اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , اعتقاد سفيان الثوري [4] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


اعتقاد سفيان الثوري [4] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
الإيمان بالقدر خيره وشره ركن من أركان الإيمان؛ لا يتم إيمان العبد إلا به، وللإنسان مشيئة واختيار، لكنها بعد مشيئة الله جل وعلا، وقد ضل في القدر طائفتان: فالقدرية نفوا قدر الله وقالوا: إن الله جل وعلا لم يقدر على خلقه شيئاً، وإنما هم يخلقون ما يشاءون. والجبرية قالوا: إن الإنسان مجبور على أفعاله، وليس له اختيار.
دلالة تكرار أسلوب النداء في خطاب سفيان الثوري لشعيب بن حرب
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:فقال المصنف رحمه الله: [ يا شعيب بن حرب ! لا ينفعك الذي كتبت؛ حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، كل من عند الله عز وجل].قول سفيان رحمه الله: (يا شعيب بن حرب ) تكرار هذا النداء من سفيان الثوري لـشعيب بن حرب فيه إشارة إلى أهمية الانتباه بتكرار النداء، وهذه كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مخاطبة أصحابه إذا طال الخطاب؛ وذلك لأن المخاطب إذا خوطب بكلام على سبيل الاسترسال من غير نداء أو إشارة أو مس للمخاطب فإن ذهنه يشرد؛ وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعمل النداء لأصحابه مع كلامه عليه الصلاة والسلام وبيانه، وربما استعمل الإشارة؛ حتى يفهم عنه، وربما استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم مس الجسد حال وجود المخاطب؛ وربما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد أحد أصحابه أو بمنكبه، ووجه إليه الخطاب؛ حتى يكون ذلك أدعى للفهم والإدراك، وقد جاء عن عبد الله بن عمر قوله: ( أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: يا عبد الله ! كن في الدنيا كأنك غريب )، وجاء في حديث معاذ بن جبل قوله: ( أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي وأنا خارج من المسجد )، وغير ذلك من الأحاديث التي تدل على أهمية لفت انتباه المخاطب، وهذا في أمور كثيرة، وهذا ما فعله سفيان الثوري مع شعيب بن حرب ، فقد كرر النداء إليه فقال: (يا شعيب بن حرب !).وقوله: (لا ينفعك ما كتبت لك) فيه إشارة إلى أن الكتابة كانت من سفيان الثوري لـشعيب بن حرب ، وليست من شعيب بن حرب لنفسه، وفيه إشارة إلى أهمية أن يكون المعلم من أهل الرحمة والشفقة عند مخاطبته.
 

أهمية تكرار الكلام لحفظ العلم
وفيه الدلالة إلى الطريق الذي يحفظ الإنسان به العلم، فنجد سفيان الثوري لما سأله ما اكتفى بتوجيه الخطاب إليه مجرداً وإنما عضده بالكتابة له، فكأنه كتب له, ثم ناوله، ثم ألقى عليه الخطاب مشافهة (قراءة), وهذا وجه من وجوه التأكيد، فتكرار الكلام من الأمور المحمودة، وقد (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تكلم تكلم ثلاثاً )، كما جاء في الصحيح.وقد ترجم على هذا البخاري رحمه الله بقوله: باب تكرار العلم، وذكر حديثاً عن أنس بن مالك أنه قال: ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم سلم ثلاثاً، وإذا تكلم تكلم ثلاثاً؛ حتى يفهم عنه )، والمراد بذلك: أن الإنسان ينبغي له أن يعيد المسائل خاصة عند استغلاقها وقوة عباراتها، أو عند المسائل الدقيقة التي ينبغي للإنسان أن يدركها ويعنى بها، وهذا ما اتخذه سفيان مع شعيب ، وهذا من الأساليب النبوية.
 

الإيمان بالقدر
قال المصنف رحمه الله: [ يا شعيب بن حرب ! لا ينفعك ما كتبت لك حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، كل من عند الله عز وجل ].القدر: هو ما قدره الله عز وجل على عباده، ومأخوذ من التقدير، وهو: الضبط والعناية، وهذا إنما كان على هذا الوصف؛ لأن الله عز وجل قد سماه إياه في كتابه العظيم، وسماه بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواضع عديدة.وفيه: أنه لا يقبل عمل الإنسان مهما كثر إلا بتلازم أركان الإيمان، فإذا اختل ركن من هذه الأركان أصبح إيمان الإنسان مختلاً، وتقدم الإشارة إلى أن كفر الإنسان يتحقق بورود شعبة من شعب الكفر بخلاف الإيمان، فإنه لا بد من توفر مجموع الشعب، مع وجوب انتفاء الموانع، وهذا معلوم. ‏
 رضا الإنسان بمآل الأمور والأقدار
وقوله هنا: (حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، وقليله وكثيره، وحسنه ومكروهه) أي: أن ما يظهر للإنسان في ظاهره عليه أن يحكم بالظاهر, وأما بالنسبة للمآل فإن الإنسان يرضى به لأمرين:الأمر الأول: لأن الله عز وجل لا يريد بعباده إلا خيراً وإن نزل بهم ما في ظاهره شر.والأمر الثاني: تفاؤلاً في حال الإنسان؛ لأن الله عز وجل قد يصيب العبد بمصيبة فتكون شراً عليه في ذاته وخيراً لغيره، فيصيب الله عز وجل عبداً بشر، ويريد الله عز وجل به شراً بذاته عقوبة، ويريد الخير بغيره؛ كما يؤدب الله عز وجل الأمم السابقة عند مخالفتهم لأمره جل وعلا؛ فحينما عذب الله جل وعلا وعاقب قوم هود وصالح وغيرهم من الأمم البالية بأنواع العقوبات، أراد بهم شراً في ذاتهم، وأراد بغيرهم خيراً، وهي العبرة والعظة، والله عز وجل قد يجمع للعبد شراً وخيراً، أي: يريد به شراً، ويريد به خيراً، فالشر الذي أراده الله عز وجل بالعبد هو الشر الذي يقع عليه ويغطيه الخير العظيم، كما يبتلي الله عز وجل الإنسان ببعض المحرومات في الدنيا، والإنسان في ذلك بين مستقل ومستكثر بالخير الذي ينزل عليه، ولهذا قال: (كل من عند الله عز وجل) يعني: الخير والشر كلاهما من الله سبحانه وتعالى.وقد نشأت طوائف أعملت العقل في تحليل الحادثات والنظر إلى الأسباب وآثارها، فنظرت إلى جملة من آثار الأقدار, ووجدت أن الأقدار تتباين، منها الخير ومنها الشر, ومنها الحلو والمر، فاستثقلت أن تنسب الشر إلى الله عز وجل, فنسبت خلق الخير لله جل وعلا، وامتنعت من نسبة خلق الشر إلى الله، فقالت: إن الله عز وجل لا يخلق الشر وإنما يخلقه غيره, وسيأتي الكلام على ذلك بإذن الله تعالى.
فوائد في حلف سفيان الثوري بالله على ضلال القدرية
قال المصنف رحمه الله: [ يا شعيب بن حرب ! والله ما قالت القدرية ما قال الله ]. ‏
 مشروعية استحلاف المخاطب في الأمور العظيمة
وكذلك ينبغي للإنسان إذا جهل شيئاً من أمور الدين العظيمة التي مصيره إليها إما جنة أو نار, أن يستحلف المخاطَب، فقد جاء في الصحيح عن طلحة بن عبيد الله : ( جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد علي في نفسك، فقال: سل ما بدا لك، قال: إني سائلك بالذي خلق السماء وبسط الأرض ونصب الجبال، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ قال: اللهم نعم ). فسأله عن بقية أركان الإسلام, وفيه أنه ينبغي للإنسان أن يستحلف غيره حال ورود شيء من مسائل الدين العظيمة حتى يكون الإنسان على حياطة من دينه، وكذلك لا حرج على المعلم عند ذكر المسائل العظيمة أن يقسم.
الطوائف التي خالفت في مسائل القدر
قال المصنف رحمه الله: [والله ما قالت القدرية ما قال الله].هذه أول طوائف الإنكار لقدر الله سبحانه وتعالى, وهذه أول الطوائف التي ظهرت في مسائل القدر، والطوائف التي ظهرت في مسائل القدر طائفتان على اختلاف عقيدتهما في ذلك: ‏
 الطائفة الجبرية
الطائفة الثانية: الطائفة الجبرية، وهم الذين يقولون: إن الإنسان مجبور على أفعاله, أي: أن الإنسان في ذلك مُسيَّر، وهذه العقيدة نشأت في الإسلام, وتسلسلت هذه العقيدة إلى أمور لا حد لها من الأفكار والعقائد، وسيأتي الكلام عليها بإذن الله عز وجل.
الطائفة القدرية
الطائفة الأولى: هي الطائفة القدرية, وأتباعهم هم الذين نفوا قدر الله سبحانه وتعالى, وأن الله عز وجل لم يقدر شيئاً على عباده، وأن الأمر أنف. ‏
 نسبة الأفعال لله مع الإيمان بعلم الله بها
الفرقة الثانية: وهي الطائفة الأقل غلواً في ذلك, وهذه الطائفة موجودة إلى اليوم, وهم الذين يقولون: إن الله سبحانه وتعالى قدر المقادير على عباده عالماً بها جل وعلا، ولكن الإنسان يخلق فعله، وكأنهم أرادوا أن يتوسطوا مع إيمانهم بالعلم، فأرادوا أن يخرجوا من ذلك اللزوم الذي طرأ على الطائفة الأولى، والطائفة الأولى هي طائفة كفرية خارجة من الإسلام؛ وذلك للالتزام بما التزموا عليه، وقد قال الإمام أحمد رحمه الله: (خاصموهم بالعلم، فإن لم يقروا به كفروا). فمن نفى علم الله سبحانه وتعالى كفر، وهذا فيه أن الإنسان إذا وجد طائفة من الطوائف تلتزم بشيء كفري ينبغي ألا يبادر إلى تكفيرهم إلا بعد إلزامهم بذلك.وبعض من يناظر الطوائف يقوم بتمحيص أفكارها، وسبر أحوالها، ومن ثم يقوم بإلزامها ببعض الأشياء، وهذه الإلزامات صحيحة، ولكن بعضهم لا يستحضر هذه الإلزامات، فينبغي عدم التكفير باللازم حتى يلتزم ذلك الإنسان بذلك اللازم، فإن التزم الشيء المكفر فإنه يكفر حينئذٍ كما كفر أهل السنة غلاة القدرية في ذلك. أما الذين يقولون: إن الله عز وجل يعلم أحوال الإنسان، ويعلم ما يفعله الإنسان، إلا أن الإنسان يخلق فعله، فهؤلاء أثبتوا القدر لله جل وعلا، ونفوا عنه القضاء.ومعلوم أن لدينا أمرين: الأمر الأول: القضاء, والأمر الثاني: القدر، أي: قضاء الله جل وعلا وما يقدره الله سبحانه وتعالى على عباده, والمراد بذلك علمه, وما يكتبه الله جل وعلا في اللوح لعباده من أحوال وتقلبات, من إيمان وكفر، وسعادة وشقاوة، وكثرة وقلة، ومن معرفة الأعمار، والولادة وغير ذلك، وهذا علم الله سبحانه وتعالى.قالوا: وأما أفعال العباد فإنها مكتسبة من ذواتهم، وهم خالقون لها، وهذا وإن كان فيه تضاد مع التسليم بعلم الله جل وعلا إلا أن هذه الطائفة لا تكفر؛ لأنها لا تلتزم بشيء كفري، والإمام أحمد رحمه الله لما سئل عن الصلاة خلف القدري قال: (انظر إليه؛ فإن كان ممن يخاصم في العلم فلا تصل خلفه). يعني: إذا كان ممن يتكلم في قضايا علم الله سبحانه وتعالى فإنه يلزم من ذلك تكفيره وعدم جواز الصلاة خلفه.وأما إذا كان يتكلم على هذه القضية من خلال مسألة خلق أفعال العباد ونحو ذلك، فهذه من الشبهات العريضة التي لم يطلق السلف الصالح فيها تكفيراً، وهذه طائفة من طوائف الضلال، وبعض العلماء يطلق عليها التكفير؛ باعتبار نسبة الخلق إلى المخلوقين، ولكن إطلاقهم في خلق العباد لأفعالهم أن هذا الخلق لهذا الفعل لا يجعلونه خلقاً منفرداً، وربما يجعلونه كسائر ما يتصرف به الإنسان من الكون، ولكن جملة من إطلاقات أئمتهم تجعل البون بين ما يفعله الإنسان ويتصرفه في ملكه كبناء دار ونحوه وما يتصرفه الإنسان في أفعاله، فقالوا: فعل الإنسان في ذاته هو خلق له منفك عن سائر تصرفه في الكون.فهذه الطائفة تقول بخلق العباد لأفعالهم، وهي من طوائف الكلام، والأشاعرة يعتقدون بها إلى اليوم.وأما الفرقة الأولى فهم غلاة القدرية الذين ينفون القدر وينفون علم الله جل وعلا، وينفون أيضاً أن الله عز وجل يخلق أفعال العباد من باب أولى. وسبق أن قلنا: إن القدر: هو ما يقدره الله عز وجل على عباده في اللوح المكتوب، وأما قضاء الله سبحانه وتعالى فهو تصرفه في الكون، من خلق فعل العبد وصرفه يمنة ويسرة، ورزقه الخير والشر وغير ذلك.ولهذا نقول: يجب أن يؤمن الإنسان بالقضاء والقدر، والقدر: هو الأمر الماضي الذي يحدث على الإنسان، وتتباين درجة حدوثه بحسب الأفراد، وأما بالنسبة لقضاء الله جل وعلا فهو ما يقضي به الله سبحانه وتعالى حال وقوع الحدث.وبين القضاء والقدر عموم وخصوص, وهذا شبيه بما يذكره العلماء في مسألة الإسلام والإيمان, والفقر والمسكنة، فيقال: إذا افترقا اجتمعا، وإن اجتمعا اختلفا، أي: إن افترقا اجتمعا على المعنى الواحد، فكل واحد منهما يدل على الآخر, وإن اجتمعا فلكل واحد منهما دلالته على ما تقدمت الإشارة إليه.
الطائفة الجبرية
الطائفة الثانية من الخائضين في القدر هي الجبرية، وتنقسم إلى فرقتين: ‏
 أخف طوائف الجبرية
الفرقة الثانية من طوائف الجبرية: الذين يقولون: إن الإنسان مجبور قلبه على الشيء، وأما جوارحه فله اختيار فيها، وهذه أخف طوائف الجبرية, وهذا الاعتقاد يقول به أهل الاعتزال اليوم، وهم يتباينون في ذلك من جهة اللوازم ومن جهة ما يقولون به؛ ولهذا نجد الطائفة الواحدة تشكك في هذه العقيدة، والبعض لا يأخذ بتلك الإلزامات، والبعض الآخر يأخذ بها، ونحن نجد بعض أئمة الرافضة ينفون القدر، وآخرين منهم لا ينفون القدر ويثبتونه لله جل وعلا؛ وذلك لأنهم استحضروا العلم، فيقولون: إن الله عز وجل يعلم؛ فيلزم من ذلك أن الله عز وجل قدر، ولا يكون إلا ما علم، وحينئذٍ يلزم من ذلك أن الله عز وجل قدر هذه المقادير، وطوائف الرافضة في ذلك يتباينون، فمنهم من ينفي القدر، ومنهم من لا ينفي، والمشهور عنهم نفي القدر، لكن يوجد من أئمتهم من يثبت ذلك.وطوائف الضلال والزيغ في أمثال هذه المسائل يترددون، ويستجيبون بحسب ما يقع في قلوبهم من لوازم، ولو استرسل الإنسان في لوازم أصول الباطل وقع في ضلالٍ متناهٍ لا حد له، فتتساقط أحكام الشريعة كحال تساقط الأعمدة، يضرب بعضها بعضاً حتى لا يبقى من الشريعة أصل ولا فرع، ولو التزموا بذلك وألزموا به فعليه لا يوجد خير ولا شر في جميع الأفعال، وحتى الأخلاق لا يوجد فيها خير ولا شر.
مخالفة القدرية للوحي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ يا شعيب بن حرب ! والله ما قالت القدرية ما قال الله، ولا ما قالت الملائكة، ولا ما قالت النبيون، ولا ما قال أهل الجنة، ولا ما قال أهل النار ].قوله: (ولا ما قالت الملائكة، ولا ما قال النبيون) فيه إشارة إلى أن هذا ليس من الوحي، والوحي منه براء، ومنه نعلم أن شريعة الإسلام ما جاءت إلا بواسطة الأنبياء عن الملائكة عن رب العالمين.يقول أحمد بن زيد بن هارون : (إنما هي -يعني: الشريعة- صالح عن صالح, وصالح عن تابع، وتابع عن صاحب، وصاحب عن رسول الله، ورسول الله عن جبريل , وجبريل عن الله). وهذه هي الشريعة, فلا يوجد شيء لدينا من علم الدين ينتهي إلى أحد إلا بهذا الإسناد، ومن جاء بشيء من الدين عن غير هذا الإسناد فهو دين مختص له وليس لنا، ولهذا قال: (ولا ما قالت الملائكة، ولا ما قالت النبيون) بعد قوله: (ما قال الله), ففيه إشارة إلى الإسناد الذي ينتهي بالعلم, وذلك أن العلم هو إلى الله سبحانه وتعالى.والملائكة: هم من عباد الله عز وجل، وإنما سموا ملائكة من الألوكة، والألوكة: هي الرسالة؛ لأنهم يحملون الرسالة، فاشتق لهم من محمولهم اسماً. والنبيون إنما سموا أنبياء لنبأ السماء, وهو الخبر، والنبأ يتقطع من وقت إلى وقت، فيسمى نبأ بعد عدم وجوده، ولهذا نقول: إن كلمة التنبؤ أو النبوة ونحو ذلك اصطلاح شرعي لا ينبغي أن يكون إلا لأنبياء الله عز وجل من أمور الوحي، وقد يقول بعض الناس على سبيل التجوز: تنبأت بكذا, أو يتنبأ الناس بهذا الشيء. وهذا خطأ من الأخطاء اللفظية التي يقع فيها كثير من الناس، والأولى في ذلك القول بأنها تخرصات أو توقعات أو نحو ذلك، كما ينبغي أن تجتنب كلمة تكهنات؛ لارتباطها بالكهانة، وهي مصطلح مذموم، ومرده في ذلك إلى الكهنة والسحرة والجان الذين يسترقون السمع. وقوله: (ولا ما قال أهل الجنة، ولا ما قال أهل النار) يعني: أن الله عز وجل قد خلق الجنة، وخلق النار، وأمر الناس بأن يسعوا إلى جنته, وهذا مقتضى بيان طريق الخير وطريق الشر, وقد جاء الخطاب في كلام الله سبحانه وتعالى في مواضع كثيرة ببيان مشيئة الله لعباده: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30]، فالله جل وعلا قد جعل للإنسان مشيئة، ولكنها بعد مشيئة الله جل وعلا، وجعل الأمر على استطاعته، والله جل وعلا جعل للإنسان كُلفة يطيق بها الخطاب، وإذا كان الإنسان مجبوراً فلا حاجة إلى الإشارة إلى الكلفة، وقد قال الله عز وجل: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، يعني: أن الإنسان يعرف قدرته وطاقته في ذلك من جهة الاختيار وعدمه، ولو كان مجبراً على شيء فإنه ليس له أن يورد مسألة التكليف هنا.
 أخف طوائف الجبرية
الفرقة الثانية من طوائف الجبرية: الذين يقولون: إن الإنسان مجبور قلبه على الشيء، وأما جوارحه فله اختيار فيها، وهذه أخف طوائف الجبرية, وهذا الاعتقاد يقول به أهل الاعتزال اليوم، وهم يتباينون في ذلك من جهة اللوازم ومن جهة ما يقولون به؛ ولهذا نجد الطائفة الواحدة تشكك في هذه العقيدة، والبعض لا يأخذ بتلك الإلزامات، والبعض الآخر يأخذ بها، ونحن نجد بعض أئمة الرافضة ينفون القدر، وآخرين منهم لا ينفون القدر ويثبتونه لله جل وعلا؛ وذلك لأنهم استحضروا العلم، فيقولون: إن الله عز وجل يعلم؛ فيلزم من ذلك أن الله عز وجل قدر، ولا يكون إلا ما علم، وحينئذٍ يلزم من ذلك أن الله عز وجل قدر هذه المقادير، وطوائف الرافضة في ذلك يتباينون، فمنهم من ينفي القدر، ومنهم من لا ينفي، والمشهور عنهم نفي القدر، لكن يوجد من أئمتهم من يثبت ذلك.وطوائف الضلال والزيغ في أمثال هذه المسائل يترددون، ويستجيبون بحسب ما يقع في قلوبهم من لوازم، ولو استرسل الإنسان في لوازم أصول الباطل وقع في ضلالٍ متناهٍ لا حد له، فتتساقط أحكام الشريعة كحال تساقط الأعمدة، يضرب بعضها بعضاً حتى لا يبقى من الشريعة أصل ولا فرع، ولو التزموا بذلك وألزموا به فعليه لا يوجد خير ولا شر في جميع الأفعال، وحتى الأخلاق لا يوجد فيها خير ولا شر.
احتجاج إبليس بالقدر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا ما قال أخوهم إبليس لعنه الله ].المراد بالأخوة هنا: أخوة العقيدة، وفيه إشارة إلى تكفير القدرية؛ وذلك أن إبليس ما نفى القدر وإنما أثبته, ولهذا في احتجاجه أن الله عز وجل كتب عليه ذلك قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي [الأعراف:16]، أي: أن الله جل وعلا كتب عليه ذلك وقدره عليه، أي: أراد أن يسير في هذا الطريق، ولكنه أخطأ في الالتزام بذلك الإيمان التزاماً باطلاً، وهذا فيه مسألة الاحتجاج بالقدر على الذنوب والمعاصي، فالله جل وعلا يقدر الخير والشر، والحسنات والسيئات على عباده، وما يقع من الإنسان من ذنب فقد قدره الله جل وعلا عليه، ولكن الاحتجاج بالقدر على المعصية لا يجوز، وهذه طريقة إبليس. ‏
 لعن إبليس
وقوله هنا: (ولا ما قال أخوهم إبليس لعنه الله) فيه جواز لعن إبليس، لأن الله عز وجل لعن إبليس واستحق اللعنة، والأمر ذلك مقضي، ولكن عند ورود الموجب العظيم في بيان خطر اعتقاد أو قول فلا حرج على الإنسان من لعن من أوجب الله عليه اللعنة ولو كان ماضياً أو هالكاً كـفرعون، فللإنسان أن يقول: لعنه الله، أو هو ملعون، أو حال إبليس الذي قضى الله عز وجل عليه ذلك الأمر, ولكن نقول: إنه يجوز للإنسان أن يلعن من استوجبت عليه اللعنة ومن قضى الله عز وجل عليه ذلك إذا كان ثمة موجب؛ كأن يوجد -مثلاً- أتباع لـفرعون، فإذا أراد الإنسان أن يبين تلك العقيدة ويبين ضلال صاحبها فيقول: لعن الله فرعون كيف يتبعه الناس! فهذا من الأمور الجائزة.
أركان الإيمان بالقدر
وفي مسألة القدر والإيمان به يجب على الإنسان -إذا أراد أن يؤمن بالقدر- أن يعلم بأن للإيمان بالقدر أركاناً وهي: ‏
 الركن الخامس: الحكمة
الركن الخامس: حكمة الله جل وعلا، فإن الله سبحانه وتعالى لا يقدر شيئاً على عباده إلا لحكمة، فإذا علم الإنسان الحكمة التي يقدرها الله عز وجل لعباده فهذا يغرس فيه يقيناً وإيماناً بأن الله عز وجل لا يقدر على عبده شراً محضاً, وإنما خيراً إذا أخذ بالاعتبار الحكم، فإبليس لم يأخذ بحكمة الله عز وجل, وإنما احتج بظاهر القدر من غير نظر إلى حكمة الله، والاسترسال في الباطل، وأما آدم عليه السلام فأخذ بحكمة الله عز وجل، وهي أن الله يبتليه ويريد به وبأمته خيراً، فلم يحتج بالقدر على المعصية، فتاب وأناب.وحكم الله عز وجل على نوعين: حكم عامة، وحكم خاصة، فالحكم العامة هي التي يريدها الله عز وجل للكون كله، والحكم الخاصة هي التي يريدها الله عز وجل لآحاد الناس، والناس في ذلك متباينون.وقد تنقسم الحكم في ذلك إلى نوعين آخرين باعتبار الزمن وهي: حكم عاجلة، وحكم آجلة. وقد تنقسم أيضاً باعتبار الظهور والخفاء, فيقال: حكم ظاهرة، وحكم خفية، ولله عز وجل في ذلك مقادير لا يعلمها إلا هو جل وعلا، ولهذا ينبغي للإنسان إذا نزلت به مصيبة، أو قدر الله عز وجل عليه أمراً في ظاهره سوء عليه، أن يأتي بالمشروع في ذلك، وأن يعلم أن ذلك خيراً له، وأن الله عز وجل قدر له الخير في ذلك.
إثبات القدر والاختيار والمشيئة للعبد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ قال الله عز وجل: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [الجاثية:23] ]. ‏
 تقدير الله للشر على العبد
وقوله تعالى: وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً [الجاثية:23]، فيه إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى يقدر على عباده الشر، ويقدر عليهم الخير، ولكن هذا لا يخرجهم عن الاختيار، فللإنسان مشيئة، وهذا يظهر في قوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30]، ففيه أن للإنسان مشيئة، سواء في أبواب الخير أو أبواب الشر. نكتفي بهذا القدر، وأسأل الله جل وعلا لي ولكم التوفيق والإعانة والتسديد, إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , اعتقاد سفيان الثوري [4] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net