اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح السنة للإمام المزني [9] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


شرح السنة للإمام المزني [9] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
من مجمل عقائد أهل السنة ومنهجهم حب الصحابة ومعرفة فضلهم ومكانتهم، ومعرفة تفاضلهم فيما بينهم لمكانتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسابقتهم في الإسلام، وذكر محاسنهم، وغض الطرف عن مساوئهم وما جرى بينهم من خلاف.
فضل أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.اللهم اهدنا صراطك المستقيم, صراط الذين أنعمت عليهم يا رب العالمين.أما بعد:فقد قال الإمام المزني رحمه الله تعالى في رسالته شرح السنة: [ ويقال بفضل خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصديق رضي الله عنه, فهو أفضل الخلق وأخيرهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم].بدأ المصنف رحمه الله في مسألة فضل الصحابة, وصدر هذه المسألة بمسألة فضل أبي بكر الصديق عليه رضوان الله, فبدأ بفضل الأفراد قبل أن يبدأ بفضل الصحابة عليهم رضوان الله, وهذا نوع من الترتيب، وعامة المصنفين في أبواب الاعتقاد يذكرون فضل الصحابة في الإجمال، ثم يثنون ببيان التفصيل بفضلهم على مراتبهم.أبو بكر الصديق عليه رضوان الله لا يختلف أهل الإسلام على فضله, ولا يختلفون كذلك بأنه أفضل الصحابة عليهم رضوان الله, وقد فضله الله عز وجل بجملة من الفضائل: منها: أنه من السابقين الأولين في الإسلام. ومنها: أنه رفيق رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته, ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ [التوبة:40], فكان رفيقاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره الله عز وجل بوصفه وبيان حاله. ومنها: أنه كان المعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم بماله, وكذلك نفسه وأهله، كما جاء في الصحيح ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في الناس خطيباً فقال: ما من أحد من الناس أمن علي بماله ونفسه ), وفي رواية: ( وأهله من أبي بكر الصديق ), وذلك أنه كان يعين رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمال هو وزوجه أسماء عليها رضوان الله تعالى, وكان أبو بكر الصديق عليه رضوان الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من السابقين, وأيضاً يذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من سطوة المشركين وتعديهم, سواء كان ذلك بألسنتهم أو كان بأيديهم, فكان مقامه من جهة المناصرة, والتمكين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يكن لمثله عليه رضوان الله. ومن فضائله في ذلك: أن ابنته عائشة عليها رضوان الله هي أحب وأفضل النساء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولهذا سئل النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة، قيل له: فمن الرجال؟ قال: أبوها ), وذلك لفضلهم عليهم رضوان الله تعالى، وكذلك أيضاً من فضائل أبي بكر الصديق عليه رضوان الله أنه أدرك كل الفضائل الذي فضل على غيره بها, من البيعات, والغزوات, والهجرة, والنصرة وغير ذلك من الأمور, ففضل على غيره, فاجتمعت فيه أفراد الفضائل التي انقسمت في غيره, ولهذا كان الصحابة عليهم رضوان الله تعالى لا يقدمون عليه أحداً في حال غياب رسول الله صلى الله عليه وسلم, سواء كان في أمرهم من جهة المشورة والرأي والفتيا, وكذلك الإمامة والأمر والنهي, ولهذا يقول عبد الله بن عمر عليه رضوان الله: ( كنا نفضل في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقول: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نسكت ), وجاء في رواية: ( ثم علي بن أبي طالب ), عليهم رضوان الله.وهو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده, وقد أجمعت الأمة على ذلك, وإجماع الصحابة عليهم رضوان الله تعالى على ذلك سواء كان ذلك في ابتداء الأمر أو تواطئوا على ذلك فيما بعد دليل على اتفاقهم على فضله وتقدمه على غيره, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسر إليه ما لا يسر إلى غيره من أصحابه, وكان يصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواضع لا يصاحبه فيها إلا هو, وكان أيضاً أكثر الناس استشارة, يستشيره رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير من الأمر, وكثيراً ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذهب هو وأبو بكر وعمر، وكان أيضاً كثيراً ما يقول الصحابة عليهم رضوان الله: أتينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر وعمر، أو عنده أبو بكر وفلان, فكان أبو بكر عليه رضوان الله تعالى جليساً ملازماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم مقدماً في حضره وفي سفره.وهو أيضاً أفضل الأمم بعد الأنبياء, فكل نبي له أصحاب, وأفضل أصحاب الأنبياء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو: أبو بكر الصديق عليه رضوان الله؛ على خلاف فيما يتعلق فيمن اختلف في نبوته, سواء كان لقمان أو الخضر أو مريم عليهم السلام, فيختلف العلماء في ذلك بسبب الخلاف في نبوتهم، وخلافهم بعضه ضعيف وبعضه قوي بحسب العين.وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاقتداء بهديه, والاستنان بسنته, والأخذ بقوله عند عدم وجود شيء من أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولهذا ( لما جاءت المرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إن أتيت من قابل ولم أجدك, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ائت أبا بكر ), وهذه أمارة على أن أقوال أبي بكر الصديق عليه رضوان الله هي أولى بالترجيح والأخذ إذا لم يكن ثمة سنة من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لأنه أعلم الناس بمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيه, وإذا اجتمع إليه عمر وعثمان وعلي، فهؤلاء الأربعة لا يُخرج عن قولهم إذا اجتمعوا على حديث, وقد جاء في السنن من حديث العرباض : ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ), فهذا وصف لهم بالتزكية على سبيل المجموع لا على سبيل الإفراد, ( الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ), وهم: الخلفاء الراشدون الأربعة عليهم رضوان الله تعالى، وكان من بعده وهو: عمر بن الخطاب يقر بفضل أبي بكر ولا يخرج عن قوله. ‏
 مجاورة أبي بكر وعمر للرسول بعد الممات
قال رحمه الله: (وضجيعاه في قبره), وذلك أن الله عز وجل قد اختار لهم قدراً أن يكونا بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى في قبره, لذا لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم دفن في حجرة عائشة عليها رضوان الله تعالى, وبقي مكان فيها, وكانت عائشة في الحجرة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبيت بها, وكان حالها على حالها السابق, حتى توفي أبو بكر الصديق عليه رضوان الله, فما بقي إلا موضعاً واحداً؛ دفنت أبا بكر الصديق عليه رضوان الله، ثم بقي مكان واحد فبعث إليها عمر بن الخطاب عليه رضوان الله يستأذنها بذلك, فقالت: إني كنت أريده لنفسي وإني أوثره به, يعني: بهذا المكان, ثم دفن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى في ذلك المكان, ثم خرجت عائشة عليها رضوان الله تعالى لضيق مكان حجرتها عن استيعاب شأنها, وربما يكون أيضاً ذلك من باب التعظيم, وحتى لا يكثر الناس دخولاً وولوجاً إليها وكانت الحجرة ابتداءً تفتح بأمر عائشة، يعني: الحجرة التي فيها قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
حرمة البناء على القبور
وبهذا نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم تبن على قبره الحجرة, وإنما دفن فيها, وهذا هو الفرق بين القبور التي تدفن ثم يبنى عليها, وهذا هو الأمر المحظور, والأمر المنهي عنه, بخلاف من يدفن مثلاً في دور, أو يدفن مثلاً في أحواش معروفة أو نحو ذلك, فهذا لم يقصد بالبناء من جهة الأصل التعظيم, وكانت العرب ابتداء تدفن في أفنية المنازل وتدفن أيضاً في الحجر, ولهذا يقول الشاعر:لكل أناس مقبر بفنائهم فهم ينقصون والقبور تزيديعني: يدفنون الناس في الأحواش، ويدفنونهم في البيوت, فإذا امتلأ البيت أو امتلأت الحجرة من أهلها خرجوا منها إلى موضع آخر, فلم يكونوا يستوحشون من القبور كما يستوحش المتأخرون منها, والنهي في ذلك أن يوضع القبر ثم يكون عليه البناء, وإنما دفن النبي صلى الله عليه وسلم في موضعه الذي مات فيه؛ وذلك لما جاء في حديث أبي بكر : ( إن الأنبياء يدفنون حيث يُقبضون ), يعني: في الموضع الذي يموتون فيه, وهذا الحديث جاء من طرق متعددة من حديث أبي بكر الصديق عليه رضوان الله تعالى وغيره, منهم من يحسنه ومنهم من يضعفه, ولعل العلة في ذلك الدفن قطع الاجتهاد, أي: أن لا يجتهد الناس بنقل النبي صلى الله عليه وسلم في موضع كذا أو موضع كذا أو نحو ذلك, وقد يكون أيضاً فيه قطع لحجة من يحتج أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في موضع بناء أو نحو ذلك, فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما اختار الله عز وجل له بقعة وما اختار له بناء, ولهذا فالبناء على القبور محرم, وأما دفن الميت في بيت كان فيه والبناء بني لغيره, فهذا أمر آخر, كما كان عليه حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وحال صاحبيه.
 مجاورة أبي بكر وعمر للرسول بعد الممات
قال رحمه الله: (وضجيعاه في قبره), وذلك أن الله عز وجل قد اختار لهم قدراً أن يكونا بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى في قبره, لذا لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم دفن في حجرة عائشة عليها رضوان الله تعالى, وبقي مكان فيها, وكانت عائشة في الحجرة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبيت بها, وكان حالها على حالها السابق, حتى توفي أبو بكر الصديق عليه رضوان الله, فما بقي إلا موضعاً واحداً؛ دفنت أبا بكر الصديق عليه رضوان الله، ثم بقي مكان واحد فبعث إليها عمر بن الخطاب عليه رضوان الله يستأذنها بذلك, فقالت: إني كنت أريده لنفسي وإني أوثره به, يعني: بهذا المكان, ثم دفن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى في ذلك المكان, ثم خرجت عائشة عليها رضوان الله تعالى لضيق مكان حجرتها عن استيعاب شأنها, وربما يكون أيضاً ذلك من باب التعظيم, وحتى لا يكثر الناس دخولاً وولوجاً إليها وكانت الحجرة ابتداءً تفتح بأمر عائشة، يعني: الحجرة التي فيها قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
فضل عثمان وعلي رضي الله عنهما

 فضل علي بن أبي طالب وما ورد في ذلك
قال رحمه الله: [ ثم بذي الفضل والتقى علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين ].يقول هنا: (ثم بذي الفضل والتقى علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين), علي بن أبي طالب هو رابع الخلفاء الراشدين, وهو أيضاً من العشرة المبشرين بالجنة, والنصوص أيضاً في فضله ومنزلته ومقامه وقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم, كثيرة, ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال علي بن أبي طالب : ( عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق ), ويكفي في ذلك كونه من الخلفاء الراشدين الأربعة الذين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاستنان بسنتهم والاهتداء بهديهم, وهو كذلك أيضاً من فقهاء الصحابة وأجلائهم.
فضل العشرة المبشرين بالجنة
قال رحمه الله: [ ثم الباقين من العشرة الذين أوجب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة، ونخلص لكل رجل منهم من المحبة بقدر الذي أوجب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من التفضيل ].يقول: (ثم الباقين من العشرة الذين أوجب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة)، وقد جاءت الأحاديث كذلك في غير العشرة بالشهادة لهم بالجنة, فجاء نص في عائشة، وجاء في خديجة، وجاء في فاطمة، وجاء أيضاً في بلال، وفي أسامة، وجاء في عكاشة، وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولكن هؤلاء العشرة هم أفضل الصحابة عليهم رضوان الله, وهم قرشيون, وهم أيضاً من المهاجرين, ومن السابقين الأولين, وممن بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم, ممن شهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الغزوات, فاجتمعت فيهم هذه الفضائل, فاستحقوا بذلك التفضيل والتقدم أيضاً على غيرهم.
 فضل علي بن أبي طالب وما ورد في ذلك
قال رحمه الله: [ ثم بذي الفضل والتقى علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين ].يقول هنا: (ثم بذي الفضل والتقى علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين), علي بن أبي طالب هو رابع الخلفاء الراشدين, وهو أيضاً من العشرة المبشرين بالجنة, والنصوص أيضاً في فضله ومنزلته ومقامه وقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم, كثيرة, ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال علي بن أبي طالب : ( عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق ), ويكفي في ذلك كونه من الخلفاء الراشدين الأربعة الذين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاستنان بسنتهم والاهتداء بهديهم, وهو كذلك أيضاً من فقهاء الصحابة وأجلائهم.
محبة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول هنا: (ونخلص لكل رجل منهم من المحبة بالقدر الذي أوجب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من التفضيل), وتكون المحبة للصحابة عليهم رضوان الله تعالى عموماً, والصحابة هم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجالسوه ولو مرة, ويختلفون من جهة فضلهم وقربهم بمقدار صحبتهم ومخالطتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وامتثالهم لأمره, فهم يتباينون في ذلك, وإذا كان الأنبياء يتباينون وفيهم أولو العزم من الرسل, وأيضاً رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضلهم وسيد ولد آدم، فإن الصحابة يتفاضلون من باب أولى, فإذا تفاضل الأنبياء وتفاضل الملائكة، فإن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى يتفاضلون كذلك, وإن اشتركوا في مجموع فضل الصحبة على من بعدهم. لهذا نقول: إن أقل الأنبياء مرتبة فوق أفضل الصحابة منزلة, وأقل الصحابة منزلة فوق أعلى التابعين منزلة, ثم بعد ذلك يتفاضل الناس بحسب أعمالهم, وذلك لأن النص جاء في فضل الصحابة عليهم رضوان الله تعالى وتزكيتهم, ولهذا يقول الله جل وعلا في فضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح:29], فمن تحقق فيه وصف المعية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقدار طولها وكثرتها وشدتها من جهة الزمان ومن جهة الحال، فإنه يتحقق فيه الفضل. ولهذا فالصحابة السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار عليهم رضوان الله تعالى أفضل ممن جاء بعدهم, ويأتي معنا الكلام على مراتب فضل الصحابة عليهم رضوان الله تعالى, وتمايزهم فيما خصهم الله عز وجل فيه, فإن تمايز الخلق وتفاضلهم في ذلك، سنة جعلها الله سبحانه وتعالى فيهم, فنحب الصحابة عليهم رضوان الله تعالى بمجموعهم, ونترضى عنهم جميعاً, ونمسك أيضاً عما شجر بينهم, وكذلك أيضاً فإن محبتهم وتقديمهم يكون بتقديم رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم, وذلك بالفضل, وبالخلافة, وبالقرب والاصطفا. يقول المصنف: (ونخلص لكل رجل منهم من المحبة بالقدر الذي أوجب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من التفضيل), فلا يقدم هذا على هذا لنسبه المجرد, أو مثلاً لحال أو موقف, وإنما مرد ذلك من جهة التفضيل إلى النص, فلا يفضل الصحابي فقط لكونه قرشياً على صحابي آخر, نقول: القرشية هي فضل في النسب, فقد يكون صحابياً وقد يكون كافراً وغير ذلك؛ كحال الأنصار من الأوس والخزرج, قد يكون أنصارياً صحابياً وقد يكون أيضاً من جملة المنافقين وهو معدود في ظاهره من الأنصار؛ كحال عبد الله بن أبي، ولكن نقول: إن التفاضل في ذلك معلوم, والنصوص في ذلك ظاهرة من جهة التفضيل.
 فضل علي بن أبي طالب وما ورد في ذلك
قال رحمه الله: [ ثم بذي الفضل والتقى علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين ].يقول هنا: (ثم بذي الفضل والتقى علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين), علي بن أبي طالب هو رابع الخلفاء الراشدين, وهو أيضاً من العشرة المبشرين بالجنة, والنصوص أيضاً في فضله ومنزلته ومقامه وقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم, كثيرة, ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال علي بن أبي طالب : ( عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق ), ويكفي في ذلك كونه من الخلفاء الراشدين الأربعة الذين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاستنان بسنتهم والاهتداء بهديهم, وهو كذلك أيضاً من فقهاء الصحابة وأجلائهم.
كيفية معرفة الصحابي
قال رحمه الله: [ ثم لسائر أصحابه من بعدهم رضي الله عنهم أجمعين ].الصحابة على ما تقدم هم من صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم, والصحبة في ذلك أن يروا النبي صلى الله عليه وسلم, وإما أن يرووا عنه وإما أن يخالطوه عليه الصلاة والسلام, فهذه هي الصحبة, وهم على اتباع, يخرج من هذا من كان يخالط النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود وليس على ملته, أو كان من المنافقين, أو كان من المشركين, فهو قد خالطه أو صاحبه أو رافقه، ولكنه لم يكن من أهل الاتباع كبعض المنافقين، كحال عبد الله بن أبي، كان ربما يخالط النبي صلى الله عليه وسلم حتى في بعض غزواته, ولكنه كان على نفاق, فلا يعد في الصحابة, فالصحابي: من ظهر منه الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم, ومن مات ورسول الله صلى الله عليه وسلم عنه راض, وذلك يخرج من ارتد من آحاد الصحابة, سواء كان في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أو كان بعد وفاته, ففي حياة النبي صلى الله عليه وسلم ممن ارتد ومات على ردته، عبد الله بن خطل وبعد وفاته ارتد من ارتد من العرب من بني حنيفة أو غيرهم ممن قاتلهم أبو بكر الصديق والصحابة عليهم رضوان الله, وغيرهم ولهذا نقول: الصحابة من ماتوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم راض وبقوا على ذلك, يعني: على ما هم عليه, ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي موسى الأشعري، قال: ( أصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهبوا (يعني: يذهبون وهم على الصحبة) أتى أمتي ما يوعدون ), يعني: ما يوعدون من الفتن والاختلاف والفرقة, فنقول: الصحبة: هو أن يموت على ما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 فضل علي بن أبي طالب وما ورد في ذلك
قال رحمه الله: [ ثم بذي الفضل والتقى علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين ].يقول هنا: (ثم بذي الفضل والتقى علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين), علي بن أبي طالب هو رابع الخلفاء الراشدين, وهو أيضاً من العشرة المبشرين بالجنة, والنصوص أيضاً في فضله ومنزلته ومقامه وقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم, كثيرة, ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال علي بن أبي طالب : ( عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق ), ويكفي في ذلك كونه من الخلفاء الراشدين الأربعة الذين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاستنان بسنتهم والاهتداء بهديهم, وهو كذلك أيضاً من فقهاء الصحابة وأجلائهم.
ذكر فضل الصحابة ومحاسنهم
وهنا في قوله رحمه الله: (ويقال بفضلهم، ويذكرون بمحاسن أفعالهم), الصحابة عليهم رضوان الله تعالى فضلهم الله عز وجل على من جاء بعدهم, ولكن لا نقول بعصمتهم, بخلاف أهل البدع الذين يقولون بعصمة الأئمة, وذكر محاسنهم مع الإمساك عما يقعون فيه من الخطأ لا يعني ذلك عصمة لهم, وإنما قلنا ذلك حتى لا يُظن أن الإمساك عما يقعون فيه من أخطاء ادعاء للعصمة, فإنه لا معصوم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنبياء الله جل وعلا؛ لأنهم مبلغون عن الله، فاحتاجوا إلى العصمة حتى لا يشرعوا بقولهم أو فعلهم ما لا يريده الله سبحانه وتعالى, فخصهم الله عز وجل من بين البشر بذلك, وأدنى الصحابة منزلة على ما تقدم مع أخطائه أفضل ممن جاء بعدهم منزلة، كأفضل التابعين وغير ذلك. ‏
 وقوع الخطأ من الصحابة
كذلك أيضاً فإن وجود الخطأ من الصحابة عليهم رضوان الله لا ينفيه أحد؛ لأنه لا ينفيه إلا من يقول بالعصمة ولا يقال بالعصمة, ومن قال بوجود معصوم غير أنبياء الله عز وجل فقد كفر بالله؛ لأنه يقول بمشرعين, ولا مشرع إلا من بلغ عن الله, فإما أن يكونوا مشرعين من أنفسهم من غير الله؛ فهؤلاء أنداد وأرباب, وإما أن يكونوا مشرعين عن الله فهؤلاء أنبياء بعد محمد صلى الله عليه وسلم وكل ذلك كفر, ولهذا نقول: وجود الأخطاء لا يعني أن الإنسان يحل النزاع فيما بينهم عليهم رضوان الله تعالى.
الخلاف بين الصحابة وقواعد التعامل معه

 التحذير من الخوض في أخطاء الصحابة
قال رحمه الله: [ ويقال بفضلهم ويذكرون بمحاسن أفعالهم، ونمسك عن الخوض فيما شجر بينهم ].وذلك أن طريقة أهل السنة أنهم يذكرون المحاسن، ويدعون غيرها؛ حتى لا يتمسك أهل البدع والضلال ومن أراد الإساءة إليهم بالوقائع والحوادث التي تكون بينهم, فيكثر من ذكر الفضل والمنزلة والنصوص في ذلك حتى يعظمون؛ لأنهم نقلة الوحي، وأقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فالطاعن فيهم طاعن في الوحي الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أيضاً إن طريقة أهل البدع أنهم يذكرون المساوئ ولو قلت, ويدعون الفضائل ولو كثرت, وهذا يدفعهم إلى زراعة الغل والحقد في نفوس المتلقين حتى يقع فيهم الكره والبغض, وما من أحد في الأرض تجمع سيئاته وتترك حسناته إلا كرهه الناس, وما من أحد ولو كان من أهل الفضل والديانة والاستقامة والولاية لا يذكر خيره ويذكر شره إلا وقد كرهه الناس لما يذكر, إلا من عصمه الله سبحانه وتعالى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام, ولهذا نقول: الإمساك فيما يكون بين الصحابة عليهم رضوان الله تعالى هو هدي السالفين من الصحابة فيما بينهم, فإنهم كانوا يمسكون عما بينهم من الوقيعة, فيمسك المفضول عن الفاضل, ويبين منزلته, ولهذا كانوا يجلون الخلفاء الراشدين الأربعة عليهم رضوان الله تعالى.
تفاضل الصحابة واختيار الله لهم

 وجود النفاق في الصحابة وعلاقته بعدالة الصحابة وفضلهم
وأيضاً من الأمور المهمة التي ينبغي أن تعلم: أن في الصحابة من هو منافق معلوم النفاق, معدود في وصف الصحبة من جهة الظاهر, ولكن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى يعلمونه, ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما جاء في الصحيح من حديث عمار بن ياسر عن حذيفة بن اليمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( في أصحابي اثنا عشر منافقاً, ثمانية منهم لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ), وكم عدد الصحابة؟ ذكر أبو زرعة أن الصحابة الذين حجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة ألف, وقيل: عددهم مائة وعشرون ألفاً, وقد جاء في بعض الآثار عن عبد الله بن عباس أن عدد المنافقين نحو ثلاثمائة, لكنهم كانوا معروفين من جهة الوصف. ثم أيضاً إن الله عز وجل قد عصم نبيه عليه الصلاة والسلام من أن يخصهم بوحي، أو إخبار يحملونه ويبلغون به الأمة, فكان النبي صلى الله عليه وسلم لديه ممن يدنو منه من الصحابة فيعلمه الدليل, ويعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن لديه من بطانة السوء ممن يدنو منه من المنافقين وطلاب الدنيا, لكن هؤلاء معروفون إما بأوصافهم وإما بأسمائهم عند آحاد وأفراد الصحابة عليهم رضوان الله تعالى. فوجود هذا العدد القليل, لا يطعن في مجموع الصحابة؛ وذلك لأمور: أولاً: لندرتهم وقلتهم. الأمر الثاني: لأن أولئك معروفون, فيعرفهم الصحابة عليهم رضوان الله تعالى من جهة الوصف, والحال, بل كان الصحابة يتتبعون حذيفة بن اليمان وينظرون إلى حاله في تقييم أولئك, حتى إنه في البخاري لما سئل حذيفة عنهم: ( هل بقي منهم أحد؟ قال: ماتوا وما بقي منهم إلا واحد, إن شرب الماء لم يجد برده في بطنه ), (لم يجد برده في بطنه) يعني: لهرمه وكبره, فهو يعرفهم، ويعرف من مات منهم ومن لم يمت, ولو كان فيهم واحد ظهر، أو تصدر، أو روى، أو نحو ذلك لكان أول من يبينه حذيفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولهذا نقول: إن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى هم سادة الأمة, وهم خلفاؤها, وهم قادة الفقه, ولا يعرف منافق بفقه, ولا برواية يرويها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن نفاقه يمنعه فهو يريد من ذلك السلامة, ولهذا يحفظ للصحابة عليهم رضوان الله تعالى قدرهم، ومنزلتهم، ومكانهم, فلا يُنقصون لبعض العمومات, أو لبعض الأفعال التي تكون فيما بينهم.وصلى والله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح السنة للإمام المزني [9] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net