اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [34] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


تفسير آيات الأحكام [34] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
نهى الله سبحانه وتعالى الولي أن يعضل موليته أن ترجع إلى زوجها، والعضل هو حبس المرأة أن تعود إلى زوجها من الشدة عليها والألم. ورجوعها إلى زوجها الأول أولى من اختيار زوج جديد؛ لمعرفتها بالأول واطلاعها على طباعه. ونهي الولي عن العضل دليل على اشتراط الولي في النكاح وأنه: (لا نكاح إلا بولي). ثم ذكر الله أن من يوعظ بآيات الله ويخالف هوى نفسه أن ذلك هو المؤمن. ثم ذكر الله أنه عالم بعلل تلك الأحكام بخلاف الإنسان فإنه لا يدرك كل ذلك فقال تعالى: (والله يعلم وأنتم لا تعلمون).
قوله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن)
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد : ‏
 علل الأحكام وتشريعها
قال: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة:232]، في هذا إشارة وحكمة بليغة أن العلل التي يربط الله عز وجل فيها مثل هذه الأحكام لا يدركها الإنسان ببصيرة عابرة، والله جل وعلا يعلم من حكم تشريعه، وعلل حدوده ما لا يدركه الإنسان، ولهذا نجد أن الله سبحانه وتعالى حينما يذكر أمور النساء، صلة الرجال بالنساء، وكذلك في أمور النكاح والتزويج والعودة؛ يكل الله عز وجل ذلك إلى علمه وحكمته، يعني: أن العلل لو بينها الله عز وجل لم تتسع عقول الناس لإدراكها، ربما لبعدها توقعاً في ظنهم عن الحدود، ولكن الله عز وجل أجملها. وفي هذا إشارة إلى مسألة مهمة وهي: أن علل الشريعة وأحكامها ينبغي ألا تكون محل غلو بالبحث، فإن ذلك يضعف جانب التسليم، وذلك أن الإنسان إذا أراد أن يبحث في كل حكمٍ علة، فإنه حينئذٍ يتوقف عند المسائل التي لا يجد فيها علة ويضعف انقياده لها، ولهذا الصحابة عليهم رضوان الله إنما بلغوا ما بلغوا من مرتبة العلو في الإيمان، وبلغ أبو بكر مرتبة الصديقية؛ لأنه لما تيقن بصدق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه سلم بما يأتي به، علم العلة أو لم يعلمها، وقد توسع في هذا الباب كثير من الفقهاء والأصوليين بالبحث عن العلل والتوسع في ذلك، والتوسع في علل لم ينص عليها الشارع، وأوغلوا في ذلك، وبعد إيغالهم في هذا أوجدوا عللاً ليست منصوصة مستنبطة، ثم قاسوا على هذه العلل المستنبطة، ثم بعد ذلك أصبح القياس ضعيفاً، فإذا بهم يكتشفون ذلك بعد جيل أو جيلين، وهذا يظهر في كل علة مبحوثة ليست مستنبطة، يظهر ضعفها ولو بعد جيل، ولهذا نجد في مسألة النهي عن الأكل في آنية الذهب والفضة ولبس الرجال لها، بعض الفقهاء يعلل بعلة يقول: إن الشارع إنما نهى عن ذلك بسبب حاجة الناس إلى النقدين، فنهى الشارع عن ذلك، وهذه العلة في الشريعة ليست منصوصة بتمامها، وواجب على الناس التسليم، فإذا أخذنا هذه العلة وثبتناها كما يشير إلى هذا بعض الفقهاء من الشافعية والمالكية، فإن العلة إذا كانت لديهم مقام النص، فعليهم بعد استغناء الناس عن النقدين من الذهب والفضة كما في زماننا من جهة الورق، فتضعف تلك العلة، ويجوز للإنسان أن يأكل في آنية الذهب والفضة، وكذلك للرجال أن يلبسوا حلي الذهب والفضة، ولانتفاء العلة.وقد توسع في هذا، ألف الحكيم الترمذي رسالة في العلل، وليس العلل في الحديث، ولكن في علل الأحكام، وتوسع توسعاً كثيراً في أمور العبادات، فجاء في أمر العبادة حتى العلة في وضع الأصابع في الصلاة، ووضعها في الصدر ما هو العلة؟ والركوع ما هي العلة منه؟ واعتدال الظهر وغير ذلك، مبالغات طويلة وعريضة، وهذه العلل لم تكن منصوصة في الشريعة، ما نصت عليه الشريعة فيأخذ مسلم به وما لم تنص عليه يأخذه الإنسان استئناساً، ولهذا الله جل وعلا اكتفى بالإجمال هنا: ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة:232]، يعني: مهما بحث الإنسان من علل فلن يدركها ولو أدركها لاستنكرها؛ لأن الله عز وجل يقلب الأحوال ويغيرها، وربما تنقلب الحال من حال إلى حال، ولا يدرك الإنسان أن هذه يمكن أن تكون بمثل هذا، فالذي جعل شجر الحنضل مع مرارته إذا تناولته البهيمة خرج لبناً صافياً لحكمة وقدرة إلهية، فالله جل وعلا يخرج من الأعمال آثاراً لا تخطر في بال الإنسان، ولهذا أمر الله عز وجل الإنسان بالتسليم، بيَّن له الحكم، وبين له الأثر الذي عليه، هو الزكاء والطهارة، أما العلة فتوقف؛ لأنك لا تدرك مثل هذه الأمور، وربما كان الإضمار للعلة فيه إفساد بين الولي وموليته، فربما من العلل من أمور الفساد ما لو ذكره الله عز وجل لأخذ الولي ابنته بالظنة، ربما تفسد أو ربما تفجر، أو نحو ذلك، فجاء الله عز وجل بهذا الإجمال الذي يشمل جميع المصالح الشرعية ويدع في ذلك المفاسد، وكفى بذلك غاية وحكمة. ونفي العلم هنا وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة:232]، أي: أن العلة الموجودة في هذا الحكم لا تدركونها ولا يمكن أن تدركوها، ولو توسع الإنسان وأدام النظر، والتأمل فلن يصل إلى ما بينه الله سبحانه وتعالى، وما يعلمه الله جل وعلا من أحوال وتقلبات.أسأل الله سبحانه وتعالى لي ولكم التوفيق والسداد والإعانة. ونرجئ الكلام على آية الرضاع لوجود مسائل كثيرة متعلقة فيها، أسأل الله عز وجل لي ولكم التوفيق والإعانة إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد...

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير آيات الأحكام [34] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net