اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , عقيدة أهل الإيمان [1] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


عقيدة أهل الإيمان [1] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
لقد خلق الله تعالى الجن والإنس لعبادته وتوحيده، وبين لهم وجوب إفراده في أفعاله وأفعال عباده وأسمائه وصفاته؛ ولهذا كان التوحيد مفتتح دعوة الرسل قبل غيره من أعمال البر، غير أن حقيقة التوحيد لا تكمل صورتها المشرقة إلا بمعرفة ضده، وهو الشرك بالله تعالى، الذي جاء التحذير من اقترافه ظاهراً وباطناً.
الغاية من خلق الجن والإنس
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإننا سنتكلم بإذن الله جل وعلا على ما خلق الله لأجله الخليقة، وأنزل الله جل وعلا الكتب وأرسل الرسل، وخلق الله الجنة والنار، ونصب الميزان، وجعل الرقيب العتيد والحسنات والسيئات على عباده، وجعل الناس وقسمهم إلى فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير، وهؤلاء كانوا بسبب ما فرطوا أو وافقوا معه أو فيه ما خلق الله جل وعلا العباد لأجله. ‏
 مفهوم خاطئ للعبادة
وكثير من المتعبدين حينما يتعبدون لله ظاهراً يظنون أنهم قد تعبدوا لله جل وعلا كذلك باطناً، ومن الناس من يظن أنه إذا تعبد لله باطناً وخالف أمور الظواهر أنه متعبد لله جل وعلا وهذا من الوهم والغلط؛ ولهذا كثير من الناس الذين يطوفون على الأضرحة والقبور والمزارات، ويسجدون عندها وينذرون لها، ويعطونها ويهبونها كثيراً من الأموال؛ دفعاً للشر وجلباً للخير، ويسألونها من دون الله جل وعلا ذلك، هذا هو الكفر المبين، مع كونهم يزعمون أن ذلك ما كان لهؤلاء الأولياء إلا لفضل الله وجلالة منزلته في قلوبهم، قالوا: لا نعبدهم إلا لأنهم كانوا أولياء لله سبحانه وتعالى، فلما كانوا كذلك فإننا نعبدهم من دون الله جل وعلا، أو نجعلهم وسطاء بيننا وبين الله جل وعلا. إن الله سبحانه وتعالى يقر بأحقيته بالخلق، وكذلك التصرف بالكون، كل الناس يؤمنون بأن لهذا الكون خالقاً، وأن هذا الخالق هو المصرف والمدبر، ولكنهم يضلون في لوازم هذا الإيمان، ويضلون في مسالك وأبواب الألوهية، وتوحيد الله سبحانه وتعالى فيه، وأسماء الله جل وعلا وصفاته يضلون في ذلك ضلالاً بعيداً. إن معرفة العقيدة ومعرفة منزلتها وقدرها، وحجم المخالف والموافق فيها يعرِّف الإنسان قيمة عمله وعاقبته عند الله سبحانه وتعالى، إن وافق أو خالف.إن توحيد الله جل وعلا هو الفيصل الذي لا يقبل فيه الرأي أو الاجتهاد، وإنما ذلك موكول إلى قطعيات الشريعة، ودلالات النصوص من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
دعوة الرسل إلى التوحيد
الله جل وعلا حينما أرسل رسله إلى الذين كفروا بالله وأشركوا معه غيره أمرهم أن يدعوهم إلى توحيد الله وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5]، فالله جل وعلا أمر جميع الأمم على لسان أنبيائه أن يعبدوا الله جل وعلا ولا يشركوا معه أحداً غيره، إذا كانوا يقرون بأن الخالق هو الله، فما هو الشرك الذي قد وقعوا فيه؟ هم قد وقعوا في شرك من الأقوال والأعمال وذلك ببعض الأسباب التي جعلوها أسباباً ولم يجعلها الله جل وعلا أسباباً، فشاركوا الله في حقه، فجعلوا بينهم وبين الله وسطاء، وجعلوا بينهم وبين الله شفعاء، ويظنون ذلك أنهم يتقربون إلى الله، ويظنون أيضاً أنهم أحسنوا صنعاً.إن حسن قصد الإنسان لا يخرج قوله وفعله من الباطل، فالمقصد والقلوب مردها إلى الله، والظواهر هي الحكم والفيصل في ذلك. ‏
 أعظم ما يتقرب به المتقربون إلى الله
أعظم ما يتقرب به المتقربون إلى الله هو أن يعبدوا الله جل وعلا وأن لا يشركوا معه أحداً غيره، وأعظم ذنب يقع فيه البشرية هو أن يشركوا مع الله جل وعلا غيره؛ ولهذا خص الله جل وعلا الإشراك معه غيره بشيء من الخصائص ليست لغيره من سائر الذنوب، فالذي يشرك مع الله غيره لا يُقبل له عمل، ولا يرفع له أجر، ولا ينظر إليه، حتى يوحد الله وإن وقع في الشرك فقد قطع الوصل بينه وبين الله سبحانه وتعالى.فلا يرد عليه شيء من المكفرات وإن مات على كفره فإنه ليس من أهل الإيمان ولا يدعى له بالرحمة؛ لأن الله أخذ على نفسه أن لا يغفر لمن أشرك معه شيئاً غيره؛ لهذا يقول الله جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، ويقول الله سبحانه وتعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة:5]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من مات وهو لا يشرك مع الله غيره دخل الجنة، ومن مات وهو يشرك مع الله غيره دخل النار )، في هذا إشارة إلى أهمية التوحيد وعلو منزلته، وأن الله سبحانه وتعالى جعله الفيصل حتى بين الأقارب، فلا أنساب بين المؤمن والكفار، فلا يرث المؤمن الكفار، ولا يرث الكفار المؤمن.وقد بين الله سبحانه وتعالى أن على المسلم أن تكون بينه وبين الكفرة مفاصلة ولو كانوا من الأقربين؛ ولهذا إبراهيم عليه السلام لما استغفر لأبيه منعه الله جل وعلا من ذلك؛ للمفارقة الدينية؛ لأن الله قد قضى أن لا يغفر شيئاً لمن أشرك معه غيره، فهذا الاستغفار لا يكون في محله، فبين الله جل وعلا لنبيه عليه الصلاة والسلام ذلك الأمر.وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذن ربه أن يستغفر لأمه فلم يأذن له، واستأذن ربه أن يزور قبرها فأذن له، وهذا أمر يبين أن منزلة التوحيد عظيمة، وأن منزلة الإشراك مع الله عز وجل غيره عظيمة الجرم.وإذا مات الإنسان على الكفر -ولو كان معذوراً بجهل ونحو ذلك- فإننا نكل أمره إلى الله، ونتوقف عن الاستغفار له، كأصحاب الفترة؛ لأن مرد أولئك -وإن جهلوا- إلى الله سبحانه وتعالى، فالله جل وعلا حكيم بصير بأحوالهم رحيم بعباده، وقد ذكر في كتابه العظيم أنه لا يعذب أحداً حتى تبلغه الرسالة، قال جل وعلا: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، أي: أن الإنسان لا يعذب على شيء عمله حتى يكون البلاغ قد سبق إليه؛ ولهذا يقول الله جل وعلا لنبيه عليه الصلاة والسلام: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6].
أهمية العقيدة وموضوعاتها
إن عقيدة المؤمن مع أهميتها وجلالة قدرها ينبغي أن تعرف ماهيتها وأصلها، وكذلك ما يدخل في هذه الأبواب، وما ينبغي أيضاً أن يعرفه الإنسان من مهمات هذه العقيدة.والعلم بالتوحيد بالمنزلة الرفيعة، وأشرف العلوم على الإطلاق هو معرفة توحيد الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته وألوهيته وربوبيته. ‏
 معنى توحيد الله تعالى
إن توحيد الله سبحانه وتعالى هو أن يثبت الإنسان لله جل وعلا ما يحبه الله لنفسه، وأن يكون ذلك خصيصة له لا يشركه معه غيره؛ ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم مبيناً أهمية التوحيد: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد:19]، أي: أنه يجب على الإنسان أن يعلم أنه لا إله إلا الله أي: لا معبود بحق إلا الله، قال جل وعلا: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19]، أي: مما وقعت فيه مما يخالف ذلك إن وقعت، وكذلك أن تستغفر للمؤمنين والمؤمنات، وذلك مدعاة إلى باب من أبواب الولاء والتلاحم والصلة والجمع بينه وبينهم على تلك العقيدة، كما قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103]، الله سبحانه وتعالى أمر ألا يعبد إلا هو، وألا ينصرف قلب الإنسان وجوارحه ولسانه إلا له؛ لهذا قال جل وعلا: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5]،يعني: أنهم قد مالوا عن طريق الغواية والشر إلى عبادة الله سبحانه وتعالى، يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء:36]، فأمر الله بالعبادة ونهى عن ضدها.إن أعظم البيان أن يأمر الإنسان بشيء وينهى عن ضده، وهذا أعظم وأتم أنواع البيان، ويأتي بعد ذلك مرتبة أن يأمر الإنسان بالشيء ولا ينهى عن ضده، ويليه بعد ذلك أن ينهى الإنسان عن الشيء ولا يأمر بضده.وبهذا نعلم أن الأشياء تتضح بأمرين: الأمر الأول: ببيان حقيقتها بذاتها والأمر على ذلك. الأمر الثاني: ببيان ضدها والنهي عن ارتكاب ذلك الضد؛ لمناقضته للأمر الأول؛ ولذلك نعلم أن الشريعة جاءت ببيان التوحيد والنهي عن الشرك، وهو ضد توحيد الله سبحانه وتعالى وهذا أعظم وجوه البيان، وأعظم بيان التحقيق والتوضيح؛ ولهذا إذا أراد الإنسان أن ينظر في أمر أمر الله به، ونهى عن ضده على وجه الإجمال والتفصيل، وكذلك السرد في النصوص كتاباً وسنة لم يجد شيئاً يوازي توحيد الله سبحانه وتعالى منزلة، وذلك أن الإشراك مع الله عز وجل هو أعظم ظلم يقع فيه الإنسان، يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، جعل الله الظلم هو الإشراك؛ لهذا لما نزلت هذه الآية كما جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى، قال: ( شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم )، ومعنى أنه شق عليهم ذلك: أن قوله جل وعلا الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، أن الأمن يسلب منا إذا وقعنا في الظلم، كأن نظلم بعضنا في الدينار والدرهم، بالكلام ونحو ذلك، أو ربما بشيء من الأمور الكبيرة التي لا تصل إلى المفاصلة والمفارقة بين العبد وربه، فيكون الإنسان يعادي معاداة تامة كما يعادي أهل الكفر.فشق ذلك على الصحابة، أي: كيف نقع في شيء من الظلم ثم لا يكون لنا الأمن يوم القيامة ( جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إنه ليس كما تظنون؛ إن الظلم هنا هو الشرك، أولم تسمعوا لقول العبد الصالح لابنه: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] ).
تقديم الدعوة إلى التوحيد على الدعوة إلى غيره من العبادات
إن الشرك مع الله عز وجل غيره هو أعظم ما يقع فيه الإنسان وأعظم بلية، وأعظم مصيبة يقع فيها؛ لهذا جعل الله جل وعلا أول مأمور يأمر به الأنبياء، هو أن يوحد الله، فالنبي صلى الله عليه وسلم بقي في مكة أكثر من عقد يدعو إلى التوحيـد، ولا يشرك معه شيئاً من الدعوات، إلا ما كان من مبادئ وأصول الأخلاق وكالأمر بالأمانة، والصدق بالقول، لماذا؟ لأن التوحيد ينبت على ذلك، فلا يمكن للإنسان أن يعتقد التوحيد ظاهراً وباطناً إلا أن تتحقق في قلبه الأمانة، وصدق القول، ومراقبة الله جل وعلا، فأراد أن تزكو النفوس بشيء من فضائل الأعمال والأخلاق. وكذلك فإن التوحيد إذا اقترن بشيء يؤمن به الناس فطرة من الدعوة إلى مكارم الأخلاق ونحو ذلك، دل هذا على صدق هذا فتلازما، فدعا الناس إلى التوحيد فأقبل إليه من أقبل وأعرض عنه من أعرض؛ عناداً واستكباراً على أمر الله سبحانه وتعالى؛ لهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم -لأهمية التوحيد وبيان منزلته- كان لا يبعث أحداً إلى أحد من قبائل العرب أو من البلدان إلا وأمر من أرسله أن يدعو إلى التوحيد أول ما يدعو، لا يدعو إلى الأخلاق ولا يدعو إلى التربية، ولا يدعو إلى أحقية الناس بالعدل معهم في الأموال مجرداً ونحو ذلك، وإنما يدعو إلى أعظم العدل، وأعظم العدل في ذلك هو توحيد الله. توحيد الله أدعو إليه ثم أدعو معه مقترناً، وأدعو معه بعده أيضاً إلى مكارم الأخلاق وإلى حسن الجوار، وإلى العدل في العطية والهبة، وإلى قضاء حاجات الناس وإعانتهم والصدق في الحديث وغير ذلك من مبادئ الآداب والسلوك التي تؤمن بها جميع الفطر.إن الابتداء أو الاكتفاء بالدعوة إلى مكارم الأخلاق، والعدل بين الناس، من أظهر أنواع القصور عند كثير من المنتسبين إلى الدعوة.إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في مجتمع يظهر فيه الناس في مخالفة أمر الله في كثير من المعاملات في البيوع والشراء، وكذلك ربما في بعض وجوه التعري والمجون أو شرب الخمر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يلتفت إلى ذلك، لماذا؟ لأن البيئة بيئة كافرة، فلا بد من تصحيح القاعدة وهي قاعدة التوحيد، بعد ذلك تنزل النصوص ويؤمنون بها إيماناً تاماً. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر قومه فيقول لهم عليه الصلاة والسلام: ( قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا )، يدعوهم إلى كلمة التوحيد.
 معنى توحيد الله تعالى
إن توحيد الله سبحانه وتعالى هو أن يثبت الإنسان لله جل وعلا ما يحبه الله لنفسه، وأن يكون ذلك خصيصة له لا يشركه معه غيره؛ ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم مبيناً أهمية التوحيد: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد:19]، أي: أنه يجب على الإنسان أن يعلم أنه لا إله إلا الله أي: لا معبود بحق إلا الله، قال جل وعلا: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد:19]، أي: مما وقعت فيه مما يخالف ذلك إن وقعت، وكذلك أن تستغفر للمؤمنين والمؤمنات، وذلك مدعاة إلى باب من أبواب الولاء والتلاحم والصلة والجمع بينه وبينهم على تلك العقيدة، كما قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103]، الله سبحانه وتعالى أمر ألا يعبد إلا هو، وألا ينصرف قلب الإنسان وجوارحه ولسانه إلا له؛ لهذا قال جل وعلا: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5]،يعني: أنهم قد مالوا عن طريق الغواية والشر إلى عبادة الله سبحانه وتعالى، يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء:36]، فأمر الله بالعبادة ونهى عن ضدها.إن أعظم البيان أن يأمر الإنسان بشيء وينهى عن ضده، وهذا أعظم وأتم أنواع البيان، ويأتي بعد ذلك مرتبة أن يأمر الإنسان بالشيء ولا ينهى عن ضده، ويليه بعد ذلك أن ينهى الإنسان عن الشيء ولا يأمر بضده.وبهذا نعلم أن الأشياء تتضح بأمرين: الأمر الأول: ببيان حقيقتها بذاتها والأمر على ذلك. الأمر الثاني: ببيان ضدها والنهي عن ارتكاب ذلك الضد؛ لمناقضته للأمر الأول؛ ولذلك نعلم أن الشريعة جاءت ببيان التوحيد والنهي عن الشرك، وهو ضد توحيد الله سبحانه وتعالى وهذا أعظم وجوه البيان، وأعظم بيان التحقيق والتوضيح؛ ولهذا إذا أراد الإنسان أن ينظر في أمر أمر الله به، ونهى عن ضده على وجه الإجمال والتفصيل، وكذلك السرد في النصوص كتاباً وسنة لم يجد شيئاً يوازي توحيد الله سبحانه وتعالى منزلة، وذلك أن الإشراك مع الله عز وجل هو أعظم ظلم يقع فيه الإنسان، يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، جعل الله الظلم هو الإشراك؛ لهذا لما نزلت هذه الآية كما جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى، قال: ( شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم )، ومعنى أنه شق عليهم ذلك: أن قوله جل وعلا الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، أن الأمن يسلب منا إذا وقعنا في الظلم، كأن نظلم بعضنا في الدينار والدرهم، بالكلام ونحو ذلك، أو ربما بشيء من الأمور الكبيرة التي لا تصل إلى المفاصلة والمفارقة بين العبد وربه، فيكون الإنسان يعادي معاداة تامة كما يعادي أهل الكفر.فشق ذلك على الصحابة، أي: كيف نقع في شيء من الظلم ثم لا يكون لنا الأمن يوم القيامة ( جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إنه ليس كما تظنون؛ إن الظلم هنا هو الشرك، أولم تسمعوا لقول العبد الصالح لابنه: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] ).
إقامة التوحيد في القلوب
إن الإيمان بالله وتوحيد الله جل وعلا من جهة الأصل، هو تصديق القلب بالله سبحانه وتعالى، وهذا أصل معنى الإيمان؛ ولهذا قال الله جل وعلا: وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا [يوسف:17]، يعني: بمصدق لقولنا، يعني: الإنسان إذا أراد أن يتحقق في قلبه الإيمان فعليه أن يعقد ذلك بقلبه، وأن لا يلتفت إلى عمل الجوارح، مجرداً عن عمل القلب؛ فإن الله جل وعلا لا ينظر إلى الجوارح مجردة؛ بل ينظر إلى عمل القلب، فإن صح عمل القلب صحت عمل الجوارح. ‏
 خطأ تصحيح تناقض عمل القلب مع عمل الجوارح
ولهذا ظهرت طوائف كثيرة يجعلون الإيمان هو ما استقر في القلب، وربما جاء ما يؤيده ببعض فلتات اللسان، ولو ناقضوا ذلك بأفعالهم وأقوالهم لا شك أن هذا من الأمور الباطلة؛ لهذا فرعون وإبليس يؤمنان ببواطنهما أن الله جل وعلا هو الخالق، فإبليس قد شهد الملائكة، وقد قيل: إنه رأى الله جل وعلا، وشاهد أنبياء الله سبحانه وتعالى وزامنهم وعاصرهم فكان من أعلم الخلق بالله سبحانه وتعالى وأحقيته بالتوحيد، فهو موقن بقلبه بحق الله جل وعلا، ولكنه خالف بأقواله، فهل ينسب إلى الإيمان والتوحيد لوجود هذا الإقرار بقلبه؟ كذلك فرعون حينما أدركه الغرق آمن أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، فهذا الإيمان الذي ظهر على قلبه حينما أدركه الغرق هو في وقت الغرغرة، وأما في وقت الحقيقة والإيمان فلم يقترن قول اللسان وعمل الجوارح بعمل القلب، فلما كان كذلك لم يعد من أهل الإيمان، فالنار يعرضون عليها غدواً وعشيا، ويوم القيامة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب. لهذا كانوا من أهل النار لماذا؟ لأنهم لم يقرنوا عمل القلب بقول اللسان وعمل الجوارح؛ ولهذا ظهرت طوائف يقولون: إن عمل الجوارح ليس من الإيمان، ومنهم طوائف غلاة يقولون: إن قول اللسان وعمل الجوارح ليس من الإيمان ما وجد ذلك في القلب؛ ولهذا يرجعون من لوازم أقوالهم: أن من وقع في شيء من المكفرات وقام القائم على عدم وجود العذر له فإنه لا يكفر حتى يقر بقلبه، وهذا متلازم مع أصل المسألة أنهم لا يؤمنون بأن الإيمان هو ما في القلب وقول اللسان وعمل الجوارح، فإذا نفوه تقريراً من جهة الأصل نفوا لازمه، كذلك من جهة عمل الجوارح فإنهم لا يوقعون الكفر على من كفر بقوله أو بفعله. وأما الحقيقة وظواهر النصوص من كلام الله المتواترة، والذي عليه عمل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من كفر بقوله كفر بجوارحه وقلبه، ومن كفر بجوارحه كفر بقوله وقلبه، ومن كفر بقلبه فإنه لا يمكن أن يتحقق معه الإيمان بقوله وأفعاله، وهذا أمر معلوم؛ ولهذا بين الله جل وعلا أحوال الكفرة في كتابه العظيم، وبين أشدهم في ذلك أنهم المنافقون، وأنهم في الدرك الأسفل من النار. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما بعث معاذاً إلى اليمن كما جاء في الصحيحين وغيرهما قال: ( إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة )، وهذا فيه إشارة إلى أن الأمر على الترتيب، قال عليه الصلاة والسلام: ( أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإنهم أجابوك لذلك )، بدأ النبي عليه الصلاة والسلام بترتيب المهمات، أي: أنه ينبغي للإنسان أن يتفقه في دين الله أولاً بما أوجبه الله عليه، وأعظم ذلك وآكده وأزكاه هو توحيده سبحانه وتعالى كما جاء في حديث معاذ. فلا يليق أن تخاطب أحداً من أهل الكتاب بالصلاة، والزكاة، والصيام، وهو لا يؤمن بالله جل وعلا إيماناً صحيحا.
توحيد الربوبية
إن توحيد الله سبحانه وتعالى والإيمان بأنه المتصرف في الكون، ومستقر في الفطرة، ويؤمن به البشر على اختلاف أديانهم، ولكنهم يخطئون في تحديد ذلك الخالق، وكذلك في لوازم تصرفه جل وعلا في الكون. ‏
 اعتراف أهل الجاهلية بوجود الخالق المدبر للكون
إن الجاهليين عموماً كانوا يؤمنون بوجود الخالق والمدبر للكون وهو رب الكون وخالقه، فالله هو الواحد الباقي ويؤمنون بذلك؛ ولهذا يقول يزيد بن خذاق الشني يقول: هون عليك ولا تُولَعْ بإشفاقفإنما مالنا للواحد الباقييشير بذلك إلى أن مآله ومرده إلى الله جل وعلا، فهم يؤمنون بأن الله سبحانه وتعالى هو الذي سيحشر العباد.وهذه النزعة موجودة مع وجود تبديل أو صرف عبادة لغير الله سبحانه وتعالى، ومنهم من يؤمن أن الله جل وعلا هو المسيطر على البلاد والعباد والخليقة ويقرون بذلك، لكنهم يخطئون من جهة الممارسات؛ ولهذا يقول حاتم:فارحل فإن بلاد الله ما خُلقِتْإلا ليُسكن منها السهلُ والجبلفهم يعلمون أن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق السهل والجبل وجعلها وخلقها للناس، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ [البقرة:29]، إن الله سبحانه وتعالى خلق الخليقة وأمر الناس أن يسيروا في الأرض وأن يضربوا فيها، ويعلموا أن الله جل وعلا هو رب الناس، وهو الذي يجزيهم في الخير، ويجزيهم في الشر، ويعاقبهم على ذلك، ويقدر الأقدار عليهم؛ ولهذا يقول متمم بن نويرة: جزاء الله رب الناس عني متمماًبخير جزاء ما أعفَّ وامجدايعلمون أن الله جل وعلا هو الذي يجزي على الأعمال، وكذلك يقي الناس مصارع السوء بعملهم الخير، ويعلمون أن الله جل وعلا هو الذي يدبر الكون، ويسير الجمادات، وأنه ينبغي لهم أن يسيروا وفق مراد الله سبحانه وتعالى، ولكنهم في حال سرائهم يقعون في الوهم، ويقعون في الأخطاء والتعلق بالأصنام؛ ولهذا يقول بعض شعراء الجاهلية: فلو شاء ربي كنت قيس بن خالدولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثدفيه إشارة إلى أن الله جل وعلا قادر على أن يقلب أحوال الناس وأن يركب هذا وهذا، فالله سبحانه وتعالى له الكمال المطلق في ذلك، وله كمال التصرف وهم يؤمنون بذلك إيماناً تاماً مع وجود الإشراك فيهم من جهة أقوالهم، وأعمالهم؛ ولهذا يقول أبو قيس بن الأسلت:فلولا ربنا كنا يهوداًوما دين اليهود بذي شكوكولولا ربنا كنا نصارىمع الرهبان في جبل الجليلولكنا خلقنا إذ خلقناحنيفاً ديننا عن كل جيلوهم بهذا يعلمون الفرق بين الحنفية، واليهودية، وبين ما كانوا عليه من حق، وما كانوا عليه من موروث باق من عقائد التوحيد، وبين ما كان فيه غيرهم من تبديل وتحريف من اليهود والنصارى وغير ذلك.وكذلك ما كان من الصابئة، وما كان من الرهبان المنقطعين ونحو ذلك، يعلمون الفاصل في ذلك، ولكنهم ربما انصرفوا إلى شيء من عبادة الأصنام، أو رأوها من غيرهم ولم ينكروا، فبعث الله جل وعلا أنبياءه عليهم الصلاة والسلام لدعوة أولئك، ومنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.لقد كان أولئك الكفار يعلمون أن الله جل وعلا هو خالق الكون، والمدبر له والمتصرف فيه سبحانه وتعالى، واللوم في ذلك أنهم -مع إقرارهم الفطري- يكون لعبادتهم الأصنام بشيء من أنواع العبادات.وهنا نشير به إلى أن كثيراً ممن يشككون في كفر كثير من الكفرة الذين ظهر منهم ما يناقض التوحيد، ومخالفة أمر الله سبحانه وتعالى لوجود بعض أعمال بر لديهم: من صلة الأرحام والنفقات، مع وقوعهم فيما يخالف أمر الله، هذا نوع من القصور، ونوع من الجهل؛ بل هو من أعظم الجهل.
توحيد الألوهية
إن توحيد الله جل وعلا ينبغي أن يؤخذ بتمامه، توحيداً بالأقوال على سبيل التمام، والأفعال وكذلك العقائد، وألا يأتي ما يناقضها. ‏
 مهمة العلماء في بيان الحق
والعلماء مقامهم في الإسلام أنهم يبينون الحق للناس؛ لهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت غاية وجوده في أمة الإسلام أن يبلغ الحق، يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة:67]، أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يبلغ ما أنزل إليه من ربه، هذا غاية ما يجب عليه، فإذا كان كذلك فإن هذا البلاغ يحمله العلماء بعده إلى الناس، فإذا كانت هذه مهمة النبي عليه الصلاة والسلام، فمهمة العلماء ورثة الأنبياء كذلك من باب أولى أن يبلغوا العلم للناس، لكنهم لا يملكون حرماناً من الجنة، ولا إدخالاً في النار، ولا توبة لأحد، ولا رفعاً لمنزلة أحد عند الله جل وعلا.إنما يبينون بالنص أن ذاك الفعل خطأ، وذاك الفعل صحيح، وذاك القول خطأ، وذاك القول صحيح، والدليل على ذلك ما ظهر من الكتاب والسنة، فيدللون على ذلك كتاباً وسنة، لا بالتحسينات العقلية، ولا بالأهواء، ولا بحظوظ النفس، كما يفعل أهل الضلال من كفار قريش، ومن الأحبار والرهبان من اليهود والنصارى، الذين يجعلون أنفسهم أبواباً بين العباد وبين الله، فلا يتوب أحد إلا عندهم، ولا يصل القرابين إلا إلى الله جل وعلا عن طريقهم؛ فإن هذا هو الضلال وهو الإشراك مع الله عز وجل غيره، فالتحليل والتحريم لله فيما دل عليه النص، فلا حرام إلا ما حرمه الله، ولا حلال إلا ما أحله الله، ومن خالف ذلك فقد جعل مع الله جل وعلا شركاً في ذلك، يقول الله جل وعلا مبيناً أن الحكم له: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40]، ويقول الله جل وعلا: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، يعني: أنه ينبغي لأهل الإيمان أن يعلموا أن الفيصل في ذلك والحكم في الحلال والحرام هو ما بينه الله في كتابه وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. من شكك في شيء ثبت تحريمه بالكتاب، واستقر عليه الأمر في كتاب الله، وسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وأطبقت على قطعيته الأمة من السلف الصالح فقد كفر وخرج من الإسلام ولو طبق بقية أحكام الدين؛ وذلك أنه قد كذب أمر الله، وجعل لغير الله جل وعلا حقاً في التشريع في التحليل والتحريم، أما ما عدا ذلك مما لم يبين بأنظمة الناس وأحوالهم وتشريعاتهم، كتشريعات الحياة، وتشريعات الأنظمة الإدارية التي تكون مثلاً: في أحوال الناس، في ذهابهم وإيابهم، وحضورهم وانصرافهم، كأنظمة الطرق وغير ذلك، فإن هذا الأصل فيه أنه موكول إليهم ينظمونه كما ينظم الإنسان نومه ويقظته، وينظم الإنسان طعامه وشرابه بتقديم أو تأخير أو وقت معين، فإن هذا من الأمور التي هي من شأن الناس، أما ما بين الله جل وعلا أمره وفصله أحسن تفصيل في كتابه فليس لأحد أن يجعل بين الله جل وعلا وبين عباده مشرعاً غير الله.
توحيد الأسماء والصفات
النوع الثالث من أنواع التوحيد: وهو أن يعتقد الإنسان أن الله جل وعلا واحد في أسمائه وصفاته، فلله جل وعلا الأسماء الحسنى والصفات العلى. ‏
 الضالون في باب الأسماء والصفات
الأمر الثالث: هو أن يحذر الإنسان من المنحرفين في هذه المعاني وهذه العقائد؛ ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم بعد ذلك: وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف:180]، الذين يلحدون في أسماء الله هم طوائف متنوعة: الذين يشبهون أسماء الله جل وعلا وصفاته بأحوال المخلوقين وصفاتهم، فيقولون: إن لله جل وعلا سمعاً كسمعنا، وبصراً كبصرنا ونحو ذلك، هذا من التشبيه الذي نزه الله جل وعلا عنه نفسه.كذلك الذين يعطلون هذه الأسماء والصفات عن حقيقتها، فيقولون: إن الله جل وعلا سميع بلا سمع، وأنه بصير بلا بصر، هذا إفراغ لهذه الأسماء وهذا المعاني من محتواها، وهذا ضرب من ضروب الضلال، ومخالفة أمر الله سبحانه وتعالى؛ لهذا ينبغي للمؤمن أن يعرف قيمة هذه المعاني وتوحيد الله جل وعلا على الوجه الذي أراد الله سبحانه وتعالى لا على الهوى والذوق. وأعظم ما يضل الإنسان في هذا المعنى أنه إذا ورد إلى ذهنه شيء قام بتفسيره بشيء من الأمور التي راءها قبل ذلك، فالإنسان حينما يذكر لديه شخص لم يره فيقول: أتعني فلاناً؟ فإنه يستحضر صورة معينة من الدخول والخروج أو الهيئة؛ ولهذا كثير من الناس يترقبون أناساً لم يروهم على صورة ارتسمت في أذهانهم، فهذا الذي استقر عند كثير من طوائف الضلال، فحينما يقرؤون أسماء الله عز وجل وصفاته يستحضرون شيئاً في أذهانهم رُسم، فيقومون بالتشبيه والتمثيل، أو ربما يضجرون من التشبيه والتمثيل الذي وقع في أذهانهم فينقبضون من ذلك، فينفون عن الله عز وجل حقيقة الأسماء، وهذه النفرة بين الله سبحانه وتعالى نفي أصلها في قوله جل وعلا: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، وذلك أن عقل الإنسان هو انعكاس لما يراه أو راءه قبل ذلك، فإذا ذكر عند الإنسان شيء غائب فإنه يتصوره على شيء راءه قبل ذلك.إذاً: فهو لا يتصور إلا بشيء قد راءه، والله جل وعلا لم يره الإنسان من قبل؛ لهذا ينبغي له أن يكل صفات الله جل وعلا وأسماءه إلى الله جل وعلا. والله سبحانه وتعالى لا يراه إلا عباده المؤمنون بما أذن الله جل وعلا لهم يوم القيامة, حينما يأذن الله عز وجل برؤيتهم له في الجنة، وهذه هي الزيادة التي وعد الله سبحانه وتعالى عباده بها؛ ولهذا ينبغي أن نعلم أن الله جل وعلا لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].
خطر الإشراك بالله تعالى
إذا تحققت لدينا حقيقة هذه المعاني في أسماء الله جل وعلا وصفاته, فينبغي لنا أن نعلم أن الله سبحانه وتعالى قد بين خطر نقيض هذا التوحيد, وهو الإشراك مع الله عز وجل غيره، وأنه سبحانه وتعالى بين خطر الإشراك, وأنه أعظم ذنب يعصى الله عز وجل به في الأرض، وأن من مات على كفره فليس من أهل الإيمان وليس له أحكام المسلمين من الدعاء له، والاستغفار، وإرث أهل الإيمان له.وهذا فيه إشارة إلى عظم الكفر بالله, والإشراك مع الله عز وجل غيره، مما ينبغي للإنسان أن ينفر منه نفرة تامة، وألا يوالي إلا أهل الإيمان.كذلك ينبغي عليه أن يتفقه بمعرفة أنواع الشرك، فكما تقدم معنا أن الإنسان لا يتحقق بمعرفة حقائق الأشياء إلا بمعرفتها بذاتها، ومعرفة نقيضها، ومعرفة التوحيد لا يتحقق له على سبيل التمام، إلا بمعرفة أنواع الشرك؛ لهذا كثير من الناس ضلوا فيما ضلوا فيه في أبواب التوحيد؛ لكونهم عرفوا بعض رسوم التوحيد، ووقعوا في الشرك, بزعم أنها لا تناقض ذلك التوحيد الذي عرفوه، فوقع كثير من الناس في بناء الأضرحة والقبور، والمزارات والطواف حولها، وسؤالها من دون الله, ويظنون أن هذا لا ينافي ما عرفوه من التوحيد، وهو ينافيه جملة وتفصيلاً.لهذا ينبغي للإنسان أنه كما يعرف التوحيد أن يعرف الإشراك مع الله عز وجل غيره، وأن يعرف صوره وأنواعه التي حذر الله منها في كتابه العظيم، وحذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته، وأن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع الوسائل المفضية إلى الإشراك مع الله عز وجل غيره, من تعظيم الأشخاص, وتعظيم الجمادات، وتعظيم الموتى. لهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا ربه ألا يكون قبره وثناً يعبد, يعني: من دون الله جل وعلا، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عظم تعظيم الأشخاص فوق حقهم، فقال عليه الصلاة والسلام: ( لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم )، يعني: لا ترفعوني فوق منزلتي حتى مع الوقت يتدرج الأجيال فأعبد من دون الله.لهذا كثير من الناس يدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم -وقد نهى عن ذلك- فيسألونه من دون الله، أو ربما دعوا غير رسول الله صلى الله عليه وسلم, من أتباعه, وأصحابه, أو آل بيته، فيقولون: يا حسين أو يا علي بن أبي طالب أو يا زينب أو يا بدوي أو غير ذلك.فهؤلاء يسألون مخلوقات هي دون مقام النبوة بالاتفاق، فإذا كان لا يجوز ذلك في حق محمدٍ صلى الله عليه وسلم, فكيف يجوز بمن دونه؟ لهذا وقع كثير من الناس في الإشراك مع الله, كما وقع كفار قريش ولكن بصورة ذوات إسلامية، لا بذوات سابقة للإسلام، وكفار قريش عبدوا أشخاصاً قبل الإسلام, والذين أشركوا مع الله غيره عبدوا أشخاصاً في الإسلام، وينتسبون لمحمد صلى الله عليه وسلم, فما صرفوه إليهم هو نفس النوع الذي صرفه كفار قريش, فطافوا على القبور, ونذرو عندها, وذبحوا لها، وأتوها بالقرابين، وسألوها جلب الخير، ودفع الضر، وسألوها جلب الوظائف، وجلب المواليد، والرزق، وكشف المدلهمات، وإزالة الغم، والهموم ونحو ذلك، وهذا هو الشرك الذي وقع فيه كفار قريش أعاذنا الله من ذلك. وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18]، يعني: لا تشركوا مع الله عز وجل غيره، فإذا صرف الإنسان شيئاً من العبادة التي لله لغير الله على أي نوع: على نوع الوساطة, أو على نوع الانفراد؛ لأنه يستحق العبادة من دون الله, أو أنه هو الإله فقد كفر بالله عز وجل كفراً أكبر، أعاذنا الله من ذلك. ولعلنا نتكلم في الدرس القادم على مسائل الإشراك مع الله، وأنواعها وصورها الأكبر منها والأصغر، الدقيق منها ولجليل, حتى يكون الإنسان على بينة وحذر منها. أسأل الله جل وعلا أن يوفقني وإياكم لمرضاته، وأن يسلك بي وبكم منهجاً قويماً وصراطاً مستقيماً، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
 الضالون في باب الأسماء والصفات
الأمر الثالث: هو أن يحذر الإنسان من المنحرفين في هذه المعاني وهذه العقائد؛ ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم بعد ذلك: وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف:180]، الذين يلحدون في أسماء الله هم طوائف متنوعة: الذين يشبهون أسماء الله جل وعلا وصفاته بأحوال المخلوقين وصفاتهم، فيقولون: إن لله جل وعلا سمعاً كسمعنا، وبصراً كبصرنا ونحو ذلك، هذا من التشبيه الذي نزه الله جل وعلا عنه نفسه.كذلك الذين يعطلون هذه الأسماء والصفات عن حقيقتها، فيقولون: إن الله جل وعلا سميع بلا سمع، وأنه بصير بلا بصر، هذا إفراغ لهذه الأسماء وهذا المعاني من محتواها، وهذا ضرب من ضروب الضلال، ومخالفة أمر الله سبحانه وتعالى؛ لهذا ينبغي للمؤمن أن يعرف قيمة هذه المعاني وتوحيد الله جل وعلا على الوجه الذي أراد الله سبحانه وتعالى لا على الهوى والذوق. وأعظم ما يضل الإنسان في هذا المعنى أنه إذا ورد إلى ذهنه شيء قام بتفسيره بشيء من الأمور التي راءها قبل ذلك، فالإنسان حينما يذكر لديه شخص لم يره فيقول: أتعني فلاناً؟ فإنه يستحضر صورة معينة من الدخول والخروج أو الهيئة؛ ولهذا كثير من الناس يترقبون أناساً لم يروهم على صورة ارتسمت في أذهانهم، فهذا الذي استقر عند كثير من طوائف الضلال، فحينما يقرؤون أسماء الله عز وجل وصفاته يستحضرون شيئاً في أذهانهم رُسم، فيقومون بالتشبيه والتمثيل، أو ربما يضجرون من التشبيه والتمثيل الذي وقع في أذهانهم فينقبضون من ذلك، فينفون عن الله عز وجل حقيقة الأسماء، وهذه النفرة بين الله سبحانه وتعالى نفي أصلها في قوله جل وعلا: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، وذلك أن عقل الإنسان هو انعكاس لما يراه أو راءه قبل ذلك، فإذا ذكر عند الإنسان شيء غائب فإنه يتصوره على شيء راءه قبل ذلك.إذاً: فهو لا يتصور إلا بشيء قد راءه، والله جل وعلا لم يره الإنسان من قبل؛ لهذا ينبغي له أن يكل صفات الله جل وعلا وأسماءه إلى الله جل وعلا. والله سبحانه وتعالى لا يراه إلا عباده المؤمنون بما أذن الله جل وعلا لهم يوم القيامة, حينما يأذن الله عز وجل برؤيتهم له في الجنة، وهذه هي الزيادة التي وعد الله سبحانه وتعالى عباده بها؛ ولهذا ينبغي أن نعلم أن الله جل وعلا لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , عقيدة أهل الإيمان [1] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net