اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [55] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


تفسير آيات الأحكام [55] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
يظهر حال المنافقين جلياً في الشدائد التي تواجه المسلمين، فحين خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد انقسم المنافقون إلى قسمين: قسم اعتذروا عن الخروج، وقسم رجعوا من منتصف الطريق بقيادة رئيسهم ابن أبي.وأكثر الأمور التي من خلالها يعرف المنافقون هي: الاستهزاء بالدين، وكثرة الاعتذار لترك الحق.وقد تنوع جهاد النبي صلى الله عليه وسلم بين جهاد طلب، وجهاد دفع. وقد ذكر العلماء أنه يشترط للأول الأمير، والنية، وأن جهاد الدفع لا يشترط له أمير ولا نية.
قوله تعالى: (وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا...)
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد: ‏
 معاملة الناس على ظواهرهم
وفي قوله سبحانه وتعالى: قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ [آل عمران:167] ، في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع عبد الله بن أبي من الطريق حين ذهب النبي عليه الصلاة والسلام إلى غزوة أحد عامله بظاهره أخذاً بعذره ولو علم باطنه أنه يكتم ويسر خلاف ما يظهر.والإنسان لا يأخذ بعلمه الباطن، وإنما يأخذ بالأمر الظاهر؛ ولهذا عامل النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين كمعاملة المسلمين، وهذا من الحكمة والسياسة، تقوية للمسلمين وكبتاً لباطن المنافقين أن يخرج, وكذلك أن يتزاحموا وأن يكثر بعضهم بعضاً، ولهذا لما رجع عبد الله بن أبي إلى المدينة ومعه ثلث القوم ما واجههم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، بل لما خرج النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك في غزوات أخرى أخذ أولئك معه، والله سبحانه وتعالى هنا ما أبدى كفرهم الظاهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم, وإنما أبدى نفاقهم الباطن حتى لا يؤاخذهم النبي صلى الله عليه وسلم بالكفر، وإنما يعاملهم بالنفاق، فلا يصدرهم ولا يقدمهم في حال من تلك الأحوال في قضايا الأمة على السرايا والجيش ويستأمنهم على الأعراض والأموال، وإنما يأخذهم تكثيراً للسواد ودفعاً لشرهم ومكنون نفوسهم، حتى لا يخرجوا عن ما زاد من الشر الذي أظهروه.وهذا في سياسة النبي عليه الصلاة والسلام في المنافقين واحتوائهم وعدم فصلهم عن صفوف المسلمين، من سياسته عليه الصلاة والسلام في تعامله في الغزو، وتعامله عليه الصلاة والسلام في المدينة في المجالسة والمخالطة والعطية وإجابة الدعوة، إنما يأخذهم النبي صلى الله عليه وسلم بالظاهر، ولهذا هنا إنما ذكر الله سبحانه وتعالى ذلك لنبيه ليعلم ما في باطنهم.ولهذا ذكر الله عز وجل إشارةً إلى هذا المعنى في قوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ [آل عمران:167] ، أي: أنهم يكتمون أمراً غير ما يظهرونه من الأعذار، فهم في غزوة أحد أظهروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يلتقي بالمشركين؛ لأنه لن يكون في ذلك قتال، فلا نريد أن نأخذ في الذهاب في قتال ربما لا يتحقق، وهم في حقيقتهم إنما يتعذرون، وأكثر الناس أعذاراً للخروج من الحق هم أكثرهم نفاقاً.ولهذا المنافقون لا يواجهون الحق بعينه وإنما يعتذرون لتركه، وإذا كثرت الأعذار في ترك الحق فهذا أمارة على النفاق، كما في غزوات النبي عليه الصلاة والسلام لما أمرهم بالخروج إلى تبوك قالوا: لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ [التوبة:81]، ولما أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام بالقتال فيها قالوا: ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي [التوبة:49] خشية فتنة النساء، يعتذرون بذلك، ولما أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام في الخروج إلى أحد: قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ [آل عمران:167]، يريدون من ذلك الخروج بأعذار، وكلما كانت الحجة ظاهرة والعذر في ذلك ضعيفاً فهذا أظهر في النفاق.
قوله تعالى: (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل...)
الآية الثانية في قول الله سبحانه وتعالى: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ [آل عمران:195]. ‏
 الثواب والعقاب على الرجل والمرأة
وفي قول الله سبحانه وتعالى: أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى [آل عمران:195]، ذكر الذكر والأنثى فيه ما تقدم الإشارة إليه أن الأصل الاستواء في أبواب الثواب في سائر أنواع الطاعات، في الصلاة، والزكاة والصيام والحج والعمرة، وذكر الله سبحانه وتعالى من جهة الأجر أنه في ذلك سواء، كما أنهم في أبواب الحدود والعقاب سواء، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ [آل عمران:195]، أي: إشارة إلى ما تقدم من هذا المعنى.
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا..)
الآية الثالثة: في قول الله سبحانه وتعالى وهي آخر آية من سورة آل عمران، في قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا [آل عمران:200]. ‏
 التقوى في الصبر وحال الرباط
وفي قول الله سبحانه وتعالى هنا: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200]، إشارة إلى أن الصبر والمصابرة، والرباط يجب أن يصاحبها التقوى، فإن الإنسان قد يصبر ويصابر ويرابط حمية أو طلباً للدنيا أو الجاه، يرى مكانه وسمعته ونحو ذلك، فإن الله عز وجل يعطيه من حظه ذلك بمقدار حظه من نيته، فإذا صاحبته التقوى في قلبه؛ فإن الله عز وجل يعطيه الكمال في ذلك بمقدار ما أوجد لله سبحانه وتعالى في قلبه.وبهذا نكون قد ختمنا سورة آل عمران فيما يتعلق بآيات الأحكام منها، ونشرع بإذن الله سبحانه وتعالى بعد ذلك في سورة النساء.أسأل الله عز وجل لي ولكم التوفيق والسداد، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع وأحسنه، وأن ينفعنا بما سمعنا، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [55] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net