اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [59] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


تفسير آيات الأحكام [59] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
حذر الله سبحانه وتعالى من حضر الوصية من أن يحيف في القول فيحمل الموصي على الظلم في وصيته، وأمر من حضر الوصية أن يعامل الموصى لهم كما يحب أن يعامل أطفاله بعد موته.ثم ذكر الله حرمة أكل مال اليتيم وأنه كما أكله في الدنيا بغير حق فإنه يأكل في بطنه ناراً جزاء وفاقاً والجزاء من جنس العمل. والمراد بالأكل الإتلاف بجميع صوره، والمال هو كل ما ينتفع به اليتيم من نقد وزرع وغيره.
قوله تعالى: (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ...)
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد: ‏
 المراد بالقول السديد
والسداد المقصود في قول الله عز وجل: قَوْلًا سَدِيدًا [النساء:9]، أي: منصفاً عدلاً لا جور فيه ولا ظلم، وهذا أيضاً فيه إشارة: أن المستشار في ذلك مؤتمن، فإذا استشير الإنسان في وصية أو استشير الإنسان في أمر من أمور الأموال, ويتعلق بالضعفاء فإن ذلك من الأمور العظائم, خاصة إذا كان المال يتعلق بضعيف، فيجب على الإنسان أن يتقي الله عز وجل في الضعفاء.
قوله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ...)
والآية الثانية في قول الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10] ، من قال: إن الآية السابقة تتوجه إلى أولياء اليتامى يتخذ هذه الآية قرينةً على ذلك, وذلك أن الله عز وجل حينما قال في الآية السابقة: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ [النساء:9]، قالوا: إن هذا الخطاب يتوجه إلى أولياء اليتامى، ثم حذرهم الله عز وجل من العقاب في الآخرة، فجمع الله عز وجل تحذيرين:التحذير الأول في الآية السابقة: هو في تحذيرهم من ذريتهم أن يصيبهم ما أجحفوا في حق ذرية غيرهم.التحذير الثاني: وعيد من عقاب الله عز وجل في الآخرة.ولكن نقول: إن هذا يمكن القول به لو كانت هذه الآية في سياق الآية السابقة، ولكن نقول: إن هذه الآية منفكة على الأرجح, ولأن الخطاب في الآية السابقة يتوجه إلى من حضر الوصية، والخطاب في هذه الآية يتوجه إلى أولياء اليتامى الذين ائتمنوا على أموالهم. ‏
 من الأدلة على أن أكل مال اليتيم من الكبائر
وقول الله جل وعلا: إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا [النساء:10]، دليل على أن أكل مال اليتيم من كبائر الذنوب أو من أكبر الكبائر.وتقدم الإشارة إلى أن جنس أكل مال اليتيم أعظم عند الله عز وجل من جنس أكل مال الربا.وأيضاً: في هذا إشارة وتأكيد على ما تقدم، وكذلك أيضاً: أن الجزاء من جنس العمل، فكما يستمتع الإنسان ويتلذذ بأكل مال اليتيم في الدنيا، فإنه يعاقب أيضاً بذلك في الآخرة على هذا النحو, وذلك أنه يكون في بطنه ناراً، وهذا نظير ما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم في ( من يأكل في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم يوم القيامة ).والمراد بذلك الجرجرة هو ما يوجد من صوت الماء والأكل في بطن الإنسان عند شدة جوعه وعطشه، فيأكله عن نهم وحاجة, ويعقبه من ذلك ألماً وعذاباً.وهذا يدل على أن الأكل في آنية الذهب والفضة من كبائر الذنوب؛ للمشابهة في العقاب.وقول الله جل وعلا: إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10]، هل هذه الآية تدل على حصر وقصر العقاب بأنهم يأكلون في بطونهم ناراً, أم تدل على أن أجناس العذاب متنوعة, ومنها أنهم يأكلون في بطونهم ناراً؟نقول: إن هذه الآية تدل على الحصر لو لم تعطف على قول الله جل وعلا: وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10]، فنقول حينئذ: إن أكل مال اليتيم أعظم عند الله جل وعلا من الأكل في آنية الذهب والفضة، وذلك أن آنية الذهب والفضة جاء العقاب فيها، كما في الحديث في الصحيح قال: ( إنما يجرجر في بطنه نار جهنم )، وما عطف عليها العذاب بالنار.وهذه الآية في أكل مال اليتيم ذكر أنهم يأكلون في بطونهم ناراً، وعطف عليها أنهم يشوون في النار.وقول الله جل وعلا: وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10]، يعني: يشوون في نار جهنم.وهنا في قوله: (( سَيَصْلَوْنَ ))، من الصلي، وقد جاء في الحديث: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل شاةً مصلية ) يعني: مشوية.وقوله هنا: وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10]، يعني: يشوون في نار جهنم، عافانا الله عز وجل وإياكم من ذلك.
قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم ...)

 الجوانب التي ينظر إليها مرضى القلوب ممن يقول بأن الإسلام ظلم المرأة في الميراث
ولهذا كثير من أهل النفاق ومرضى القلوب في زماننا يأخذون هذه الآية في قول الله عز وجل: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، فيقولون: إن هذا ليس بعدل فلم يعدل مع البنت، وربما ينظرون إلى أمر أن المرأة مستقلة بمالها, ولا يجب على زوجها ولا على وليها أن ينفق عليها، ولا يرون المهر أن الرجل يصدق على زوجته صداقاً عند العقد عليها، ويجب عليه أن يقوم بشأنها ما دامت في الزوجية من جهة المأكل والمشرب والكسوة والسكنى وعلاجها إن مرضت ولا منة له في ذلك. فالله عز وجل يقول: فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا [النساء:11]، ويقول الله عز وجل: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء:11]، فهذا معنى القوامة.فالمرأة من ولادتها إلى مماتها مكفية من جانب النفقة، ولهذا نقص حظها وحقها من تركتها من أبيها، فكان حينئذ: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، ولكن الأنثى ليست على عمومها من جهة التفاضل، ولكن تتفاضل في جانب البنوة وجانب الأخوة مع الذكور من جنسها، ولكن في جانب آخر وهو جانب الوالدين: فلهما في ذلك السدس، فهذا الاختلاف بين الذرية وبين الأبوين؛ لأن الذرية في ذلك تستقبل حياة، وأما ما يتعلق بالآباء فإنهم في الغالب أنهم يكونون في حال ضعف، وحاجتهم في ذلك متقاربة إلى السداد, فكان ذلك غاية في أمر الإحكام.ولهذا الذين يتكلمون في مسائل العدل في الميراث وعدم التساوي في ذلك، فهم ينظرون إلى هذا الحكم مجتزئاً عن غيره، خاصة ممن يتأثرون بالمدرسة الغربية في جانب النفقة, فيرون أن المرأة لا ينفق عليها زوجها ويجب عليها أن تعمل، ولهذا في الغرب المرأة تتكسب لنفسها، فلا يكون في ذلك مهر، فإذا تزوجت تقوم بشأنها، ويقوم الرجل بشأنه، تقوم بطعامها، ويقوم الرجل بطعامه، وربما يدخل الزوج والزوجة مطعماً ويشترون بدولار تسدد المرأة دولارها ويسدد الرجل دولاره.ويريدون أن يفهموا: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11] .أنت لا تدرك هذا المعنى حتى تعرف ما قبلها مما ساقه الله عز وجل لك، فإذا امتثلت ذلك الأمر وعرفت ذلك الإحكام وأتيت إلى هذه الآية؛ عرفت أن هذا إنما هو جبر لما فات الذكورية وحظيت به الأنوثة قبل ذلك.وكذلك جبر للذكورة فيما تستقبله من إنفاق على أنوثة أخرى مما يتعلق من زوجة، ودوام الإنفاق على بنته، فكان ذلك كمال العدل والإنصاف والإحكام في أمر الأموال.ولهذا نقول: إن المنظومة الاقتصادية في الإسلام من لم ينظر إليها تامة؛ فإنه لا يعرف تمام العدل والإحكام الذي جاء في الشريعة، وإذا نظر إلى باب واحد متجرداً عن غيره فإنه ينظر إليه بشيء من أنواع القصور.نتوقف عند هذا القدر.ونكمل إن شاء الله عز وجل بقية الأحكام المتعلقة في هذه الآية، لأنها تحتاج إلى مجلس طويل، وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [59] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net