اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [50] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


تفسير آيات الأحكام [50] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
أرسل الله عز وجل الرسل وأيد كل رسول بمعجزات تناسب ما اشتهر به قومه، فقوم موسى اشتهروا بالسحر فجعل الله عز وجل من ضمن معجزات موسى العصا تلقف ما يأفكون، واشتهر قوم عيسى بالطب فأيد الله عيسى عليه السلام بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله. والأصل في الصور أن ما كان ذا روح فإنه يحرم تصويره، ويستثنى من ذلك ثلاث حالات: الأولى: الصور الممتهنة. الثانية: ما يزول من فوره. الثالثة: ما يعجز عن إزالته.
قوله تعالى: (ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد...)
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد: ‏
 الإفصاح عن الأموال
والمسألة الثانية في هذا في قول الله عز وجل: وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ [آل عمران:49]، فيه جواز الإفصاح عن الأموال عند الحاجة إلى ذلك والحسابات البنكية، وإذا خشي من رشوة أو سرقة المال العام، وغير ذلك.وفي هذا إشارة إلى أن ذلك ليس سراً يعاب منه، بعض النظم الوضعية تجعل للحسابات البنكية أسراراً وكشفها محرماً، وأن كشفها هو تعدٍ على الحق والحرية الشخصية، وهذا ليس كذلك؛ لأن المال على حالين: مال مكتسب بحلال، فلا يستحى من كسبه، ومال حرام، فهذا الذي يستحى ويخاف من كسبه.فلو كشف إنسان أو طلب الحاكم او الوالي ممن يتولى ولايات أو نحو ذلك أن يكشف الناس حساباته، ممن يتولى ولايات، من الأمراء، أو الرؤساء، أو الوزراء، أو مدراء الإدارات، أو عمد الأحياء، أو البلديات، أو الذين يتولون العقود والمناقصات، وغير ذلك، أن يفصحوا عن حساباتهم قبل ولاياتهم وبعد ولاياتهم، أو أن يفصح في ذلك من غير الرجوع إليهم؛ لأن عيسى عليه السلام كان يخبر ما في البيوت من غير أن يستأذن، فيقول: لديكم كذا ولديكم كذا ولديكم كذا، لأن المال إما أن يكون حلالاً فهذا لا يستحيى منه، أن يكون لدى الإنسان قطيع من الغنم أو يكون لديه كنوز من الذهب تاجر فيها أو أخذها عن إرث أو تركة، ما لا يستحى منه، وذاك لا يستحيى أو يخاف إلا من مال حرام، إما أن يكسب بمال، إما ببيع خمر، أو زنا، أو غير ذلك، أو أخذه الإنسان بسرقة أو رشوة وغير هذا، ولو عمل بهذا لاضمحل كثير من الفساد، ودفع في ذلك كثير من الشر.وقوله: وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ [آل عمران:49]، هذا فيه إشارة على ما تقدم أن الله سبحانه وتعالى حينما جعل ذلك إعجازاً لـعيسى في قومه، ذكره الله سبحانه وتعالى على سبيل الامتنان، لعلاء عيسى وكذلك البيان لقومه، فـعيسى كان يخبرهم بما في بيوتهم ولا ينهاهم عن الادخار، فهو مجرد إخبار ليتحقق من ذلك الإعجاز.
قوله تعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم...)

 الزمن الذي بلغت فيه الفطرة غاية الانحراف
ومعلوم أن الفطر في حال انحرافها بين مد وجزر، والفطر في حال انحرافها لم تبلغ غاية الانحراف فيما أعلم إلا في زمنين، الزمن الأول: في زمن لوط عليه السلام، وذلك أن لوطاً عليه السلام دعا قومه إلى ترك ما أفسدوه ومسخوه من الفطرة، وذلك أنهم يشتهون ويميلون إلى الذكران من العالمين، وهذا انحراف في الفطرة، أنهم جعلوا الرجل أنثى.والزمن الثاني: هو الزمن الذي نحن فيه، وهو أشد انحرافاً من زمن قوم لوط ؛ لأن قوم لوط كانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء شهوة ونزوة، وفي زماننا يأتي الرجال الرجال زواجاً ونكاحاً وعقداً، ويجعلون ذلك زوجية، أما قوم لوط فيجعلون ذلك نزوة وتمضي.فالانحراف الفطري الموجود هنا في هذا الزمن دليل على أن الله سبحانه وتعالى قد يرفع العقاب عن أمم، وهي أشد ما تكون بغضاً عنده سبحانه وتعالى، وقد أنزل على أجناسها من ذلك العقاب ما أنزله الله سبحانه وتعالى، بل بلغ في الأمم الغربية في زماننا اليوم من الانحراف أشد مما يخطر على بال، بل يدرسون الآن هو زواج الرجل بالبهائم، فهم يتعاملون مع البهائم الآن كما يتعامل قوم لوط مع الرجال، فيرون أن وطء الرجل للبهيمة وذكران البهائم للنساء أن هذا شهوة ونزوة لا يعاقب عليها الإنسان، وهي من حرية الإنسان الشخصية.ما وصلوا إليه إلى عقود الرجال على الرجال، وعقود النساء على النساء بعقود، أما البهائم فلم يصلوا إلى مرحلة العقد عافنا الله عز وجل وإياكم من هذا المسخ.
قوله تعالى: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه...)
قول الله سبحانه وتعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا [آل عمران:75].في هذا مسائل: ‏
 متابعة المدين وحبسه
ومن المسائل في قوله سبحانه وتعالى: لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا [آل عمران:75]، هنا الدائن يقوم على المدين، وذلك بمتابعته أو مراقبته، فمن العلماء من قال بجواز حبس المدين، وذلك أن الحبس نوع من أنواع تقييد الحرية، فقوله هنا: إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا [آل عمران:75]، يعني: مراقباً، حارساً له، فلا ينتقل ولا يتحول ولا يهاجر من البلد التي هو فيها حتى لا يذهب بالمال.وهذا فيه إشارة إلى تجويز القيام عليه، وتقدم معنا هذا في سورة البقرة في قول الله سبحانه وتعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة:280]، تقدم في مسألة المعسر: هل يجوز حبسه أو لا يجوز حبسه؟ وإذا ثبت في ذلك الإعسار وأمارات الإعسار، وكذلك ما يتعلق في الاستظهار الذي يأخذه القاضي في حبس من عليه دين، ومدة ذلك، وكلام العلماء عليهم رحمة الله تعالى في هذا الباب.واختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في القيام على المدين ومتابعته، على قولين: ذهب أبو حنيفة وجماعة من الفقهاء من غيره إلى جواز ذلك، وجمهور العلماء إلى عدم جواز القيام عليه، وإنما يؤخذ بما فعله النبي عليه الصلاة والسلام وفعله أصحابه، وذلك مما يتعلق بمسائل الإنظار إذا كان معسراً، أو كذلك الحبس إذا كان يستظهر فيه، وكانت القرائن على عدم عسره، حتى يستظهر في ذلك قدرته على الإتيان بالمال من عدمه.نكتفي بهذا القدر، وبالله الإعانة والتوفيق والسداد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [50] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net