اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح السنة للإمام المزني [7] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


شرح السنة للإمام المزني [7] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
مما يجب الإيمان به واعتقاده الإيمان بيوم الحساب والجزاء وما في الجنة من نعيم للمؤمنين، وما في النار من شقاء الكافرين، والإيمان برؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة في دار الكرامة وبقاء الجنة والنار وخلود أهلهما فيهما.ومما يجب كذلك طاعة أولياء الأمور، وحرمة الخروج عليهم مالم يكن ذلك في كفر بواح، ومناصحتهم والوسطية في التعامل معهم.
حساب العباد يوم العرض الأكبر
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.أما بعد:فقد قال المصنف رحمه الله: [ ولدى العرض عليه محاسبون بحضرة الموازين ونشر صحف الدواوين, أحصاه الله ونسوه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، لو كان غير الله عز وجل الحاكم بين خلقه, لكنه الله يلي الحكم بينهم بعدله بمقدار القائلة في الدنيا، وهو أسرع الحاسبين، كما بدأه لهم من شقاوة وسعادة يومئذ يعودون، فريق في الجنة وفريق في السعير ].الله سبحانه وتعالى وكل بعباده كتبة يحصون عليهم سيئاتهم وحسناتهم، ويكتبون عليهم الأفعال، فما من شيء يفعله العبد من صغيرة أو كبيرة إلا وأحصاها الله عز وجل عليه، ويسأله سبحانه وتعالى عنها، وإحصاء الله عز وجل على عباده إحصاء ليعلموا, لا ليعلم هو، فإن الله سبحانه وتعالى يحصي عليهم بالكتبة وبالحفظة، والله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى محص ليعلم؛ وإنما ليقيم الحجة على عباده حتى لا يعاندوه؛ لأن الإنسان خصيم وصاحب جدل، فأراد الله عز وجل أن يقيم عليه حجته.والله سبحانه وتعالى يحشر عباده جميعاً -المؤمن والكافر- كما ولدتهم أمهاتهم، حفاة, عراة، غرلاً، ولا ينشغل أحدهم بالآخر؛ وذلك لهول المقام وهول المفزع، ولهذا لما استعظمت عائشة عليها رضوان الله تعالى ذلك قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الأمر أعظم من ذلك )؛ لشدة الكرب والفزع والخوف من المآل والعاقبة. قال المصنف رحمه الله: (الله يلي الحكم بينهم بعدله بمقدار القائلة في الدنيا)، يعني: القيلولة، والقيلولة هي: ما يكون بعيد صلاة الظهر، وقيل القيلولة: ما يكون قبل الظهر.وقوله سبحانه وتعالى: وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:62]، يعني: إن شاء يسر على عبده حسابه وإن شاء عسره، فالله سبحانه وتعالى يقيم الحجة على عبده بما يشاء، من سرعة وعجلة، وبما يشاء يعسر الحساب، بتأخيره وتأجيله، وكذلك أيضاً تشديده على عبده، وما من أحد من العباد يناقش الحساب إلا ويعذب بمناقشته؛ للكرب الذي يجده، كما جاء في الخبر: ( من نوقش الحساب عذب ). ‏
 تعظيم حقوق الآدميين
وبهذا نعلم أن ما كان من حقوق الآدميين فقد قضى الله عز وجل ألا يغفره لصاحبه إلا بإعادة الحقوق إلى أهلها, ولهذا عظم حق الآدميين فيما بينهم على حق الله عز وجل الخاص سوى الشرك؛ لأن حق الآدميين مبني على المشاحة لا على المسامحة، وحق الله عز وجل مبني على المسامحة؛ لعظم رحمته سبحانه وتعالى, وأعظم الحقوق التي تكون بين المؤمنين فيما يظهر هو حق النبي في مقابل حق غيره، وحق المجاهد على القاعد؛ كما جاء في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم، ومن خلف غازياً في أهله فخانه فيهم أوقفه الله عز وجل على حسناته يوم القيامة، فيقال له: خذ منها ما شئت، فما ظنكم )، يعني: ما ظنكم أنه تارك من ذلك, والأمر في ذلك مبني على المشاحة، وهذا دليل على أن الله سبحانه وتعالى يباين بين حقوق العباد بحسب مراتبهم ومنازلهم، فحق الأب على ابنه من جهة المال ومن جهة التعدي عليه يختلف عن العدوان على الأخ، والعدوان على الجار القريب يختلف عن الجار البعيد، كما أن الزنا بحليلة الجار يختلف عن الزنا بحليلة الأبعد، فإنه أعظم، كما أن الوقيعة في نساء المحارم يختلف عن الوقيعة في نساء الأبعدين وإن كان جنس العمل واحداً.ولهذا نقول: إنه ينبغي للإنسان أن يحترز في حقوق الآدميين قدر وسعه وإمكانه، فإنه لا بد من قضائها يوم القيامة، وقضاؤها يكون فيما يستهلكه من عمره من أعمال وطاعات يفعلها لسنوات يذهب بها رجل واحد بسبب حق من الحقوق, إما حق مالي, أو حق في عرضه، أو حق في دمه، فالاحتراز في ذلك مطلوب، فإن الله عز وجل عدل.ولو نفذت حسنات الإنسان وما بقي عنده شيء، فإن الله يرجع إلى سيئات الإنسان ويعطيه بمقدارها؛ كما جاء في حديث المفلس في صحيح الإمام مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ما تعدون المفلس فيكم؟ قالوا: المفلس فينا من لا دينار له ولا متاع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المفلس من يأتي يوم القيامة بأعمال كالجبال, ويأتي وقد ضرب هذا -انظروا, لا يوجد فيها شيء من حقوق الله الخاصة، كلها حقوق عامة بين الناس-، ولطم هذا، وشتم هذا، وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار )، وهذا من كمال عدل الله سبحانه وتعالى وإنصافه، ومن كمال عدله أيضاً أن يجعل الحقوق بين المخلوقين شاملة للبهائم في القصاص فيما بينها, مع أنها ليست مكلفة برسالات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ وذلك لأن هذه الأمور مدركة بالطبع، وهذا دليل على شدة وازع الطبع وقوته، وأثره في باب التكليف وعدم العذر.
رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة
قال المصنف رحمه الله: [ فهم حينئذ إلى ربهم ينظرون، لا يمارون في النظر إليه ولا يشكون، فوجوههم بكرامته ناضرة، وأعينهم بفضله إليه ناظرة ].هنا يقول رحمه الله: (فهم حينئذ إلى ربهم ينظرون)، مسألة النظر إلى الله سبحانه وتعالى هي من المسائل المهمة، وهي أيضاً من المسائل القطعية عند السلف، وفي ظواهر النصوص من الكتاب والسنة أن نظر المؤمنين إلى الله سبحانه وتعالى يوم القيامة مقطوع به، وهذا محل اتفاق عند أهل السنة, لا يختلفون في ذلك، والأدلة على ذلك كثيرة مستفيضة متواترة من الكتاب والسنة، قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، والله سبحانه وتعالى أيضاً جعل النظر إليه هو الزيادة، وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث جرير بن عبد الله قال: ( إنكم ترون ربكم يوم القيامة لا تضامون في رؤيته كما ترون القمر ليلة البدر )، فشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم حال الرؤية بالرؤية. ‏
 المسائل المختلف فيها بين أهل السنة في رؤية الله في الآخرة
وأما المسألة الثانية: وهي الرؤية في الآخرة، فذكرنا أن أهل السنة يتفقون على أن الله عز وجل يُرى في الآخرة، واختلفوا في مسائل:المسألة الأولى: في رؤية المشركين والمنافقين لربهم، منهم من قال: إنهم يرون الله عز وجل ثم يحجبون عنه تشديداً في العذاب والعقاب، كما في قول الله سبحانه وتعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15]، والإنسان يحجب عن الشيء إذا رآه أو تمكن منه، وأما من جهة عدم رؤيته وعدم قدرته على ذلك فإنه لا يوصف بأنه حجب عنه، ولكن نقول: إن الحجب ممكن أن يكون لمن لم يمَكَّن من جهة الأصل، وهذا أيضاً له وجه من جهة اللغة، ويعللون في ذلك أن ألم وعذاب الحجب عظيم جداً على الإنسان, ولا ينعم الإنسان بشيء قد حجب عنه مما يراه من الخير، قالوا: وذلك أن الله سبحانه وتعالى يري عبده المشرك في قبره منزلته من الجنة لو أنه أطاع الله، ثم يحجبه عنها ويريه منزلته في النار؛ لأنه عصى الله سبحانه وتعالى, فكانت رؤيته للنعيم في قبره حسرة؛ لأنه يحجب عن ذلك، وفي ذلك ألم شديد، بخلاف الإنسان الذي يوعد بشيء لم يره ثم يرى شيئاً آخر من العقاب، حينئذ يكون العذاب عليه يسيراً، وجمهور السلف وكذلك أهل السنة على أن المشركين لا يرون الله سبحانه وتعالى في الآخرة، وثمة قول ثالث في هذا: وهو أن المؤمنين والمنافقين يرون الله سبحانه وتعالى ثم يمنع المنافقون من رؤيته.ومن المسائل التي وقع فيها الخلاف هو الزمن الذي يرون فيه الله عز وجل ويتجلى لعباده، على اختلاف الأحاديث الواردة في ذلك.
بقاء الجنة والنار والقول بفنائهما
قال رحمه الله: [ في نعيم دائم مقيم، لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر:48] أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ [الرعد:35] ].يقول رحمه الله: (في نعيم دائم مقيم)، وذلك أن الله سبحانه وتعالى كتب الخلود على أهل الجنة والخلود على أهل النار، خلافاً لبعض المعتزلة والجهمية الذين يقولون بأن الجنة والنار تفنى؛ وذلك لأنهم يأخذون بجملة من اللوازم، ومن هذه اللوازم أنهم كما يقولون: بوجود حوادث لها بداية، فإنهم يقولون بوجود حوادث لا بد لها من نهاية، وإذا قالوا: بفناء الجنة والنار فإنهم يقولون بفناء المؤمنين والكافرين. ‏
 خلود أهل النار وخروج الموحدين
قال رحمه الله: [ وأهل الجحد عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15]، وفي النار يسجرون، لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ [المائدة:80]، و لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ [فاطر:36]، خلا من شاء الله من الموحدين إخراجهم منها ].وهنا في قوله: (لا يقضى عليهم فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها، كذلك نجزي كل كفور)، نقول: من أمارات ودلائل الخلود والبقاء في الجنة والنار: أن الله سبحانه وتعالى يأتي بالموت على هيئة كبش، ثم يذبح بين الجنة والنار، فيقال لأهل النار: خلود ولا موت، ويقال لأهل الجنة: خلود ولا موت، يعني: أنهم يبقون على ما هم عليه، ويخلدون في هذا، وهل الإتيان بالموت بصورة كبش يكون قبل خروج أهل الإيمان منها أم يكون بعد ذلك؟ الظاهر والله أعلم أنه يكون بعده؛ لأن الخطاب في ذلك يلزم منه الخلود على ما هم عليه، يعني: يؤتى بالموت بعد أن يخرج أهل الإيمان من النار، ثم بعد ذلك يكون الخلود الدائم لأهل الجنة، والخلود الدائم لأهل النار.
طاعة أولي الأمر
قال رحمه الله: [ والطاعة لأولي الأمر فيما كان عند الله عز وجل مرضياً، واجتناب ما كان عند الله مسخِطاً ].أمر الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم بطاعة أولي الأمر في مواضع وجاء ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً لأنهم تجتمع بهم كلمة المسلمين، وبهم يتآلفون، وبهم تقام الحدود، وبهم تحقن كذلك الدماء، وبهم يجاهد في سبيل الله، وبهم يفصل بين الناس؛ ولهذا أمر الله سبحانه وتعالى بطاعتهم، وقرن الله عز وجل طاعتهم بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. وأولي الأمر الذين أمرنا الله عز وجل بطاعتهم هم أهل العلم والسلطة، فهم داخلون في هذا الباب. ‏
 الوسطية في التعامل مع أخطاء الحكام
وينبغي أن يعلم أن الناس في ذلك بين طرفي نقيض, وقلَّ منهم الوسط في هذا. فمن الناس من يشيع مثالب الحكام الخاصة, التي يستأثرون بها من أفعال خاصة أو لا يفعلونها إلا في دائرة ضيقة، أو عند أفراد معلومين، أو نحو ذلك، ويشيعون أمثال هذه الأمور في الناس، وهذا من الأمور المحرمة، وطوائف أخرى لا يرون الإنكار حتى في الأمور العامة التي يفسد بها الحكام دين الناس مع الوقت، مما يجاهر بها من الأمور المحرمة؛ من تحليل المحرمات والتساهل بها علانية أمام الناس، والعدل في ذلك أن الإنسان يسوس أمور الحكام بسياسة الكتاب والسنة، لا يسوسها بالتشهي أو غير ذلك، فإن من الناس من يحجم عن إصلاح أمر الناس مداراة للحاكم، ولمشاعره ونفسه، ومن الناس من يشبع غريزته وغريزة العامة بتتبع أمر الحاكم وأخباره، وإخراج دقائق أفعاله وأقواله، وهذا من الشر.ولهذا يذكر غير واحد أن العامة يبتلون بالحديث عن الحكام فيما يستحق وما لا يستحق، قال الجاحظ في كتابه الرسائل: وفاكهة العامة الحديث في الأمراء والملوك، يعني: في كل بلد أحاديثهم في مجالسهم في مثل هذا الأمر، فالعالم المصلح لا ينظر إلى شهوة الناس في تتبع الأخبار والأحوال والأقوال والأفعال والأسرار وغير ذلك، وإنما يتوجه إلى إصلاح دين الله عز وجل، فينظر أين يضع الحق؟ وما هو الذي يصلح أمر الناس؟ فإذا رأى أنه إذا أصلح أمراً بينه وبين الحاكم أزاله وأصلحه في الناس تعين عليه ذلك، وإذا رأى أنه إذا أصلحه فيما بينه وبينه لم يقم بإصلاح ذلك الأمر وجب عليه أن يحمي دين الناس من الوقوع في الخطأ، من محاكاة الكبراء، أو الوجهاء، أو الأمراء؛ حتى يحمي دين الله سبحانه وتعالى من مثل هذا، ولكن بحكمة وعقل, بلا تشفّ ومكيدة، وإنما يريد من ذلك حماية دين الله سبحانه وتعالى من الإفساد فيه.لهذا نقول: إن السياسة الشرعية في هذا ينظر فيها الإنسان بتجرد وصدق وإخلاص ومراقبة لله سبحانه وتعالى, رحمة بالراعي وشفقة عليه، ورحمة أيضاً بالأمة والناس من أن ينتشر فيهم الشر، فيعم في ذلك البلاء، والأمة مرحومة ما وجد فيها المصلحون الصادقون الذين يقومون بأمر الله سبحانه وتعالى بصدق وإخلاص. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح السنة للإمام المزني [7] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net