وتعالى, ولكن الخلل هو في تحديدها, فمنهم من يتعلق بالنور والظلمة, ومنهم من يتعلق بالكواكب, ومنهم من يتعلق بالأبراج, ومنهم من يتعلق بأشباح وكوائن غيبية، وغير ذلك من الأمور المتصرفة في الكون, فهؤلاء البذرة موجودة عندهم من جهة الربوبية، ولكنهم تاهوا في الدلالة إليها, فبعث الله عز وجل الأنبياء حتى يوجهوهم إلى معرفة الخالق حقيقة, وأن لا يتوهموا أن المخلوقات آلهة، ثم يأتي التدليل ببطلان هذه الأشياء التي يسيرون عليها, هذه مهمة الأنبياء, ولهذا إذا ضعف نور النبوة في الناس جاءت الظلمة وأخذ الناس يتخبطون, فهذا يقول: هذا الخالق, وهذا يقول: هذا كذا, ثم يأتي نور النبوة ويبين الخالق سبحانه وتعالى, ولهذا يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: ( خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين ), أي: حنفاء على فطرة صحيحة, وعلى وحي صادق, فاجتالتهم الشياطين بالانحراف, ولهذا تجدون في باب التوحيد أن الناس على طوائف في ابتكار من هو الخالق, بمنطق عقلي مجرد, أو بموروث مدلس مغير, أما الوحي الصادق المحكم فهو الذي جاء به الرسول الأمين محمد صلى الله عليه وسلم, بتعريف الله لخلقه, وبيان الخالق سبحانه وتعالى, وقدرته على خلق العباد, وحقه في جانب العبادة. أسأل الله عز وجل لي ولكم التوفيق والسداد, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح السنة للإمام المزني [2] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net