اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الحجاب في الميزان للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


الحجاب في الميزان - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
الأمر بالحجاب وارد في جميع الشرائع، وثابت في كل العصور، وقد جاء الإسلام فأكد الالتزام بالحجاب، والجمهور على وجوب تغطية المرأة وجهها ولم يقل أحد بخلاف ذلك إلا في الإحرام.أما إذا كان في كشف الوجه فتنة فالجميع على وجوب التغطية.وما استدل به المجوزون لكشف الوجه لا ينهض لمقاومة الأدلة الدالة على وجوبه.
مجيء الشرع بالتيسير على هذه الأمة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:فإن الله عز وجل قد أنعم على خلقه بالنعم الكثيرة المتوافرة التي لا يحصى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34]، وإن من أعظم النعم التي أنزلها الله عز وجل على هذه الأمة أن أنزل عليها كتاباً بيناً فيه شفاء لكل الناس، شفاء من الأمراض والأسقام المعنوية والحسية، كما أنزل الله عز وجل القرآن على هذه الأمة لتبرأ من جميع الأدواء والعلل الظاهرة والباطنة، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى مخاطباً نبيه عليه الصلاة والسلام: طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طه:1-2]، أي: ما أنزل الله عز وجل القرآن على نبيه إلا لأجل السعادة في الدارين. وأن من أعظم النعم على هذه الأمة أن جعل الله عز وجل دينها يسراً، ورفع عنها الأغلال، والمشقة التي كانت على الأمم السابقة، فما أراد الله عز وجل بهذه الأمة عسراً، وإنما أراد الله بها يسراً: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185]، فرفع الله عز وجل عن هذه الأمة الحرج، وأنزل عليهم اليسر، فكان القرآن بأحكامه وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بما جاء فيها هي من اليسر الذي يجب الأخذ به واعتباره على هذا الوجه، لا أنه يحمل على خلاف ذلك، وذلك أن الشريعة ما جاءت إلا لأصحاب الفطر السوية السليمة فأخذوها كما جاءت بالتسليم من غير انحراف في الفهم، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء:65].
 

نعمة الله في إنزال اللباس لستر العورات والريش للتجمل
ومن النعم الظاهرة التي أنعم الله عز وجل بها على بني آدم أن أنزل عليهم لباساً وريشاً يستترون به ويتجملون به، ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26]، قال غير واحد من المفسرين: إن اللباس هو ما يستر به الإنسان عورته، وأما الريش فهو شيء أكمل من ذلك وهو ما يتجمل به الإنسان من متاع وأثاث، وما يضعه الإنسان من الكماليات على جسده ليتجمل به عند الآخرين، فأنزل الله عز جل هذه النعمة على الناس كافة، لكي يكون موضع شكر في حالهم على الدوام، فإن الإنسان إذا كان ممن يماس النعمة على وجه الدوام، كان تأمله وتدبره فيها أكثر من غيرها، بخلاف ما يطرأ عليه من النعم فتكون عنده محل استغراب.ولهذا لما كانت النعمة على هذه الحال حذر الله سبحانه وتعالى من نقيضها أن يكون الإنسان سبباً لزوال هذه النعمة من تلقاء نفسه سواءً برأي أو باتباع إغواء إبليس، ولهذا كان عقوبة آدم عليه السلام أن أنزله الله عز وجل من الجنة إلى هذه الأرض، وكان أول عقوبة أن بدت لهما سوأتهما، ولهذا بيّن الله عز وجل صراع آدم وزوجه عليهما السلام مع إبليس حينما منعه الله عز وجل أن يأكل من الشجرة فلما أطاع إبليس بقوله ورأيه، حينما طمعهما بطول البقاء أبدى الله عز وجل لهما سوأتهما.قال العلماء في معنى قوله سبحانه وتعالى: قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا [الأعراف:26]، إن الله عز وجل قد أنزل على هذه الأمة لباسين وريشاً، أما اللباسان: فلباسان في الظاهر، ولباس من جهة المعنى، فالظاهر هو الحسي وهو ما يستر الإنسان به عورته, وأما الباطن فهو المعنوي وهو الدين والتقوى الذي أمر الله عز وجل بلزومها، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26]، وذلك أن الإنسان إذا تزود بالتقوى ستر ظاهره، وإذا لم يتزود بالتقوى فإنه لا يستر ظاهره، فإن أعظم ما يكون عليه الإنسان أن يستر باطنه بتقوى الله عز وجل، فإذا كان كذلك ستر عورته الظاهرة، فإن هذا لازم لذلك كالشجرة إذا سقاها الإنسان خرجت خضراء مورقة، وإذا لم يسقها لم تخرج كذلك، فإن القلب إذا كان حياً كان بقية الجسد كذلك، وإذا كان ميتاً كان الجسد كذلك.وأما الريش فأنزله الله عز وجل ليتجمل به الإنسان ويتكمل به. وأما أفضل اللباس على الإطلاق فهو ما أجمع عليه العقلاء من إصلاح باطن الإنسان بتقوى الله سبحانه وتعالى، ومراقبته، ولهذا قدم النبي عليه الصلاة والسلام تقوى الله عز وجل على أي شيء يتقيه الإنسان من الفتن، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيح من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الدنيا حلوة خضرة, وإن الله عز وجل مستعملكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الله واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء )، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتقوى الله عز وجل قبل أن يتقي الإنسان الفتن الظاهرة الأخرى من فتنة النساء وغيرها مع شدة خطرها على الإنسان؛ لأن الإنسان إذا كان له وازع من قلبه حمله ذلك على مراقبة الله عز وجل في السر والعلانية سواءً كان في غيبة عن الناس أو في شهادة، وهذا هو أعظم ما يجعل الإنسان على استقامة في حاله كلها. وكلامنا في هذا اليوم هو عن نعمة عظيمة جليلة أنعم الله عز وجل بها على عباده من بني آدم أن جعل الله عز وجل لهم من اللباس ما يسترون به أبدانهم، وجعل الله عز وجل ذلك نعمة, وجعله من الآيات التي لا يتدبرها ولا يتأملها إلا الذين يعقلون، وقد حذر الله سبحانه وتعالى من مخالفة أمره في مواضع متعددة، وخص بذلك العقلاء من الرجال والنساء، فأمر الله سبحانه وتعالى النساء بستر العورات على وجه العموم، وأمر الرجال بأن يأخذوا زينتهم تكملاً، فإذا كان ذلك الأمر في أخذ الزينة، فما دون ذلك من باب أولى؛ قال الله سبحانه وتعالى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31]، وهذا على وجه الأمر، قال غير واحد من العلماء: إن ظاهر ذلك يقتضي الوجوب.فلا يليق بالإنسان أن يبتذل، ويأخذ الرديء من اللباس عند الذهاب إلى بيت من بيوت الله، فإنه يأثم بذلك كما ذهب إلى هذا بعض الفقهاء من الحنابلة والشافعية والظاهرية.
 

معنى الحجاب
فالكلام في هذه المحاضرة عن: (الحجاب في الميزان), والحجاب من جهة الأصل هو الاستتار، ويغلب استعمال كثير من الناس في هذا العصر حمل الحجاب على معنى من معانيه، وهو في الأصل الاستتار على وجه العموم، سواءً استتر الإنسان ببناءٍ أو بلباسٍ أو يضرب له خيمة، أو دار، أو يستتر بحائط، أو أي شيء من أنواع اللباس، فإن هذا كله داخل في أنواع الحجاب، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الأحزاب:53]، أي: من وراء ساتر، فهذا الحجاب الذي أخبر الله عز وجل عنه في هذه الآية هو الساتر الذي ربما لا يماس المرأة، فيكون حينئذٍ حائلاً بينها وبين من يسألها متاعاً، وأما المعنى الذي يحمله كثير من الناس عليه من تقييد معنى الحجاب ببعض أحكام، أو ببعض ما دل الدليل عليه، فهو وإن كان صحيحاً من جهة لغة العرب، إلا أن فيه تقييداً لهذا النص، فمن نظر إلى نصوص الكتاب والسنة، وجد أن الله أمر النساء بالاحتجاب عن الرجال إلا لضرورة، وألا تخرج المرأة إلا لحاجة ومن ذلك ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الصحيح وغيره من حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأزواجه: ( قد أذن الله لكن أن تخرجن لحاجتكن )، وجاء من غير وجهٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو هذا المعنى وجاء أتم بياناً خارج الصحيح، وسنتكلم في هذه المحاضرة على الحجاب بجميع أنواعه، ونأتي بالأدلة من الكتاب والسنة على جهة الإجمال؛ لأن استيفاء ذلك متعذر، ولا يمكن إدراكه لورود الأدلة الكثيرة المتضافرة على هذا الأصل العظيم.وكذلك وجود من يخالف في فهم هذه الأدلة من بعض الفقهاء من الأئمة من السلف والخلف، فإيراد الأدلة في جميع مسائل في هذه المحاضرة مما يشق ولا يمكن استيعابه، وكذلك إيراد أدلة المخالفين في بعض المسائل مما يشق أيضاً، وإنما سنورد ما يندرج في الجملة من الأدلة في بعضها، نورد أظهرها وأقواها حجة، ثم نبين الراجح منها والمرجوح، ثم نبين وجه الرجحان ووجه الدليل غير الراجح، وهذا كله بالأدلة البينة الظاهرة من الكتاب والسنة، وما كان من الأدلة فيه ضعف فإننا سنبين ضعفه ومن ضعفه من الأئمة ومن رد ذلك، ومن كان محتجاً بأحد من الأدلة نبين قوله وإن كان هذا القول لا ينسب لأحد بيناه، خاصة أن هذه المسائل قد دخل فيها كثير ممن ينتسب إلى الجهالة، ولا ينتسب إلى العلم، ودخل في ذلك جملة من أهل العلم بحسن ظن، ودخل في ذلك أيضاً جملة ممن ينتسبوا إلى العلم ربما رغبة ورهبة مسايرة لبعض الأهواء المعاصرة، كما كان ذلك في كثير من القرون، وهذا سيأتي بيانه بإذن الله. ‏
 الحجاب في الأمم السابقة
وقد بيّن الله سبحانه وتعالى أن التبرج وخروج المرأة لإبداء زينتها من جهة الأصل من عادة الجاهلية الأولى، فقال جل وعلا: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33] فهذا دليل على أن ثمة جاهلية، وأن أشد هذه الجاهليات هي الجاهلية الأولى التي فيها ابتذال النساء. وقد جاء عن غير واحد من المفسرين كـعبد الله بن عباس كما رواه ابن جرير و ابن أبي حاتم ، و ابن المنذر وغيرهم، أن المراد بالجاهلية هذه هي: ما كان بين نوح وإدريس عليهما الصلاة والسلام، قالوا: فإن المرأة كانت تمشي نصف عريانة، بل قيل: إن لها زوجاً وعشيقاً. وقيل: بأن المراد بذلك ما كان بين آدم ونوح، وهذا مروي عن الحكم بن عتيبة، كما رواه ابن جرير وغيره.وقد جاء عن عامر بن شراحيل الشعبي أن تلك الجاهلية هي: ما كان بين عيسى ومحمد عليه الصلاة والسلام، وما كان بعد ذلك فإن أمر النساء على استقامة، وكن مستترات، وقيل: أن المراد الجاهلية الأولى هي ما كان بين موسى وعيسى كما جاء هذا عن بعض المفسرين، كما بيّن ذلك ابن جرير الطبري وغيره. والمراد بذلك أن الله سبحانه وتعالى قد أشار بقوله تعالى: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33]، أن ثمة من كان من السالفين على استقامة في حال الحجاب والتستر، سواءً ممن كان على هدى ورشاد من أتباع الأنبياء، أو كانوا من غير أتباعهم ممن كان على فطرة سوية، ومن نظر إلى نصوص الشريعة والآثار المروية في ذلك عن السلف الصالح ممن يحدث عن بني إسرائيل، أو ممن يروي والغالب أنه لا يروي إلا بشيء من أمور الغيب مما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد أن كثيراً من أمور أصحاب العصور الأولى كانت على استقامة حال من التستر وغيره، وقد جاء هذا في قوم صالح، وشعيب، وعيسى وموسى عليهم الصلاة والسلام، وقد روى ابن جرير الطبري ، وابن أبي حاتم و ابن المنذر وغيرهم من حديث أبي إسحاق السبيعي عن عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى، أنه قال في قول الله سبحانه وتعالى: فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ [القصص:25] جاءت وقد غطت وجهها.قيل: إن هذه هي ابنة شعيب ، كما جاء هذا عن بعض المفسرين، والأشهر أنها ليست ابنة شعيب، وقيل إنها ابنة يثرب صاحب مدين، وقيل: إنها ابنة أخي شعيب عليه الصلاة والسلام، وعلى كل فإن هذا الأمر يدل على أن النساء في ذلك الوقت كن يحتجبن ويستترن عن الرجال، وجاء هذا أيضاً في قوم صالح، كما ذكر ابن عساكر وغيره في قصة من عقر الناقة حينما جاءته أم غم جاءت إلى قدار سالف وهو الذي عقر الناقة فقالت: اعقرها وأعطيك أحسن بناتي وأجملهن، فلما أراد أن يعقر الناقة أتت بابنتها إليه، فكشفت عن وجهها فرآها كأجمل النساء، فافتتن بها فنحر الناقة وعقرها، فأحل الله عز وجل عقابه بهذه الأمة.وكذلك ما جاء عن اليهود في مصنفاتهم وغيرهم من بيان قيمة الحجاب، وتستر النساء، وعدم مخالطتهن للرجال، بل وتغطية وجوههن. وكذلك ما وجد في أشعار الجاهليين ممن كان قبل الإسلام من بيان الاستتار، فقد وجد هذا في أشعار عدة منهم سواءً بإطلاق الخمار أو النقاب، أو الحجاب على وجه العموم، ولهذا فقد ذكر النابغة امرأة النعمان بن المنذر حينما مرت أمامه، وسقط خمارها من غير قصد، فقال: سقط النصيف ولم ترد إسقاطهفتناولته واتقتنا باليدأي: أنها تناولت خمارها بيد، واتقت الرجال بيدها الأخرى خشية أن يروها حينما سقط خمارها من غير قصد، وهذا قد جاء عن غير واحد، كما جاء عن من يتغزل بـمية حينما كان يتمنى رؤيتها من بين النساء، وكانت تحتجب كسائر النساء، فقال: جزى الله البراقع من ثيابعن الفتيان دوماً ما بقينايوارين الملاح فلا نراهاويوارين القباح فيزدهيناوظاهر هذا أن نساء الجاهلية كنا يستترن بالنقاب، وبالخمار عن وجوه الرجال، وهذا إذا عرف في الجاهلية، فهو كذلك قد عرف في صدر الإسلام، وكان من جهة الأصل معروفاً مشتهراً، إلا أنه ليس على الإطلاق، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والصدر الأول أصحاب غيرة شديدة، ولهذا كان الصحابة عليهم رضوان الله تعالى لا يأذنون لأحد من النساء أن تشكف وجهها، بل قد وقعت معركة بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين اليهود من بني قينقاع لأنهم تسببوا في كشف وجه امرأة فوقع الشر بينهم كما جاء في بعض الروايات.فقد روى ابن عساكر وكذلك الخطيب وغيرهم من حديث عبد الله بن جعفر بن المسور بن مخرمة عن أبي عون قال: لما كانت امرأة من المسلمين قد ذهبت إلى بني قينقاع تبيع حليباً لها، وقد غطت وجهها، فأراداها واحد منهم أن تكشف وجهها فأبت، فذهب إليها من خلفها، فعقد إزارها في ظهرها، فلما قامت بدت عورتها فضحكوا فانتصر لها أحد المسلمين، فقتل اليهودي فقاموا عليه فقتلوه، ثم وقع بينهم وبين المسلمين ما وقع، وهذا جاء عن أبي عون ، وجاء من غير طريقه كما جاء عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى، من وجه آخر بنحو هذه القصة. وجاء في جملة من الحكايات عن بني إسرائيل في بيان أهمية ذلك, وتستر النساء على وجه العموم.وأما من جهة النصوص الظاهرة من كلام الله عز وجل، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الأدلة في ذلك ظاهرة بينة، وما ينبغي الإشارة إليه أن الأدلة في كلام الله عز وجل من جهة المعنى والإجمال الواردة في هذا الباب دالة على المعنى الإجمالي وهو وجوب أن تستتر المرأة عن أعين الرجال قدر إمكانها، وألا تظهر إلا ما لا بد منه، ولهذا فقد كان عمل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك كما كن المهاجرات والأنصاريات من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينما أنزل الله عز وجل قوله جل وعلا: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النور:31]، قالت عائشة عليها رضوان الله تعالى كما روى البخاري و مسلم : ( رحم الله النساء المهاجرات حينما أنزل الله عز وجل: (( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ ))، قطعن مروطهن واختمرن بها )، قال غير واحد من شراح الحديث: إن المراد بذلك أنهن قطعن المروط، وغطين بهن الوجوه، وقد جاء هذا المعنى عن غير واحد من المفسرين. ومما جاء في ذلك في كلام الله سبحانه وتعالى جملة من الآي، نورد جملة منها، ثم نبين معانيها، ثم نبين بعد ذلك ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى مما يدل عليه، وكذلك ما جاء عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن التابعين، ثم بعد ذلك نبين ما ورد عن الأئمة الأربعة وغيرهم، ثم نبين الأدلة الواردة التي يستدل بها بعض العلماء في بعض فروع هذه المسائل مما يخالفون فيه، ونبين هذه الأدلة مع بيان صحتها وضعفها ونناقش الأدلة التي ليست بصحيحة، ونبين احتمال الرب في حال صحة بعض الأحاديث، ونبين جملة من أسماء الأئمة الذين تكلموا على هذه المسائل.
مسائل تتعلق بالحجاب
وقبل الشروع في ذلك نتكلم على جملة من المسائل مما اتفق عليه العلماء مما تقدمت الإشارة إليه على وجه الإجمال. ‏
 حكم النقاب
وأما النقاب وستر المرأة لوجهها من جهة الأصل وتقرير هذه المسألة، فينبغي أن يعلم أن النقاب كما أنه موجود في الجاهلية، فهو كذلك موجود في صدر الإسلام على هيئته بإظهار المرأة لعينيها، ومن نفى ذلك فإنه دليل على الجهل الظاهر البين، كما تقدمت الإشارة إليه ببيان أشعار الجاهليين، وكما جاء عن عائشة عليها رضوان الله تعالى، كما ذكر ابن سعد في الطبقات من حديث أم سلمة أنها دخلت على أمهات المؤمنين، وهن منتقبات، وسمت منهن عائشة عليها رضوان الله تعالى، و زينب و جويرية ، وغيرهن عليهن رضوان الله تعالى، وكذلك ما يذكره الفقهاء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحكام النقاب في جملة من المواضع في عورة المرأة عند الرجال، وسترها، وكذلك في مسائل المناسك، وتنقب المرأة في الإحرام، وقد عقد غير واحد من العلماء فصولاً في لبس المرأة نقابها في حال طوافها، كما ترجم لذلك الفاكهي في كتابه أخبار مكة فقال: باب ذكر طواف المرأة متنقبة، وأورد في ذلك عشرة من الأخبار، عن عبد الله بن عباس و عائشة و عطاء بن أبي رباح و مجاهد بن جبر و جابر بن زيد وغيرهم من السلف أنهم يرون طواف المرأة وهي متنقبة، وإن كانت محرمة إذا كانت لا تجد ما تغطي بها وجهها، وقد جاء ذلك عن غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ستأتي الإشارة إليه.
الأدلة على وجوب الحجاب

 مذهب الأئمة الأربعة في حكم تغطية المرأة وجهها
وأما ما ورد عن الأئمة الأربعة الإمام مالك و الشافعي والإمام أحمد و أبي حنيفة في ذلك، فالإمام مالك عليه رحمة الله، وأبو حنيفة وكذلك الشافعي لا يعلم لهم نص صريح في هذه المسألة، والعلماء عليهم رحمة الله كما نص على ذلك بعض الفقهاء من الشافعية فقال: ولا يعلم عن السلف ولا عن الأئمة كـمالك وأبي حنيفة و الشافعي أنهم تحدثوا عن عورة المرأة إلا في الصلاة، ولعل هذا من استقرار المسألة وبيانها، وأظهر ما جاء عن الإمام مالك عليه رحمة الله في هذه المسألة ما سئل كما جاء في المدونة عن الرجل يبت امرأته يعني: ثلاثاً، فقال: لا تكشف وجهها له، وجاء ذلك أيضاً في كتابه الموطأ، أنه سئل عن المرأة تأكل مع غير ذي محرم فأذن بذلك، واستدل به من قال: إن المرأة تكشف وجهها فإنه يبعد أن تأكل من غير كشف الوجه، فيقال: إن هذا لا يؤخذ على إطلاقه، وإنما يفسره قول الإمام مالك الآخر، فإن الإمام مالك عليه رحمة الله كما حكى ذلك عنه أبو بكر بن العربي في كتابه أحكام القرآن قال: وأما المرأة فلا حرج عليها أن تأكل مع غلامها الوق، يعني: القبيح، أما صاحب المنظرة فلا، وإن كان غلاماً لها.وقد جاء أيضاً في العصرية كما رواه ابن القاسم عن الإمام مالك عليه رحمة الله أنه قال: لا حرج على المرأة المتجالة أن تجلس عند الصانع يصنع لها، أما الشابة فلا، ويمنعهن من ذلك ويضربهن عليه، وظاهر كلام الإمام مالك عليه رحمة الله في النقل الأول بأنه رخص للمرأة أن تأكل مع غير ذي محرم إذا حضر زوجها يظهر أنه أراد بذلك المتجالات وهي القواعد من النساء التي تبدي ذلك من جهة الأصل، ومجمل قوله يبينه المفصل من قوله.والمالكية من جهة الإطلاق يشددون في هذا، والمتقرر في مذهب الإمام مالك : منع الرجل من أن يسلم على المرأة الشابة، بل قد نص .. كما في كتابه المدونة أن الرجل لا يعز المرأة الشابة، ولا يبذل لها السلام، وهذا هو المتقرر والمشتهر في مذهب المالكية، كما نقله الأبي عن ابن .. قال: والمشتهر عند المالكية أنه يجب على المرأة أن تغطي وجهها، وقد نص على خلاف ذلك جملة من الفقهاء من المالكية وغيرهم.وليعلم أن الفقهاء من الأئمة الأربعة لا ينصون على هذه المسألة، وإنما يتكلمون على عورة المرأة في الصلاة، ويتكلمون على عورتها في الحج، ويندر، بل لا يكاد يوجد عن أحد من الأئمة النص على هذه المسألة بخصوصها، وهذا يدل على أن الحكم متقرر، وأنهم حينما أمروا المرأة أن تغطي وجهها في حال إحرامها دل على أنها فيما عدا ذلك من باب أولى، وهذا يظهر أيضاً حينما رخص النبي عليه الصلاة والسلام للرجل أن ينظر إلى وجه من يريد خطبتها، فدل على أن المرأة كانت تحتجب قبل ذلك، وكذلك في هذا الموضع ما جاء عن الأئمة أنه مرخص بالاتفاق للمرأة أن تسدل الثوب على وجهها حال إحرامها إذا لم يماس الجنس، وأما إذا مس بشرتها فإن العلماء قد اختلفوا في هذه المسألة، وحكى اتفاق العلماء على ذلك غير واحد من الفقهاء من الشافعية في العراق في كتاب .. وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما أن المرأة تغطي وجهها في حال إحرامها، شريطة ألا يمس بشرتها، وأما إذا مس البشرة فقد ذهب جمهور العلماء إلى أن الحكم كذلك، وهذا قول جمهور العلماء من الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة على خلاف عند جمهور الحنفية بمنعها من ذلك شريطة ألا يمس بشرتها شيء من ذلك.وأما الإمام الشافعي عليه رحمة الله ففي كتابه الأم في المرأة المحرمة: إذا طافت نهاراً تغطي وجهها أي: تسدل حجابها على وجهها، يريد بذلك أنها إذا طافت من الليل ولا يراها الناس فإنها لا تغطي وجهها، وفي قوله عليه رحمة الله في كتابه الأم: إذا طافت نهاراً غطت وجهها، دليل على أنه يتأكد عليها تغطية وجهها، وينبغي أن يعلم أيضاً حال النظر في كلام الفقهاء من الأئمة الأربعة وغيرهم، أن العلماء حال كلامهم على هذه المسألة يفرقون بين العورة من جهة ذات العضو، والعورة من جهة النظر، لهذا يقول بعض الفقهاء من الشافعية وغيرهم: وجه المرأة ليس بعورة، ولا يريدون بذلك أنه لا يجب تغطيته، ولهذا يقول الرازي ، وكذلك أبو بكر الجصاص وهو من الحنفية، والطحاوي، والعراقي وغيره، يشيرون إلى أن وجه المرأة ليس بعورة، ولكنهم يجعلونه عورة من جهة النظر، فهم يفرقون في العورة من جهة الكشف ومن جهة النظر، قالوا: فإذا كانت المرأة تعلم أن ثمة رجالاً ينظرون إليها كانت حينئذٍ موضع عورة فيجب عليها أن تستر ذلك.وعليه ما يستدل به كثير أو ممن يحتج بأقوال الفقهاء من الأئمة الأربعة وغيرهم حال كلامهم عن عورة المرأة في الصلاة، أو في الحج، أو كلامهم على وجه الإطلاق أن وجه المرأة ليس بعورة، أي: أنهم يريدون بذلك أنه لا يساوي عورة المرأة التي تغطيها على وجه الإطلاق، فلا تبديه إلا لزوجها كالسوءتين، فإنها عورة، لا تبديها إلا لزوجها، ولا يقال: إنها تكشفها لناسها، فإن هذا لا قائل به.وعليه يعلم أن ما يذكره الفقهاء من إطلاق العورة على الوجه في نصوص الفقهاء من الشافعية والحنفية والمالكية، وكذلك الحنابلة أنهم لا يريدون بذلك العورة من جهة النظر. وأما النصوص الواردة عن أئمة الفقهاء من أتباع المذاهب الفقهية الأربعة فإن النصوص عنهم قبل تقريرها يجب أن يعلم أنه لا يعلم خلاف عن أحد من العلماء من المتقدمين أو من المتأخرين على اختلاف طبقاتهم ومذاهبهم أنهم قالوا: بأنه يتأكد في حق المرأة أن تكشف وجهها، أو يجوز لها أن تكشف وجهها على التساوي بين الأمرين، أو أنه يجوز للمرأة أن تكشف وجهها عند الافتتان بها، بل إنهم يجمعون على التأكيد بأن تغطي المرأة وجهها، بل يوجبون أن تغطي المرأة وجهها عند الافتتان بها، حكى إجماع العلماء على ذلك غير واحد كـإمام الحرمين، وهو من الشافعية، وكذلك ابن حجر العسقلاني كما في كتابه الفتح، وكذلك ابن رسلان ، وهو من الأئمة الشافعية حكى إجماع العلماء على وجوب تغطية النساء لوجوههن حال الفتنة متى وجدت، وأنه يرخص للمرأة القاعد أن تكشف وجهها، وقد نص على هذا المعنى غير واحد بصياغات متعددة، من جهة التأكيد على ذلك تارة على وجه الإلزام، وتارة على وجه التأكيد، وبيان أنه من أعظم المروءة، ومخالفة ذلك من قوادح المروءة نص على ذلك غير واحد من أتباع المذاهب الأربعة، فمن مذهب أبي حنيفة نص على ذلك الإمام الطحاوي في كتابه وشرحه معاني الآثار، و أبو بكر الجصاص في كتاب أحكام القرآن، و الزمخشري في كتابه التفسير، وغير واحد من الأئمة من المتأخرين كـابن عابدين وغيرهم من فقهاء الشام كـعلاء الدين الحنفي نصوا على أن النساء يغطين وجوههن، وكذلك من فقهاء المالكية كما تقدمت الإشارة إليه مما ورد من النصوص عن الإمام مالك ، وكذلك سحنون ما أشار إليه في كتابه المدونة، وكذلك ما جاء من الأمر بتغطية المرأة لوجهها عن ابن غنيم في كتابه الفواكة الشهية، بشرح رسالة ابن أبي زيد حينما بين أن المرأة يجب عليها أن تغطي وجهها، وقد أشار إلى هذا المعنى أبو بكر بن العربي وكذلك ابن حيان، وغيرهم من أئمة الفقهاء من المالكية، بل أن عادة النساء في بلاد المالكية في الأزمنة المتقدمة على هذا الأمر.كذلك من الفقهاء من الشافعية ما يربو على عشرين إماماً، أكدوا على ذلك وأهميته، منهم الإمام الشافعي عليه رحمة الله كما تقدمت الإشارة إليه، وكذلك ابن المنذر في كتابه الأوسط، وإمام الحرمين، وكذلك ولي الدين العراقي و ابن حجر العسقلاني ، و أبو حامد الغزالي ، وكذلك جلال الدين المحلي و جلال الدين السيوطي ، والإمام الخطيب الشرييني ، والإمام البيضاوي وغيرهم من أئمة الشافعية، بل إن منهم من يؤكد ذلك كـأبي حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين، حيث قال: إنه يجب على المرأة إذا كانت مكرهة على الزنا بغير رضاها، ألا تسترسل وتكشف وجهها لأنها مكرهة على الزنا، فتملك تغطية وجهها، بل إنه حال تقريره لمسألة أن ينكر الرجل المنكر، وإن كان يقع في حرام أعظم منه، قال: إنه يجب على الزاني إذا زنى بامرأة وهي كاشفة لوجهها أن يأمرها بتغطية وجهها، وأنكر ورد على من يخالفه في هذا القول، وهذا يدل على أنه يشدد في هذه المسألة، ويبين أن هذا من المنكرات. بل قد نص عليه رحمة الله في كتاب إحياء علوم الدين على أن كشف الوجه معصية مستقلة عن الزنا، فإذا زنى الإنسان وجب عليه أن ينكر على المرأة كشفها لوجهها، وهذا القول وإن كان من جهة النظر مما لا يستساغ إلا أنه يريد بذلك تقرير المسألة من جهة إنكار المنكر، إذا كان الإنسان متلبساً بحرام، وأن قول الله سبحانه وتعالى معاتباً لمن كان واقعاً في فسوق: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ [البقرة:44]، أن هذا لا يأتي على مثل هذه الحال، وإنما هو عتاب للإنسان أن يغادر وأن يقلع عن سائر المعاصي.وأما الفقهاء من الحنابلة فإن هذا الأمر مما هو مشتهر عنهم، ولا أعلم نصاً عن الإمام أحمد عليه رحمة الله في هذه المسألة وأنما ذكره بعض الفقهاء أنه قال: إن المرأة كلها عورة حتى ظفرها، قال بعض الفقهاء: إن مراده بذلك يعني: في الصلاة، ولا يجوز لها أن تكشف في الصلاة إلا وجهها، قالوا: ولا يريد بذلك أنها على وجه الإطلاق، فلا أعلم الإمام أحمد عليه رحمة الله نص في هذا إلا في مسألة الصلاة ومسألة الحج، أن المرأة تسدل خمارها على وجهها إذا طافت حال رؤية الرجال لها.وقد نص على ذلك من فقهاء الحنابلة غير واحد من الأئمة كشيخ الإسلام ابن تيمية و ابن القيم و ابن رجب ، و يوسف عبد الهادي و الزركشي في شرحه، وكذلك الخرقي و البهوتي وغيرهم من الأئمة، على أنه يجب على المرأة أن تغطي وجهها عن الرجال الأجانب.وتقدمت الإشارة إلى أن العلماء قد أجمعوا على أن المرأة إذا كانت تعلم أنه يفتتن بها وجب عليها عند سائر المذاهب، بل قد نص غير واحد من العلماء أنه يجب على المرأة أن تغطي وجهها في هذه الأزمنة يعني: في أزمنتهم لغلبة الفساد، فكيف لو رأوا ذلك في أزماننا، ونص أيضاً غير واحد من فقهاء الحنفية على أن من أسباب جواز ضرب الرجل لامرأته في قوله سبحانه وتعالى: وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء:34]، إذا كشفت المرأة وجهها لغير محرم لها.نص على ذلك ابن نزيل في كتابه البحر الرائق، وصاحب كتاب غمز البصائر في شرح الأشباه والنظائر وأن ذلك مما يجوز للرجل أن يضرب زوجته عليه إذا كشفت وجهها لرجل لا يحل لها.
مناقشة أدلة القائلين بجواز كشف المرأة وجهها
وأما ما يرد عند كثير من الفقهاء سواءً من المعاصرين، أو من فقهاء الأئمة من أتباع المذاهب الفقهية الأربعة الذين يستدلون ببعض النصوص الواردة في كلام الله عز وجل، أو في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ما جاء عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عن أحدٍ من أئمة التابعين فيستدلون به على خلاف ما تقدم تقريره من أنه لا حرج أن تكشف المرأة وجهها، واستدلوا ببعض النصوص الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ‏
 القول بأن الحجاب عادة أهل البادية
وينبغي أن يعلم أيضاً أنهم ربما قللوا من شأن الحجاب على وجه العموم بوصم أنه من عادة أهل التشدد، أو من عادة أهل البادية ونحو ذلك.أولاً: ليعلم أن هذه اللفظة وهي وصم الحجاب بأنه من عادة أهل البادية لم يعلم هذا إلا بعد أن نال الاستعمار بلاد المسلمين، فحينما دخل الاستعمار بلاد مصر، بلاد المغرب، وبلاد الأندلس وظهر منهم من وصم ذلك بهذا الوصم، ثم جاء من تبع هؤلاء على هذا النهج، ويكفي أن نساء المسلمين في أقصى ما وصل إليه المسلمون من البلاد كن على حجاب تام وستر تام، حتى جاء المستعمر فطمس تلك المعالم على وجه الإكراه تارة، وعلى وجه الترغيب بمطامع الدنيا تارة أخرى، وإذا كان هذا بأقاصي الدنيا فهو لمن كان دون ذلك من باب أولى ممن كانت فيه الخلافة قائمة نحواً من ثمانية قرون، فمن قدم إلى هذه البلدان ورآها وجد أن الإسلام قد طمس فيها أصولاً وفروعاً، مع تمسك المسلمين في بلاد الأندلس خاصة بالحجاب، وتغطية الوجه أكثر من سبعين عاماً.ولعل فيما تقدم الكلام عليه كفاية بالإيراد والنقاش. وبالجملة أن ما ذكرناه من أدلة هو من جهة الأصل داخل فيها، فإن الإطناب في إيراد الأدلة مع اتحادها من جهة الحجة والاحتجاج عند العلماء ليس من عادة العلماء في إيراده ومناقشته، وإنما يورد ذلك إذا انفرد أحد الأئمة بإيراد هذا الدليل، ولم يحتج بغيره فإنه يبين على وجه الخصوص، وبالجملة فإن من استدل بالأدلة فإنه يشترك من جهة الاستدلال والاستنباط على ما تقدمت الإشارة.
الأسئلة

 كشف المرأة شعرها أمام محارمها
السؤال: يقول: ما حكم كشف المرأة لشعرها أمام محارمها؟الجواب: لا حرج في ذلك.أما لبس المرأة أمام الأجانب عنها البنطال، فإن هذا محرم بالإجماع؛ لأنه يصف جسدها، وتقدمت الإشارة إلى هذا المعنى، في كلامنا هذا نحن لا نتكلم عن عورة المرأة بالنسبة للمرأة، أو عورة المرأة عند محارمها؛ لأن هذا ليس من مباحث هذه المحاضرة، ونكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الحجاب في الميزان للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net