اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , اعتقاد سفيان الثوري [6] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


اعتقاد سفيان الثوري [6] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
على المسلمين أن يجاهدوا وأن يصلوا خلف إمامهم سواءً كان براً أو فاجراً أو مبتدعاً ما أقام في المسلمين الصلاة، وإنما قيد الأمر بالصلاة؛ لأنها غالب ما يظهر من إيمان الناس من جهة الأمور العملية الظاهرة, بخلاف الأمور الاعتقادية الباطنة التي لا تظهر.
من لوازم نفي القدر
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فقد تقدم الكلام على مسألة القدر ومشيئة الله جل وعلا، وبين المصنف رحمه الله أن نفي القدر لم يقل به سائر الطوائف حتى إبليس الذي احتج بقدر الله عز وجل وإن كان قد غلا في ذلك، والطريقة التي كان عليها أهل الضلال من نفاة القدر وما التزموه من لوازم كانت مخالفة لطريقة واعتقاد أهل النار واعتقاد أهل الجنة وإبليس وغيرهم، وهذا باب حسن من أبواب المناظرة, والإنسان إذا أراد أن يحاجج خصماً من خصومه فعليه أن ينظر إلى من هو أبعد منه في الضلال، ويقول له: حتى هذه الطائفة لم تقل بقولك، وهذا من وجوه المحاججة، وكذلك أن يسترسل معه في لوازم ذلك القول الباطل، ويأتي بالأنواع التي لا يقول بها.وثمة أنواع قد تقدمت الإشارة إليها في مسألة لوازم نفاة القدر، وقد ذكرنا جملة من تلك اللوازم التي يجب عليهم أن يقولوا بها، فمن قال: إن الله عز وجل يجبر العباد على شيء من أفعالهم، وأنه لا مشيئة لهم، فيلزم من ذلك إبطال العقاب، فكيف يؤمر الإنسان بشيء لا يريده ثم يعاقب عليه، فإن هذا لا يكون من عدل الله عز وجل، فالله جل وعلا قد حرم الظلم على نفسه، وجعله بين العباد محرماً. ومن لوازم نفي القدر: نفي كثير من الصفات؛ كغضب الله عز وجل وسخطه وعقابه وغير ذلك, والتي هي نتاج فعل بعض العباد في مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى، وإذا قلنا: إن الله عز وجل لم يجعل للعبد مشيئة؛ فإنه يلزم من ذلك أن الله عز وجل لا يغضب على من أكره من عباده على شيء لا طاقة له به، وهذا من اللوازم الفاسدة التي لا يلتزمها كثير من أهل الضلال.
 

نفي أهل الجنة والنار للجبر
قال المصنف رحمه الله: [ وقال أهل الجنة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ[الأعراف:43]، وقال أهل النار: غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ[المؤمنون:106] ].أراد المصنف رحمه الله في إيراده لقول أهل الجنة وقول أهل النار أن يبين أنه لا توجد طائفة من الطوائف قد استدلت على أن الله عز وجل قد أجبرها على الضلال الذي هي فيه، فأوجبت بدخولها النار، يعني: أنهم خارجون حتى عن جمهور أهل النار مع كونهم كفروا بالله سبحانه وتعالى.ونحن نقول: إن القرآن غائي, بمعنى: أنه يأتي بمجموع وغايات المعاني، ولا يأتي بتفصيلها، ومعنى (غائي) في كلام العلماء: أن القرآن لا يأتي بجزئيات وفرعيات يسيرة, وإنما يأتي بمجموع مسائل، وقد أشار إلى هذا غير واحد من العلماء, ويكفي في ذلك ما جاء فيه جملة من النصوص من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أن القرآن كلي.وللنبي صلى الله عليه وسلم جملة من الأحاديث الكلية التي يندرج تحتها عدد لا يحصى من المعاني من فرعيات الدين، والعلماء يتفقون على أن معاني القرآن غائية؛ ولهذا لم يأت فيه تفصيل ركعات الصلاة, وجزئيات الأذكار، وتفاصيل الزكاة من جهة المقادير والأنصبة وغيرها، فإن هذا إنما كان في السنة.إذاً: معنى الغائية في القرآن أن يأتي بالدلالات البعيدة، وأقصى ما يمكن أن يستدل له, والإنسان إذا تجاوز تلك الغاية التي في القرآن ضل، وأما ما دونها فإنه يأخذها من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.والتفصيل الذي وصف به القرآن من تبيانه لكل شيء إنما كان ذلك للمفارقة والمفاصلة بين غاية الإسلام وأول الضلال والزيغ، وهذا هو المراد بتبيان القرآن، وبيان مجموع الأصول وعدم تفويت شيء منها.والسنة مقامها في بيان القرآن إما أن تكون مبينة لمجمل ما جاء في القرآن، وإما أن تكون مخصصة له، وإما أن تكون ناسخة له أو مؤكدةً له. وأما طريقة أهل النار فذكروا أن الذي غلبت عليهم شقوتهم، وهذه الشقوة التي طرأت عليهم يراد بها معنيان:المعنى الأول: أن الله عز وجل قدر عليهم هذه الشقاوة، فلا يمكن لهم أن ينصرفوا عنها، فيكون ذلك كاحتجاج إبليس. المعنى الثاني: أن الذي غلبهم على ذلك هو عمل الباطل؛ فكأنهم ألحقوا الغاية بأسبابها، وهذا أمر سائغ، وقد جاءت النصوص في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بإلحاق الأعمال بأسبابها؛ كقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لعن الله من سب أباه، قالوا: يا رسول الله! ويسب الرجل أباه؟ قال: نعم, يسب الرجل أبا الرجل فيسب الرجل أباه )، والمراد بذلك عن طريق اللزوم، ومعلوم أن العبادة على طريقين: إما على طريق الشقاوة أو طريق السعادة، وقد جاء هذا في كثير من آيات القرآن وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويدل هذا على أن المراد بذلك المعنيين، وهي الشقاوة القدرية التي قدرها الله عز وجل على الناس, ويراد بها أن أفعالهم قد أوقعتهم في ذلك, وهذا نظير أنهم لم يكونوا من المصلين، أي: أنهم قد اعترفوا أنهم قد خالفوا أمر الله سبحانه وتعالى.إذاً: هم يقرون بأن سبب دخلوهم النار هو عدم موافقتهم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا داخل في الأمرين، يعني: حتى أهل النار استدلوا بخلاف قول نفاة القدر, وإنما احتجوا على ضعف قدر الله عز وجل على وقوعهم في المعاصي.
 

احتجاج إبليس بالقدر وإثباته له
قال المصنف رحمه الله: [وقال أخوهم إبليس لعنه الله: ((رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي))[الحجر: 39]].أورد المصنف رحمه الله بعد ذلك قول إبليس ووصفه بأنه أخوهم وذكر اللعنة أيضاً، وقد تقدم الكلام على لعن إبليس، والمراد بإبليس هو من البلس، والمراد بذلك: الخروج عن الطاعة, وهو بمعنى: الشيطان، يقال: شطن فلان، أو فلان شيطان، أي: أنه خارج عن العادة, فهي لا تكون صفة ذم إلا لما غلبت في إلحاقها على الشياطين المردة، وغلبت على الاصطلاح، وأما في لغة العرب من جهة الأصل فالمراد بذلك: الخروج عن العادة؛ وبعض العلماء يصفون بعض الأشخاص الذين يخرجون عن العادة من جهة حدة ذكائهم، أو قوة إدراكهم، أو حفظهم، أو كرمهم ونحو ذلك، بقولهم: فلان شطن, يعني: خرج عن طريق الناس، وقد وصف شعبة بن الحجاج أحد الرواة بأنه شيطان، يعني: أنه يحفظ ما لا يحفظه غيره، فخرج عن نسق الناس.وهنا في قول إبليس: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي [الحجر:39]، يعني: بما قدرت علي، فأثبت قدر الله عز وجل، ولكنه غلا في ذلك فاحتج بالقدر على الاستمرار في المعصية.
 

الصلاة خلف البر والفاجر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ يا شعيب! لا ينفعك ما كتبت حتى ترى الصلاة خلف كل بر وفاجر]. ‏
 أدلة الصلاة خلف كل بر وفاجر
وهذه اللفظة في قوله: (الصلاة خلف كل بر وفاجر) يأخذها أئمة الاعتقاد من بعض الأحاديث التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومن ذلك ما جاء عند الطبراني وغيره من حديث مكحول عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( صلوا خلف كل بر وفاجر )، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً بلفظ آخر أنه قال: ( صلوا خلف كل من يقول: لا إله إلا الله )، وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الدارقطني من حديث الحارث عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أصل الإسلام الصلاة خلف كل بر وفاجر )، وهذه الأحاديث كلها ضعيفة, وقد قال الدارقطني رحمه الله: (ليس في الباب شيء يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم), وإنما أخذوه من جملة معانٍ كثيرة، وأما هذا اللفظ فيأخذونه ويستدلون به بهذا المنطوق الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم, وأما معناه فهو متقرر في ظواهر الأدلة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بقاء الجهاد ومضيه إلى يوم القيامة
قال المصنف رحمه الله: [والجهاد ماض إلى يوم القيامة ]. ‏
 أنواع الجهاد
والجهاد على نوعين: جهاد باللسان، وجهاد بالسنان، وقد قال الله سبحانه وتعالى: جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة:73]، وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان:52].والجهاد المذكور في هذه الآية داخل فيه الجهاد باللسان؛ وذلك أن الله سبحانه وتعالى قال: وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان:52]، والمراد بالجهاد هنا هو الجهاد باللسان؛ لأن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة قبل ورود آيات السيف.والمجاهدة والمقارعة بالحجة وباللسان وبيان الحجج من أعظم الجهاد.وفي قوله: وَجَاهِدْهُمْ بِهِ [الفرقان:52]، أي: بالقرآن، وكذلك بالسنة التي هي قسيم القرآن، وكذلك نقض أقوالهم بالأدلة من الكتاب والسنة وببعض الأدلة العقلية التي جاء القرآن والسنة بكثير من أمثلتها.وأما النوع الثاني: جهاد السنان، والمراد بذلك هي: الرماح والسيوف والنبال وغير ذلك، وهذا الجهاد يدخل في قول الله جل وعلا: جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ [التوبة:73]، فالكفار يجاهدون بالسنان، والمنافقون يجاهدون باللسان في الغالب؛ لأنهم يسرون, وقد تكون مجاهدة المنافقين بإقامة الحدود عليهم.وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن جرير الطبري من حديث علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس في قول الله جل وعلا: جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة:73]، أنه قال: (جهاد الكفار بالسنان، وجهاد المنافين باللسان)، وجاء في حديث عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه أنه قال: (جهاد المنافقين ألا تظهر منهم معصية إلا أقيم عليهم الحد)، والمراد بذلك: أن المنافقين الذين يكونون بين ظهراني المسلمين إذا ورد على ألسنتهم بعض الفلتات في مخالفة أمر الله، فيجب أن يقام عليهم الحد كسائر المخالفين في زمن الصحابة, وزمن أئمة الإسلام ممن يظهرون البدع كالباطنية وغيرهم.ولولي أمر المسلمين -إذا كان من أهل العقل والرجاحة وأهل العلم والمعرفة والديانة- أن يسقط عن أحد حداً بعينه إذا رأى في ذلك مصلحة للإسلام؛ كبعض المنافقين الذين يعتضدون ببعض الكفار في حال ضعف المسلمين, أو يخشى أن يكون ذلك أثراً لتشويه صورة الإسلام، فقد أسقط النبي صلى الله عليه وسلم الحد على من كفرهم الله عز وجل وأظهر أمرهم من المنافقين الذين أظهروا النفاق حال رجوعه صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، وكذلك عن بعض المنافقين الذين ظهر النفاق في بعض أقوالهم كما في قول الله عز وجل: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ [آل عمران:118].ومن أظهر شيئاً من أقوال الكفار فينبغي أن يقيم بالعدل, وينظر في ذلك إلى صالح المسلمين وقوة المشركين في ذلك.وبالاتفاق أن المنافقين لا يتخذون بطانة، ولا تظهر لهم شوكة، ويجب أن يبعدوا عن التأثير على الناس، وأما أن يظهروا للناس، ويظهر النفاق على ألسنتهم، ويقال: نسقط الأحكام عنهم حتى لا تشوه صورة الإسلام أو لا يعتضدوا بغيرهم، ثم بعد ذلك لا يجاهدون، فإن هذا لا يصح من جهة العقل، ولا يمكن أن يقبل من جهة تلازم هذا وهذا، وأما أن يهمش وأن يبعد عن تشويه دين الله عز وجل ويسقط مع ذلك الحد عنه فهذا يمكن أن يقال بقبوله.وجهاد السنان على نوعين: جهاد طلب، وجهاد دفع، وجهاد الدفع لا خلاف فيه عند العقلاء في سائر عقائدهم ومذاهبهم, وحتى الزنادقة والملاحدة لا يخالفون في هذا الأمر، وأما جهاد الطلب فقد اشتهر نفيه عند المتأخرين خاصة من تأثر بالأفكار اللبرالية.
الصبر على السلطان الفاجر
قال المصنف رحمه الله: [ والصبر تحت لواء السلطان جار أم عدل ]. ‏
 الصلاة خلف غير السلطان
وأما قوله: (وأما سائر ذلك فأنت مخير ألا تصلي إلا خلف من تثق به) لأن الإنسان يستطيع الاختيار بألا يصلي خلف إمام هذا المسجد، أو يصلي خلف إمام مسجد آخر، ولا يظهر للناس الانشقاق بين المسجدين؛ لأن لكل مسجد رواده.وفي قوله: (أنت مخير) هل الخيرة هنا بين إمامٍ مبتدعٍ فاسقٍ وإمام ليس بفاسق على حد سواء؟ نقول: لا. فمسألة التجويز أمر، ومسألة الأفضلية أمر آخر، ولكن هنا يذكر مسألةً من مسائل العقيدة، ومستوى الاختلاف في ذلك عالٍ، فلا حرج عليه أن يذكر في سياقه مسألة فرعية؛ لأنه لا يتكلم على قضايا المفاضلة في العبادات، وإلا فينبغي للإنسان أن يختار إماماً أصلح من غيره.
أسباب المفاضلة بين المساجد
بالنسبة للجماعات، فإن الجماعات تفضل بأسباب، منها: فضل المسجد الذي يصلى فيه، والمساجد الفاضلة التي يصلى فيها على وجوه:منها: المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى.ومنها: أن المسجد القديم أفضل من المسجد الحديث، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرصون على الصلاة في المسجد الأقدم؛ كما جاء عن أنس بن مالك عليه رضوان الله، فعن ابن سيرين أنه قال: (كنت مع أنس بن مالك -عليه رضوان الله تعالى- أمشي, فإذا مررنا بمسجد وقلت: إنه حديث. تجاوزه إلى غيره، وإذا قلت: إنه قديم. صلى به).فإذا كان المسجد مثلاً عمره خمس سنوات فإنه أولى بالصلاة من المسجد الذي عمره سنتان؛ والله أعلم بمسألة العلة في ذلك، ولكن من العلماء من يستنبط ذلك من قول الله عز وجل: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ [التوبة:108]، فقال: الأقدم الذي له الأولية أولى من المسجد الذي يكون متأخراً من جهة الصلاة فيه.ومن أسباب المفاضلة بين المساجد: كثرة الجماعة، فالمسجد الذي به جماعة كثيرة يقدم على غيره؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( صلاة الرجل إلى الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاة الرجل إلى الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل )، فكلما كثرت الجماعة زاد الفضل والأجر. ومن معايير المفاضلة أيضاً: فضل الإمام على غيره، ونحن نعلم أن الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان الرجل خلفه واحداً أولى من صلاته مع غيره، وكذلك الذي يصلي خلف عالم يأتي بسنن النبي صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً ويقتدي به أولى من الصلاة مع غيره ممن يقصر في السنن أثناء الصلاة ولو كثرت الجماعة معه.
 الصلاة خلف غير السلطان
وأما قوله: (وأما سائر ذلك فأنت مخير ألا تصلي إلا خلف من تثق به) لأن الإنسان يستطيع الاختيار بألا يصلي خلف إمام هذا المسجد، أو يصلي خلف إمام مسجد آخر، ولا يظهر للناس الانشقاق بين المسجدين؛ لأن لكل مسجد رواده.وفي قوله: (أنت مخير) هل الخيرة هنا بين إمامٍ مبتدعٍ فاسقٍ وإمام ليس بفاسق على حد سواء؟ نقول: لا. فمسألة التجويز أمر، ومسألة الأفضلية أمر آخر، ولكن هنا يذكر مسألةً من مسائل العقيدة، ومستوى الاختلاف في ذلك عالٍ، فلا حرج عليه أن يذكر في سياقه مسألة فرعية؛ لأنه لا يتكلم على قضايا المفاضلة في العبادات، وإلا فينبغي للإنسان أن يختار إماماً أصلح من غيره.
إثبات اليدين لله عز وجل
قال المصنف رحمه الله: [ يا شعيب بن حرب ! إذا وقفت بين يدي الله عز وجل].قوله هنا: (وقفت بين يدي الله عز وجل) فيه إثبات صفة اليدين لله سبحانه وتعالى، وهذا ظاهر في كثير من مواضع الآي في القرآن، وفي سنة سول الله صلى الله عليه وسلم، فلله عز وجل يدان، وقد قال الله عز وجل: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64]، ولله جل وعلا يدان، وكلتا يديه يمين، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن المقسطين على منابر من نور على يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين ).وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى أنه قال: ( يطوي الله عز وجل السماوات بيمينه والأرضين بشماله ).لكن هل نقول: بإثبات صفة الشمال لله سبحانه وتعالى؟نقول: هذه الرواية جاءت في صحيح الإمام مسلم من حديث عمر بن حمزة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تفرد بها عمر بن حمزة ، وقد خالفه غيره ممن روى هذا الحديث، فقد رواه نافع عن عبد الله بن عمر ، وروي عن نافع من طرق، ورواه أيضاً عبيد الله بن مقسم عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ( ويطوي الأرضين بيده الأخرى )، وما قال: بشماله، واللفظ (بيده الأخرى) أصح من شماله، وهذا يوافق ما جاء في الخبر السابق في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وكلتا يديه يمين ).إذاً قلنا بعدم الشمال أولاً لضعف الرواية حيث تفرد بها عمر بن حمزة , وربما ذكرها على سبيل التجوز والإفهام، أو رواية بالمعنى فيما يظن، والرواية الأخرى أصح؛ ولأنه يتبادر إلى ذهن الإنسان أن ثمة فاضلاً ومفضولاً بين اليدين، والعرب تقول للإنسان الكريم والسخي والذي لا يعرف عنه زلة وهفوة: كلتا يديه يمين، وقد قالها الفرزدق في بعض أشعاره. والعلماء من أهل السنة انقسموا في ذلك على قولين: القول الأول: منهم من يقول: إن لله سبحانه وتعالى يدين، وكلتا يديه يمين، وذكر الشمال لا يثبت ولا يقولون به، وهذا قول الجماهير.القول الثاني: يقولون: لله عز وجل يدان، يمين وشمال، ويثبتون الشمال، ويقول بهذا أيضاً جماعة من أهل السنة، وهو قول سائغ بسبب صحة الرواية، ولكنهم يتفقون أيضاً في المعنى مع الطائفة الأولى، ويقول بهذا عثمان الدارمي و أبو يعلى الفراء ، ومن المتأخرين الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله, أي: بإثبات الشمال لله سبحانه وتعالى مع اتفاقهم مع القول الأول بأن الله عز وجل من جهة صفاته كلها على الكمال، ولا يطرأ عليها شيء من النقص، تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً.
 الصلاة خلف غير السلطان
وأما قوله: (وأما سائر ذلك فأنت مخير ألا تصلي إلا خلف من تثق به) لأن الإنسان يستطيع الاختيار بألا يصلي خلف إمام هذا المسجد، أو يصلي خلف إمام مسجد آخر، ولا يظهر للناس الانشقاق بين المسجدين؛ لأن لكل مسجد رواده.وفي قوله: (أنت مخير) هل الخيرة هنا بين إمامٍ مبتدعٍ فاسقٍ وإمام ليس بفاسق على حد سواء؟ نقول: لا. فمسألة التجويز أمر، ومسألة الأفضلية أمر آخر، ولكن هنا يذكر مسألةً من مسائل العقيدة، ومستوى الاختلاف في ذلك عالٍ، فلا حرج عليه أن يذكر في سياقه مسألة فرعية؛ لأنه لا يتكلم على قضايا المفاضلة في العبادات، وإلا فينبغي للإنسان أن يختار إماماً أصلح من غيره.
ثقة سفيان الثوري بعقيدته التي حدث بها
قال المصنف رحمه الله: [فسألك عن هذا الحديث فقل: يا رب! حدثني بهذا الحديث سفيان الثوري ، ثم خل بيني وبين ربي عز وجل ].في هذا أن أول ما يسأل عنه الإنسان مسائل العقائد, وأن الله عز وجل يقر العبد على ما يعتقده في خالقه سبحانه وتعالى، وأنه يسأل على سبيل الانفراد، فما من أحد من العباد إلا والله عز وجل سائله ومقره بذنبه وحده، فإن كان خيراً فخير، وإن شراً فشر.وقوله: (فسألك) يعني: إذا سألك الله عز وجل عن هذا الحديث (فقل: يا رب! حدثني بهذا الحديث سفيان الثوري ) أي: أن الإنسان ينبغي أن يتجرد ويبتعد عن التقليد، وإنما يأخذ بحديث غيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال: (حدثني بهذا الحديث سفيان الثوري ) لأن سفيان لم يقل هذا القول، وإنما ذكر حديثاً، وما ذكر قوله، فإذا كان قولاً له فلا يكون تحديثاً. ثم قال: (ثم خل بيني وبين ربي عز وجل) في هذا إشارة إلى عظم القناعة واليقين في مسائل العقائد عند أولئك القوم من السلف، أي: أنه خل بيني وبين الله، فأنا سأجيب الله عز وجل بسندي إلى محمدٍ عليه الصلاة والسلام، فإن كذب علي فيتحملها من حدثني بذلك، وإن صدق نجوت ونجا، وإن كذب نجوت وهلك.وينبغي للإنسان أن يعتمد في مسائل الدين والعقائد على أهل المعرفة والثقة والديانة والصدق والإيمان الخالص، وأن يبتعد عن أهل الجهالة. وفي هذا أيضاً عظم عناية السائل -وهو شعيب بن حرب - في سؤاله لـسفيان ، واستيثاقه له، وقد شعر بذلك سفيان الثوري بذلك حينما أكده فقال: (هذا توكيد وأي توكيد) وبدأ بذلك، ثم جاء بعد ذلك في ختام هذا الأمر بقوله: (ثم خل بيني وبين ربي)، يعني: أني سأجيبه عن ذلك. وفي هذا أيضاً ينبغي للعالم أن يستشعر أنه مسئول بين يدي الله سبحانه وتعالى عن العلم الذي يقوله للناس وما يبلغه، سواءً كان حقاً أو باطلاً، فإن كان حقاً فليبشر بالفوز إذا كان مخلصاً لله عز وجل، وإذا كان كاذباً أو مبتدعاً عن علم وبينة، أو مقصراً في تحقيق الحق مع إنكاره بالوقوف على الحق بعينه، فإنه محاسب على ذلك، ولكن لما كان سفيان الثوري على يقين وبينة قال: (ثم خل بيني وبين ربي)، يعني: أني سأحدثه بالحجة. وينبغي للعالم أيضاً أن يعرف الدليل في كل مسألة، وهذا ظاهر في قول سفيان من جهة معرفة الدليل، فكما أن ذلك الرجل -وهو شعيب بن حرب - سيسأل عمن حدثه، فسيقول: سفيان ، فـسفيان حاله كحال شعيب بن حرب ، ولا فرق بين العباد بين يدي الله جل وعلا، فكل مسئول عما كسبت يمينه وعما اعتقد؛ ولهذا قال: (خل بيني وبين ربي).ثم قال: (وحسبنا الله ونعم الوكيل) المراد بذلك أن الإنسان في أمثال هذه المواقف واستحضار الأمور العصيبة ينبغي أن يقول: (حسبنا الله ونعم الوكيل)، وهذا في المواقف التي يجد الإنسان فيها صعوبة، سواءً كان الذي يسائله في ذلك من أهل الفضل والعظمة؛ كمقام الإنسان بين ملك عدل في الأرض، أو بين نبي مرسل، فضلاً أن يكون السائل هو الله سبحانه وتعالى، فينبغي أن يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل.وكذلك أيضاً إذا أعد له الخصوم من أعداء الله جل وعلا من المنافقين أو الكفرة العدة، فليقل كما أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم؛ إذا جمعوا له الناس الجمع أن يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، فإن ذلك اتكال على الله عز وجل واعتماد عليه أي اعتماد، ومن كان كذلك فإن الله عز وجل عضيده وأنيسه ومعينه، ومن توكل الله عز وجل فهو حسبه. ونكتفي بهذا القدر، ونكون بهذا قد انتهينا من عقيدة سفيان الثوري ، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علمنا! وأن يسددنا وأن يجعلنا ممن يستمع القول ويتبع أحسنه! وأن يأخذ بنواصينا إلى البر والتقوى! وأن يسلك بنا منهجاً قويماً وصراطاً مستقيماً! إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
 الصلاة خلف غير السلطان
وأما قوله: (وأما سائر ذلك فأنت مخير ألا تصلي إلا خلف من تثق به) لأن الإنسان يستطيع الاختيار بألا يصلي خلف إمام هذا المسجد، أو يصلي خلف إمام مسجد آخر، ولا يظهر للناس الانشقاق بين المسجدين؛ لأن لكل مسجد رواده.وفي قوله: (أنت مخير) هل الخيرة هنا بين إمامٍ مبتدعٍ فاسقٍ وإمام ليس بفاسق على حد سواء؟ نقول: لا. فمسألة التجويز أمر، ومسألة الأفضلية أمر آخر، ولكن هنا يذكر مسألةً من مسائل العقيدة، ومستوى الاختلاف في ذلك عالٍ، فلا حرج عليه أن يذكر في سياقه مسألة فرعية؛ لأنه لا يتكلم على قضايا المفاضلة في العبادات، وإلا فينبغي للإنسان أن يختار إماماً أصلح من غيره.
الأسئلة

 التلازم بين إقامة الصلاة وإقامة الشريعة
السؤال: تقدم في الصلاة خلف أئمة الجور تقييد طاعتهم بما إذا أقاموا الصلاة، وجاء في نصوص أخرى ما عطلوا الشريعة، فما التلازم بين ذلك؟الجواب: الغالب بالسبر لأحوال الناس أن من ترك الصلاة ترك الشريعة، وانظروا وتأملوا أنه من لم يقم في المسلمين الصلاة فإنه في الغالب يعطل الشريعة، وهل تعلم إماماً يصلي بالناس الصلوات الخمس أو يشهد له بالصلوات الخمس ويترك الشريعة أو يعطلها؟! أنا لا أعلم أحداً من هذا الجنس, والله أعلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , اعتقاد سفيان الثوري [6] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net