اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح السنة للإمام المزني [5] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


شرح السنة للإمام المزني [5] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
فطر الله الناس على فطرة صحيحة مستقيمة, وهي ما جبلهم عليها من إدراك بعض المحرمات بلا نص, فهم يفهمون المحرم بلا نص من الوحي, وهو ما يسمى بوازع الطبع, وفائدة الشرع مع ثبوت الطبع هو المحافظة على الطبع من التبديل، ومن الإيمان بأسماء الله وصفاته: مسألة رؤية الله سبحانه وتعالى، وأنه بائن من خلقه، وإثبات صفة القرب لله عز وجل مع كمال علوه من دون تشبيه.
إشكال في قوله صلى الله عليه وسلم: (لم يعملوا خيراً قط) مع قول: الإيمان قول وعمل والجواب عنه
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:فثمة مسألة تتعلق بالإيمان سألها أحد الإخوة, وهي ما يتعلق بقول المصنف رحمه الله: (الإيمان قول وعمل) واستشكل ما يأتي في بعض النصوص من إدخال الله عز وجل لبعض المؤمنين وإخراجهم من النار ولم يعملوا خيراً قط؛ كما جاء في حديث أبي هريرة عليه رضوان الله, وهذا الحديث في الصحيح, وفيه: ( لم يعملوا خيراً قط ), والإيمان قول وعمل, ولا يصح إيمان الإنسان إلا بقول وعمل, ومعلوم أن الإنسان إذا لم يكن لديه قول وعمل في إيمانه الباطن والظاهر فإنه ليس بمؤمن, وإذا لم يكن مؤمناً فالله عز وجل قد حرم على المشركين الجنة, فكيف يخرج الله عز وجل من لم يعمل خيراً قط من النار ويدخله الجنة؟ ‏
 أحكام العذر بالجهل
ثم بعد ذلك تأتي الدائرة الأخرى وهي العذر بالجهل في مسألة من مسائل الشرع متى يعذر الإنسان ومتى لا يعذر؟ فما تمكن الإنسان من العلم به ولم يسعَ إلى تحقيقه, فهذا لا يعذر به ولو كان جاهلاً من جهة الحقيقة؛ فحينما تأتي إلى شخص وتقول له: هذه أحكام الإسلام وأركانه, قم بقراءتها وتعلمها لتتعبد لله, ثم تركها ولم يقرأها, فهذا من جهة الحقيقة هو جاهل, وشخص آخر لم يعرض عليه الإسلام ولم يعلم بمكانه حتى يسعى إليه, ولم يسعَ إليه, اشتركا في الجهل, لكن ذاك تمكن من العلم وعلم بمكانه فأعرض, ولو طلبه لرفع الجهل عنه, وذاك ما علم بمكانه وما عرض عليه, فيعذر الثاني ولا يعذر الأول, بحسب الحال, وهي على مراتب, قد تختلف في زمن ولا تختلف في زمن, وتشتهر في موضع دون موضع.وتأتي بعض المسائل الخلافية في هذا الأمر, ومنها مسألة الشرك والوثنية, هل يعذر الإنسان بجهله في أمر الوثنية إذا عبد الأصنام أم لا يعذر؟ فتدخل في هذه الدائرة, هل عبادة الأصنام يدل عليها دليل الطبع منفرداً؟ فإنك تعلم بوجود خالق فلماذا تعبد الحجر؟ إذا عبد الحجر منفرداً على أنه الخالق مدبر الكون إذاً نفى وجود الخالق سبحانه وتعالى، وذلك بتعدده, فالعلماء عليهم رحمة الله تعالى لهم كلام في هذا, فمنهم من ينفي العذر في مثل هذا الأصل, ومنهم من يعذر بحسب الحال.ولهذا يختلفون في مسألة أهل الفترة على أقوال, وهي تتقارب من جهة التأصيل وتختلف من جهة التنزيل, والكلام على هذه المسألة يحتاج إلى بسط, ولكن نكتفي بهذا القدر.وبه نعلم المسألة التي يتكلم فيها العلماء, أو يسأل عنها بعض الإخوة, وهي مسألة كيف يخرج الله عز وجل أناساً من النار لم يعملوا خيراً قط ويدخلهم الجنة مع أننا نقول: إن الإيمان قول وعمل, إذاً إذا انتفى الإيمان ليسوا من أهل الإسلام, نقول: انتفى عنهم العمل بعذر وعوقبوا بالتروك, لوجود وازع الطبع فكابروا عليه فعوقبوا عليه, ولهذا قد يدخل الإنسان النار ولو لم يعلم دليلاً بحرمة السرقة، وحرمة القتل، وما في أحكامها؛ لوجود قائم الطبع في ذلك, ويعظم عليه العقاب إذا اجتمع فيه الوازعان: وازع الطبع, ووازع الشرع.
تنزيه الله وصفاته عن مماثلة المخلوقين
قال المصنف رحمه الله: [ جلت صفاته عن شبه صفات المخلوقين ].وهذا لأن الله سبحانه وتعالى ليس له مثيل ولا نظير ولا ند ولا شبيه، كما قال سبحانه وتعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11], فإذا نفينا الشبيه عن الله ننفي عن صفاته المثيل والشبيه والنظير من جميع الوجوه, والخطأ في هذا الباب هو الذي ضلت به الطوائف, سواء في أبواب التشبيه أو في أبواب التعطيل.قال رحمه الله: [ وقصرت عنه فطن الواصفين ].وذلك أن الواصفين إنما يصفون على مثال موصوف مشاهد, أو مذكور مسموع, فهذا يدركه الإنسان فيصف ما سمع على ما رأى, أو ما سمع على ما سمع, فمسموع موصوف على مسموع لم يوصف, فيلحقه بذلك المثال, ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء, ولهذا تقصر عنه فطن الواصفين، فالإنسان لا يستطيع تمثيل الشيء إلا بوجود مثال وشبيه له أو برؤيته له بعينه, والله سبحانه وتعالى يتجلى لعباده في الآخرة. وأما مسألة رؤية الله سبحانه وتعالى في الدنيا فمحل اتفاق أن الناس لا يرون الله سبحانه وتعالى في الدنيا, وإنما اختلف في رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكذلك اختلف في مسألة: هل يرى الله عز وجل في المنام؟ هذه من المسائل الخلافية التي قد اختلف فيها العلماء على قولين.
 أحكام العذر بالجهل
ثم بعد ذلك تأتي الدائرة الأخرى وهي العذر بالجهل في مسألة من مسائل الشرع متى يعذر الإنسان ومتى لا يعذر؟ فما تمكن الإنسان من العلم به ولم يسعَ إلى تحقيقه, فهذا لا يعذر به ولو كان جاهلاً من جهة الحقيقة؛ فحينما تأتي إلى شخص وتقول له: هذه أحكام الإسلام وأركانه, قم بقراءتها وتعلمها لتتعبد لله, ثم تركها ولم يقرأها, فهذا من جهة الحقيقة هو جاهل, وشخص آخر لم يعرض عليه الإسلام ولم يعلم بمكانه حتى يسعى إليه, ولم يسعَ إليه, اشتركا في الجهل, لكن ذاك تمكن من العلم وعلم بمكانه فأعرض, ولو طلبه لرفع الجهل عنه, وذاك ما علم بمكانه وما عرض عليه, فيعذر الثاني ولا يعذر الأول, بحسب الحال, وهي على مراتب, قد تختلف في زمن ولا تختلف في زمن, وتشتهر في موضع دون موضع.وتأتي بعض المسائل الخلافية في هذا الأمر, ومنها مسألة الشرك والوثنية, هل يعذر الإنسان بجهله في أمر الوثنية إذا عبد الأصنام أم لا يعذر؟ فتدخل في هذه الدائرة, هل عبادة الأصنام يدل عليها دليل الطبع منفرداً؟ فإنك تعلم بوجود خالق فلماذا تعبد الحجر؟ إذا عبد الحجر منفرداً على أنه الخالق مدبر الكون إذاً نفى وجود الخالق سبحانه وتعالى، وذلك بتعدده, فالعلماء عليهم رحمة الله تعالى لهم كلام في هذا, فمنهم من ينفي العذر في مثل هذا الأصل, ومنهم من يعذر بحسب الحال.ولهذا يختلفون في مسألة أهل الفترة على أقوال, وهي تتقارب من جهة التأصيل وتختلف من جهة التنزيل, والكلام على هذه المسألة يحتاج إلى بسط, ولكن نكتفي بهذا القدر.وبه نعلم المسألة التي يتكلم فيها العلماء, أو يسأل عنها بعض الإخوة, وهي مسألة كيف يخرج الله عز وجل أناساً من النار لم يعملوا خيراً قط ويدخلهم الجنة مع أننا نقول: إن الإيمان قول وعمل, إذاً إذا انتفى الإيمان ليسوا من أهل الإسلام, نقول: انتفى عنهم العمل بعذر وعوقبوا بالتروك, لوجود وازع الطبع فكابروا عليه فعوقبوا عليه, ولهذا قد يدخل الإنسان النار ولو لم يعلم دليلاً بحرمة السرقة، وحرمة القتل، وما في أحكامها؛ لوجود قائم الطبع في ذلك, ويعظم عليه العقاب إذا اجتمع فيه الوازعان: وازع الطبع, ووازع الشرع.
إثبات صفة القرب لله تعالى وعلاقتها بعلمه سبحانه وتعالى
قال رحمه الله: [ قريب بالإجابة عند السؤال ].وذلك أن الله سبحانه وتعالى يقول: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186], وفسر الله سبحانه وتعالى قربه هنا بالإجابة, وذلك أن قوله قَرِيبٌ[البقرة:186], فسر بقوله: أُجِيبُ [البقرة:186], والله سبحانه وتعالى يسمع دعوة الداعي, ويُسمعه لو شاء سبحانه وتعالى كما لو كان قريباً, ولهذا الله سبحانه وتعالى يخاطب الناس يوم القيامة فيُسمع البعيد كما يسمع القريب بصوت واحد, كما جاء في المسند وغيره من حديث جابر بن عبد الله عن عبد الله بن أنيس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يحشر العباد يوم القيامة حفاة عراة غرلاً, فيناديهم الله عز وجل بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب, فيقول: أنا الملك, أنا الديان, لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقص منه حتى اللطمة, ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وعليه لأحد من أهل النار حق حتى أقص منه حتى اللطمة ), الحديث, وأصله في البخاري معلقاً في كتاب العلم.فالله سبحانه وتعالى قريب من عباده, مطلع على أحوالهم, وهو معهم أينما كانوا, كما قال تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4], يعني معهم سبحانه وتعالى بعلمه، وسمعه، وبصره، وإحاطته جل وعلا, يرى أفعالهم ويسمع سبحانه وتعالى ما يصدر منهم من أصوات وهمسات, ويجيب دعوة الداعي, ويعلم خطرات الأنفس, ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض.ومن سعة علمه سبحانه وتعالى أنه يعلم الغيب والشهادة, ويعلم ما كان, وما يكون, وما سيكون, وعلم الله عز وجل لأمر الغيب والشهادة لا يختلف, فلا يزيد علم المشاهد عنده لكونه مشاهداً, ولا ينقص علم الغيب عنه لكونه غائباً.وهذا الأمر إذا أدرك على وجهه عُلم أن الله سبحانه وتعالى شرع شرعته وأحكم دينه للعباد في حال الغيب وحال الشهادة, فشرع شريعته لأمة الإسلام في الصدر الأول وهم شاهدون, وشرع الله سبحانه وتعالى الشريعة لبقية الأمة وهم غائبون, فهو يعلمهم سبحانه وتعالى على حد سواء, فلا ينقص علمه الغائب لكونه غائباً, ولا يزيده الشاهد لكونه شاهداً, فعلمه سبحانه وتعالى في كل ذلك تام.فهذا الاختلال في أمر العلم هو الذي أضل العقلانيين في باب الحكم وباب التشريع, فقالوا: إن شريعة الله صالحة لزمن دون زمن؛ لأنهم يقيسون علم الله على أنفسهم, فيرون العلم المشاهد، ويضعف لديهم العلم الغائب, فإذا جاء الغائب وحضر وكان شاهداً عظم المشاهد وضعف الغائب, ولهذا يتقلبون بين غيب وشهادة.والله سبحانه وتعالى يرى الماضي والمشاهد، ويرى الغائب على حد سواء من جهة كمال العلم, وقد أنزل سبحانه وتعالى شريعته على الجميع, فبها يصلح أمر دينهم وتصلح دنياهم, ولهذا جاء في حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى -وهو أيضاً ظاهر القرآن- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح صلاة الليل بقوله: ( اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما اختلفوا فيه ), فلننظر ماذا قال, قال: ( عالم الغيب والشهادة, أنت تحكم بين عبادك ), أي العباد؟ العباد السابقين والحاضرين واللاحقين, ( فيما اختلفوا فيه )؛ لأن حكم الله عز وجل في غاية الإحكام والدقة لكمال علمه سبحانه وتعالى للغيب والشهادة, ولهذا لما ضعف هذا الإيمان أو غاب لدى كثير من الخلق من الحكام، أو المفكرين، أو العلماء ضعف لديهم تناول حكم الله وأنه لا يصلح اليوم ويصلح للأمس, وضعف لديهم كمال علم الله سبحانه وتعالى في هذا الباب, وأن الله سبحانه وتعالى ما أنزل حكمه لكون هؤلاء حاضرين, وإنما أنزل حكمه لأمة محمد من أولهم إلى آخرهم ليعلمهم على حد سواء, فلا يزيد علم المشاهد لمشاهدته, ولا يضعف علم الغيب لمغيبه وعدم شهوده.
 أحكام العذر بالجهل
ثم بعد ذلك تأتي الدائرة الأخرى وهي العذر بالجهل في مسألة من مسائل الشرع متى يعذر الإنسان ومتى لا يعذر؟ فما تمكن الإنسان من العلم به ولم يسعَ إلى تحقيقه, فهذا لا يعذر به ولو كان جاهلاً من جهة الحقيقة؛ فحينما تأتي إلى شخص وتقول له: هذه أحكام الإسلام وأركانه, قم بقراءتها وتعلمها لتتعبد لله, ثم تركها ولم يقرأها, فهذا من جهة الحقيقة هو جاهل, وشخص آخر لم يعرض عليه الإسلام ولم يعلم بمكانه حتى يسعى إليه, ولم يسعَ إليه, اشتركا في الجهل, لكن ذاك تمكن من العلم وعلم بمكانه فأعرض, ولو طلبه لرفع الجهل عنه, وذاك ما علم بمكانه وما عرض عليه, فيعذر الثاني ولا يعذر الأول, بحسب الحال, وهي على مراتب, قد تختلف في زمن ولا تختلف في زمن, وتشتهر في موضع دون موضع.وتأتي بعض المسائل الخلافية في هذا الأمر, ومنها مسألة الشرك والوثنية, هل يعذر الإنسان بجهله في أمر الوثنية إذا عبد الأصنام أم لا يعذر؟ فتدخل في هذه الدائرة, هل عبادة الأصنام يدل عليها دليل الطبع منفرداً؟ فإنك تعلم بوجود خالق فلماذا تعبد الحجر؟ إذا عبد الحجر منفرداً على أنه الخالق مدبر الكون إذاً نفى وجود الخالق سبحانه وتعالى، وذلك بتعدده, فالعلماء عليهم رحمة الله تعالى لهم كلام في هذا, فمنهم من ينفي العذر في مثل هذا الأصل, ومنهم من يعذر بحسب الحال.ولهذا يختلفون في مسألة أهل الفترة على أقوال, وهي تتقارب من جهة التأصيل وتختلف من جهة التنزيل, والكلام على هذه المسألة يحتاج إلى بسط, ولكن نكتفي بهذا القدر.وبه نعلم المسألة التي يتكلم فيها العلماء, أو يسأل عنها بعض الإخوة, وهي مسألة كيف يخرج الله عز وجل أناساً من النار لم يعملوا خيراً قط ويدخلهم الجنة مع أننا نقول: إن الإيمان قول وعمل, إذاً إذا انتفى الإيمان ليسوا من أهل الإسلام, نقول: انتفى عنهم العمل بعذر وعوقبوا بالتروك, لوجود وازع الطبع فكابروا عليه فعوقبوا عليه, ولهذا قد يدخل الإنسان النار ولو لم يعلم دليلاً بحرمة السرقة، وحرمة القتل، وما في أحكامها؛ لوجود قائم الطبع في ذلك, ويعظم عليه العقاب إذا اجتمع فيه الوازعان: وازع الطبع, ووازع الشرع.
كمال عزة الله من أن يبلغه ضر عباده
يقول المصنف رحمه الله: [ بعيد بالتعزز لا ينال ] الله سبحانه وتعالى عزيز وعزته عن عباده يظهر فيها كمال الغنى وكمال حاجة عباده له, فتظهر العزة بكمال غنى الله سبحانه وتعالى عن عباده, وكمال فقر العباد لربهم سبحانه وتعالى, ولكنه يُوجد في عباده أسباباً ومشيئة يكسبون بها، فيغترون بهذه القدرة التي أعطاهم الله عز وجل ليكسبوا بها, وإلا فالله سبحانه وتعالى يجعل من المخلوقات ما لا قدرة لها من جهة الحياة والموت فيرزقها عز وجل ويحييها ويميتها, فجعل الله عز وجل للعباد من جهة النوال في الأرض وكذلك القدرة, فظنوا أن هذه القدرة التي أوتوها من جهة التكسب عزة تضاهي عزة الله سبحانه وتعالى, فاغتروا بما آتاهم الله عز وجل من نوال.والله سبحانه وتعالى يضرب لعباده مثلاً في النبات, فالنبات ليس له تدبير يذهب ويقتات، والله عز وجل هو الذي يغرسه، وينبته، ثم يظهره من ثماره، ثم يسقطه ويعيده في دورة الحياة بلا حركة في ذاته, وما جعله للإنسان في ذاته من جهة الأخذ بالأسباب هو مشيئة يسيرة يأخذ بها الإنسان من جهة السبب والتكسب والمعيشة, وقد رزق الله سبحانه وتعالى من دونه وأحياه حتى كمل وأماته, بل جعل لبعض الشجر أعماراً لم تكن للإنسان, يشاهده أجيال وهو قائم, يسقيه الله سبحانه وتعالى ويحفظ حياته ويجعل له آجالاً بلا سبب, فإذا كان هذا ممن ليس له قدرة، فينبغي للإنسان الذي له قدرة أن يعلم أن الله عز وجل يبتليه ويفتنه بالقدرة التي آتاه الله عز وجل إياها.ولهذا أعظم الناس ضلالاً أكملهم عقلاً إذا انحرف, وأقلهم عقوبة عند الله سبحانه وتعالى أضعفهم عقلاً إذا انحرف؛ لضعف السببية الموجودة لديه من جهة الأخذ بالتكسب ولضعف اغتراره بعزة ذاته, ولهذا نقول: لله سبحانه وتعالى العزة والكمال ولعباده كمال الفقر إليه.قال رحمه الله: (بعيد بالتعزز لا ينال) ولا ينال الله سبحانه وتعالى بأي شيء من عباده, فلا يبلغه خيرهم ولا يلحقه ضرهم وشرهم, فالنفوس ما تكسب من شر هو عليها, وما تكسب أيضاً من خير فلها, ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى لا يضره أحد من عباده.وأما الأذى فنقول: الأذى على نوعين:أذى يضر, وهذا لا يكون للخالق سبحانه وتعالى, ولهذا الله عز وجل يقول في الحديث القدسي: ( يا عبادي لن تبلغوا ضري فتضروني ), يعني: لن يصل إلي الضر.النوع الثاني: أذى لا يضر, وهذا كما جاء في الحديث: ( يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر ), ولهذا نقول: الله سبحانه وتعالى لا يضره أحد من عباده بسوء أو بشر, ولا ينفعه أحد من عباده بخير يفعله, فإن أحسن فلنفسه وإن أساء فعليها.
 أحكام العذر بالجهل
ثم بعد ذلك تأتي الدائرة الأخرى وهي العذر بالجهل في مسألة من مسائل الشرع متى يعذر الإنسان ومتى لا يعذر؟ فما تمكن الإنسان من العلم به ولم يسعَ إلى تحقيقه, فهذا لا يعذر به ولو كان جاهلاً من جهة الحقيقة؛ فحينما تأتي إلى شخص وتقول له: هذه أحكام الإسلام وأركانه, قم بقراءتها وتعلمها لتتعبد لله, ثم تركها ولم يقرأها, فهذا من جهة الحقيقة هو جاهل, وشخص آخر لم يعرض عليه الإسلام ولم يعلم بمكانه حتى يسعى إليه, ولم يسعَ إليه, اشتركا في الجهل, لكن ذاك تمكن من العلم وعلم بمكانه فأعرض, ولو طلبه لرفع الجهل عنه, وذاك ما علم بمكانه وما عرض عليه, فيعذر الثاني ولا يعذر الأول, بحسب الحال, وهي على مراتب, قد تختلف في زمن ولا تختلف في زمن, وتشتهر في موضع دون موضع.وتأتي بعض المسائل الخلافية في هذا الأمر, ومنها مسألة الشرك والوثنية, هل يعذر الإنسان بجهله في أمر الوثنية إذا عبد الأصنام أم لا يعذر؟ فتدخل في هذه الدائرة, هل عبادة الأصنام يدل عليها دليل الطبع منفرداً؟ فإنك تعلم بوجود خالق فلماذا تعبد الحجر؟ إذا عبد الحجر منفرداً على أنه الخالق مدبر الكون إذاً نفى وجود الخالق سبحانه وتعالى، وذلك بتعدده, فالعلماء عليهم رحمة الله تعالى لهم كلام في هذا, فمنهم من ينفي العذر في مثل هذا الأصل, ومنهم من يعذر بحسب الحال.ولهذا يختلفون في مسألة أهل الفترة على أقوال, وهي تتقارب من جهة التأصيل وتختلف من جهة التنزيل, والكلام على هذه المسألة يحتاج إلى بسط, ولكن نكتفي بهذا القدر.وبه نعلم المسألة التي يتكلم فيها العلماء, أو يسأل عنها بعض الإخوة, وهي مسألة كيف يخرج الله عز وجل أناساً من النار لم يعملوا خيراً قط ويدخلهم الجنة مع أننا نقول: إن الإيمان قول وعمل, إذاً إذا انتفى الإيمان ليسوا من أهل الإسلام, نقول: انتفى عنهم العمل بعذر وعوقبوا بالتروك, لوجود وازع الطبع فكابروا عليه فعوقبوا عليه, ولهذا قد يدخل الإنسان النار ولو لم يعلم دليلاً بحرمة السرقة، وحرمة القتل، وما في أحكامها؛ لوجود قائم الطبع في ذلك, ويعظم عليه العقاب إذا اجتمع فيه الوازعان: وازع الطبع, ووازع الشرع.
إثبات علو الله تعالى وذكر أنواعه
قال رحمه الله: [ عال على عرشه, بائن من خلقه, موجود وليس بمعدوم ولا بمفقود ].تقدم الكلام على علو الله سبحانه وتعالى, وأن علو الله عز وجل على نوعين: علو الذات وعلو القدر، وعلو الذات هو علوه عز وجل على عرشه في السماء، والعرش فوق السماء السابعة, وهو عز وجل مستو على عرشه استواء يليق بجلاله, الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5], وإثبات علو الله سبحانه وتعالى أمارة وعلامة على الإيمان؛ كما جاء في الصحيح لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم الجارية حين ضربها سيدها وجاء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, ( سألها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالت: في السماء, قال: فأعتقها فإنها مؤمنة ).فالله سبحانه وتعالى له العلو بنوعيه: علو الذات, وعلو القدر, وذلك لأن الله سبحانه وتعالى مستو على عرشه كما سبق, وعلو القدر هو علو المنزلة، فإن الله سبحانه وتعالى له الكمال في أسمائه وصفاته, كالعزة والإذلال لمن شاء, والقدرة, والرحمة, واللطف, والرزق, والإحياء, والإماتة, وغيرها. ‏
 تولد الضلال في عقائد أهل الضلال
ولهذا نقول: إن عقائد الضلال يتولد فيها الضلال, ولهذا تشعب الضلال عند الرافضة, هل دخل في السرداب, أو بقي لديهم؟ وإذا دخل في السرداب من الوسيط إليه؟ كل يبتكر أنه رآه, وأصبح الوسائط لديه شعب, فلا أحد يستطيع أن يكذب هذا؛ لأنه لو كذبتني كذبتك, فاسكت عني أسكت عنك, كل يلتقي به ويسكت الدجال هذا عن هذا الدجال, وبقوا في دين من الخرافات في هذا الباب, ولهذا نقول: إن العقائد الفاسدة تنتهي إلى ما لا نهاية له من أمور الفساد, والعقائد الصحيحة تبقى على صواب ولا يحدث فيها فساد إلى أن يرث الله عز وجل دينه والأرض ومن عليها.ولهذا هنا في كلام المصنف رحمه الله: (بائن من خلقه) أراد أن يبين ما عليه أهل الضلال من الجهمية وغيرهم, فالذين يقولون: إن الله عز وجل حال في كل مكان, أراد أن يبين لهم أن الله سبحانه وتعالى مستو على عرشه بائن من خلقه، وكذلك أهل الضلال الذين يقولون: إن الله حال فينا وحال في كل مكان, ودافعهم لذلك هو الالتزام، وذلك أنهم التزموا بالباطل؛ لأنهم فتحوا أوله, والتزموا بالباطل حتى لا يخاصموا, فقالوا: إن الله في كل مكان, فحاجوهم في كل مكان, هل يشغل من مكان؟ لأنك إذا قلت: إنه لا يوجد في مكان، فما المانع أن لا يوجد في غيره؟ هل يوجد في ذواتنا؟ هل يوجد في أمور النجاسات؟ فلا يريدون أن يجعلوا باباً يلتزمون به، فاندرجوا في هذا الباب ووقعوا في ضلال مبين.
حكم إطلاق عبارة واجب الوجود على الله تعالى
وقول المصنف رحمه الله: (موجود وليس بمعدوم ولا بمفقود) المتكلمون يجعلون الموجود إما واجب الوجود أو جائز الوجود أو ممكن الوجود, ويجعلون الله عز وجل واجب الوجود من باب التقريب, وإلا لم يثبت نص من الوحي بمثل هذه اللفظة, ولكن هم يريدون بها التقريب المعنوي للأذهان ولا يريدون من ذلك الوصف لله سبحانه وتعالى, ولهذا نقول: يجوز الإخبار عن الله سبحانه وتعالى بمعاني الخير وصفات الكمال, فتقول: موجود, وتأتي مثلاً ببعض العبارات التي ربما لم تأت مثلاً في وصف أو اسم الله سبحانه وتعالى, فتطلق بعض العبارات من باب التجوز, فهذا سائغ إذا كانت عبارات تتضمن الكمال, ولكن لا يجوز أن تجعلها اسماً لله ولا صفة له, وإنما عن طريق الإخبار, فيتوسع العلماء في أبواب الأخبار ما لا يتوسعون في غيرها, وذلك أن المتكلمين في هذه اللفظة أخذوا يطلقون ويكثرون من إطلاق هذه العبارة في مسألة الوجود؛ واجب الوجود, وممكن الوجود, وجائز الوجود.وهنا أيضاً في قوله: (وليس بمعدوم ولا بمفقود), تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
 تولد الضلال في عقائد أهل الضلال
ولهذا نقول: إن عقائد الضلال يتولد فيها الضلال, ولهذا تشعب الضلال عند الرافضة, هل دخل في السرداب, أو بقي لديهم؟ وإذا دخل في السرداب من الوسيط إليه؟ كل يبتكر أنه رآه, وأصبح الوسائط لديه شعب, فلا أحد يستطيع أن يكذب هذا؛ لأنه لو كذبتني كذبتك, فاسكت عني أسكت عنك, كل يلتقي به ويسكت الدجال هذا عن هذا الدجال, وبقوا في دين من الخرافات في هذا الباب, ولهذا نقول: إن العقائد الفاسدة تنتهي إلى ما لا نهاية له من أمور الفساد, والعقائد الصحيحة تبقى على صواب ولا يحدث فيها فساد إلى أن يرث الله عز وجل دينه والأرض ومن عليها.ولهذا هنا في كلام المصنف رحمه الله: (بائن من خلقه) أراد أن يبين ما عليه أهل الضلال من الجهمية وغيرهم, فالذين يقولون: إن الله عز وجل حال في كل مكان, أراد أن يبين لهم أن الله سبحانه وتعالى مستو على عرشه بائن من خلقه، وكذلك أهل الضلال الذين يقولون: إن الله حال فينا وحال في كل مكان, ودافعهم لذلك هو الالتزام، وذلك أنهم التزموا بالباطل؛ لأنهم فتحوا أوله, والتزموا بالباطل حتى لا يخاصموا, فقالوا: إن الله في كل مكان, فحاجوهم في كل مكان, هل يشغل من مكان؟ لأنك إذا قلت: إنه لا يوجد في مكان، فما المانع أن لا يوجد في غيره؟ هل يوجد في ذواتنا؟ هل يوجد في أمور النجاسات؟ فلا يريدون أن يجعلوا باباً يلتزمون به، فاندرجوا في هذا الباب ووقعوا في ضلال مبين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح السنة للإمام المزني [5] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net